مقدمة
لم تكن الليبرالية بنموذجها الكلاسيكي تُبدي تحفّظًا على دور الدولة في تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية وتوفيرها، بخلاف النيوليبرالية التي تنظر إلى التمتّع بهذه الخدمات، بما في ذلك التعليم والصحة، بوصفه مسؤولية فردية، ولا ترى ضيرًا في خصخصتها. النيوليبرالية، التي وجدت ضالّتها الفكرية في بدايات القرن العشرين المستمدة من مدرسة شيكاغو وطروحات ملتون فريدمان، وطبقت قواعدها العملية على نحو متسارع في ثمانينيات القرن العشرين، مع صعود رونالد ريغان في الولايات المتحدة الأميركية ومارغريت ثاتشر في المملكة المتحدة، قلّصت من دور الدولة إلى حدوده الدنيا. وأعادت صياغة القواعد الاقتصادية بطريقة تخدم أصحاب الدخول والثروات العليا على حساب الفئات الأخرى، من خلال إزالة القيود التنظيمية، خاصة في القطاع المالي، وخفض الضرائب على الشركات وذوي الدخول المرتفعة، وإضعاف النقابات العمالية، وتوجيه السياسة النقدية نحو مكافحة التضخم بدلًا من التركيز على تحقيق التشغيل الكامل[1].
يمرّ العالم اليوم بمرحلة مفصلية في مسار إعادة تشكيل منظومته الاقتصادية، تقودها الاقتصادات العالمية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة بوصفها القطب العالمي الأبرز سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا. فهذه التحولات، وإن كانت في جوهرها حصيلة تراكمية لتغيّرات أعادت رسم العلاقة بين الدولة والاقتصاد وجعلت النيوليبرالية موضع مراجعة وانتقاد، فإنها تكتسب اليوم زخمًا متسارعًا مع تسلّم الرئيس الأميركي دونالد ترمب السلطة من جديد. فقد أسهمت الأجندة ذات الطابع الحاد والتدخلي التي يتبناها ترمب في تسريع وتيرة هذه التحولات، بما يعكس انتقالًا أكثر وضوحًا نحو أنماط جديدة من تدخل الدولة في الاقتصاد، وإعادة تعريف دورها في توجيه الأسواق وتنظيمها.
أولًا: المسار التدريجي لتراجع النيوليبرالية
لا تعبّر التحوّلات الجارية في الأيديولوجيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بالضرورة عن قطيعة جوهرية مع الماضي، بقدر ما تعكس تغيّرًا في الشكل والوتيرة. فثمّة مجموعة من الاعتبارات والمعطيات تشير إلى حالة تنصّل متدرّجة من العقيدة النيوليبرالية، ليس فقط في الدول التي اضطرت إلى تبنّيها تحت ضغوط القوى الكبرى التي صاغت قواعدها وآلياتها، بل أيضًا في الدول ذاتها التي دشّنت هذا النموذج وروّجت له[2].
في المسار التدريجي لهذه التحولات، أسهمت جملة من العوامل البنيوية والسياساتية في تآكل ركائز النيوليبرالية وتراجع تماسكها. فمع إطلاق العنان للأسواق والشركات، للتحرك بحرية أوسع في الفضاءين المحلي والعالمي والحد من الضوابط التنظيمية والأدوار الاقتصادية والاجتماعية للدولة، التي كانت تجد لها حيّزًا مؤثّرًا في العقيدة الليبرالية، بدأت الفروق النسبية في الإمكانات والقدرات، الاقتصادية والتكنولوجية والمؤسسية، تفرض نفسها بوضوح على المشهدَين الاقتصادي والاجتماعي، سواء داخل الدول أو فيما بينها. وكان للانحياز إلى القطاع الخاص على حساب القطاع العام الدور الأكبر في دفع موجات الابتكار والتطور التكنولوجي الهائلة، التي شهدها العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وأسهم في تراكم ثروات غير مسبوقة و"انتشال" مئات الملايين من الفقراء لأن الطبقة الوسطى كانت، على الأرجح، الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ إذ لم تتمكّن من تحقيق نموّ أو تحرّر اقتصادي يوازي ما حققته الفئات الأكثر ثراء واستفادة، الأمر الذي أدى إلى تراجع موقعها الاجتماعي تدريجيًا، وجعلها أكثر عرضة للتآكل والتهميش في ظلّ هذه الديناميات.
ثانيًا: اللامساواة بوصفها نتاجًا بنيويًا للنيوليبرالية
خلال العقود الأربعة الماضية، تصاعدت حدّة عدم المساواة في الدخل في معظم الاقتصادات المتقدمة والناشئة الكبرى، وبصورة خاصة في الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا. ويُعزى جانب كبير من هذه التحولات إلى التغيرات والابتكارات التكنولوجية والرقمية العميقة التي شهدها العالم، والتي جاءت مدفوعة أساسًا بقواعد العولمة وإطلاق العنان للقطاع خاص بلا ضوابط كافية من الدولة؛ وهي ابتكارات اعتمدت، ولا تزال، على نحوٍ متزايد على العمالة العالية المهارة. وأسهمت هذه التحولات أيضًا في إعادة توزيع الدخل لمصلحة رأس المال على حساب الأجور (دخل العمل)، وعزّزت هيمنة الشركات الكبرى في أسواق تتسم بطابع "الرابح يأخذ كل شيء"، في حين أدّت التجارة ونقل الأنشطة الإنتاجية إلى الخارج إلى إضعاف فرص العمل والأجور بالنسبة إلى العمال ذوي المهارات المنخفضة. وبذلك، يتبيّن أن هذه التغيرات ذات طبيعة متحيّزة بنيويًا نحو النخب التعليمية والتقنية ومالكي الثروة ورأس المال، الذين يستحوذون أصلًا على حصة كبيرة من ثروات الأمم[3].
ففي عام 1980، بلغ نصيب أعلى 1% من السكان في توزيع الدخل بالولايات المتحدة نحو 10%، مقابل نحو 20% لأدنى 50% من السكان. غير أنّ هذا التوازن النسبي شهد تحوّلًا جذريًا خلال العقود التالية وحتى أواخر النصف الأول من العقد الحالي؛ إذ انعكست المعادلة وأصبح أعلى 1% من السكان يستحوذون على ما يزيد على خُمس الدخل القومي، في حين تراجعت حصة أدنى 50% منهم إلى نحو 10% فقط.
وفي كندا، ارتفعت حصة أغنى 10% من السكان من الدخل من قرابة 30% عام 1980 إلى نحو 34.6% عام 2018، في مقابل تراجع حصة النصف الأدنى دخلًا من نحو 22% إلى 17.8% خلال الفترة ذاتها. أمّا في ألمانيا، التي تُعدّ أقرب إلى نموذج دولة الرفاه الاجتماعي، فقد ارتفعت حصة أغنى 10% من السكان من 28.1% عام 1980 إلى 37.2% عام 2018، بينما انخفض نصيب النصف الأدنى دخلًا من نحو 24.5% إلى قرابة 19.2%.
وفي الصين، التي كانت في سبعينيات القرن العشرين من أكثر الدول عدالة في توزيع الدخل، ارتفعت حصة أغنى 10% من السكان من نحو 27.8% عام 1980 إلى قرابة 42.4% عام 2018، في حين تراجعت حصة النصف الأدنى دخلًا من 25.2% إلى نحو 14.2%؛ وهي تحولات تزامنت مع تبنّي الصين نهجًا أكثر انفتاحًا يقوم على تحرير الأسواق، وتسهيل حركة رأس المال والعمل، وتعزيز الملكية الخاصة.
وبوجه عام، فإن هذه الاتجاهات في توزيع الدخل تنطبق، بدرجات متفاوتة، على غالبية دول العالم، ولا سيما تلك التي اقتربت أكثر من قواعد النيوليبرالية والعولمة الاقتصادية. غير أن التحولات المشهودة في عدالة توزيع الدخل وازدياد حدّة التباين بين الأغنى والأفقر تزامنت، في الوقت ذاته، مع ارتفاعٍ مطّرد في متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في معظم دول العالم. ومع ذلك، فإن هذه المفارقة لا تغيّر من حقيقة أساسية مفادها أن تحسّن مستويات الدخل والمعيشة لا يضمن بالضرورة الرضا الاجتماعي أو القبول العام، إذا اقترن بتفاقم عدم المساواة وتراجع مكانة الطبقة الوسطى، بوصفها الحلقة الوسيطة التي توازن بين قطبي الغنى والفقر، وركيزة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وهي ظاهرة تجد تفسيرها في عدد من الطروحات النظرية في الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع الاقتصادي.
ويضاف إلى ذلك ما أثبتته الدراسات التطبيقية الحديثة من أن تفاقم عدم المساواة لا يقتصر أثره على العدالة الاجتماعية فحسب، بل يؤثّر أيضًا سلبيًا في معدلات النمو الاقتصادي وجودته واستدامته[4].
ثالثًا: تحيّز النيوليبرالية إلى الجدارة
لم يكن منظّرو النيوليبرالية أنفسهم لينفوا الحقيقة التي مفادها أن التحرر من الضوابط التنظيمية على الأسواق وعناصر الإنتاج سينجم عنه بالضرورة شكلٌ من اللامساواة التي بدت متلازمة بنيوية للنيوليبرالية ذاتها. فمع صعود الصناعة واتساع نطاق الديمقراطية، نشأت أيديولوجيا الجدارة بوصفها بديلًا من الامتياز الوراثي لتبرير استمرار التفاوت الاجتماعي. فقد احتاجت النخب إلى خطاب جديد، يحافظ على موقعها المهيمن في ظلّ توسّع حق الاقتراع؛ فجرى تأطير التفاوت على أنه انعكاس لاختلافات فردية في الكفاءة والقدرة، وليس نتاجًا للامتياز والموقع الاجتماعي. ومع توسّع التعليم العالي، تحوّلت الجدارة إلى أداة مركزية لإعادة إنتاج النخب، بما يؤكد أن التفاوت الاجتماعي هو في جوهره بناء أيديولوجي، يهدف إلى تبرير موقع الفائزين، أكثر مما يعكس عدالة حقيقية في الفرص. وقد شدد على هذه المقاربة، بصفة صريحة، العديد من منظّري الليبرالية، وعلى رأسهم الاقتصادي والمحافظ في عهد ملكية يوليو، تشارلز دونوير في كتابه الذي ألّفه عام 1845 بعنوان
حول حرية العمل، وقد عارض فيه بشدة جميع أشكال التشريع الاجتماعي الإلزامي، معتبرًا أن "أثر النظام الصناعي يتمثّل في القضاء على أوجه اللامساواة المصطنعة، من أجل إبراز اللامساواة الطبيعية فحسب"[5].
لعلّ السؤال المركزي الذي يُطرح في هذا السياق هو: هل كان تكافؤ الفرص المبني على الإمكانات والقدرات الذي بشّرت به الليبرالية، بمختلف تجلياتها، نتاجًا طبيعيًا لآليات السوق فعلًا؟ إن شواهد التجربة التاريخية والاقتصادية تدحض هذا التصور إلى حد بعيد. فالدول التي دشّنت المنظومة الليبرالية، ثم أعادت إنتاجها لاحقًا في إطار النيوليبرالية، لم تلتزم فعليًا بقواعدها النظرية الصارمة، ولم تكن آليات السوق الحرة وحدها مسؤولة عن إعادة توزيع الدخل والثروة وفق اعتبارات الكفاءة والإنتاجية. بل على العكس، أدّت الدولة دورًا محوريًا، على نحوٍ مباشر أو غير مباشر، في توفير الموارد والمعرفة والتكنولوجيا، وفي تطويع التشريعات والأطر التنظيمية بما يخدم توسّع الشركات والمؤسسات الخاصة ويعزّز قدرتها التنافسية.
تبيّن ماريانا ماتسوكاتو في كتابها
الدولة الريادية أن الحكومات أدّت دورًا مركزيًا وحاسمًا في دعم الصناعات ودفع عجلة الابتكار، ليس من خلال معالجة إخفاقات السوق Market Failures فحسب، بل أيضًا عبر صناعة الأسواق وتوجيهها بصورة مباشرة. فقد نشأت العديد من التقنيات الأكثر تحولًا في الاقتصاد الحديث مثل الإنترنت، ونظام تحديد المواقع، وأشباه الموصلات، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة المتجددة، والصناعات الدوائية المتقدمة؛ نتيجةً لاستثمارات عامة طويلة الأمد وعالية المخاطر، وقد كانت الشركات الخاصة مترددة في خوضها. ومن خلال مؤسسات البحث العام، وبنوك التنمية، والوكالات ذات المهمات الاستراتيجية، وأدوات المشتريات الحكومية، تحملت الدولة العبء الأكبر من المخاطر المرتبطة بعدم اليقين، واضطلعت بدور تنظيمي وتنسيقي بارز، وبنت الأسس التكنولوجية التي قامت عليها صناعات كاملة لاحقًا[6].
ولم يقتصر دور الدولة على العرض، بل امتد أيضًا إلى الطلب، حيث أدّت، ولا سيما في الولايات المتحدة، دورًا فاعلًا في توجيه الطلب المحلّي، بل العالمي، عبر سياساتها الخارجية ومؤسساتها الدولية، وعلى رأسها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. ودأبت الدولة على استخدام أدواتها المختلفة لإنشاء الأسواق وضمان استدامتها، فوفّرت برامج مثل العقود الدفاعية، والمشتريات الصحية، ومبادرات التحول الأخضر، باعتبارها مظلّةَ طلبٍ مستقرة مكّنت الشركات من توسيع نطاق الابتكار والاستثمار في الطاقة الإنتاجية بثقة أكبر.
دعونا نسلّم بأن دور الدولة الفاعل في توجيه الموارد وتمكين القطاع الخاص هو ليس مدعاة للضير، وإن كان هو كذلك من منطلق النيوليبرالية، لكن ما قد يعيب مثل هذه التدخلات هو آلياتها ومن تخدم. فكلما كان نطاق المستفيدين من هذه التدخلات أوسعَ وكانت وحدة التباين في المنافع التي يجنيها كلّ منهم أضيق، وجد لهذه التدخلات ما يبررها، والعكس صحيح. ولعلّ أحد أبرز المآزق التي وقعت فيها الرأسمالية المفرطة في إطارها النيوليبرالي يتمثّل في تضخّم دور الضغط السياسي Lobbying، بوصفه أداة رئيسة يستخدمها رأس المال للتأثير في السياسات العامة وتوجيهها بما يخدم المصلحة الخاصة. وعلى الرغم من كون الضغط السياسي يعدّ ممارسة مشروعة في العديد من الدول المتقدمة، ما دام يخضع لمعايير الشفافية ويمارس ضمن الأطر الديمقراطية لخدمة الصالح العام، فإن الإشكالية الأعمق تكمن في تحوّله، في كثير من الحالات، إلى نشاط غير معلن يجري بعيدًا عن الرقابة العامة. ووفقًا لما يبيّنه تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن هذا الشكل الخفي من الضغط لا يكتفي بالتأثير في القرار العام، بل يسهم أيضًا في إعادة هندسة القوانين والتشريعات والأطر التنظيمية بما يخدم مصالح مجموعات محدودة ذات نفوذ. وغالبًا ما يكون ذلك على حساب المصلحة العامة وتكافؤ الفرص؛ ما يؤدي في المحصلة إلى تقويض جوهر الديمقراطية الليبرالية وتحويلها إلى واجهةٍ شكلية لهيمنةٍ اقتصادية منظّمة[7].
وإلى جانب هذه الإرهاصات، أسهم التراجع عن الضوابط التنظيمية وإطلاق العنان للأسواق، بعيدًا عن الدور التصحيحي للدولة، في بروز احتكارات القلّة والاحتكارات المنفردة في قطاعات حيوية كقطاع التمويل، والإعلام، والطيران، والاتصالات. وهي شركات أتاح لها حجمها ونفوذها التعامل مع العملاء والمنافسين في ظلّ ضوابط أقل فاعلية.
لكنّ التمركز الأكثر إثارة للانتباه يتمثّل في الهيمنة المتصاعدة للشركات التكنولوجية، ولا سيما ما يُعرف بـ "الشركات السبع العِظام" The Magnificent Seven، التي باتت تمتلك قوة مالية استثنائية ونفوذًا واسعًا يمكّنها من التأثير في البيئة التنظيمية وصنع السياسات، بما يخدم مصالحها ويعزز موقعها المهيمن؛ وهو مسار قد يزيد من تعقيد مشهد اللامساواة، ويعمّق اختلال توازن القوة في الاقتصاد[8].
رابعًا: النيوليبرالية وتغافلها عن تكافؤ الفرص
في الوقت الذي ارتكزت فيه النيوليبرالية على الجدارة والكفاءة لضمان توزيعٍ فاعلٍ لعناصر الإنتاج ومكافأتها على دورها في العملية الإنتاجية، فإنها أغفلت إلى حدّ بعيد التفاوت في فرص الحصول على التعليم النوعي والخدمات الصحية والظروف المعيشية، وحتى المشاركة السياسية التي لها دور كبير في تحديد ماهية الجدارة[9]. ويكتنف هذه المسألة تباين كبير في مجتمعات الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، وإن كانت في الثانية أقل حدّة. وهذا ما تؤكده دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ إذ بيّنت أن الوضع الاجتماعي - الاقتصادي هو عامل محوري في تشكيل الفروق في مهارات القرن الحادي والعشرين؛ ذلك لأن الأطفال والبالغين المنحدرين من أسر أكثر امتيازًا يميلون باستمرار إلى امتلاك مستويات أعلى في مهارات القراءة والكتابة والحساب وحلّ المشكلات والمهارات الاجتماعية، وهي مهارات لها دور حاسم في تحديد آفاق الدخل المستقبلية للأفراد. وعليه، فالوصول إلى تعليم عالي الجودة والتعلّم المستمر يظلّ متباينًا اجتماعيًا؛ ما يعني أن نظم التعليم وأسواق العمل تميل، في غياب سياسات موجّهة، إلى إعادة إنتاج عدم المساواة في المهارات القائمة على الوضع الاجتماعي - الاقتصادي عبر الأجيال بدلًا من تقليصها[10].
ووفقًا لدراسة أعدّها صندوق النقد الدولي، حول أسباب تباين الدخول وتداعياته وغياب العدالة في توزيعها في مجموعة من الدول النامية والناشئة، فإن تحسّن المخرجات الصحية وتوسيع فرص الوصول إلى التعليم، إضافةً إلى السياسات الاجتماعية، وإن كان أثر الأخيرة أقلّ نسبيًا، تسهم بصفة ملحوظة في تعزيز عدالة توزيع الدخل وضمان فرص دخل أفضل للفئات الفقيرة والطبقة المتوسطة في هذه المجتمعات. وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن مرونة سوق العمل والعولمة المالية والتطورات التكنولوجية كان لها أثر سلبي في عدالة توزيع الدخل؛ وهي اعتبارات تُعدّ من السمات الملازمة للنموذج الليبرالي الاقتصادي[11].
خامسًا: الأزمات والصدمات بصفتها محركًا طارئًا
وفي مسار آخر للتفكك الجزئي لليبرالية، برزت الأزمات الاقتصادية والمالية المتلاحقة التي عصفت بطيف واسع من دول العالم، منذ تسعينيات القرن العشرين وخلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، بصفتها نتاجًا حتميًا للنهج الليبرالي بنسخه المتعددة. ولم تقتصر آثار هذه الأزمات على إثارة الجدل حول صلابة المنظومة الاقتصادية النيوليبرالية وقدرتها على احتواء الصدمات والتكيّف معها، أو حول دورها البنيوي في إنتاج الأزمات ذاتها، بل امتدّت لتشمل طبيعة التدخلات التي استدعتها تلك الأزمات، والتي شكّلت في جوهرها انقضاضًا مباشرًا على الأسس الفكرية والمؤسسية التي قامت عليها النيوليبرالية.
كشفت الأزمة المالية العالمية 2007-2008 بوضوح أن إطلاق العنان للأسواق والمؤسسات، ولا سيما المالية منها، من دون أُطر تنظيمية وضوابط فعّالة، يوفّر بيئة خصبة للسلوك القطيعي والمضاربات غير المنضبطة، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تحميل الفئات الأضعف تكلفة اختلالات الرأسمالية الجشعة. ودفعت هذه الأزمة أيضًا إلى عودة الدولة بقوة عبر أذرعها التنظيمية والرقابية، وفرضت عليها التدخل المباشر لإعادة ضبط الأسواق، واستعادة الثقة، واحتواء الانفلاتات التي عجزت آليات السوق وحدها عن معالجتها. بل إن طبيعة هذه التدخلات اتخذت طابعًا انقضاضيًا على بعض المسلّمات النيوليبرالية؛ إذ استدعت، في حالة الولايات المتحدة، استحواذ الحكومة على حصص ملكية في شركات كبرى، إلى جانب التوسّع في الضوابط والقيود التنظيمية التي طالما اعتُبرت، في الخطاب النيوليبرالي، من المحرّمات التي لا يجوز اللجوء إليها.
وقد كشفت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) أن الارتهان المفرط لحرية الأسواق وآلياتها، والانفتاح العالمي الذي تَأطّر ضمن مفهوم العولمة، وتراجع دور الدولة إلى الحد الأدنى، كلها عوامل جعلت الدول عاجزة عن احتواء تداعيات أزمة أحدثت تعطّلًا مفاجئًا وعميقًا في سلاسل الإنتاج، وأربكت الأسواق، وأربكت الديناميات التي قامت عليها العولمة بمختلف أشكالها. فقد بدت هذه الآليات عاجزة عن إعادة إنتاج ذاتها في ظلّ الصدمة. ولاحتواء تداعيات الأزمة، اضطرت غالبية دول العالم، وعلى رأسها الدول المتقدمة، إلى التوسع كثيرًا في إنفاقها الاجتماعي العام، الذي ارتفع في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى قرابة 23% في عام 2020.[12]
وفي الولايات المتحدة وحدها، معقل النيوليبرالية، أقرت الحكومة الفدرالية حزَم دعم مالي تجاوزت قيمتها 5 تريليونات دولار أميركي، شملت شيكات تحفيزية للأفراد، وتوسيع إعانات البطالة، ودعم الشركات الصغيرة، وتمويل قطاع الصحة ومراكز الفحص والتطعيم، وتوسيع الإعفاءات الضريبية للأطفال، إضافة إلى مساعدات لحكومات الولايات والحكومات المحلية. ونتيجة لذلك، ارتفعت العجوزات الفدرالية إلى 14.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 و12.4% في عام 2021، وهي أعلى مستويات منذ الحرب العالمية الثانية، وعلى إثرها قفز الدَين العام من 79% من الناتج في عام 2019 إلى 97% بحلول نهاية عام 2022[13].
سادسًا: الإرهاصات السياسية وصراع الهيمنة
مثّلت جائحة كورونا، ومن بعدها الحرب الروسية - الأوكرانية، تحولات ملحوظة في منظومة الاقتصاد السياسي التي تحكم عمل الاقتصادات الغربية الكبرى. فقد لجأت الدول الغربية إلى سياسات تتناقض في اتجاهاتها ومضمونها مع النهج النيوليبرالي، وحتى الليبرالي الأقل تحيّزًا إلى الملكية الخاصة، وإطلاق العنان للأسواق وحركة رأس المال والعمل، كسياسات إعادة توطين الإنتاج، والاستثمار في الرقمنة، والرعاية الصحية، والصناعات الخضراء، والبنية التحتية الحيوية، إضافة إلى تقليص الاعتماد على الطاقة الروسية من خلال تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في الإنتاج المحلي للطاقة. وينعكس هذا التحول في مبادرات كبرى مثل "قانون الرقائق والعلوم" CHIPS and Science وقانون خفض التضخم في الولايات المتحدة، إلى جانب الاستراتيجية الصناعية الخضراء للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك التحالف الأوروبي للبطاريات والصفقة الخضراء الأوروبية؛ ما يدل على انتقال أوسع من اقتصاد عدم التدخل Laissez-Fair إلى نموذج تنموي تقوده الدولة أكثر.
في الوقت الذي تتجه فيه الولايات المتحدة إلى سياسات تتعارض جذريًا مع قواعد الليبرالية بصيغتها النيوليبرالية، باتت ملامح انتقالها إلى نموذج أقرب إلى رأسمالية الدولة تتجسد عمليًا عبر جملة من الإجراءات والقرارات، من بينها السياسات الحمائية، وتشديد القيود على الهجرة، وتدخّل الدولة في تملّك حصص في شركات تُعدّها استراتيجية للأمن القومي، فضلًا عن إلزام الشركات التي تتمتع بحماية تنظيمية ومعاملة تفضيلية بالتنازل عن جزء من إيراداتها لصالح الدولة. وعلى الرغم من الجدل المحتدم حول مدى انسجام هذه السياسات مع المصالح الاقتصادية والسياسية الأميركية على المدى الطويل، فإن أبرز الإشكاليات التي قد تواجهها الولايات المتحدة، على الرغم من ابتعادها الملحوظ عن القواعد الليبرالية التقليدية، تتمثّل في انعكاس هذه التحولات على عدالة توزيع الدخل.
ولعلّ أبرز تجليات ذلك تكمن في التخفيضات الضريبية التي أُقرّت بموجب قانون "الكبير والجميل" The One Big Beautiful Act لصالح الفئات الأعلى دخلًا، في مقابل زيادات نسبية شملت الفئات الأقل دخلًا، إلى جانب تقليص الإنفاق الاجتماعي والانتقاص من بعض الحقوق العمالية. وهي سياسات يُنظر إليها من زاوية "الأوليغارشية" Oligarchy بوصفها مدفوعة، في جوهرها، بخدمة مصالح الفئات الأقرب إلى دوائر السلطة والنفوذ الاقتصادي[14].
إن التداعيات التراكمية لتطبيق المنظومة النيوليبرالية، بوصفها صيغة أكثر تحيّزًا ضد دور الدولة مقارنةً بالليبرالية الكلاسيكية، إلى جانب الأزمات والصدمات المتعاقبة التي واجهتها الدول المتبنية لها، وما رافق ذلك من لجوءٍ متكرر إلى خرق قواعدها نتيجة عجزها عن مجاراة الاحتياجات التنموية والاستراتيجية خلال العقود الأربعة الماضية، كلها عوامل أسهمت في إحداث تفكك جزئي في النظام الليبرالي السياسي Political Order الذي كان يؤطّر التوافق بين الفرقاء السياسيين في الولايات المتحدة ودول أخرى تبنّت النسخة الليبرالية المعاصرة. وتجلّى هذا التفكك في التراجع الجزئي عن بعض مسلّماته التقليدية المتصلة بالملكية الخاصة المطلقة، والتحرر التنظيمي غير المقيّد، والاعتماد شبه الحصري على آليات السوق، بل حتى التراجع عن الالتزام غير المشروط بحرية تدفّق السلع والخدمات عبر الحدود.
سابعًا: الشركات المملوكة للدولة والصناديق السيادية: أدوات لمواجهة إخفاقات السوق
ظلّ تدخّل الدولة في الاقتصاد عبر الشركات المملوكة للحكومات محلّ جدل واسع في العديد من التجارب الدولية، لا سيما فيما يتصل بكفاءتها، وقدرتها على الفصل بين أهدافها الاجتماعية والاقتصادية، ومدى التزامها بمنطق السوق وتحقيق الربحية، وبالتوازي مع الرفض القاطع للنيوليبرالية لولوج الدولة إلى المجال الذي تعتبره حكرًا على القطاع الخاص، فقد استمرت هذه الشركات في الحفاظ على حضور ملموس في كثير من اقتصادات العالم، وخصوصًا في جنوب آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا، بل حتى في عدد من الدول المتقدمة التي تتبنّى النيوليبرالية عقيدةً اقتصادية راسخة. وعلى الرغم من النظرة المتحفّظة، بل الامتعاضية، للنيوليبرالية تجاه هذا الدور، فإن تجارب عديدة تُظهر أن هذه الشركات استطاعت تحقيق إنجازات اقتصادية وتنموية، كان من الصعب على القطاع الخاص إنجازها بمفرده.
اليوم، بات عدد متزايد من الاقتصاديين والأدبيات المعاصرة يدعون إلى إعادة توظيف الشركات المملوكة للدولة أداةً استراتيجية، من أجل إعادة ضبط إيقاع الأسواق ومنح الاقتصاد دفعة تنموية، في ظلّ تراجع الثقة بكلٍ من النموذج النيوليبرالي والاقتصادات المخططة مركزيًا على حد سواء. واستنادًا إلى التجارب الآسيوية الناجحة، تتجه حكومات عديدة إلى الجمع بين آليات السوق وتدخل استراتيجي للدولة. وهذا ربما ينطبق أكثر على الدول النامية التي ما تزال تعاني عدم توافر المعلومات على النحو الذي تتطلبه المنافسة العادلة، وضعف المؤسسات، وانخفاض تقبّل المخاطر لدى القطاع الخاص؛ ما يحدّ من كفاءة التخصيص السوقي. وتُظهر التجارب أيضًا أن السوق الحر وحده لا يوفر الحوافز الكافية للاستثمارات ذات العوائد الاجتماعية (كالخبرة، والمهارات، والابتكار)، ولا يضمن التنسيق بين الاستثمارات المترابطة، ولا يمكّن المنتجين المحليين من الاندماج بفاعلية في سلاسل القيمة العالمية المتقدمة[15].
وبطبيعة الحال، فان التدخّل الفاعل والكفؤ للدولة، من خلال الشركات التي تملكها، لا يمكن أن يكون بمعزل عن الدروس المستفادة من التجارب الفاشلة لهذا النموذج في الاقتصادات المركزية والموجهة، بل يجب أن يُتناول في سياق منظومة متكاملة ورصينة للحوكمة، التي يفترض فيها أن تكافئ النجاح وتحققه، وأن تعاقب الفشل وتعالجه. وتحقيق ذلك لا يجب النظر إليه على أنه مسألة يصعب تحقيقها؛ فعلى سبيل المثال، استطاعت الصين القيام بإصلاحات جذرية في منظومة حكومة الشركات المملوكة للدولة، والتي تشكّل حيزًا كبيرًا من الاقتصاد الصيني، وتشكّل ملكيتها نحو 47% من الشركات المدرجة. وخلال العقدَين الماضيين تضاعفت حصة الشركات المملوكة للدولة بين أكبر الشركات في العالم تقريبًا نحو أربع مرات. واليوم، تضمّ قائمة أكبر 500 شركة مدرجة وغير مدرجة في العالم من حيث الإيرادات 126 شركة مملوكة للدولة؛ أي ما يقارب 25%، مقارنة بـ 34 شركة في عام 2000 و102 شركة في عام 2017. ذلك أن هذه الشركات تشغّل أكثر من 21.2 مليون شخص، وتمتلك أصولًا بقيمة 53.5 تريليون دولار، وتحقق إيرادات سنوية تبلغ نحو 12 تريليون دولار وأرباحًا سنوية بنحو 730 مليار دولار[16].
الصناديق السيادية وما في حكمها، كالصناديق التقاعدية، على الرغم من توجهها المتصاعد إلى الاستثمارات الخارجية في مشاريع وأنشطة متنوعة، فإنها لطالما اضطلعت بدور ملموس في استثمارات محلية لا تخلو من أهداف تنموية طويلة الأجل. فمعظمها يجمع بين أهداف مالية كتحقيق عوائد مستدامة، وحماية الثروة، وتعزيز الاستقرار المالي، وأهداف تنموية مثل التنويع الاقتصادي، وتطوير الصناعات، وبناء البنية التحتية، وإيجاد فرص العمل. يركّز بعض الصناديق، مثل صندوق مستقبل أستراليا وصندوق الأجيال في الكويت، بصفة أساسية على الادخار والاستدامة المالية، بينما تؤدّي صناديق أخرى مثل مبادلة في أبوظبي، وخزانة الماليزية، وسامروك-كازينا، دورًا أكثر نشاطًا في التنمية والتخطيط الاستراتيجي[17]. وبوجه عام، فقد دأبت هذه الصناديق على العمل، ليس فقط بصفة مستثمرين، بل بصفتها أدواتٍ للسياسة الاقتصادية الوطنية، ومن بينها النهوض بأنشطة يقصر القطاع الخاص عن الاستثمار فيها، إمّا لحجم الموارد المالية الضخمة التي تتطلبها، في بعض الحالات، أو لارتفاع مستوى المخاطر التي تكتنفها.
خلاصة: دروس مستفادة
1. النمو الاقتصادي مهم، لكن ليس على حساب عدالة التوزيع
تسعى الدول جاهدة للارتقاء بمعدلات نموها الاقتصادي، وهو هدف مشروع وضروري لا ينبغي التفريط به، غير أن إغفال كيفية استفادة مختلف الفئات السكانية من هذا النمو، ومدى عدالة تقاسم ثماره، قد ينطويان على مخاطر اجتماعية وسياسية جسيمة. فالتجاهل المتكرر لبُعد العدالة التوزيعية قد يولّد حالة متفاقمة من الاستياء وعدم الرضا، وقد يشكّل دافعًا قويًا لإحداث تحولات جذرية في النهج التنموي المتّبع. ولعلّ التصاعد الملحوظ في مستويات السخط والتشكيك في جدوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تبنّتها الدول الأكثر انفتاحًا على القواعد النيوليبرالية والتزامًا بها، على الرغم من نجاحها في توسيع حجم اقتصاداتها وريادتها في مجالات الابتكار والتكنولوجيا، يشكّل دليلًا دامغًا على أن إغفال بُعد العدالة في توزيع ثمار النموّ كان عاملًا محوريًا في هذا التململ الاجتماعي والسياسي.
2. العدالة في الفرص هي المدخل المستدام لضمان عدالة التوزيع
ترى الليبرالية أن الجدارة والكفاءة هما السبيل الأمثل لتحقيق العدالة في توزيع منافع النمو الاقتصادي وتقاسمها، وهو طرحٌ وجيه في ذاته، لكن غياب القدرة المتكافئة على الوصول إلى مقومات الجدارة، وفي مقدمتها التعليم الجيّد والفعّال، وعدالة الحصول على الخدمات الصحية المناسبة لدى الفئات الأقل دخلًا، يعمّق الإشكالية القائمة بين منطق الجدارة ومبدأ عدالة الفرص. فبدلًا من أن تكون الجدارة آلية للترقّي الاجتماعي، فإنها قد تُفضي عمليًا إلى إعادة إنتاج التفاوت، فتزيد الغنيَ غنى وتُبقي الفقيرَ فقيرًا، باستثناء حالات فردية محدودة لا تغيّر القاعدة العامة.
صحيح أن سياسات الحماية الاجتماعية قد تشكّل أدوات مهمة للتخفيف من اختلالات العدالة التوزيعية، فإنها تبقى، بمفردها، عاجزة عن تحقيق الكفاية والاستدامة المنشودتين. ومن ثم، فإن الخروج من مفارقة العدالة والجدارة يقتضي بالضرورة أن تعمل الدول على الارتقاء المنهجي بفرص التعليم، وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الصحية وغيرها من الممكنات الأساسية، بما يرسّخ تكافؤ الفرص ويرفع من مستوياتها على نحو مستدام.
3. دور الدولة مكمّل للسوق وليس بديلًا منه
خلافًا للعقيدة النيوليبرالية، التي ترى أن انحسار دور الدولة شرطٌ لازم لتحقيق نموٍ مستدام وتخصيصٍ أكثر كفاءة للموارد، وأن أيّ توسّع في دور الدولة يكون بالضرورة على حساب القطاع الخاص الأكثر كفاءة، فإن التجارب العملية أثبتت عكس ذلك. فحتى في ذروة صعود النيوليبرالية، ظلّ للدولة دورٌ محوري في دفع مسارات التطور والابتكار، ولا سيما في المجالات التكنولوجية المتقدمة والصناعات القائمة على المعرفة. وقد اضطلعت الدولة بهذا الدور في كثير من الأحيان نتيجة عزوف القطاع الخاص عن المبادرة، إمّا لقصور إمكاناته، أو لأن مستوى المخاطر المتضمنة تجاوز قدرته على التحمل.
ولا يقتصر هذا الدور التدخلي للدولة على الصناعات الناشئة العالية المخاطر أو الكثيفة رأس المال، بل يمتد أيضًا إلى مجالات كان القطاع الخاص يضطلع بها عادةً في الظروف الطبيعية، لكنه يتراجع عنها في فترات الأزمات الاقتصادية الممتدة أو في سياقات يغلب عليها عدم اليقين الجيوسياسي، أو عندما تتصاعد سياسات صناعية واستثمارية محفّزة في اقتصادات منافسة أو بديلة.
غير أن المسألة الأهم التي تفرض نفسها هنا تتمثّل في مدى قدرة الدول على ابتكار أدوات استثمارية وسياساتية، تمكّنها من صناعة النشاط الاقتصادي أو إنشاء الأسواق من دون الإخلال بمبادئ الحوكمة الرشيدة، ومن دون أن تتولى الدولة إدارة الشركات أو الأنشطة التي موّلت إنشاءها؛ أي دولة مُوجِّهة ومُمكِّنة للسوق، لا مُشغِلة تحلّ محلّه. وتُظهر التجارب العالمية أن انتقال الأنشطة الإنتاجية والخدمية إلى مراحل أعلى من التطور والازدهار، بعد اضطلاع الدولة بدور محوري في إطلاقها أو إنقاذها، يقتضي بالضرورة إخضاع هذه الأنشطة لقواعد الفضاء الخاص. ويتمّ ذلك إمّا عبر نقل الملكية كليًا أو جزئيًا، أو من خلال إعادة هيكلة المنظومة الإدارية والتشغيلية، وتعزيز معايير الحوكمة والكفاءة، بما يضمن استدامة الأداء وتحقيق تنافسية أعلى.
وكما يُستدل من الحيثيات التي تطرقت إليها هذه الدراسة، فإن المسألة الأساسية التي يجب أن تكون محورًا للبحث لا تتمثّل في التساؤل عمّا إذا كانت الدولة مضطرة إلى التدخل لمعالجة إخفاقات السوق ودعم مقومات النهوض والاستدامة؛ إذ إن حضورها كان وما يزال قائمًا في غالبية دول العالم، بما في ذلك الدول التي تتحيّز بوضوح إلى النيوليبرالية، وإنما يجب أن ينصبّ التركيز على الكيفية التي يجب أن تعمل وفقها الدولة لتستجيب للتحديات المستجدة التي تواجه سوق العمل وديناميكياته المتسارعة في ضوء التطورات التكنولوجية الكبيرة التي يشهدها العالم، والتي تجعل مجموعة كبيرة من الوظائف تحت وطأة الاستبدال بالتكنولوجيا. ويجب أن تكون الدولة أكثر مرونة في التعامل مع مسائل لطالما كانت الفيصل في تحديد استدامة الأنظمة الاقتصادية ومدى القدرة على المحافظة على قواعدها، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية والآثار البيئية، التي تُعتبَر سلعًا عامة، فالدولة معنية أساسًا بتوفيرها.
[1] Joseph E. Stiglitz,
Globalization and Its Discontents Revisited: Anti-Globalization in the Era of Trump (New York: W. W. Norton & Company, 2018).
[2] Roger Burbach, Orlando Núñez Soto & Boris Kagarlitsky,
Globalization and Its Discontents: The Rise of Postmodern Socialisms (London: Pluto Press, 1997).
[3] Zia Qureshi, “Rising Inequality: A Major Issue of Our Time,” Brookings Institution, 16/5/2023.
[4] Jonathan D. Ostry, Prakash Loungani & Davide Furceri, “Neoliberalism: Oversold?”
Finance & Development (June 2016).
[5] Thomas Piketty,
Capital and Ideology, Arthur Goldhammer (trans.) (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2020), pp. 758-759.
[6] Mariana Mazzucato,
The Entrepreneurial State: Debunking Public vs. Private Sector Myths (New York: Penguin Books, 2024).
[7] Organisation for Economic Co-operation and Development )OECD(, “Lobbying in the 21st Century: Transparency, Integrity and Access,” (Paris: 2021).
[8] Tim Wu, “The Curse of Bigness: Antitrust in the New Gilded Age,”
Columbia Global Reports (New York: 2018).
[9] Martha C. Nussbaum,
Creating Capabilities: The Human Development Approach (Cambridge, MA/ London: The Belknap Press of Harvard University Press, 2011).
[10] OECD, “OECD Skills Outlook 2025: Building the Skills of the 21st Century for All,” (Paris: 2025), accessed on 11/2/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2E4
[11] Era Dabla-Norris et al., “Causes and Consequences of Income Inequality: A Global Perspective,” IMF Staff Discussion Note No. SDN/15/13 Washington, DC: International Monetary Fund (June 2015), accessed on 11/2/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2Yg
[12] OECD, “The Rise and Fall of Public Social Spending with the COVID-19 Pandemic,” Social Expenditure (SOCX) Update 2023 (January 2023), accessed on 5/2/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2Rs
[13] Tax Policy Center (TPC), “How did the Fiscal Response to the COVID-19 Pandemic Affect the Federal Budget Outlook?”
Briefing Book, 24/1/2024, accessed on 4/2/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2Qk
[14] Rebecca Riddell, “Unequal: The Rise of a New American Oligarchy and the Agenda We Need,” OXFAM, (Washington, DC: 3/11/2025), accessed on, 5/2/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2Le
[15] OECD, “State-Owned Enterprises in the Development Process,” (Paris: 2015), accessed on 11/2/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2CG
[16] OECD, “Ownership and Governance of State-Owned Enterprises 2024,” (Paris: 28/10/2024), accessed on 11/2/2026, at:
https://acr.ps/1L9F36L
[17] Alan Gelb et al., “Sovereign Wealth Funds and Long-Term Development Finance: Risks and Opportunities,”
Policy Research Working Paper 6776, (February 2014), accessed on 11/2/2026, at:
https://acr.ps/1L9F2jZ
المراجع
Burbach, Roger, Orlando Núñez Soto & Boris Kagarlitsky,
Globalization and Its Discontents: The Rise of Postmodern Socialisms. London: Pluto Press, 1997.
Dabla-Norris, Era et al. “Causes and Consequences of Income Inequality: A Global Perspective.” IMF Staff Discussion Note No. SDN/15/13. International Monetary Fund. Washington, DC: June 2015. at:
https://acr.ps/1L9F2Yg
Gelb, Alan et al. “Sovereign Wealth Funds and Long-Term Development Finance: Risks and Opportunities.”
Policy Research Working Paper 6776 (February 2014). at:
https://acr.ps/1L9F2jZ
Mazzucato, Mariana.
The Entrepreneurial State: Debunking Public vs. Private Sector Myths. New York: Penguin Books, 2024.
Nussbaum, Martha C.
Creating Capabilities: The Human Development Approach. Cambridge, MA /London: The Belknap Press of Harvard University Press, 2011.
Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). “State-Owned Enterprises in the Development Process.” Paris: 2015. at:
https://acr.ps/1L9F2CG
_______. “Lobbying in the 21st Century: Transparency, Integrity and Access.” Paris: 2021.
_______. “The Rise and Fall of Public Social Spending with the COVID-19 Pandemic.” Social Expenditure (SOCX) (January 2023). at:
https://acr.ps/1L9F2Rs
_______. “Ownership and Governance of State-Owned Enterprises 2024.” Paris: 2024. at:
https://acr.ps/1L9F36L
_______. “OECD Skills Outlook 2025: Building the Skills of the 21st Century for All.” Paris: 2025. at:
https://acr.ps/1L9F2E4
Ostry, Jonathan D., Prakash Loungani & Davide Furceri. “Neoliberalism: Oversold?”
Finance & Development (June 2016).
Oxfam America. “Unequal: The Rise of a New American Oligarchy and the Agenda We Need.” Washington, DC: 3/11/2025. at:
https://acr.ps/1L9F2Le
Piketty, Thomas.
Capital and Ideology. Arthur Goldhammer (trans.). Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2020.
Qureshi, Zia. “Rising Inequality: A Major Issue of Our Time.” Brookings Institution. 16/5/2023.
Stiglitz, Joseph E.
Globalization and Its Discontents Revisited: Anti-Globalization in the Era of Trump. New York: W. W. Norton & Company, 2018.
Tax Policy Center (TPC). “How did the Fiscal Response to the COVID-19 Pandemic Affect the Federal Budget Outlook?”
Briefing Book. 24/1/2024. at:
https://acr.ps/1L9F2Qk
Wu, Tim. “The Curse of Bigness: Antitrust in the New Gilded Age.” Columbia Global Reports. New York: 2018.