تقدير موقف 31 مايو ، 2012

الانتخابات التشريعيّة في الجزائر

الكلمات المفتاحية

وحدة تحليل السياسات

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

 لقد أفرزت الانتخابات التشريعيّة الأخيرة في الجزائر، نتائج قد تبدو مفاجأة وغير واقعيّة للبعض، وخاصّةً بالنّسبة إلى الأحزاب التي شاركت في تلك الانتخابات، ولكنّها ليست كذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار عددًا من العوامل. وقبل الشروع في تحليل هذه العوامل لا بدّ أوّلًا من عرض النتائج الرسميّة المفصّلة للانتخابات التشريعيّة التي أُجريت يوم 10 مايو / أيار 2012.

 النّتائج الرسمية لنسب المشاركة في انتخابات 10 أيار / مايو 2012*

عدد الناخبين المسجّلين

21645841

عدد الناخبين الذين صوّتوا

9339026

نسبة المشاركة

43.14%

عدد الأصوات المعبّر عنها (الصّحيحة)

7634979

عدد الأصوات الملغاة

1704047

نسبة الأصوات المعبّر عنها/عدد الناخبين

35.27%

نسبة الأصوات المعبّر عنها/عدد السكّان

20%


إذا سلّمنا أنّ هذه الأرقام هي النتيجة السّليمة لانتخاباتٍ "نزيهة" و"شفّافة" -وهناك أكثر من سببٍ للشّكّ في أنّ النسبة المعلنة أعلى من النسبة الحقيقيّة- فإنّ أوّل ملاحظة عليها هي نسبة المشاركة المعلنة المنخفضة (43.14%) مقارنةً مع نسب المشاركة على المستوى الإقليمي، خاصّةً في تونس (52%) ومصر (54%) بعد سقوط نظامي بن علي ومبارك.

لقد شهدت الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة في كلٍّ من تونس ومصر إقبالًا شعبيًّا واسعًا وكانت شفافة وديمقراطية إلى حدٍّ كبير وباعتراف المراقبين المحليّين والدوليّين. أمّا في حالة الجزائر، فإنّ هذه الانتخابات جرت في موعدها الطبيعي لتجديد البرلمان الذي انتهت عهدته القانونيّة (تجري الانتخابات البرلمانية في الجزائر كلّ خمس سنوات)، ولكنّها تزامنت مع موجة الربيع العربيّ وسقوط حكم بن علي في تونس؛ ومبارك في مصر؛ والقذّافي في ليبيا بعد التدخّل العسكري للناتو. ودفعت هذه الأوضاع الإقليمية الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى المبادرة بعملية إصلاح سياسي عبر إطلاق حوارٍ وطني مع الأحزاب السياسيّة وعدد من الشخصيّات المقرّبة من النظام من أجل الإعداد للانتخابات التشريعيّة في إطارٍ سياسيّ وقانونيّ جديد.

هذا الحوار الوطني، الذي جاء بمبادرةٍ من الرئيس وتحت السّيطرة الكاملة للسلطة السياسية الحاليّة وفي غياب ممثّلين عن المجتمع المدني، أفضى إلى إجراء عددٍ من التعديلات القانونية. وأقرّ نوّاب الشعب السابقون قبل انتهاء عهدتهم القانونية قانون انتخاباتٍ جديدًا، وفتحت وزارة الداخلية الباب لاعتماد ما لا يقلّ عن 22 حزبًا جديدًا قبل أقلّ من شهرين من موعد الانتخابات التشريعيّة.  لم يسمح النظام بتأسيس أيّ حزبٍ سياسي جديد منذ سنة 1999، وفتح الباب لتأسيس أحزابٍ جديدة بطريقةٍ مفاجِئة، كنتيجةٍ للربيع العربي، حتّى يعطي الانطباع أنّ السلطة تتبنّى أجندة للإصلاح السياسي وأنّ الانتخابات التشريعيّة القادمة سوف تنظّم في جوٍّ سياسي جديد يفتح الباب للمنافسة الشفّافة والنزيهة. ودخلت هذه الأحزاب الجديدة الانتخابات التشريعيّة، ولم يكن بإمكانها أن تكون جاهزة لخوضها خلال هذه الفترة القصيرة، لأنّها تفتقر إلى القاعدة الشعبيّة وإلى الهيكل الحزبيّ في الميدان.

نظرًا لسجلّ منظومة الحكم في الجزائر في تزوير الانتخابات منذ الاستقلال، باعتراف جميع المراقبين، نستطيع أن نجزم أنّه كان هناك قدر معيّن من التزوير في نسبة المشاركة وفي عدد الأصوات التي تحصّلت عليها جميع الأحزاب، وخاصّةً جبهة التحرير الوطني التي ظفرت بأغلبيّة المقاعد (208 مقاعد من أصل 462 مقعدًا، أي 45% من مقاعد مجلس الشّعب). ولكن من ناحيةٍ أخرى، فإنّ لهذه النتائج قدرًا من مطابقة الواقع في هيكليّتها، أي أنّه ليس من المستبعد أن تكون جبهة التحرير الوطني قد حلّت في المرتبة الأولى ولكن ليس بهذا العدد الكبير من المقاعد الذي يبدو غير واقعيّ. بالفعل، ما زال التيّار الوطني([1])، الذي يمثّله حزبا جبهة التحرير الوطني والتجمّع الوطني الديمقراطي، يحظى بوجودٍ قويّ في المجتمع الجزائري وخاصّةً في وسط جيل الثورة، ولكنّه من المستبعد جدًّا أن يكون حزب جبهة التحرير الوطنيّ قد حصل على هذا العدد الهائل من المقاعد نظرًا لحالة الانقسام والصراع الداخليّ والانشقاقات التي دخل بها الانتخابات التشريعيّة، ووصلت التجاذبات داخل الحزب إلى درجة محاولة سحب الثقة من أمينه العامّ، عبد العزيز بلخادم في أوج الحملة الانتخابيّة. وعند الحديث عن اتّهامات التزوير التي أطلقتها الأحزاب الرافضة لنتائج الانتخابات، تجدر الإشارة إلى أنّها لم تستطع أن تقدّم أيّ دليلٍ قاطعٍ على التزوير.

بلغت نسبة الممتنعين عن التّصويت 56.86% من المسجّلين في القوائم الانتخابيّة، وهو مؤشّر سياسيّ واجتماعيّ بارز يدلّ على عزوف جزءٍ كبير من المجتمع الجزائري عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة، إذ أجمعت تحاليل مراقبين للوضع الجزائري أنّ جزءًا كبيرًا من هذا الامتناع هو مقاطعة للانتخابات، وهو ما يعدّ موقفًا سياسيًّا. وما يدعم هذا التحليل هو الرقم المعتبر للأصوات التي أُلغيت، وكان سبب الإلغاء في أغلبها أنّ الأظرف كانت فارغة معبّرة عن رفض أصحابها تزكية أيٍّ من القوائم المترشّحة. وقد بلغ عدد الأصوات الملغاة 1704047 صوتًا أيْ قرابة 20% من الذين أدلوا بأصواتهم.

ونسبة المشاركة في حدّ ذاتها (43%) نسبة ضعيفة مقارنةً بالإمكانيات الهائلة التي سخّرتها الدولة في مجال الدّعاية الانتخابيّة من أجل حثّ المواطنين على المشاركة الواسعة. لقد استعملت الحكومة الجزائريّة جميع الوسائل الدعائيّة من أجل تعبئة الشارع الجزائريّ لصالح المشاركة في الانتخابات التشريعيّة، ووصل الأمر إلى درجة تدخّل الرئيس شخصيًّا في الحملة الانتخابية وحثّ المواطنين على المشاركة بقوّة في الانتخابات التشريعية. وفي هذا الصّدد، قارن الرئيس بوتفليقة، في خطابٍ ألقاه في شهر فبراير / شباط 2012، هذه الانتخابات باندلاع ثورة التحرير في نوفمبر / تشرين الثاني 1954، وقال: "المرحلة صعبة جدًّا، للدرجة التي يمكن وصف الخروج يوم العاشر من ماي المقبل، بأنّه يشبه في أهمّيته الإعلان عن إطلاق الثورة التحريريّة في الفاتح (من) نوفمبر"، واستطرد محذّرًا من عواقب وخيمة في حال عدم المشاركة الواسعة والتي قد تصل إلى درجة التدخّل الخارجي([2]). كما جدّد رئيس الوزراء والأمين العامّ للتجمع الوطني الديمقراطي، أحمد أويحيى، التهديد نفسه، في خطابٍ ألقاه في آخر يومٍ من أيّام الحملة الانتخابية، محذّرًا من العودة إلى سنوات الاقتتال الداخليّ في حال مقاطعة الانتخابات؛ وشبّه الربيع العربي بالطوفان([3]). لقد انخرط الرئيس بوتفليقة بقوّة في الحملة الانتخابية وكان لآخر خطابٍ له في سطيف، والذي لمّح فيه إلى انتمائه الحزبي لجبهة التحرير الوطني، الأثر البالغ وعلى مستويين، الأوّل على شريحة من الناخبين، نظرًا للرصيد العاطفي الإيجابي الذي يتمتّع به عند جزءٍ لا يُستهان به من الشّعب، والثاني على جهاز الدولة الذي يأتمر بتوجيهات الرّئيس.

الأصوات التي حصلت عليها جبهة التحرير الوطني (1324363 صوتًا) والتجمّع الوطني الديمقراطي (524057 صوتًا) -وهما الحزبان اللذان يمثّلان أساس التحالف الرئاسي الذي يستند عليه النظام والرئيس خاصّةً- وهي تمثّل في الواقع 8.5% من المسجّلين، و19.8% من الناخبين، و24.2% من الأصوات المعبّر عنها فقط، إلا أنّها سمحت لهما بالسيطرة على 60% من المقاعد. النتيجة هي أنّ القاعدة الشعبية للتّحالف الرئاسيّ وللنظام السياسيّ التي أفرزتها هذه الانتخابات محدودة جدًّا.

نستطيع أن نلخّص العوامل الرّئيسة التي أفرزت هذه النتائج في النّقاط الآتية:


أوّلًا: طبيعة النظام السياسي في الجزائر منذ الاستقلال

النظام السياسي الذي يحكم الجزائر منذ الاستقلال هو نظام تسيطر عليه المؤسّسة العسكرية، وخاصّةً المخابرات العسكرية، التي تتحكّم في مفاتيح السلطة في المجالين السياسي والاقتصادي. إنّه نظام يفتقر للشفافيّة، ولا تكمن السلطة الفعليّة في المؤسّسات الدستوريّة التي هي شكليّة في الأساس، ولكن في المخابرات العسكريّة وشبكتها من الشخصيّات والمصالح غير الرسميّة. كما أنّه نظامٌ ريعي يعتمد على الريع النفطيّ من أجل كسب الولاء السياسيّ وشراء السّلم الاجتماعي. كلّما كانت مداخيل النفط عالية زادت قدرة السلطة الحاكمة في السّيطرة على المجتمع وعلى المعادلة السياسية، والعكس صحيح. والدليل على ذلك، أنّه عندما انخفضت مداخيل النفط في أواسط الثمانينيّات من القرن الماضي، ضعفت قدرة السلطة السياسيّة على التحكّم في الوضع السياسي، وهذا ما أدّى إلى أحداث أكتوبر / تشرين الأوّل 1988 التي جاءت سنتين بعد انهيار أسعار النفط في الأسواق العالميّة. كما هي الحال في جميع الدول الريعيّة، فإنّ السّلم الاجتماعي في الجزائر مرتبط ارتباطا عضويًّا بأهميّة مداخيل النفط وبالوضع المالي للنظام. لقد استطاعت حكومة أويحيى أن تلبّي عددًا من المطالب الاجتماعية التي تقدّمت بها الحركات الاحتجاجيّة على مستوى المؤسّسات الاقتصادية، وخاصّةً بعد بداية الربيع العربي وسقوط نظامَي بن علي ومبارك، نظرًا للبحبوحة الماليّة التي تتمتّع بها الحكومة حاليًّا (أكثر من 200 مليار دولار احتياط العملة الصّعبة). والقضيّة الأساسيّة التي برزت قبل  انتخابات أيار / مايو 2012وبعدها، هي محورية الرّيع النفطي الذي يتحكّم فيه النظام السياسيّ، والذي بفضله يتحكّم كليًّا في مقاليد السلطة وعملية توزيع الريع على المجتمع عامّةً وعلى الفاعلين الاجتماعيّين والسياسيّين الذين يتنافسون عليه.


ثانيًا: مصداقيّة الأحزاب السياسيّة في الجزائر

جماهيريًّا، تعدّ الأحزاب السياسيّة الموجودة في الساحة أحزابًا تابعة للسلطة ولا تتمتّع بمصداقيّة عند الناخب الجزائريّ. حتّى الأحزاب ذات التوجّه الإسلامي، وخاصّةً حركة مجتمع السلم التي يترأّسها أبو جرة سلطاني، هي في نظر الناخب الجزائريّ جزء من المنظومة السياسيّة الرسميّة منذ انضمامها إلى المجلس الوطني الانتقالي في سنة 1994 الذي نصّبه الرئيس السّابق، ليامين زروال، من أجل ملء الفراغ المؤسّساتي على المستوى التشريعي بعد حلّ المجلس الوطني من طرف الرئيس السابق، الشاذلي بن جديد، قبل استقالته في سنة 1992، وإلغاء المؤسّسة العسكرية الانتخابات التشريعية، والتي فازت فيها الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ بأغلبيّة المقاعد في الدورة الأولى. كما أنّ الأحزاب الإسلاميّة في الجزائر ليست موحّدة، وتعاني الكثير من الانقسامات والانشقاقات. لقد راهنت الأحزاب الإسلاميّة المتحالفة في قائمة "الجزائر الخضراء" -وهي حركة مجتمع السلم، وحركة النهضة، وحركة الإصلاح الوطني- على موجة الانتصارات التي حقّقتها الأحزاب الإسلامية في كلٍّ من تونس ومصر والمغرب، حتّى تكتسح الانتخابات التشريعية وتتحصّل على أغلبيّة المقاعد في البرلمان، ولكنّها خسرت هذا الرهان إذ حصلت على 48 مقعدًا فقط، وأقلّ بكثير ممّا تحصلت عليه حركة أبو جرة سلطاني وحدها في الانتخابات التشريعية السابقة في 2007، إذ حصدت 52 مقعدًا. والسّبب الرئيس لهذه الانتكاسة لا يعود إلى تزوير الانتخابات من طرف السلطة فحسب، ولكن لأنّ هناك فرقًا جوهريًّا بين الأحزاب الإسلامية التي شاركت في الانتخابات التشريعية في الجزائر وحزبي النهضة في تونس والعدالة والتنمية في مصر، اللذين كانا ضحايا الاستبداد والمطاردة من طرف الأنظمة السابقة في كلا البلدين، بينما كانت الأحزاب الإسلاميّة الرسمية في الجزائر جزءًا من المنظومة السياسيّة ويجري التعامل معها شعبيًّا على أنّ هدفها الرئيس هو الحصول على جزءٍ من الرّيع المالي. وهي لم تعان من الاضطهاد ولا تتمتّع "بدور الضحيّة" في نظر الناخب خلافًا لحركاتٍ أخرى قد تثير تعاطفه.


ثالثًا: قانون الانتخابات والنّظام الانتخابيّ

اعتمدت الجزائر منذ 1997 نظام التصويت النّسبي بالقائمة مع تطبيق قاعدة "الباقي الأقوى" في توزيع المقاعد على القوائم المترشّحة. وتفصّل المادّة 85 من قانون الانتخابات العملية الفنّية والحسابية لتوزيع المقاعد، إذ تنصّ أنّه قبل احتساب المعامل الانتخابي الذي سيحدّد وزن كلّ مقعد بعدد الأصوات الصحيحة، يجب أن تستبعد كلّ الأصوات التي حصلت عليها أيّ قائمة لم تحصل على 5% على الأقلّ. ونظرًا لكثافة عدد القوائم المترشّحة (بلغت أكثر من 50 قائمة في بعض الدوائر الانتخابية) ولحداثة معظم الأحزاب التي شاركت في الانتخابات، فقد تشتّت الأصوات واستبعدت من معظم القوائم الحزبية مع الأصوات التي تحصّلت عليها، واقتصر التمثيل على الأحزاب القديمة التي تقاسمت مقاعد البرلمان بعددٍ قليل من الأصوات الصّحيحة. بحيث يبدو أنّه كان هناك تخطيط مسبق من أجل إغراق الساحة السياسيّة بعددٍ كبير من الأحزاب السياسيّة بهدف إقصاء أكبر عدد ممكن من الأصوات المعبّر عنها ودعم الأحزاب القديمة.


رابعًا: تجربة الحرب الأهليّة والعزوف عن السّياسة

لا شكّ في أنّ تجربة الحرب الأهليّة المريرة التي هزّت الجزائر في التسعينيّات من القرن الماضي بعد إلغاء المؤسّسة العسكرية الانتخابات التشريعيّة في كانون الثاني / يناير 1992، قد تركت أثرًا في المواطن الجزائريّ الذي أصبح لا يقبل فتح باب المغامرة السياسيّة ويبتعد عن الحراك السياسيّ، فثمّة عزوف عن السياسة كما ظهر ذلك في نتائج المؤشّر العربي الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات. وبالفعل، تظهر نتائج المؤشّر العربي أنّ نسبة المواطنين الجزائريّين الذين يهتمّون بصفةٍ ضئيلة بالشّؤون السياسيّة بلغت 41% ونسبة المواطنين الذين لا يهتمّون بالشؤون السياسيّة 39%، وهما أعلى الأرقام مقارنةً مع جميع الدول العربية الأخرى (11 دولة) التي أُجري فيها الاستطلاع([4]). هناك عزوفٌ من المواطن الجزائري عن الاهتمام بالسّياسة والمشاركة السياسية. ويبدو ذلك جليًّا خاصّةً في الوسط الشّبابي الذي فقد الأمل في الطبقة السياسيّة الحاليّة وفي جدوى الحراك السّياسي.


خامسًا، تداعيات تدخّل الناتو في ليبيا

هناك تعاطف شعبي وقبول واسع للثورتين التونسيّة والمصريّة نظرًا لطابعهما السّلمي، وهناك رفضٌ شعبي واسع للتدخّل العسكري للناتو في ليبيا وللنّداءات من أطرافٍ إقليميّة إلى التدخّل العسكري في سورية أو عسكرة الثورة السوريّة. هناك ثقافة سياسية قويّة في الجزائر ضدّ التدخّل الخارجي تعود جذورها إلى التاريخ الثوري في فترة حرب التّحرير من الاستعمار الفرنسي، علاوةً على الثقافة الوطنيّة التي تميّزت بها الجزائر في الستينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي والتي لا تزال موجودة إلى الآن على المستويين الشّعبي والرّسمي. وقد شارك الإعلام الرسمي أيضا في استثمار هذه الثقافة القائمة فعلًا. لقد أصبح جزءٌ من الرأي العامّ الشعبي يرى في بعض جوانب الربيع العربي، مؤامرة غربيّة هدفها إضعاف الدول العربيّة والسّيطرة عليها، وذلك لأسبابٍ تتعلّق بالتطوّرات في ليبيا المجاورة وفي الثورة السوريّة أيضًا، كما أسلفنا.


سادسًا: الإعداد للتّعديل الدّستوري القادم والانتخابات الرئاسيّة في 2014

تكمن أهمّية هذه الانتخابات بالنسبة إلى النظام في أنّها المرحلة الأولى في تطبيق أجندة الإصلاح السياسيّ التي انبثقت من الحوار الوطنيّ، في سنة 2011، والتي تنصّ على صياغة دستورٍ جديد للبلاد من طرف البرلمان الجديد. وفي هذا الإطار، لا يعقل أن تسمح السلطة الفعليّة في الجزائر -المتمثّلة في المخابرات العسكريّة والدّوائر التي تدور حولها- لقوى سياسيّة أخرى، غير التي تنتمي إلى التيّار الوطني المتمثّل في جبهة التحرير الوطني والتجمّع الوطني الديمقراطي، أن تسيطر على البرلمان الجديد وتفرض عليها أجندتها السياسية. علاوةً على ذلك، كان لابدّ من إعداد الأرضيّة للانتخابات الرئاسيّة القادمة في 2014 عندما تنتهي العهدة الثالثة من رئاسة بوتفليقة والتي يبدو أنّها سوف تكون الأخيرة إذا أخذنا بعين الاعتبار تصريحاته في خطابه في مدينة سطيف يوم 8 أيار / مايو تخليدًا لذكرى مجازر الاستعمار الفرنسي ضدّ الشعب الجزائري في 8 أيار / مايو 1945.

أمّا بعد الانتخابات، فقد قرّرت قيادات 14 حزبًا، حصلوا على 28 مقعدًا في المجلس بحسب النتائج المعلنة، التكتّل في جبهةٍ لرفض نتائج الانتخابات ومقاطعة البرلمان الجديد، ولكنه من المستبعد أن تكون لها قدرة التأثير في المعادلة السياسيّة أو حتّى القدرة على فرض الانضباط على نوّاب هذه الأحزاب الذين أبدوا عدم الرّضى بقرارات قياداتهم الحزبيّة، إذ قرّر بعضهم الانشقاق والانضمام إلى المجموعات البرلمانيّة الأخرى، ولا سيّما إلى مجموعة جبهة التحرير الوطني. والأحزاب الأربعة عشر التي قرّرت مقاطعة البرلمان هي أحزاب صغيرة لا ترقى حتّى إلى مستوى مجموعة برلمانية، كما غابت عنها أحزاب "القائمة الخضراء"، وحزب العمّال (حائز على 23 مقعدًا)، وحزب جبهة القوى الاشتراكية الذي يقوده حسين آيت أحمد (27 مقعدًا).

أمّا فيما يخصّ التجمّع الوطني الديمقراطي الذي يترأّسه رئيس الوزراء الحالي، أحمد أويحيى، فقد كان العدد القليل من المقاعد التي تحصّل عليها (68 مقعدًا) -مقارنةً بغريمه من التيّار الوطني حزب جبهة التحرير- المفاجأة الأخرى لهذه الانتخابات. ويبدو أنّ الرسالة الضمنيّة لهذه النتيجة هي إقصاء أحمد أويحيى من السّباق الرئاسي القادم في 2014 والإعداد لمرشّحٍ يحظى بدعم جبهة التحرير الوطني وقد يكون من صفوفها.

علاوةً على ذلك، فقد رحّب المراقبون الدوليّون بنتائج الانتخابات التشريعيّة، واتّفقت جميع بعثات المراقبين من الأمم المتّحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والاتّحاد الأفريقي، على الإشادة "بالأجواء الهادئة" التي تمّت فيها الانتخابات التشريعية وبالخطوات الإيجابيّة نحو الإصلاحات الديمقراطية وبالتّمثيل الواسع للمرأة.

ولا يعدّ وجود المراقبين الدوليين -بحدّ ذاته- شرطًا كافيًا من أجل ضمان شفافية الانتخابات ونزاهتها، فقد تعلّمت السلطة السياسيّة في الجزائر كيف تتعامل مع المراقبين الدوليين، وكيف تضعهم في الإطار المناسب الذي يضمن بقاءهم تحت السيطرة. لم يتجاوز عدد المراقبين الدوليّين 500 مراقب، علمًا أنّ هناك 11520 مركزًا انتخابيًّا تضمّ ما مجموعه 48327 مكتبًا انتخابيًّا على المستوى الوطني. وعلى هذا الأساس، من الصعب جدًّا أن تكون عملية المراقبة فعّالة مع هذا العدد القليل من المراقبين. علاوةً على ذلك، رفضت وزارة الداخليّة تسليم القائمة الوطنية للناخبين إلى الأحزاب وبعثات المراقبين، حتّى يقوموا بمقارناتٍ ومقاطعات مع القوائم على المستوى الولائي (المحافظة)، ما يدلّ على الهامش الصغير في قدرة المراقبين على المراقبة الفعّالة على جميع مراحل العمليّة الانتخابية. وفي هذا الصّدد، تجدر الإشارة إلى أنّ مؤسّسة كارتر رفضت أن ترسل مراقبين للانتخابات التشريعيّة نظرًا لرفض السلطات السياسيّة في الجزائر شرط المؤسّسة بالحضور إلى الجزائر ستّة شهور قبل موعد الاقتراع من أجل مراقبة جميع المراحل التحضيريّة للانتخابات، وخاصّةً عمليّة مراجعة القوائم الانتخابية وتأطير المكاتب الانتخابيّة. من الملفت للنظر الموقف الإيجابي للمراقبين الدوليّين من الانتخابات التشريعية في الجزائر، الذي يدلّ على وجود إجماعٍ دولي على القبول بالوضع الرّاهن في الجزائر وعدم إحراج النّظام الجزائري. لا شكّ في أنّ هذا الموقف الدولي، والأوروبي خاصّةً، يعود إلى موقع الجزائر كثالث أكبر مصدّر للغاز لأوروبا، وللموقف الغربي المترقّب بحذر لتداعيات الربيع العربي، وأيضًا كمترتّب واضحٍ على الخبرة الغربية مع نتائج الانقلاب العسكري السّابق على النتائج الانتخابيّة والتجربة العنيفة التي شهدتها الجزائر.

السّؤال الذي يُطرح الآن وبإلحاح هو: ما هو مستقبل الجزائر في ظلّ هذه الخريطة السياسيّة التي تتميّز بالجمود، والتفتّت، والإقصاء لجزءٍ من الشعب يطمح إلى التّغيير؟ على الرّغم من أنّ الطريق الممكن الوحيد في الجزائر هو الإصلاح التدريجي، إلا أنّ نتائج هذه الانتخابات قد برهنت على عدم قدرة أو حتّى قابليّة السلطة السياسيّة الفعليّة في الجزائر لإجراء إصلاحٍ سياسي من داخل النظام، كما برهنت على عدم فاعليّة الأحزاب السياسيّة الرسميّة وعدم جدّيتها، وعلى افتقادها للمصداقيّة في الوسط الشعبي. كما أثبتت ضعف المجتمع المدني لأسبابٍ هيكليّة إضافةً إلى سياسة العرقلة التي تنتهجها وزارة الداخلية ضدّ أيّ نشاط هدفه تنظيم المجتمع المدني في اتّجاه مطلبيّ لا ترضى عليه السلطة السياسيّة.

السّيناريو الأوّل: في الوضع السياسي الراهن، ومع تمتّع الجزائر ببحبوحةٍ ماليّة، لن تستطيع الأحزاب السياسيّة التي ترفض نتائج الانتخابات أن تشكّل أيّ خطر على النظام أو أن تعرقل أجندته السياسيّة في صياغة دستورٍ جديد وستبقى المعارضة مفتّتة وغير قادرة على تحريك الشارع. كما ستقوم السلطة السياسيّة بالإعداد للانتخابات الرئاسيّة في 2014 بتقديم مرشّحٍ يرعى مصالحها، سوف يكون من التيّار الوطني ومن حزب جبهة التحرير الوطني في الأغلب. في المقابل، سوف يتوسّع الحراك المطلبي الاجتماعي الاقتصادي من أجل المطالبة بتحسين الوضع الاقتصادي ورفع المرتّبات من دون الارتقاء إلى حراكٍ سياسي يطالب بإصلاحاتٍ سياسيّة جذريّة. وهذا السّيناريو هو الأكثر ترجيحًا.

السّيناريو الثّاني: وهو مرتبط بالتطوّرات في السّاحة الإقليميّة، وعلى المدى المتوسّط والبعيد، إذ لن يستطيع النظام السّياسي في الجزائر أن يتخلّف عن الإصلاح السياسي الجدّي ودول المنطقة تترسّخ فيها الديمقراطيّة، وخاصّةً في تونس ومصر. وما سوف يزيد من احتمالات تطوّر حراك شعبي اجتماعي سياسي -لا تقوده الأحزاب السياسية الرسميّة- نحو الإصلاح السياسي الجذريّ، هو انتشار الفساد الكبير وسوء توزيع الرّيع، وخاصّةً إذا تزامن ذلك مع أزمةٍ ماليّة كنتيجة لانخفاض في أسعار النفط أو للأزمة الاقتصاديّة في أوروبا بحيث تُؤثّر سلبًا في القدرة الماليّة للسّلطة الحاكمة في توزيع الرّيع النّفطي وشراء السّلم الاجتماعي. هذا ما حدث بالفعل في الثمانينيّات من القرن الماضي في حالة أحداث تشرين الأوّل / أكتوبر 1988. والأرجح أنّ الضّعف المالي للسلطة السياسيّة وعدم قدرتها على مكافحة الفساد وضبط الوضع الاجتماعي ستكون العوامل الرّئيسة التي سوف تؤدّي إلى حراكٍ شعبيّ سياسيّ إذا عجزت السّلطة السياسيّة عن إجراء إصلاحات سياسيّة جدّية -ولو كانت جزئيّة- قبل فوات الأوان.

السّيناريو الثّالث: وهو غير مرجّح، يتمثّل في حدوث انفجار شعبيّ على المدى القريب كنتيجة لحالة الانسداد السّياسي المزمنة، وبالتّزامن مع عواملَ إقليميّة ودوليّة. سوف تكون نتائج هذا السّيناريو وخيمة. 


 

*  هذه النتائج الرسمية التي أعلنها المجلس الدستوري في يوم 15/5/2012.

[1]  درجت الأدبيات الإعلامية والسياسية في الجزائر، منذ بدء التعددية الحزبية في سنة 1989، على تجميع الأحزاب السياسية في ثلاثة تيارات رئيسة هي: التيار الوطني الذي يشدّد على الشرعية التاريخية والثورية، والتيّار الإسلامي الذي تمثّله أحزاب الإسلام السياسي، والتيار اللّائكي أو الديمقراطي.

[2]  "بوتفليقة يُشبّه الخروج للانتخابات المقبلة بإعلان ثورة نوفمبر ويصرح من أرزيو: البقاء لله وليس للرؤساء.. وتصويتكم يمنع الفوضى والتدخل الأجنبي"، الشروق أون لاين، 23/2/2012: http://www.echoroukonline.com/ara/articles/123019.html.

[3]  "أويحيى يحذّر من حلزون الفوضى من العراق إلى مالي: لم نخرج من الإرهاب للسّير نحو الترهيب''، الخبر، 6/5/2012: http://www.elkhabar.com/ar/politique/288795.html.

[4] "تقرير: المؤشر العربي 2011"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 01/3/2012: http://www.dohainstitute.org/file/pdfViewer/45f971e2-d266-4f77-96f5-a2e7c45883a6.pdf