السرديات المناهضة للدور القطري في وقف حربَي إيران ولبنان وأدواتها
تقارير 12 يوليو ، 2026

تقويض الوسيط: دوافع السرديات المناهضة للدور القطري في وقف حربَي إيران ولبنان وأدواتها

وحدة الدراسات السياسية

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش.

​​​ تحولت الوساطة في النزاعات، خلال العقود الثلاثة الماضية، إلى أحد المرتكزات الرئيسة للسياسة الخارجية لدولة قطر، بعدما طوّرت نموذجًا دبلوماسيًا يقوم على إقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، بما يشمل الدول والفاعلين من غير الدول؛ ما أتاح لها الاضطلاع بأدوار وساطة ناجحة في بعض أكثر الملفات الإقليمية والدولية تعقيدًا، ورسّخ مكانتها بوصفها وسيطًا يحظى بثقة أطراف يصعب جمعها في إطار تفاوضي واحد. ولم يكن هذا الحضور نتاج مبادرات ظرفية، بل جاء نتيجة تخطيط استراتيجي وتراكم خبرة واستثمار طويل في أدوات الدبلوماسية والحوار وإدارة الأزمات.

غير أن هذا الدور ظلّ، على نحو متكرر، عرضةً لحملات سياسية وإعلامية تستهدف التشكيك في شرعيته، وفي أهلية قطر للقيام به. وتتصاعد هذه الحملات كلما برزت قطر وسيطًا في أزمات تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية، كما حصل خلال حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة بين عامَي 2023 و2025. وقد تجدد هذا النمط بوضوح في الأسابيع الأخيرة عقب اضطلاع قطر بدور رئيس في التوصل إلى مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، التي أوقفت الحرب على إيران، وامتدت لتشمل تفاهمات تتصل بالحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان. فقد أطلقت القوى المعارضة لوقف الحرب، والداعية إلى مواصلتها، في الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وداخل بعض دوائر المعارضة الإيرانية، حملة سياسية وإعلامية واسعة سعت إلى التشكيك في حياد وساطة قطر، وإعادة تقديمها بوصفها طرفًا منحازًا لا وسيطًا دبلوماسيًا. ولا يقتصر هذا الخطاب على تقييم أداء الوساطة، أو نقد خيارات السياسة الخارجية القطرية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تقويض نموذج الوساطة الذي تمثّله قطر، عبر إعادة تفسير عناصر قوته بوصفها مصادر للانحياز، لا مقومات للفاعلية.

أولًا: دور قطر في الاتفاق الأميركي - الإيراني

أدت قطر دورًا محوريًا في الوصول إلى مذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، إلا أن انخراطها في هذا المسار لم يكن وليد مبادرة أحادية أو محاولة لاحتكار الوساطة، وإنما جاء نتيجة تطور تدريجي فرضته مسارات الأزمة نفسها. ففي المراحل الأولى، اقتصر دورها على دعم الجهود التفاوضية القائمة، ولا سيما الجهود التي قادتها باكستان، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى المشاركة المباشرة في إدارة العملية التفاوضية، مع تعثّر المسارات الأخرى وعجزها عن جسر هوّة الخلاف بين واشنطن وطهران. وخلال هذه المرحلة، كثّفت قطر اتصالاتها بالطرفين، ولم يقتصر دورها على نقل الرسائل، بل أسهمت في تقريب المواقف وبناء الحد الأدنى من الثقة السياسية اللازمة لاستمرار التفاوض[2].

ومن الضروري الإشارة إلى أن قطر لم تُبدِ في البداية حماسةً لتولّي موقع الوسيط الرئيس[3]، ولا سيما في ظلّ تعرّض أراضيها لاعتداءات إيرانية متكررة، بلغت ذروتها في ضرب منشأة رأس لفان، في 18 آذار/ مارس 2026، وتعطيل نحو 17 في المئة من قدرة البلاد على إنتاج الغاز المسال. لذلك فضّلت قطر، في البداية، النأي بنفسها عن أيّ مساعٍ للوساطة[4] لصالح استمرار الجهود التي كانت تقودها أطراف إقليمية أخرى، قبل أن يؤدي تعثّرها إلى بروز الحاجة إلى وسيط يمتلك قنوات اتصال فاعلة مع الطرفين.

ومن هذا المنظور، لم يكن انتقال قطر إلى موقع الوسيط الرئيس مجرد تعبير عن رغبة في الوساطة؛ إذ إن لها مصلحة مباشرة في وقف الحرب التي تتضرر منها على نحو مباشر. ولم يكن اضطلاعها مجددًا بهذا الدور سعيًا إلى توسيع نفوذها الإقليمي، فهي ليست دولة إقليمية ذات مناطق نفوذ، بقدر ما كان استجابةً لحاجة تفاوضية فرضها انسداد المسارات القائمة. فقد وجدت الولايات المتحدة وإيران نفسيهما أمام وضع لم تعُد فيه تكلفة استمرار المواجهة العسكرية مقبولة، من دون أن يكون أيٌّ منهما مستعدًا لتقديم تنازلات أحادية تسمح بإنهاء الأزمة. وفي ظل هذا الانسداد، برزت قطر بوصفها الطرف الأكثر قدرة على إدارة التفاوض، بفضل شبكة العلاقات وخبرتها اللتين راكمتهما مع مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين، وما أتاحتاه من إمكانية الوصول إلى جميع الأطراف المعنية، فضلًا عن اطلاعها على أدق تفاصيل الخلاف بين واشنطن وطهران نتيجة أدوار الوساطة التي مارستها في مرات سابقة، بما فيها الوساطة الناجحة التي أسفرت عن تبادل السجناء بين الطرفين في أيلول/ سبتمبر 2023[5].

وشهدت الأزمة تحولًا مهمًا مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تراجعه عن خيار التصعيد العسكري، في ضوء تحركات إقليمية شاركت فيها قطر إلى جانب عدد من دول المنطقة[6]. وأوجد هذا التحول بيئة أكثر ملاءمة لتحرك قطر دبلوماسيًا، بعدما كثّفت، خلال الأشهر السابقة، اتصالاتها بواشنطن وطهران عبر زيارات متبادلة واجتماعات رفيعة المستوى تناولت سبل احتواء الأزمة وبناء إجراءات الثقة بينهما. وفي المرحلة الأخيرة من المفاوضات، تولّى الوفد القطري إدارة التفاصيل النهائية للتفاهم، وأسهم في معالجة القضايا التي كانت تعرقل الوصول إلى اتفاق، بما مهّد للانتقال من منطق التصعيد العسكري إلى المسار الدبلوماسي[7].

لقد استندت فاعلية وساطة قطر إلى هذه العناصر، التي أتاحت لها التحرك في مساحة تفاوضية يصعب على كثير من الوسطاء العمل ضمنها. ومع انتقال المفاوضات إلى مراحلها الحاسمة، اضطلعت قطر بدور أساسي في معالجة أكثر الملفات تعقيدًا، ومنها قضية الأموال الإيرانية المجمّدة، والترتيبات الأمنية الإقليمية، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز. وقد حظي هذا الدور بإشادة علنية من مسؤولين أميركيين، أكدوا أهمية الوساطة القطرية في الوصول إلى الاتفاق[8].

غير أن هذا النجاح الدبلوماسي ترافق، في المقابل، مع تصاعد خطاب سياسي وإعلامي يهدف إلى إعادة تأويل الدور القطري من زاوية مختلفة، فبدلًا من النظر إليه باعتباره عاملًا بنّاءً أسهم في احتواء الأزمة ومنع توسّعها، وتجنب آثارها العميقة في الاقتصاد العالمي، قُدّم بوصفه دليلًا على توسّع نفوذ قطر وانحيازها إلى أحد طرفَي الصراع، سواء الولايات المتحدة أو إيران، وفقًا لوجهة النظر المتبنّاة. ومن ثم، لم يصبح نجاح الوساطة مصدرًا لتعزيز شرعيتها، بل تحوّل إلى أحد أهم دوافع الحملة عليها، ولا سيما من جانب إسرائيل التي تسعى عمليًا إلى منع وقف الحرب. وقد استهدفت هذه الحملة تقويض الوساطة، وهو ما يقتضي الوقوف على طبيعة السرديات التي استندت إليها وتحليل مرتكزاتها.

ثانيًا: خلفيات الهجوم على الوساطة القطرية لوقف حرب إيران

لا يمكن فهم الحملة التي استهدفت الوساطة القطرية في أعقاب التوصل إلى مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية بمعزل عن المسار الذي راكمت خلاله قطر حضورها بوصفها وسيطًا ناجحًا في عدد من أكثر الأزمات الإقليمية والدولية تعقيدًا[9]. غير أن هذا التراكم في الخبرة والفاعلية ترافق، في الوقت نفسه، مع تصاعد محاولات للتشكيك في هذا الدور، ولا سيما عندما أصبحت الوساطة القطرية تمسّ ملفات ترتبط مباشرة بقضايا تؤثّر بشدة في نتائج الصراعات الإقليمية.

ومن هذا المنطلق، لم ينصبّ الجدل الذي أعقب الاتفاق الأميركي - الإيراني على تفاصيل العملية التفاوضية، أو كفاءة الوساطة في حد ذاتها، بقدر ما استهدف الوسيط نفسه. فقد سعت أطراف سياسية وإعلامية، خصوصًا في الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى بعض دوائر المعارضة الإيرانية[10]، إلى إعادة تفسير شبكة العلاقات التي بنتها قطر مع مختلف القوى الإقليمية باعتبارها دليلًا على الانحياز، لا شرطًا من شروط نجاح الوساطة. وبذلك، أصبح امتلاك قطر قنوات اتصال مع أطراف متخاصمة يُقدَّم بوصفه قرينةً على غياب الحياد، بدلًا من النظر إليه باعتباره أحد المقومات الأساسية التي مكّنتها من الاضطلاع بهذا الدور.

وقد تجاوز هذا الخطاب حدود النقد السياسي إلى محاولة البحث عن بدائل من الوساطة القطرية، وحتى محاصرتها وإضعافها. ففي الإعلام الأميركي المحافظ، طرحت بعض الأصوات المؤيدة لإسرائيل، والتابعة لها، فكرة إسناد الوساطة إلى دول أخرى، مثل سويسرا، بدعوى أنها أكثر حيادًا. غير أن قطر لم تبادر إلى طلب هذا الدور، وإنما عهد إليها به طرفَا الحرب، بما يؤكد أن نجاح الوساطة لا يرتبط بالحياد النظري بقدر ارتباطه بقدرة الوسيط على الحفاظ على ثقة الأطراف، وامتلاكه قنوات تواصل معهم جميعًا. ومن ثم، تكشف المقارنة بين الوسطاء أن معيار الفاعلية في النزاعات الدولية لا يقتصر على الحياد.

ويتعذر كذلك فصل هذه الحملة عن الموقف الإسرائيلي المعادي والمحرّض ضد قطر، ولا سيما في ضوء أدوارها التي اضطلعت بها في السعي إلى وقف الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة منذ اندلاعها في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وفي إثرها، تصاعدت الحملات الإسرائيلية التي استهدفت الدور القطري، واتخذت أشكالًا متعددة، راوحت بين التشكيك في وساطتها، واتهامها بالانحياز إلى حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وصولًا إلى العدوان المباشر على قطر. ففي 9 أيلول/ سبتمبر 2025، شنت إسرائيل هجومًا صاروخيًا، استهدف بيوتًا ومقارَّ سكنيةً يقيم فيها أعضاء الوفد المفاوض من حركة حماس. وقد أسفر العدوان عن سقوط عدد من القتلى، من بينهم نجل رئيس الوفد المفاوض عن حركة حماس، خليل الحية، ومدير مكتبه وعدد من المرافقين، وأحد رجال الأمن القطريين، وإصابة مدنيين كانوا في المكان[11]. وقد مثّل هذا العدوان سابقة في تاريخ العلاقات الدولية عبر قيام أحد أطراف الصراع بمهاجمة أراضي الدولة الوسيطة، ومحاولة قتل الطرف المفاوض من الجانب الآخر[12]. وقد نجحت قطر في تحويل هذا الهجوم إلى أداة ضغط مهمة على الطرف المعتدي، أسهمت في وقف الحرب ونجاح وساطتها، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الحملة عليها. ومؤخرًا، ومع نجاح قطر في أداء دور محوري في التوصل إلى مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، تجددت الحملة عليها، حيث أعادت وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الإسرائيلية إنتاج السرديات المشككة في دوافعها ومواقفها، من دون تردد في تضمين تقارير - تصدر عن مؤسسات تصف نفسها بأنها مراكز - تكهنات وأكاذيب وشائعات غير موثّقة، فضلًا عن انحيازاتها السياسية والأيديولوجية.

ولم يقتصر الخطاب الإسرائيلي على إعادة استحضار الاتهامات المرتبطة بعلاقات قطر مع حماس أو إيران، بل سعى إلى أيضًا توسيع نطاق التشكيك في دورها ليشمل ملفات لا ترتبط مباشرة بالوساطة، مثل مزاعم بالفساد، والتمويل السياسي غير الشرعي، والاستثمارات الخارجية[13]، في محاولة لإضعاف صدقية قطر بوصفها وسيطًا دوليًا. واتجهت بعض التحليلات كذلك إلى تأويل مسار الحرب نفسها بما يخدم هذه السردية، عبر الإيحاء بأن انخفاض وتيرة اعتداءات إيران على قطر خلال الأسابيع الأخيرة من الحرب يمثّل دليلًا على وجود تفاهمات خاصة معها[14]، من دون تقديم أدلة تدعم هذا الادّعاء، أو الأخذ في الاعتبار أن نجاح الوسيط يتطلب، بطبيعة الحال، الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف أطراف النزاع. لكن إسرائيل، التي دخلت في مرحلة توسيع نفوذها في المنطقة، لا تكتفي بالدعوة إلى الحرب فحسب، بل تشكّك في كل من يعارضها، وكأن الموقف الطبيعي هو الانصياع لرغباتها. ويعكس هذا توجهًا إسرائيليًا جديدًا يقوم على غطرسة وغرور خطيرين جدًا، قد يرتدان على المجتمع الإسرائيلي ذاته.

وتكشف مراجعة الخطاب الصادر عن بعض دوائر الإعلام الأميركي المحافظ الموالية لإسرائيل حججًا متهافتة تقوم على الانتقال من نقد سياسات محددة إلى التشكيك في أهداف الدولة الوسيط ذاتها. ثم تتسع دائرة الاتهام لتشمل قضايا أخرى، مثل توجهات وسائل الاعلام التي تمولها قطر، والعلاقات مع الصين، والاستثمارات في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وجميعها تنطبق على إسرائيل قبل غيرها، وعلى العديد من الدول العربية الخليجية أيضًا. غير أن الهدف من ذلك هو رسم صورة أسطورية عن قطر، والضغط على الولايات المتحدة لاستبعادها من جهود الوساطة والبحث عن وسيط آخر[15]. ولكن الهدف الحقيقي يتمثّل في إفشال المفاوضات ومنع وقف الحرب، وهو موقف تكاد إسرائيل تجاهر به، الأمر الذي يُفقد مزاعمها المتعلقة بالوساطة أي صدقية.

ويتجاوز الخطاب الإسرائيلي هذا المستوى إلى إعادة تأطير الدور القطري ضمن تصور من نسج خيال إسرائيلي جامح، باعتبار أن دور قطر جزء من منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة. ففي هذا التصور، لا تُقدَّم العلاقات بين الدوحة وطهران بوصفها جزءًا من سياسة خارجية تقوم على الانفتاح والتوازن، وتخفيف التوتر بين جيران في منطقة معقّدة ليس لقطر فيها حدود سوى بين دولتين، وإنما باعتبارها توزيعًا للأدوار بين "القوة الصلبة" التي تمثّلها إيران و"القوة الناعمة" التي تمثّلها قطر، عبر أدوات الدبلوماسية والإعلام والاستثمار[16]. ويؤدي هذا التأطير المختلق (المتأثر بنظرية المؤامرة التي غالبًا ما تنسبها العنصرية الإسرائيلية إلى العرب) إلى إعادة تفسير مختلف أدوات القوة الناعمة القطرية، بما في ذلك الاستثمارات الثقافية، وتمويل الجامعات، والدبلوماسية العامة، ووسائل الإعلام القطرية مثل قناة الجزيرة الإنكليزية، باعتبارها امتدادًا لمشروع النفوذ الإيراني، أو جماعة الإخوان المسلمين (كما كانت التّهمة حتى الماضي القريب)، ودعمًا لنشاطات "إرهابية"، وليس جزءًا من سياسة خارجية مستقلة. ولا يسع المرء إلا أن يلاحظ الغضب الإسرائيلي من مجرد وجود قوة ناعمة عربية من أيّ نوع.

غير أن هذه المقاربة تقوم على افتراضات هشّة تتجاهل السياقات التي أنتجت كثيرًا من التحولات الإقليمية والدولية، بما فيها مثلًا الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها الجامعات الأميركية على خلفية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، والتي صارت جزءًا من نقاش عميق تشهده الولايات المتحدة على مستوى النخب والرأي العام بشأن الضرر الذي يُلحقه التحالف مع إسرائيل بالولايات المتحدة في ضوء الجرائم التي ترتكبها حكومة اليمين المتطرف في فلسطين. وتصوّر هذه المقاربة أيضًا كل أدوات سياسة قطر الخارجية، مهما اختلفت طبيعتها ووظيفتها، باعتبارها دليلًا على انخراطها في مشروع إقليمي مُعادٍ للمصالح الأميركية في المنطقة. وبذلك، لا يقتصر الخطاب على نقد سياسات بعينها، وإنما يعيد أيضًا تعريف هوية الدولة ووظيفتها الإقليمية من خلال قراءة انتقائية لمجمل أدوارها الخارجية.

وتستند سردية أخرى إلى تصوير قطر بوصفها "دولة انتهازية"[17] تؤدي دورًا مزدوجًا يجمع بين شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة وعلاقاتها مع إيران وحماس، بما يضعها، وفقًا لهذا التصور، في موقع الخصم بالنسبة إلى مؤجّجي الحروب في الولايات المتحدة واسرائيل، وينفي عنها الأهلية لتأدية دور الوسيط المحايد. وينطلق هذا الطرح من افتراض مفاده أن الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة تستلزم، بالضرورة، الاصطفاف السياسي الكامل معها والانسجام كليًا مع مواقفها، في حين تكشف تجربة قطر أن الحفاظ على الشراكات الاستراتيجية لم يمنعها من انتهاج سياسة خارجية مستقلة تقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، واتخاذ مواقف مبدئية من القضايا العادلة، مثل قضية فلسطين، بانسجام مع الشرعية الدولية. بل إن هذه القدرة تحديدًا هي التي جعلت الوساطة القطرية ممكنةً في ملفات تعذّر على أطراف أخرى تحقيق اختراق فيها. ومن ثم، لا يبدو أن الاعتراض ينصبّ على الوساطة بوصفها آليةً لإدارة النزاعات، بقدر ما يركّز على إفشال المفاوضات ومواصلة الحرب والانصياع للإملاءات الإسرائيلية في فلسطين ولبنان وإيران. ولا تعيد السرديات المناهضة للدور القطري تعريف دور الوسيط فحسب، وإنما تضيّق أيضًا مفهوم الوساطة ذاته، بحيث تصبح مشروعيتها مرهونةً بمدى توافقها مع رؤية طرف واحد، لا بقدرتها على خفض التصعيد وتهيئة الظروف للتسوية السياسية.

ثالثًا: لبنان بوصفه عقدة الوساطة

شكّل إدراج الملف اللبناني ضمن مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية أحد أبرز التحولات التي طرأت على مسار التفاوض بين واشنطن وطهران؛ إذ لم يعد العدوان الإسرائيلي على لبنان يُنظر إليه بوصفه "نشاطًا" سياسيًا إسرائيليًا مستقلًا عن بقية ملفات الصراع، وإنما أصبح جزءًا من ترتيبات إقليمية. وأفضى هذا الربط إلى نقل الملف اللبناني من إطاره الثنائي إلى سياق إقليمي أشمل. وفي المقابل، تسعى إسرائيل صراحة إلى إبقاء الملف اللبناني خاضعًا لحساباتها الخاصة، وربما إلى الحصول، في أقصى الحالات، على موافقة أميركية على هذه الحسابات.

ولم يقتصر الدور القطري على تسهيل التواصل بين واشنطن وطهران، وإنما امتد أيضًا إلى محاولة الربط بين ثلاثة مسارات متوازية تشمل تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، ودعم المفاوضات المتعلقة بتثبيت وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، والعمل على إنشاء مظلّة سياسية وأمنية تحول دون انزلاق الجنوب اللبناني إلى جولة جديدة من المواجهة. وقد تجسّد ذلك في دعم آليات مراقبة وقف إطلاق النار، وتشجيع الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار في الجنوب اللبناني، بالتوازي مع تكثيف الضغوط المطالِبة بانسحاب إسرائيل من المناطق التي واصلت احتلالها بعد انتهاء العمليات العسكرية.

غير أن هذا المسار قوبل باعتراض واضح في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، التي رأت في إدراج لبنان ضمن التفاهم الأميركي - الإيراني تقييدًا لحرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، وإضفاء شرعية على مقاربة تفاوضية تجعل معالجة الملف اللبناني تمرّ عبر التفاهم مع إيران، بدلًا من اقتصارها على القنوات المباشرة مع الدولة اللبنانية[18]. ولذلك، ركّزت الانتقادات الإسرائيلية على الآليات المقترحة لمنع الاحتكاك العسكري، وعلى ما اعتُبر تراجعًا عن منح إسرائيل هامشًا واسعًا للعمل عسكريًا في الجنوب اللبناني، وهو ما كشف عن تباين متزايد بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة المرحلة التي أعقبت الاتفاق[19].

ولم يقتصر الاعتراض على الترتيبات الأمنية الجديدة، بل امتد أيضًا إلى إعادة تفسير مجمل الحضور القطري في لبنان. فوفقًا لهذا الخطاب، لم تعُد مساهمة قطر في إعادة إعمار جنوب لبنان بعد حرب عام 2006، أو رعايتها اتفاق الدوحة عام 2008، تُقرأ باعتبارها جهودًا هدفت إلى احتواء الانقسام الداخلي ومنع انهيار الدولة اللبنانية، وإنما أُعيد تأويلها باعتبارها خطوات أسهمت، على نحو مباشر أو غير مباشر، في تعزيز موقع حزب الله داخل النظام السياسي اللبناني. وبهذا، أُدرجت مختلف المبادرات القطرية في لبنان ضمن سردية واحدة تربط بين الدبلوماسية القطرية والمشروع الإقليمي الإيراني.

وتكشف هذه القراءة عن انتقال الخطاب المناهض للوساطة القطرية من التشكيك في حياد الوسيط إلى إعادة كتابة تاريخ الأزمة اللبنانية نفسها. فلم تعد إعادة الإعمار، أو رعاية التسويات السياسية، أو تقديم الدعم الاقتصادي تُقدَّم باعتبارها أدواتٍ لتخفيف آثار الحرب في السكان المدنيين، والحيلولة دون انهيار مؤسسات الدولة، وإنما أصبحت تُفسَّر بوصفها وسائل لإدامة نفوذ حزب الله داخل لبنان، تمامًا كما جرى تصوير أيّ دعم لغزة المحاصرة بوصفه تعزيزًا لسلطة حماس. وهو موقف إسرائيلي يتعارض تعارضًا كليًا مع مبادئ القانونين الدولي والإنساني؛ إذ يصبح قطع الغذاء والدواء والسلع الحيوية، حيث توجد قوة مناهضة لإسرائيل، أداة مشروعة، وتغدو المساعدات الإنسانية رهينة الشروط السياسية.

ويتجاهل هذا التأويل جملة من العوامل البنيوية التي أسهمت في صعود حزب الله وترسيخ حضوره السياسي والعسكري، وفي مقدّمتها استمرار الصراع مع إسرائيل، والاحتلال المتكرر لأجزاء من الأراضي اللبنانية، والانتهاكات العسكرية التي جعلت قطاعًا واسعًا من المجتمع اللبناني ينظر إلى الحزب بوصفه فاعلًا مرتبطًا بمعادلة الردع مع إسرائيل. ويُغفل كذلك أن التدخل القطري في لبنان جاء، في محطاته المختلفة، استجابةً لأزمات محددة فرضتها الحروب والانقسامات الداخلية، وليس تعبيرًا عن مشروع لإعادة تشكيل موازين القوى السياسية داخل البلاد. ومن ثم، لا تستند إعادة إدراج الملف اللبناني ضمن السرديات المناهضة للدور القطري إلى تقييم موضوعي لنتائج الوساطة، بقدر ما تعكس محاولة لتوسيع دائرة الاتهام بحيث تشمل مختلف أدوار الدوحة الإقليمية. فبعد أن كان التركيز منصبًّا على حياد الوسيط في إدارة المفاوضات الأميركية - الإيرانية، أصبح تاريخ السياسة القطرية في لبنان نفسه موضوعًا لإعادة التأويل، بما يسمح بتقديم الوساطة الحالية باعتبارها امتدادًا لمسار طويل من الانحياز، لا استمرارًا لدبلوماسية هدفت، في محطات متعددة، إلى مساندة الدولة اللبنانية واحتواء الصراع وآثاره.

رابعًا: أدوات الهجوم على دور الوساطة القطرية

لا يمكن تفسير الحملة التي استهدفت الوساطة القطرية بالاستناد إلى الاعتبارات المتعلقة بأداء الوسيط وحده، وإنما ينبغي فهمها في سياق أوسع يرتبط بطبيعة مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية والنتائج التي أفضت إليها. فقد جاء الاتفاق في لحظة كان الرهان فيها لا يزال قائمًا على إمكانية أن تؤدي القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية إلى إحداث تغيير جذري في مسرح العمليات، في إيران ولبنان على السواء، أو فرض تسوية سياسية تتناول مختلف قضايا الخلاف في الحد الأدنى. لكنّ هذا لم يحدث، بل أدت حالة عدم الحسم إلى فتح الباب أمام جولة جديدة من المفاوضات حول ملفات أكثر تعقيدًا، وفي مقدّمتها البرنامج النووي الإيراني، وترتيبات الأمن الإقليمي، ومستقبل الصراع في لبنان. وفي ظل استمرار الخلافات حول هذه القضايا، برز خطاب يسعى إلى تحميل الوساطة جانبًا من مسؤولية عدم تحقّق هذه التوقعات، وصولًا إلى تعقّد المسار التفاوضي وجموده، على الرغم من أن أسباب الجمود ارتبطت، في جوهرها، بتباين مواقف أطراف التفاوض أنفسهم.

ومن هذا المنطلق، بدا أن الانتقادات الموجهة إلى قطر تستهدف، في واقع الأمر، النتائج التي أسفرت عنها الوساطة أكثر مما تستهدف آلياتها. فبالنسبة إلى قطاعات من النخب السياسية والإعلامية، ولا سيما في إسرائيل وبعض الأوساط الأميركية المحافظة، لم تكمن المشكلة في إدارة قطر للمفاوضات، وإنما في أنها أسهمت في احتواء التصعيد العسكري، ووفّرت إطارًا تفاوضيًا أتاح إدراج الملف اللبناني ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، بما حدّ من فرص اللجوء إلى الخيار العسكري الذي كانت تدعو إليه بعض هذه الأطراف. وبهذا المعنى، تحوّل نجاح الوساطة في خفض التصعيد إلى أحد أسباب التشكيك في مشروعيتها.

وتداخلت مع هذا العامل اعتباراتٌ سياسية واستراتيجية أخرى، من أبرزها الاعتراض على أن يفضي المسار التفاوضي إلى منح طهران مكاسب سياسية، بدلًا من إخضاعها لمنطق الضغط العسكري. وبرزت كذلك مخاوف إسرائيلية من أن يؤدي ربط الملف اللبناني بالتفاهم الأميركي - الإيراني إلى فرض قيود على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، بما يعيد صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها وفقًا لترتيبات تفاوضية لا تنسجم مع أولوياتها الاستراتيجية. وإلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال البعد التنافسي المرتبط بموقع الوسيط نفسه، في ضوء سعي قوى إقليمية ودولية أخرى إلى القيام بأدوار مماثلة في إدارة الأزمات الإقليمية.

وتدل المؤشرات الرقمية على أن الحملة لم تكن مجرد ردود فعل متفرقة، وإنما اتّسمت بدرجة من التنسيق في إنتاج الخطاب المناهض للوساطة القطرية. ففي هذا السياق، أظهر تحليل أجراه موقع "مسبار"[20] ، وهو منصة متخصصة في فحص الأخبار وتقصي الحقائق وكشف المعلومات المضللة والشائعات المتداولة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، لمنصة "إكس" X أن المرحلة الحاسمة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية شهدت نشاطًا رقميًا كثيفًا استهدف التشكيك في الدور القطري، شمل أكثر من 342 ألف منشور صدرت عن أكثر من 160 ألف حساب، مع تصاعد ملحوظ في حجم التفاعل خلال النصف الثاني من حزيران/ يونيو 2026، بالتزامن مع اقتراب المفاوضات من مراحلها الحرجة. وكشف التحليل كذلك عن تمركز نسبة كبيرة من هذا النشاط حول مجموعة محدودة نسبيًا من الحسابات التي أعادت إنتاج السرديات نفسها على نحو متكرر، بما يشير إلى وجود قدر من التنسيق في توجيه الخطاب وإعادة تدويره من خلال الحسابات الوهمية و/ أو المجيّشة.

وتكشف هوية الحسابات المشاركة في الحملة عن تلاقي ثلاث دوائر رئيسة، ضمّت حسابات إسرائيلية أو مؤيدة لإسرائيل، وأخرى تنتمي إلى اليمين الأميركي المحافظ، وثالثة محسوبة على المعارضة الإيرانية ذات التوجه المَلكي. ويشير هذا التوزيع إلى أن الحملة لم تعبّر عن موقف سياسي واحد، وإنما مثّلت نقطة تقاطع بين أطراف تختلف في مرجعياتها السياسية، لكنها تشترك في رفض مخرجات التفاهم الأميركي - الإيراني والإصرار على مواصلة الحرب حتى سقوط النظام الإيراني أو تدمير إيران تمامًا.

وتعزز الخصائص اللغوية والجغرافية للحملة هذا الاستنتاج؛ إذ هيمنت اللغة الإنكليزية على معظم المحتوى المنشور، بما يدل على أن الجمهور المستهدف لم يكن الرأي العام العربي، وإنما دوائر صنع القرار والرأي العام في الولايات المتحدة والغرب. وتركّز النشاط كذلك في الولايات المتحدة، مع حضور ملحوظ لحسابات تنشط من بريطانيا وفرنسا، في حين جاء النشاط الصادر من داخل إيران محدودًا مقارنة بالحضور الكثيف للحسابات الناطقة بالفارسية خارجها، وهو ما يرجّح مساهمة أوساط المعارضة الإيرانية في إنتاج هذا الخطاب. وتعكس هذه المعطيات الطبيعة العابرة للحدود التي اتّسمت بها الحملة، والتي جمعت بين شبكات مختلفة حول هدف واحد يتمثّل في تقويض الوساطة القطرية.

​ويكشف تحليل المضامين المتداولة أن الخطاب لم يركّز على مناقشة تفاصيل الوساطة أو تقييم نتائجها، وإنما انصرف إلى إعادة تأطيرها ضمن إطار أمني وسياسي أوسع. فقد رُبط الدور القطري بسرديات تتعلق بدعم الإرهاب، والتقارب مع إيران وحماس، والتأثير في دوائر صنع القرار الأميركية، وهي مضامين تتوافق إلى حد بعيد مع الخطاب المحافظ السائد في الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن ثمّ، لم يعُد الجدل يدور حول مدى نجاح الوساطة أو إخفاقها، بل حول إعادة تعريفها باعتبارها نشاطًا سياسيًا مختلفًا عليه، عبر دمجها في أطر خطابية تتعلق بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب والنفوذ الإيراني.

وأظهر التحليل أن الحملة لم تعتمد على شخصيات عامة ومؤثّرة فحسب، وإنما استندت أيضًا إلى شبكة واسعة من الحسابات محدودة الانتشار أو حديثة الإنشاء، والتي أسهمت في تضخيم الخطاب المناهض للوساطة عبر إعادة نشر المضامين نفسها على نحو مكثف. فعلى الرغم من محدودية تأثير هذه الحسابات منفردة، فإن تحرّكها ضمن شبكات تفاعلية متزامنة منحها قدرة أكبر على توسيع انتشار الرسائل وإعطاء الانطباع بوجود إجماع واسع حولها، وهو نمط أصبح مألوفًا في الحملات الرقمية المرتبطة بالقضايا السياسية والدبلوماسية.

وفي الحصيلة، تكشف هذه الحملة عن مفارقة لافتة؛ إذ إن الخصائص التي منحت الوساطة القطرية فاعليتها المعترف بها والمجمع عليها تقريبًا، تحوّلت في الخطاب المناهض إلى مبررات للتشكيك في مشروعيتها. فامتلاك قطر قنوات اتصال مع أطراف يصعب على القوى الغربية التواصل معها، وقدرتها على الجمع بين متخاصمين على طاولة واحدة، لم يُنظر إليهما بوصفهما مصدرًا لنجاح الوساطة، وإنما قُدِّما دليلًا على الانحياز أو التواطؤ، مع أن الوصول إلى جميع الأطراف يعدّ من الشروط الأساسية لنجاح الوساطة في النزاعات الدولية.

خاتمة

تكشف الحملة التي استهدفت الوساطة القطرية، في أعقاب التوصل إلى مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، أن الجدل الدائر حول الدور القطري ذو علاقة مباشرة بمعارضة وقف الحرب. ولتحقيق غاياتها التحريضية، لم تتردد هذه الحملة في نسج سرديات متخيّلة تموّه هذا الغرض، وتعيد تقييم أداء الوساطة أو نتائجها المباشرة، لتعكس صراعًا أوسع بشأن تعريف الوساطة نفسها، وحدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به القوى الإقليمية في إدارة الأزمات، وصولًا إلى مواقف قطر وسياساتها ونهجها الدبلوماسي. فالسرديات التي روّجتها قطاعات من الإعلام ومراكز التفكير والنخب السياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل، وانضمت إليها أطراف من المعارضة الإيرانية، لم تنطلق من تقييم موضوعي لفاعلية الوساطة، بقدر ما سعت إلى إعادة تأويل المقومات التي منحتها فاعليتها، وتحويلها إلى عناصر اتهام تُستخدم لتقويض صدقية الوسيط. فهي في الحقيقة ضد أيّ وساطة لا تنصاع للإملاءات الاسرائيلية.

وتُظهر هذه السرديات خلطًا منهجيًا بين مفاهيم متمايزة، وفي مقدمتها الحياد، وإمكان الوصول، والانحياز. فهي تفترض أن احتفاظ الوسيط بقنوات اتصال مع جميع أطراف النزاع يمثّل دليلًا على اصطفافه إلى جانب أحدها، في حين أن خبرات الوساطة الدولية تؤكّد أن هذه القنوات تمثّل الشرط الأساسي لنجاح أيّ عملية تفاوضية. ومن ثم، لا يعترض الخطاب المناهض على الوساطة بوصفها آلية لإدارة النزاعات، بقدر ما يعترض على استقلالية الوسيط عندما تفضي مخرجات التفاوض إلى نتائج لا تنسجم مع أولويات بعض القوى المنخرطة في الصراع.

وتكشف دراسة هذه السرديات أن الحملة لم تكن موجّهة ضد قطر بوصفها دولة بعينها فحسب، وإنما ضد نموذج دبلوماسي يقوم على الانخراط مع جميع الأطراف، والحفاظ على قنوات الحوار حتى في ذروة الأزمات، وتقديم التفاوض بوصفه بديلًا من التصعيد العسكري.

وتشير هذه الحملة أيضًا إلى أن نجاح الوساطة قد يصبح، في بعض السياقات، عاملًا يفاقم استهداف الوسيط، بدلًا من أن يعزز شرعيته. فكلما اتسعت قدرة الوسيط على التأثير في مسارات التفاوض، ازداد احتمال تعرّضه لمحاولات الهجوم والتشكيك، ولا سيما إذا أسهمت التسويات التي يرعاها في الحد من الخيارات العسكرية، أو في إعادة صياغة ترتيبات إقليمية لا تحظى بإجماع جميع الأطراف. وفي هذه الحالة، يتحول الجدل من تقييم الوساطة إلى محاولة إعادة تعريف شروطها، بحيث تصبح صدقية الوسيط مرهونةً بتوافق نتائج التفاوض مع مصالح قوى بعينها، لا بقدرته على خفض التصعيد وفتح مسارات للحل.

وفي ضوء ذلك، تبدو السرديات المناهضة للوساطة القطرية جزءًا من صراع أوسع على هندسة النظام الإقليمي بعد مرحلة العدوان على غزة ولبنان وإيران، وعلى تحديد حدود النفوذ الإسرائيلي الجديد وأدوار الفاعلين الذين يتولون رعاية التفاهمات الأميركية - الإسرائيلية التي يُراد لها أن تحل محل التفاهمات الدولية الأوسع. ووفقًا لهذا التصور، يُفترض أن يقتصر موقف دول الإقليم على تنفيذ هذه التفاهمات، وهو موقف ينمّ عن غرور وغطرسة يؤديان إلى سوء فهم خطير لطبيعة الإقليم والعلاقات الدولية، وصولًا إلى إعادة تعريف طبيعة الوساطات.


[1] Vassilis K. Fouskas, “Qatar and the Israel-Hamas Conflict: Hybrid Mediation Power on Display,” Open Access Government, 24/11/2023, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxMvVb

[2] ينظر: "الوسيط الحاسم.. كيف قادت قطر ماراثون الساعات الأخيرة لإنهاء الحرب بين واشنطن وطهران؟"، الجزيرة نت، 21/6/2026، شوهد في 12/7/2026، في: https://acr.ps/hBxNLJT

[3] Summer Said, Anat Peled & Robbie Gramer, “Qatar Resists Being Key Mediator,” The Wall Street Journal, 6/4/2026, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNLWs

[4] مع بدايات الحرب على إيران، أعلنت دولة قطر أنّه لا يوجد جهد مباشر لها فيما يتعلّق بالوساطة، لكنّها تدعم ‌جميع القنوات الدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية لإنهاء الحرب، وأن جهدها منصبّ في هذه المرحلة على الدفاع عن أراضيها، والتعامل مع الخسائر الناجمة عن الاعتداءات المختلفة التي تعرّضت لها. وشددت على أن موقفها منذ اليوم الأول تمثّل في ضرورة إنهاء هذه الحرب عبر السبل الدبلوماسية. ينظر: "مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية: قطر غير منخرطة في وساطة بين أمريكا وإيران وتدعم جميع المسارات الدبلوماسية لإنهاء الحرب"، المركز الإعلامي لوزارة الخارجية لدولة قطر، 24/3/2026، شوهد في 12/7/2026، في: https://acr.ps/hBxNM91

[5] "صفقة طهران وواشنطن.. السجناء الإيرانيون والأميركيون المفرج عنهم"، الجزيرة نت، 18/9/2023، شوهد في 12/7/2026، في: https://acr.ps/hBxNMH4

[6] Maegan Vazquez et al., “Trump Says Iran Ceasefire Deal in Final Stages, to be ‘Announced Shortly’,” The Washington Post, 23/5/2026, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNM90

[7] ينظر:

Anwar Al-Khateeb, “How Qatar's Quiet Diplomacy Helped Pave the Way for the US-Iran Deal,” The New Arab, 16/6/2026, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNLTd

[8] “Vice President JD Vance Briefs Members of the Media,” The White House, 18/6/2026, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNMlA; “Joint Statement Following the Ministerial Meeting of the United States and the Gulf Cooperation Council (GCC),” U.S. Department pf State, 25/6/2026, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNMy9;

وأشاد ترمب خلال لقائه أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، على هامش فعاليات مؤتمر مجموعة السبع في فرنسا، بدور الدوحة في الوساطة. ينظر: "جسر بين الخصوم.. كيف ساهمت الوساطة القطرية بحماية مسار التفاوض بين واشنطن وإيران؟"، التلفزيون العربي، 17/6/2026، شوهد في 12/7/2026، في: https://acr.ps/hBxNLGE

[9] ينظر: "ملفات نجحت الوساطة القطرية في حلها باتفاقات"، الجزيرة نت، 19/3/2025، شوهد في 12/7/2026، في: https://acr.ps/hBxNM5M

[10] لقد رأت هذه الأطراف في الاتفاق إنقاذًا للنظام الإيراني، بما يتعارض مع رؤيتها الساعية إلى إسقاطه بالقوة العسكرية، أو عبر إثارة الاحتجاجات الشعبية. ولذلك، هاجمت كل الأطراف التي ساهمت في إنجازه، بما في ذلك قطر. ينظر:

Danny Zaken “Senior Iranian Opposition Figure: Qatar Bribed the Entire Region, the IDF is our Hope,” Israel Hayom, 17/6/2026, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNMuv

[11] "الداخلية القطرية: استشهاد عنصر أمن في العدوان الإسرائيلي على الدوحة"، العربي الجديد، 9/9/2025، شوهد في 12/7/2026، في: https://acr.ps/hBxMw8M

[12] ينظر: "العدوان الإسرائيلي على قطر: دوافعه وتداعياته"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 11/9/2025، شوهد في 12/7/2026، في: https://acr.ps/hBxMwmn

[13] Shachar Kleiman, “US-Iran Deal Leaves Qatar on Top,” Israel Hayom, 16/6/2026, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNMuU

[14] Ibid.

[15] “How about NOT Relying on Qatar as an Honest US-Iran Broker?” New York Post, 24/6/2025, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNMHt

[16] Aviram Bellaishe, “Iran Builds Proxies, Qatar Peddles Influence: Decoding Doha's Double Game – Analysis,” The Jerusalem Post, 7/5/2026, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNLPY

[17] Munir Dahir, “Qatar: A mediator or sponsor of terror? Time to draw the line,” Y Net Global, 13/9/2025, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNM2x

[18] Kleiman.

[19] على النقيض من ذلك، اعتبرت إسرائيل الاتفاق الإطاري الذي وقّعته الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان في 26 حزيران/ يونيو، بوصفه "خطوة مهمة نحو تطبيع العلاقات مع لبنان، وبما يتيح لجيش الاحتلال الإسرائيلي البقاء في مناطق رئيسة من جنوب لبنان لمنع التهديدات التي يشكّلها حزب الله، والذي أدى عمليًا بالنسبة إلى إسرائيل إلى التخلي عن المقترح الذي طرحه نائب الرئيس جي دي فانس في محادثات سويسرا مع الإيرانيين لإنشاء ’آلية لمنع الاحتكاك‘". ينظر:

Mark Dubowitz, “U.S. Quietly Shelves Proposed Hezbollah ‘Deconfliction Mechanism’,” Policy Brief, The Foundation for Defense of Democracies, 30/6/2026, accessed on 12/7/2026, at: https://acr.ps/hBxNLZi

​​

[20] ينظر: "حسابات إسرائيلية تقود هجومًا رقميًا على قطر بسبب وساطتها بين واشنطن وطهران"، مسبار، 5/7/2026، شوهد في 12/7/2026، في: https://acr.ps/hBxNMhW؛ "استهدفت الوساطة القطرية وفريقي التفاوض الأميركي والإيراني.. تحقيق للتلفزيون العربي يكشف الحملة الممنهجة على منصة إكس"، التلفزيون العربي - إكس، 6/7/2026، شوهد في 12/7/2026، في: https://acr.ps/hBxMwzY