تحليل سياسات 05 مارس ، 2015

الولايات المتحدة وجدل تسليح أوكرانيا

الكلمات المفتاحية

أسامة أبو ارشيد

يعمل أسامة أبو ارشيد باحثًا غير مقيم مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهو حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسيّة والفلسفة من جامعة لفبرة / بريطانيا، ويقيم حاليا في واشنطن في الولايات المتحدة. نشر العشرات من المقالات والدارسات باللغتين العربية والإنكليزية، كما شارك في تأليف كتابين باللغة العربية عن حركة حماس والمعاهدة الأردنية الإسرائيلية. شارك في العديد من المؤتمرات الأكاديمية، وله كتاب باللغة الإنجليزية في مرحلة الإعداد للطباعة عنوانه: "جدلية الديني والسياسي في فكر وممارسة حركة حماس" وسيصدر عن Cambridge Scholars Publishing.

مقدمة

تُمثل تطورات الأوضاع في شرق أوكرانيا معضلةً حقيقيةً للولايات المتحدة، وقد عبّرت عن نفسها في نقاشٍ أميركي داخلي حادٍ حول مدى ضرورة تسليح الجيش الأوكراني من عدمه في مواجهة التدخل الروسي المتنامي منذ أكثر من عام لدعم الانفصاليين في هذا البلد. وفي خضم هذا الجدل، تجد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسها في ورطة على مستويات عديدة. فقد أعاد تردد الإدارة، حتى الآن، في تسليح الجيش الأوكراني وتزويده بـ "أسلحة فتاكة غير هجومية" اجترار تهمةٍ سابقةٍ توجه إليها وهي أنّ مقاربتها للسياسة الخارجية تعطي انطباعًا بالضعف وغياب الفاعلية القيادية؛ ما يساهم في تقويض صدقية الولايات المتحدة أمام حلفائها، ويقلل هيبتها أمام خصومها. وعلى الصعيد ذاته، أحدثت سمة التردد هذه في الملف الأوكراني توترًا في علاقة إدارة أوباما بالكونغرس والحزبين الجمهوري والديمقراطي فيه اللذين يضغطان على الرئيس من أجل عدم اقتصار سياسته على العقوبات الاقتصادية على روسيا فحسب، بل البدء أيضًا بتسليح الجيش الأوكراني وتدريبه. ولم يعد النقاش حول ضرورة تسليح أوكرانيا يقتصر على وسائل الإعلام ومراكز الدراسات الأميركية، بل امتد أيضًا إلى داخل الإدارة نفسها المنقسمة في هذا الملف، بما يذكّر بنقاش مشابه جرى عام 2012 حول تسليح الثوار السوريين؛ ففي ذلك الوقت، حسم البيت الأبيض الأمر لمصلحة عدم تسليح الثوار، وهو الأمر الذي يرى كثيرون في الولايات المتحدة وخارجها أنه أفسح المجال واسعًا أمام تمدّد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش".

وفي موازاة الضغوط الداخلية على إدارة أوباما لتسليح الجيش الأوكراني، فثمة ضغوط مقابلة تمارسها أوروبا، وتحديدًا ألمانيا وفرنسا، رافضة تسليح أوكرانيا بسبب ما قد يترتب عليه من تصعيد في الفضاء الجيوستراتيجي الأوروبي ربما غير محسوب النتائج. وفي محاولة لإجهاض أي مسعى أميركي لتسليح أوكرانيا، سارعت كل من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند إلى الضغط على الطرفين الروسي والأوكراني للتوصل إلى اتفاق سلام. وفعلًا، تكلل جهدهما بجمع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني بيترو بوروشينكو في عاصمة روسيا البيضاء مينسك؛ فتوصلا إلى "اتفاق مينسك" في 12 شباط/ فبراير الماضي.

وبموجب هذا الاتفاق، يلتزم الجانبان الأوكراني وقوات الانفصاليين المدعومين من روسيا سحب الأسلحة الثقيلة من الخطوط الأمامية للقتال في شرق أوكرانيا، ويشرف مراقبون من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على وقف إطلاق النار. وتنص البنود أيضًا على تبادل الأسرى، وإصدار قانون عفوٍ عن المتورطين في القتال، فضلًا عن إجراء انتخابات محلية في بعض أقاليم شرق أوكرانيا، والقيام بتعديل دستوري يعطي للأقاليم الشرقية مزيدًا من الاستقلال الذاتي على أن تسيطر أوكرانيا على حدودها الشرقية مع روسيا أواخر عام 2015[1].

وعلى الرغم من أنّ الاتفاق قد خفّف من حدة الاحتقان، فإنه لم يعنِ نهايتها، أو حتى وقف القتال بين الطرفين اللذين لا يزالان يسعيان لتوسيع مناطق نفوذهما لتعزيز وضعهما التفاوضي في أي اتفاق نهائي قادم. ومع استمرار الخروقات للاتفاق، تتزايد الضغوط أكثر على إدارة أوباما لتسليح أوكرانيا وأخذ العبرة من فشل اتفاق مينسك الأول في أيلول/ سبتمبر الماضي. 

 


[1] Ian Traynor, “Putin tried to delay Ukraine ceasefire deal, EU summit told,” The Guardian, February 13, 2015, at: http://bit.ly/1MHqMW8