مقدمة
أدخل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال "صوماليلاند"، في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025، قضيتها المتعلّقة بالمطالبة بتقرير المصير، منذ أكثر من ثلاثة عقود، طورًا جديدًا من الاستقطاب الإقليمي. فقد تعاملت الإدارة الجديدة في هرجيسا، عاصمة صوماليلاند، مع هذا الاعتراف بوصفه اختراقًا دبلوماسيًا غير مسبوق، بعد سنوات من العلاقات مع قوى دولية وإقليمية لم يُترجَم التعاون معها إلى اعتراف سيادي[1]. ولم يقتصر الإعلان على تبادل الاعتراف؛ إذ ربطه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بــ "روح الاتفاقيات الإبراهيمية"، وأعلن توجّه الطرفين إلى التعاون في مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد؛ ما أدرج صوماليلاند، منذ البداية، في شبكة أوسع من التطبيع، وحسابات إسرائيل الإقليمية.
تدرّجت العلاقة سريعًا من الاعتراف إلى بناء شراكة مؤسسية. فبعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، إلى هرجيسا، وتبادل السفراء، افتتح رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله "عِرّو"، خلال زيارته الرسمية إلى إسرائيل في حزيران/ يونيو 2026، سفارة صوماليلاند في القدس، ووقّع مع نتنياهو "إعلانًا استراتيجيًا مشتركًا للتعاون". ووفقًا لما أعلنت عنه هرجيسا، وضع الإعلان إطارًا طويل الأمد للتعاون في مجالات الأمن والاستثمار والتكنولوجيا والزراعة وإدارة المياه والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية، إلى جانب تعزيز التواصل الدبلوماسي والتجاري.
وتنبع أهمية هذه التطورات من أنها أعادت تأطير قضية صوماليلاند. فقد بنت هرجيسا خطابها الخارجي، منذ إعلانها استعادة استقلالها في عام 1991، على الحق في تقرير المصير، ووجود مؤسسات حكم فعلية، واستقرار نسبي، وتجربة سياسية مغايرة لمسار الدولة الصومالية بعد انهيار السلطة المركزية. غير أن العلاقة مع إسرائيل دفعت القضية إلى سياق مختلف، تتداخل فيه مسارات التطبيع، وأمن البحر الأحمر، والمواجهة مع الحوثيين وإيران، والتنافس على الموانئ والممرات البحرية. وبذلك، غدا موقع صوماليلاند وميناء بربرة وساحل خليج عدن أصولًا محتملة في هندسة أمنية تتجاوز مطلبها الأصلي في الاعتراف.
تتناول هذه الورقة الاعتراف الإسرائيلي بوصفه حدثًا يتجاوز العلاقة الثنائية بين إسرائيل وصوماليلاند؛ إذ يتقاطع مع خصوصية حالة صوماليلاند، وحدود تقرير مصيره بين القانون والسياسة، والأزمة الممتدة بينه وبين العاصمة الصومالية، مقديشو، ومحاولة إسرائيل توسيع حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويثير كذلك، داخل صوماليلاند نفسه، أسئلة عن معنى الشرعية، وحدود البراغماتية، وتكلفة الاصطفاف مع قوة احتلال في لحظة تتصدّر فيها غزة وفلسطين النقاش الأخلاقي والقانوني العالمي[2].
أولًا: لماذا تبحث صوماليلاند عن الاعتراف؟
تحتل صوماليلاند موقعًا ملتبسًا في النظام الدولي؛ إذ تمارس معظم وظائف الدولة داخل حدودها، من دون أن تحظى بالشخصية القانونية التي يتيحها الاعتراف الدولي. وقد أنشأت هرجيسا، منذ إعلانها استعادة استقلال صوماليلاند في عام 1991، مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية، ونظّمت انتخابات دورية، وطوّرت أجهزة أمنية وإدارية مستقلة عن مقديشو، وحافظت على استقرار نسبي في محيط صومالي اتسم بانهيار السلطة المركزية، وتعدد مراكز القوة. ويجعل هذا التراكم المؤسسي حالتها متصلة، في آن معًا، بتاريخ الاتحاد الصومالي وفشل دولة ما بعد الاستعمار، وبمبدأ تقرير المصير وسلامة أراضي الدول.
تستند المطالبة الصوماليلاندية إلى تجربة الاستقلال القصيرة في عام 1960؛ فقد نالت محمية صوماليلاند البريطانية استقلالها في 26 حزيران/ يونيو، ثم اتحدت بعد خمسة أيام مع الإقليم الصومالي، الذي استقل عن الوصاية الإيطالية في 1 تموز/ يوليو، لتشكيل الجمهورية الصومالية. وتستثمر هرجيسا هذه السابقة لتقديم مشروعها بوصفه استعادة لوضع سياسي سابق، بعد أن أخفق الاتحاد في بناء دولة جامعة، وتدهور خلال العقود التالية إلى حكم سلطوي، انتهى بعنف واسع ضد مدن الشمال في أواخر عهد محمد سياد بري، إلى أن أطيح نظامه في عام 1991. ومن ثم، يرتبط هذا العام في الذاكرة السياسية المحلية بانهيار رابطة الاتحاد، واستعادة السيادة على حدود المحمية السابقة.
خلال العقود اللاحقة، راكمت صوماليلاند مقوّمات حكم داخلي منحت خطابها قدرًا من الصدقية. فقد أنشأت نظامًا رئاسيًا وبرلمانيًا وإدارة محلية وأجهزة أمنية، وطبعت عملتها الخاصة، وطورت نظامًا انتخابيًا أفضى إلى انتقالٍ للسلطة أكثر من مرة. وجاء فوز عِرّو في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وانتقال السلطة إليه، ليعزز سردية هرجيسا عن قدرتها على إدارة التنافس السياسي سلميًا. ووظفت علاقتها الرسمية بتايوان وتقاربها مع دوائر غربية في تقديم نفسها شريكًا ديمقراطيًا ومستقرًا نسبيًا في مواجهة النفوذ الصيني في القرن الأفريقي. ومع ذلك، تظل هذه التجربة محاطة بتحديات تتصل بتأجيل بعض الاستحقاقات، والتفاوت في التمثيل السياسي، والنزاع على المناطق الشرقية، وهي عوامل تحدّ من تصويرها نموذجًا مكتملًا للدولة الديمقراطية.
وقد وجدت خصوصية الحالة الصوماليلاندية صدى داخل الاتحاد الأفريقي؛ إذ أشارت بعثته لتقصي الحقائق في عام 2005 إلى أن تاريخ صوماليلاند وظروف اتحادها مع الصومال يميزانها من الحالات الانفصالية الأفريقية أخرى، ورأت أن التعامل مع حالتها على نحو خاص لا يقود بالضرورة إلى فتح الباب أمام تفكك حدود القارة[3]. غير أن هذا التقدير بقي في نطاق التشخيص، ولم يتحول إلى مراجعة مؤسسية لموقف الاتحاد وقراراته؛ فقد استمر ثقل مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، كما تكرّس في قرار القاهرة لعام 1964 والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، مقرونًا بالاعتراف الدولي القائم بجمهورية الصومال الفدرالية. ونتيجة لذلك، ظلت هرجيسا تتمسك بحدود المحمية البريطانية بوصفها أساسًا لمطلبها، في حين استُخدم المبدأ نفسه لتثبيت وحدة الصومال المعترف بها دوليًا[4].
تعكس صوماليلاند، في هذا السياق، نموذج دولة الأمر الواقع؛ فهي تمتلك قدرة إدارية وأمنية معتبرة، بينما تبقى سيادتها الخارجية معلّقة. ويضيء مفهوم روبرت جاكسون عن "الدول شبه القانونية" هذه المفارقة بصورة معكوسة، فقد تناول دولًا تملك اعترافًا وسيادة قانونية رغم ضعف قدرتها على الحكم، في حين تقدم صوماليلاند حالة تتمتع بفاعلية داخلية من دون قبول قانوني مماثل. وتكشف هذه الحالة أن صفة الدولة في النظام الدولي تتكون من تفاعل القدرة المؤسسية مع الاعتراف الخارجي، فلا تستمد من أحدهما منفردًا.[5]
وتترتب على هذه الفجوة آثار عملية مباشرة. فهرجيسا تدير الضرائب والتعليم والمطارات والأمن والانتخابات، لكنها تظل عاجزة عن الانضمام إلى الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، وتواجه قيودًا في الاقتراض وجذب الاستثمار وإبرام الاتفاقيات وحماية مصالحها الخارجية. وقد جعل كلُ هذا الاعترافَ هدفًا ثابتًا في سياسات الحكومات المتعاقبة، وأكسب أيّ عرضٍ لكسر العزلة قيمةً سياسيةً تتجاوز مضمون العلاقة الثنائية ذاتها، وغذّى شعورًا محليًا بأن المجتمع الدولي ينتفع من استقرار صوماليلاند والتعاون الأمني والاقتصادي، من دون أن يمنح هرجيسا المقابل السيادي الذي تطالب به.
ويتشكل مأزق الاعتراف من هذا التفاوت بين ما تملكه صوماليلاند داخليًا، وما تفتقر إليه خارجيًا. فهرجيسا ترى في الاعتراف تسويةً لوضعٍ طال أمده، في حين تنظر مقديشو والاتحاد الأفريقي إليه من زاوية وحدة الدولة وتكلفة السابقة على النظام الإقليمي. ولذلك، لا تتحدد قيمة أيّ اعتراف بمجرد صدوره، وإنما بقدرته على تخفيف الاعتراض الأفريقي وتوسيع دائرة القبول الدولي. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبرز مفارقة الخطوة الإسرائيلية؛ فقد كسرت العزلة الرمزية، لكنها صدرت من خارج المسار الأفريقي، وفي سياقٍ يرتبط بالتطبيع وأمننة البحر الأحمر. وهكذا، أعاد الاعتراف فتح قضية صوماليلاند دوليًا، مع تحميلها في الوقت نفسه اعتبارات سياسية وأمنية قد تعقّد انتقالها من واقع الدولة إلى شرعية الاعتراف.
ثانيًا: ثنائية الانفصال وتقرير المصير
يقع الاعتراف الدولي عند تقاطع القاعدة القانونية والقرار السياسي؛ فامتلاك الكيان سكانًا وإقليمًا وسلطةً قادرة على إدارة الشأن العام يمنحه مقومات الدولة من الناحية الواقعية، في حين يتوقف اندماجه الكامل في النظام الدولي على قبول الدول والمنظمات الإقليمية به. ومن ثم، يكشف وضع صوماليلاند عن فجوة بين فاعلية داخلية تراكمت منذ عام 1991، وشرعية خارجية ما زالت محكومة بموقف مقديشو والاتحاد الأفريقي وحسابات الاستقرار في القرن الأفريقي.
ويعكس فقه الاعتراف هذه الازدواجية؛ فالمقاربة التقريرية تعدّ الاعتراف إقرارًا بدولة استوفت مقوماتها الواقعية، في حين تنظر إليه المقاربة المنشئة على أنه مدخل لاكتساب الشخصية الدولية، وممارسة الحقوق المرتبطة بها. وتجمع الممارسة الدولية بين المنطقين؛ إذ تمنح الفاعلية المؤسسية الكيان أساسًا للمطالبة بالاعتراف، لكنّ أثرها يظل محدودًا ما لم يقترن بقبول سياسي أوسع. ولهذا، يربط جيمس كروفورد نشوء الدولة بسلامة صوماليلاند، وفاعلية السلطة، ومشروعية تكوينها، ومواقف الفاعلين الدوليين[6].
وتوضح معايير اتفاقية مونتفيديو حدود الاكتفاء بالواقع المؤسسي. فصوماليلاند تملك سكانًا دائمين، وسلطة حكومية، وقدرة فعلية على إدارة العلاقات الخارجية، وتطالب بإقليم يستند إلى حدود المحمية البريطانية السابقة. غير أن النزاع على المناطق الشرقية، واعتراض الحكومة الصومالية، وغياب القبول الأفريقي الواسع، كل هذا يجعل هذه العناصر موضوعًا للمرافعة القانونية والسياسية، وليس اختبارًا فنيًا يقود تلقائيًا إلى الدولة. فالعضوية في المجتمع الدولي تأتى، إلى حد بعيد، من الاعتراف المتبادل، واستعداد الفاعلين لقبول النتائج الإقليمية المترتبة عليه.
ويتصل بذلك مبدأ تقرير المصير، الذي يقرّ حق الشعوب في تحديد وضعها السياسي، من دون أن يمنح كل جماعة حقًا عامًا في الانفصال. فقد ميّزت الأدبيات القانونية بين تقرير المصير الداخلي المرتبط بالمشاركة والتمثيل وحماية الحقوق داخل الدولة، وتقرير المصير الخارجي الذي يفضي إلى الاستقلال في ظروف استثنائية، من قبيل الاستعمار أو الاحتلال أو الحرمان المنهجي من الحقوق. وقد رأت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري بشأن كوسوفو في عام 2010، أن القانون الدولي العام لا يحظر إعلان الاستقلال في ذاته، لكنها لم تستخلص من ذلك حقًا عامًا في الانفصال، ولم ترتّب على الدول التزامًا بالاعتراف[7].
وتستفيد صوماليلاند من هذا النقاش عبر استحضار تجربة العنف في أواخر عهد سياد بري، وفشل الاتحاد الصومالي في إنتاج دولة جامعة، واستمرار مؤسساتها المستقلة أكثر من ثلاثة عقود. غير أن تحويل هذه الوقائع إلى حق قانوني مكتمل يتطلّب إقناع الدول الأفريقية بأن حالتها ذات طبيعة استثنائية، وأن تسويتها لن تتحول إلى سابقة تهدد النظام الحدودي للقارة. وفي هذا الإطار يظهر ثقل الاتحاد الأفريقي، لأن الاعتراف في حالة متنازع عليها يكتسب استقراره من قدرة الكيان على الاندماج في محيطه الإقليمي، وليس من عدد الاعترافات المنفردة وحده، والتي قد تؤدي به في أحسن الأحوال إلى مسار كوسوفو.
وبناءً على ذلك، تستند مطالبة صوماليلاند إلى ثلاثة عناصر مترابطة، هي: القدرة على الحكم، ووجاهة الحجة القانونية[8]، والقبول الإقليمي. وقد حققت تقدّمًا واضحًا في العنصر الأول، وراكمت مادة معتبرة في العنصر الثاني، في حين يظل العنصر الثالث هو الحلقة الأضعف. وفي هذا الإطار، يفتح الاعتراف الإسرائيلي لهرجيسا علاقة دبلوماسية رسمية، لكنه لا يعالج مأزق القبول الأفريقي[9]، بل أضاف إلى الملف اعتبارات مرتبطة بالموقف من قضية احتلال فلسطين والبحر الأحمر والتنافس الإقليمي. ومن ثم، تتحدد أهمية الانتقال إلى دوافع الاعتراف الإسرائيلي وسياقه، لأنه لا يمكن فهم أثره من صيغته القانونية وحدها، وإنما من الوظيفة السياسية والأمنية التي يؤديها[10].
ثالثًا: دوافع الاعتراف الإسرائيلي وسياقه الإقليمي
يصعب قراءة الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند بوصفه فعلًا مبدئيًا مجردًا. فإسرائيل، التي تنكر على الفلسطينيين حق تقرير المصير، لا تبدو، في هذه الحالة، معنية بتكريس مبدأ عام بقدر ما تبدو مدفوعة بحسابات تتصل بالأمن والموقع وإعادة التموضع الإقليمي. لذلك، لا يُفسَّر الاعتراف بأنه استجابة قانونية لمطلب صوماليلاند، بل بوصفه تقاطعًا بين حاجة هرجيسا إلى كسر العزلة، وحاجة إسرائيل إلى توسيع هامش حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وقد هيّأت لهذا التقاطع تحولات داخلية في صوماليلاند والصومال، إلى جانب تصاعد المواجهة الإقليمية حول باب المندب والموانئ والنفوذ البحري.
1. تغير القيادة في هرجيسا وانسداد المسار مع مقديشو
سبق الاعترافَ اتصالاتٌ إسرائيلية مع صوماليلاند امتدت سنوات، لكنها اكتسبت زخمًا جديدًا بعد وصول عرّو إلى الرئاسة. فقد تبنّت الإدارة الجديدة مقاربةً أكثر استعدادًا لتحويل الموقع الجغرافي والتعاون الأمني والاقتصادي إلى أوراق تفاوض في ملف الاعتراف. وتشير التقارير التي تناولت مسار المفاوضات إلى أن هرجيسا خاطبت عددًا كبيرًا من الدول، عارضةً شراكات استراتيجية في مقابل الاعتراف، في حين كانت إسرائيل الطرف الأكثر استعدادًا لتحويل هذه المقايضة إلى قرار رسمي.
ويعكس هذا التحول أثر القيادة في صياغة السياسة الخارجية. فقد اتسم موقف الرئيس السابق موسى بيحي عبدي بقدر أكبر من الحذر تجاه إسرائيل، خشية التكلفة الداخلية والإقليمية، في حين تعامل عرّو مع الاعتراف باعتباره أولوية سيادية تبرر انفتاحًا سريعًا على الطرف المستعد لتلبيتها[11]. وظهر ذلك في خطابه العلني الذي قدّم العلاقة مع إسرائيل بوصفها خيارًا مستقلًا، وربطها بالأمن، والتجارة، والتكنولوجيا، والاستثمار.
وتزامن هذا التحول مع تعثّر مستمر في العلاقة بين هرجيسا ومقديشو. فقد امتدت الخلافات إلى أسماء الوجهات الجوية، والتأشيرات، والخدمات القنصلية، والتحويلات المالية، وإدارة المجال الجوي[12]. وتبدو هذه الملفات إدارية في ظاهرها، لكنها تعكس نزاعًا أعمق على الصفة القانونية والتمثيل الخارجي.
وقد أضعف هذا الانسداد جدوى الحوار في نظر قيادة صوماليلاند، ودفعها إلى البحث عن اختراق خارجي يتجاوز مقديشو. وفي المقابل، جاءت الخطوة الإسرائيلية في لحظة تعاني فيها الحكومة الفدرالية أزمة سياسية وأمنية مركّبة، تشمل الخلاف حول الدستور والانتخابات، وقطع العلاقات مع بونتلاند وجوبالاند، واستمرار تهديد حركة الشباب[13]. وقد وفّر ضعف المركز مادة إضافية لخطاب هرجيسا حول فشل الاتحاد، لكنه منح مقديشو أيضًا فرصة لإعادة تقديم النزاع بوصفه دفاعًا عن السيادة الوطنية في مواجهة تدخّل خارجي[14]. وبذلك، عملت هشاشة الدولة الصومالية في اتجاهين متعاكسين؛ فمن جهة عززت مبررات صوماليلاند، ومن جهة أخرى رفعت مخاوف الدول الإقليمية من تعميق التفكك في القرن الأفريقي.
2. محاولة إسرائيلية لتطويق الحوثيين
مثّلت زيارة عرّو إلى إسرائيل انتقالًا من الاعتراف الدبلوماسي إلى شراكة أوسع. فقد افتتح سفارة صوماليلاند في القدس، ووقّع مع نتنياهو "إعلانًا استراتيجيًا مشتركًا" شمل، وفقًا للبيانات المعلنة، الأمن والاستثمار والتكنولوجيا والزراعة وإدارة المياه والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية. وأكسب اختيار القدس الزيارة دلالةً تتجاوز التمثيل الدبلوماسي؛ إذ وضع صوماليلاند وسط أحد أكثر ملفات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي حساسية.
وبرز البعد الأمني بوضوح في تركيبة الوفد؛ إذ ضم مسؤولين عسكريين وأمنيين، وبرز كذلك في مخرجات الزيارة؛ فقد أكد وزير دفاع صوماليلاند أن إسرائيل بدأت تدريب عناصر من الجيش والشرطة. وعلى الرغم من نفي وجود مفاوضات بشأن قاعدة إسرائيلية، فإن التعاون الأمني لا يتوقف على إنشاء قاعدة دائمة، بل قد يتخذ شكل تدريب، أو تبادل للمعلومات، أو مراقبة بحرية وجوية، أو زيارات أمنية، أو تسهيلات لوجستية مؤقتة.
ويزيد عدم نشر النص الكامل للإعلان الاستراتيجي من صعوبة تقييم الالتزامات المتبادلة. فالمجالات المعلنة واسعة، من دون وضوح كافٍ بشأن آليات التنفيذ، أو الضمانات التي حصلت عليها هرجيسا، أو حدود الرقابة البرلمانية، أو طبيعة الالتزامات الأمنية. وتكشف العلاقة أيضًا عن تفاوت بنيوي في القدرة التفاوضية؛ إذ تدخل إسرائيل الشراكة بوصفها دولة متقدمة تمتلك التكنولوجيا والتمويل والخبرة الأمنية، في حين تعتمد صوماليلاند عليها باعتبارها الدولة الوحيدة التي كسرت عزلتها رسميًا. ويمنح هذا التفاوت إسرائيل هامشًا أكبر في تحديد أولويات التعاون وشروطه.
وتتضح قيمة صوماليلاند لدى إسرائيل عند النظر إلى موقع بربرة. فالمدينة تطل على خليج عدن، قبالة اليمن وقرب باب المندب، الذي يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. ومنذ أن ربط الحوثيون هجماتهم البحرية بالحرب على غزة أواخر عام 2023، تراجعت حركة ميناء إيلات[15]، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين، وانكشفت هشاشة المنفذ البحري الجنوبي لإسرائيل. ومع اتساع المواجهة مع إيران وحلفائها، اكتسبت الضفة الأفريقية المقابلة لليمن قيمة متزايدة للمراقبة والإنذار والإسناد اللوجستي.
وفي هذا السياق، تفتح هذه التطورات الباب أمام تحول بربرة إلى موقع مراقبة داخل الحسابات الإسرائيلية وبنية أمنها الإقليمي؛ إذ تشير التقارير إلى زيارة فريق أمني إسرائيلي قبل الاعتراف، وتدريب عناصر من القوات الخاصة لصوماليلاند[16]، وأعمال تطوير ذات طابع عسكري في المطار، ومعاينة مواقع ساحلية غرب المدينة يمكن استخدامها للمراقبة أو العمليات المتقدمة. ولا توفّر هذه المؤشرات دليلًا نهائيًا على إنشاء قاعدة إسرائيلية، لكنها تكشف حضور البعد الأمني منذ المراحل المبكرة للعلاقة[17].
وترتفع تكلفة هذا التحول مع التهديدات الصادرة عن الحوثيين وحركة الشباب. فقد أعلن الحوثيون أن أيّ وجود إسرائيلي في صوماليلاند سيُعامل باعتباره هدفًا عسكريًا، في حين لوّحت حركة الشباب بمقاومة استخدام إسرائيل أراضي صوماليلاند. وتؤثّر مثل هذه الرسائل في بيئة المخاطر، حتى إن بقيت في نطاق الردع السياسي، خصوصًا في ظل محدودية قدرات صوماليلاند على الدفاع الجوي[18]. وقد تنعكس كذلك على التأمين والشحن والاستثمار، وتحول بربرة من مورد للتنمية إلى نقطة مكشوفة في صراع لا تملك هرجيسا التحكم في نطاقه أو توقيته.
وتكشف زيارة عرّو، تبعًا لذلك، تحولًا في طبيعة المقايضة؛ إذ تحصل صوماليلاند على اعتراف وتدريب ووعود بالاستثمار، في حين تحصل إسرائيل على شريك إقليمي جديد، وموقع قريب من اليمن وباب المندب ومدخل أمني إلى القرن الأفريقي. ويمنح هذا الترتيب هرجيسا حضورًا أكبر في الحسابات الإقليمية، لكنه يربطها في الوقت نفسه بصراعات إسرائيل مع الحوثيين وإيران، من دون أن يضمن اتساع دائرة الاعتراف الدولي بها[19].
3. التنافس الإقليمي على القرن الأفريقي والبحر الأحمر
جاء الاعتراف الإسرائيلي بإقليم صوماليلاند في فضاء تتنافس فيه قوى متعددة على الموانئ والنفوذ والسيادة البحرية. فقد وقعت إثيوبيا مع صوماليلاند مذكّرة تفاهم في كانون الثاني/ يناير 2024 تتيح لها الوصول إلى منفذ بحري، وربطت هرجيسا ذلك بإمكان الاعتراف[20]. ثم خفّض إعلان أنقرة بين إثيوبيا والصومال مستوى التوتر، من دون أن يحسم حاجة أديس أبابا إلى البحر أو مستقبل علاقتها ببربرة[21]. ووضع الاعتراف الإسرائيلي إثيوبيا أمام معادلة دقيقة؛ فهي تدرك القيمة الاستراتيجية لصوماليلاند، لكنها، بخلاف إسرائيل، تأخذ في الحسبان التكلفة المباشرة لأيّ اعتراف خارج إطار الاتحاد الأفريقي وفي علاقتها بمقديشو؛ لذلك آثرت حتى الآن التزام الصمت الرسمي.
أما تركيا، فقد بنت في الصومال نموذجًا يجمع بين النفوذ العسكري والاقتصادي. ويشمل حضورها قاعدة تدريب في مقديشو، ودعم القوات الصومالية، وإدارة مشاريع ومرافق تشمل الموانئ والمطارات، والتوسّع في التنقيب البحري عن النفط والغاز. ومن هذا المنظور، تمثّل وحدة الصومال أساسًا قانونيًا وسياسيًا لنفوذ أنقرة، في حين يُقرأ الدخول الإسرائيلي إلى صوماليلاند بوصفه منافسة مباشرة في فضاء تعتبره تركيا جزءًا من مجالها الحيوي الأفريقي.
وتحضر كذلك دولة الإمارات العربية المتحدة عبر استثمارات "موانئ دبي العالمية" في بربرة، وشبكة أوسع من الموانئ في القرن الأفريقي. وقد أدت الخلافات بينها وبين الحكومة الفدرالية إلى كشف حدود قدرة مقديشو على فرض سياسة موحّدة، بعدما تمسّكت صوماليلاند وبونتلاند وجوبالاند بعلاقاتها مع أبوظبي. ويربط الدور الإماراتي بربرة بصراعات أوسع على الموانئ والممرات البحرية، وبشبكات نفوذ تمتد إلى البحر الأحمر وحرب السودان. وفي هذا السياق، يبدو أن التقارب الإسرائيلي مع هرجيسا يستفيد من بنية إقليمية قائمة تتقاطع فيها مصالح أبوظبي وتل أبيب حول الموانئ والأمن البحري[22].
أما بريطانيا، القوة الاستعمارية السابقة، فقد بقيت متمسكة رسميًا بوحدة الصومال، على الرغم من الضغوط البرلمانية المؤيدة للاعتراف. وفي الولايات المتحدة الأميركية، تنشط دوائر محافظة وجماعات ضغط تربط صوماليلاند بأمن البحر الأحمر ومواجهة الصين، وتدعو إلى الاستفادة من موقعها ومواردها[23]. غير أن هذا النشاط لم يتحول إلى سياسة رسمية؛ إذ تحتفظ واشنطن بقاعدة عسكرية في جيبوتي، وتتعاون مع مقديشو في مكافحة الإرهاب، وتدرك تكلفة تجاوز الاتحاد الأفريقي.
تكشف هذه الخريطة أن الاعتراف الإسرائيلي أعاد الاهتمام بقضية صوماليلاند. فقد أصبحت بربرة نقطة التقاء بين حاجة إثيوبيا إلى البحر، ونفوذ الإمارات في الموانئ، وتمسّك تركيا بوحدة الصومال، وحسابات الولايات المتحدة وبريطانيا، وسعي إسرائيل إلى مراقبة الضفة المقابلة لليمن. ونتيجةً لذلك، تراجعت مركزية السؤال القانوني المتعلق بتقرير المصير أمام سؤال آخر يتعلق بوظيفة صوماليلاند في ترتيبات الأمن والنفوذ. ويفسّر هذا التحول جزئيًا شدة الرفض الإقليمي الذي أعقب الاعتراف؛ إذ قُرئت الخطوة باعتبارها تغييرًا في موازين البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
رابعًا: الرفض الإقليمي وتداعياته
لم يتحول الاعتراف الإسرائيلي، حتى الآن، إلى موجة اعترافات دولية كما كانت تأمله هرجيسا. بل على العكس، استدعى ردًا إقليميًا ودوليًا مضادًا كشف حدود أثره العملي. فقد رفض رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الخطوة، مؤكدًا أن صوماليلاند تظل جزءًا من جمهورية الصومال الفدرالية، وأن أيّ مساس بوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه يتعارض مع مبادئ الاتحاد الأفريقي[24].
وكرّس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كذلك هذا الترتيب. ففي الجلسة التي أعقبت الاعتراف، شددت أطراف عديدة على سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه، وأعادت بريطانيا تأكيد دعمها لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه. لذلك، بدا الاعتراف الإسرائيلي حدثًا معزولًا لا يملك قوة تحويل الموقف الدولي العام[25]. حتى الولايات المتحدة، على الرغم من تحالفها الوثيق مع إسرائيل ووجود أصوات داخلية مؤيدة لصوماليلاند، أوضحت أن سياستها تجاه الصومال الواحد لم تتغير.
وكشفت مواقف الدول الأوروبية المنخرطة في الملف الصومالي عن المنطق نفسه أيضًا. فقد أقرت المجموعة الأوروبية أهمية استمرارية تعاونها في مجالات تنموية أو إنسانية أو أمنية مع صوماليلاند. لكنها أكدت أنها تفضّل إبقاء التعامل في مستوى دون الاعتراف، بما يمنحها هذا النمط فوائد التعاون مع هرجيسا من دون تحمّل تكلفة قانونية وسياسية أمام مقديشو والاتحاد الأفريقي. ويتضح من كل ذلك أن الخطوة الإسرائيلية لم تنجح في نقل الاعتراف من القرار المنفرد إلى دينامية دولية قابلة للتوسع[26].
واتسع نطاق الرفض بعد الإعلان عن فتح سفارة صوماليلاند في القدس. فقد دانت منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية وعدد من الدول العربية والإسلامية الخطوة، بصفة الإجراء غير قانوني ويشكل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة.[27] وأتاحت لمقديشو الجمع بين خطاب السيادة الوطنية والتعبئة الإقليمية، وظهرت هذه القدرة في الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة ومدن أخرى. وبذلك، خرج الملف من نطاق الخلاف الصومالي الداخلي، وأصبح جزءًا من نقاش أوسع عن الحضور الإسرائيلي في القرن الأفريقي.
واستفادت مقديشو من هذا التحول دبلوماسيًا؛ إذ أعادت تقديم النزاع بوصفه مسألة سيادة وتدخّل خارجي. وقد خفّف ذلك الضغط عنها في ما يتعلق بمناقشة فشل الحوار مع هرجيسا أو معالجة المظالم التاريخية التي تستند إليها صوماليلاند. ومع ذلك، تظل الحكومة الفدرالية محكومةً بأزماتها الداخلية وتوتر علاقتها ببعض الولايات وضعف قدرتها الأمنية. ولا تدفع هذه الهشاشة القوى الدولية بالضرورة إلى دعم انفصال صوماليلاند؛ إذ قد تعزّز تمسّكها بوحدة الصومال خشية تعميق التفكك في القرن الأفريقي.
وأدى الاعتراف الإسرائيلي، في الحصيلة، إلى رفع التكلفة السياسية أمام الدول التي قد تنظر بإيجابية إلى تجربة صوماليلاند. فأيّ اعتراف لاحق سيُقرأ في ضوء موقف الاتحاد الأفريقي والتنافس على البحر الأحمر. ولم تعُد الدولة المحتملة أمام قرار يتعلق بخصوصية الحالة صوماليلاند وحدها، وإنما أمام حزمة من التداعيات الإقليمية والدبلوماسية. ولذلك، بقي الاعتراف الإسرائيلي اختراقًا منفردًا ومحدود القدرة على إنتاج قبول إقليمي أو دولي متراكم.
خامسًا: تكلفة الاصطفاف مع قوة احتلال على صوماليلاند
يتمثّل البعد الأكثر حساسية في الاعتراف الإسرائيلي في التناقض الأخلاقي الذي يفرضه على حجة صوماليلاند. فهرجيسا تطلب الاعتراف من خلال حق جماعة سياسية في تقرير مصيرها، وواقع مؤسسي نشأ خارج سلطة مقديشو منذ أكثر من ثلاثة عقود، وذاكرة عنف الدولة المركزية وفشل دولة ما بعد الاستقلال. غير أن الاعتراف يأتي من دولة خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري لعام 2024، إلى أن استمرار وجودها في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وربطت ذلك بانتهاك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
ويزداد هذا التناقض حدةً في سياق الحرب على غزة والاتهامات القضائية المرتبطة بها. فالدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، والتدابير المؤقتة التي أصدرتها المحكمة، ومذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في حق مسؤولين إسرائيليين، جعلت علاقة إسرائيل بأيّ فاعل عربي أو مسلم محمّلة بتكلفة أخلاقية وسياسية مضاعفة[28]. لذلك ظهر الاعتراف بصوماليلاند في لحظة أصبح فيها سؤال فلسطين جزءًا من نقاش عالمي أوسع حول العدالة وازدواجية المعايير.
وقد أثار هذا السياق نقاشًا داخل المجال الصوماليلاندي نفسه[29]. فهناك من يرى أن الاحتفاء باعتراف إسرائيلي، في ضوء الإبادة في غزة، يُضعف الاتساق الأخلاقي لخطاب صوماليلاند؛ إذ تقوم قضيتها على أن سكان صوماليلاند تعرّضوا لعنف الدولة المركزية، وأن الاتحاد الصومالي فقد أساسه السياسي والأخلاقي، وأن هرجيسا بنت مؤسسات حكم فعلية وبلورت إرادة سياسية مستقلة منذ عام 1991. غير أن قوة هذه الحجّة مشروطة باتساقها؛ فإذا كان تقرير المصير هو مدخل الاعتراف، فإن تجاهل المبدأ ذاته في الحالة الفلسطينية يضعف قدرة صوماليلاند على تقديم نفسها باعتبارها قضية ذات معنى عام، ولا يجعلها مجرد حالة انتقائية تبحث عن مكاسب أحادية[30].
ولا تقف التكلفة عند مستوى الخطاب. فكلما تعمقت العلاقة مع إسرائيل، قد تجد صوماليلاند نفسها مضطرة إلى الدفاع عنها، أو تبريرها، أو الصمت عما يجري فلسطين حتى لا تضرّ بالشريك الوحيد الذي منحها اعترافًا رسميًا. وقد تتحول هذه العلاقة إلى تبعية عسكرية مباشرة، وقبل ذلك قد تبدأ بوصفها تبعية خطابية ورمزية، بحيث يتغير ما يمكن التصريح به وما ينبغي تجنّبه بسبب الحاجة إلى الحفاظ على الاعتراف الإسرائيلي.
أما التعاون العسكري مع إسرائيل، إذا توسّع، فسيجعل التكلفة ملحوظة؛ إذ سيرفع وجود خبراء، أو ترتيبات مراقبة، أو تسهيلات لوجستية مرتبطة بإسرائيل، مخاطر الاستهداف الحوثي، ويؤثّر في حسابات شركات التأمين والشحن والاستثمار، ويفتح الباب أمام توظيف حركات مسلحة مثل حركة الشباب للخطاب المناهض لإسرائيل في الدعاية ضد هرجيسا. وبهذا المعنى، قد تنتقل صوماليلاند من محاولة جذب الاعتراف والاستثمار إلى بيئة أمنية خطرة، لأنها أصبحت جزءًا من صراعات لا يتحمّلها أمنها القومي.
وقد برزت هذه التكلفة، وما رافقها من انقسامات، داخل صوماليلاند بالفعل. فقد آثر أحد الأحزاب الثلاثة القائمة في البلاد التزام الصمت، في حين طالب عبدي بكشف تفاصيل التفاهمات مع إسرائيل، وطرح المسألة بوصفها اختبارًا للشفافية والدستور، محذّرًا من أيّ ترتيبات تتعارض مع المبادئ الإسلامية أو تضرّ بالمسلمين وتدفع البلاد إلى المجهول. ويكشف ذلك أن العلاقة مع إسرائيل ليست موضوع إجماع محلي، بل هي ملف داخلي يمسّ تعريف المصلحة الوطنية، وحدود التفويض الشعبي، وموقع صوماليلاند من فلسطين والعالم الإسلامي.
وتبرز أمام هذا المسار ثلاثة احتمالات: الأول، أن يبقى الاعتراف الإسرائيلي منفردًا، فيتحول إلى مكسب رمزي محدود لا يغيّر الوضع القانوني لصوماليلاند، وهذا مرجّح جدًا، بدليل أنه لم تلحق دولة بإسرائيل في غضون ستة أشهر، ما يشير إلى أن تكلفة الاعتراف ارتفعت لدى الدول المترددة. والثاني، أن يتطور الاعتراف إلى علاقة أمنية أعمق تمنح هرجيسا بعض العوائد التقنية أو الأمنية، لكنها تُدخلها في خصومات البحر الأحمر المعادية لإسرائيل. والثالث، أن تسعى صوماليلاند إلى احتواء الأثر، بإبقاء الاعتراف في حدوده الدبلوماسية وتجنّب تحويله إلى محور لسياستها الخارجية وعلاقاتها الأمنية، وممارسة نوع من النأي بالنفس عن صراعات الشرق الأوسط، وامتناعها التام على أن تكون مدخلًا لترتيبات تمسّ فلسطين أو أمن البحر الأحمر أو الهجوم على إيران من أراضيها.
ويعدّ الاحتمال الثالث الأقل تكلفة، لكنه الأصعب. فهو يتطلب من هرجيسا استعادة خطابها الأفريقي والقانوني، وإظهار أن مطلبها لا يقوم على الأمننة ولا على المقايضة الجيوسياسية، بل على خصوصية تاريخية وسياسية قابلة للتسوية. أما إذا تحوّل الاعتراف الإسرائيلي إلى البوابة الأساسية للشرعية، فسيصبح الطريق إلى الاعتراف الأوسع أضيق، بما يحمله من تكلفة تفوق مكاسبه.
خاتمة
قد تكون صوماليلاند نجحت في كسر عزلة الاعتراف، وأعادت قضيتها إلى النقاش الدولي بعد عقود من التعامل معها باعتبارها أمرًا واقعًا مؤجلًا. لكن ذلك يبقى مكسبًا محدودًا ورمزيًا إلى حد بعيد، ولا يغيّر موقعها في المؤسسات الدولية أو يدفع دولًا أخرى إلى الاعتراف بها. كما يحمل المسار تكلفة سياسية وأخلاقية وأمنية كبرى. فقد أعاد تقديم صوماليلاند بوصفها موقعًا محتملًا في استراتيجية إسرائيل للبحر الأحمر، وأضعف حضور خصوصيتها التاريخية والقانونية في النقاش الإقليمي، وزاد كذلك من تحفّظ الاتحاد الأفريقي والدول العربية والإسلامية، وأثار نقاشًا داخليًا بشأن موقع فلسطين في الوعي المحلي بوصفها قضية احتلال، ويهدد أيّ توسّع أمني بتحويل بربرة وساحل صوماليلاند إلى مجال مكشوف في الصراع مع الحوثيين وإيران، بما يحمّل هرجيسا خصومات تفوق قدراتها.
المراجع العربية
بشارة، عزمي. "قضايا أخلاقية في أزمنة صعبة: صيغة معدلة". تبيّن. مج 12، العدد 47 (شتاء 2024). في: https://acr.ps/hBxMvHU الأجنبية
African Union. AU Fact-Finding Mission to Somaliland (30 April to 4 May 2005). Addis Ababa: 2005. at: https://acr.ps/hBxMvNP Bakaari, Farah. “Sovereignty’s End and Beginning.” Boston Review (Spring 2026). at: https://acr.ps/hBxMw96 Buchanan, Allen. Justice, Legitimacy, and Self-Determination: Moral Foundations for International Law. Oxford: Oxford University Press, 2004. Crawford, James. The Creation of States in International Law. 2nd ed. Oxford: Oxford University Press, 2006. Egal, Sulekha Mahmoud. “Recognition in the Shadow of Gaza.” Geeska. 5/1/2026. at: https://acr.ps/hBxMwEi Fidow, Abdirashid. “Israel–Somaliland and the Failure of Somalia’s Political Class.” Geeska. 30/12/2025. at: https://acr.ps/hBxMw3l Finnemore, Martha & Kathryn Sikkink. “International Norm Dynamics and Political Change.” International Organization. vol. 52, no. 4 (1998). “France’s Le Monde Reports Military Build-Up at Somaliland’s Berbera Airport.” Geeska. 7/4/2026. at: https://acr.ps/hBxMvRF International Court of Justice. Accordance with International Law of the Unilateral Declaration of Independence in Respect of Kosovo. The Hague: 22/7/2010. at: https://acr.ps/hBxMwf1 “Is Somaliland Becoming Part of Israel’s Shadow-War Architecture?” Geeska. 6/6/2026. at: https://acr.ps/hBxMw5g “Israeli Security Team Visited Somaliland Weeks before Recognition.” Geeska. 21/2/2026. at: https://acr.ps/hBxMwiR Jackson, Robert H. Quasi-States: Sovereignty, International Relations and the Third World. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. Mahmoud, Suhaib. “What’s in a Name: Mogadishu and Hargeisa’s Identity Issues.” Geeska. 6/9/2024. at: https://acr.ps/hBxMvPK ________. “Somaliland and the Limits of Diplomatic Recognition.” Geeska. 29/12/2025. at: https://acr.ps/hBxMvTA “Muse Bihi Raises Constitutional Challenge over Israel Deal.” Geeska. 21/2/2026. at: https://acr.ps/hBxMvVv Walls, Michael & Steve Kibble. “What Makes Somaliland’s Case for Recognition So Different?” Yorkshire African Studies Network. University of Leeds. 10/7/2011. at: https://acr.ps/hBxMwsC
|
[1] “Israel Becomes First Country to Formally Recognise Somaliland as Independent State,”
Reuters, 27/12/2025, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwqH
[2] Sulekha Mahmoud Egal, “Recognition in the Shadow of Gaza,”
Geeska, 5/1/2026, accessed on 19/6/2026, at: https://acr.ps/hBxMwEi
[3] أرسل الاتحاد الأفريقي لجنة تقصّي حقائق إلى صوماليلاند في عام 2005، خلصت في تقريرها النهائي أن حالة صوماليلاند ذات خصوصية تاريخية وسياسية، ورأت أن بحثها عن الاعتراف لا ينبغي ربطه آليًا بفكرة فتح "صندوق باندورا" للانفصالات الأفريقية. ينظر:
African Union,
AU Fact-Finding Mission to Somaliland (30 April to 4 May 2005) (Addis Ababa: 2005), accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvNP
[4] “AU Calls for Immediate Revocation of Somaliland’s Recognition by Israel,”
Reuters, 6/1/2026, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMw1q
[5] Robert H. Jackson,
Quasi-States: Sovereignty, International Relations and the Third World (Cambridge: Cambridge University Press, 1990).
[6]James Crawford,
The Creation of States in International Law, 2nd ed. (Oxford: Oxford University Press, 2006), accessed on 19/6/2026, at: https://acr.ps/hBy7Us6
[7] International Court of Justice,
Accordance with International Law of the Unilateral Declaration of Independence in Respect of Kosovo (The Hague: 22/7/2010), accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwf1
[8] يجادل مايكل وولز وستيف كيبل بأن حجة صوماليلاند أقوى فنيًا من حجة كوسوفو، استنادًا إلى استقلالها السابق، وحدودها الاستعمارية المعروفة، واستمرار حكمها الفعلي. ينظر:
Michael Walls & Steve Kibble, “What Makes Somaliland’s Case for Recognition So Different?” Yorkshire African Studies Network, University of Leeds, 10/7/2011, p. 4, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwsC
[9] يعكس الرفض الإقليمي إدراكًا واسعًا لحساسية ملف الاعترافات الأحادية في القارة الأفريقية. فالكثير من الحكومات الأفريقية تواجه تحديات مرتبطة بالهويات المحلية والحركات الانفصالية والنزاعات الحدودية، ولذلك تنظر إلى أي سابقة جديدة باعتبارها قضية تتجاوز حدود الدولة المعنية.
[10] توضّح خبرة الكيانات غير المعترف بها أن الاعتراف المنفرد لا يفضي تلقائيًا إلى العضوية في الأمم المتحدة أو المؤسسات المالية الدولية تلقائيًا، ولا يحوّل الواقع السياسي إلى شرعية دولية مكتملة. لذلك، يمكن القول إن الاعتراف الإسرائيلي حظي باحتفاء في هرجيسا، لكنه لم يُزل سؤال القبول الإقليمي، ولم يخفف من حساسية الموقف الأفريقي والعربي والإسلامي، بل زادها حدة؛ إذ اقترن السعي إلى الاعتراف بدولةٍ تنظر إليها قطاعات واسعة في صوماليلاند من خلال قضية فلسطين والقدس وغزة وحالة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.
[11] Jake Wallis Simons, “‘Anyone who doesn’t Like our Alliance with Israel can Mind their Own Business!’ Somaliland’s President Tells the JC,”
The Jewish Chronicle, 27/5/2026, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvC9
[12] Suhaib Mahmoud, “What’s in a Name: Mogadishu and Hargeisa’s Identity Issues,”
Geeska, 6/9/2024, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvPK
[12] Abdirashid Fidow, “Israel–Somaliland and the Failure of Somalia’s Political Class,”
Geeska, 30/12/2025, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMw3l
[13] Ibid.
[14] استفادت مقديشو من الاعتراف الإسرائيلي خطابيًا؛ إذ أعادت تأطير النزاع من اعتباره مأزقًا تاريخيًا ناتجًا من فشل الاتحاد إلى مسألة سيادة وطنية وتدخّل خارجي. غير أن هشاشة الدولة الصومالية وتوتر علاقتها ببعض الولايات لا يجعلان الاعتراف بصوماليلاند أسهل بالضرورة، بل قد يدفعان الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى مزيد من التمسك بوحدة الصومال خشية من تعميق التفكك في القرن الأفريقي.
[15] Ari Rabinovitch, “Israel’s Eilat Port Sees 85% Drop in Activity amid Red Sea Houthi Attacks,”
Reuters, 21/12/2023, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwgW
[16] Henry Kirshner, “Military Training in Tel Aviv and Undisclosed Agreements: What Is Happening between Israel and Somaliland?”
i24NEWS, 27/5/2026, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwux
[17] Steven Scheer, “No Talks to Establish Israeli Military Base in Somaliland, Defence Minister Says,”
Reuters, 17/6/2026, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvE4
[17] “France’s Le Monde Reports Military Build-Up at Somaliland’s Berbera Airport,”
Geeska, 7/4/2026, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvRF
[18] “Is Somaliland Becoming Part of Israel’s Shadow-War Architecture?”
Geeska, 6/6/2026, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMw5g
[19] تكمن الدلالة الأهم للزيارة في موقع الأمن داخلها؛ فقد ضم الوفد وزير الدفاع، وقائد الجيش، ونائب رئيس الاستخبارات، إلى جانب مسؤولين سياسيين واقتصاديين. وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن الطرفين تعاونا "بعيدًا عن الأضواء" سنوات، وأن إسرائيل تتطلع إلى رفع التعاون الأمني إلى مستوى جديد. ويضعف هذا التصريح الرواية التي تقدّم العلاقة بوصفها نتيجة مباشرة للاعتراف فحسب، ويشير إلى أنه جاء تتويجًا لمسار أمني سابق، وليس تتويجًا لعلاقة دبلوماسية جديدة فقط. ينظر:
“Israeli Security Team Visited Somaliland Weeks before Recognition,”
Geeska, 21/2/2026, accessed on 19/6/2026, at: https://acr.ps/hBxMwiR
[20] “Ethiopia Signs Pact to Use Somaliland’s Red Sea Port,”
Reuters, 1/1/2024, accessed on 19/6/2026, at: https://acr.ps/hBxMwws
[21] “Ankara Declaration by the Federal Democratic Republic of Ethiopia and the Federal Republic of Somalia Facilitated by the Republic of Türkiye,” Republic of Türkiye, Ministry of Foreign Affairs, 11/12/2024, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvFZ
[22] Suhaib Mahmoud, “Somaliland and the Limits of Diplomatic Recognition,”
Geeska, 29/12/2025, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvTA
[23] Ted Cruz, “Letter to President Donald J. Trump Urging Formal Recognition of the Republic of Somaliland,” U.S. Senate, 14/8/2025, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMw7b
[24] “The Chairperson of the African Union Commission Rejects Any Recognition of Somaliland and Reaffirms the African Union’s Unwavering Commitment to the Unity and Sovereignty of Somalia,” African Union, 26/12/2025, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwkM
[25] Michelle Nichols, “Israel Defends Somaliland Move at UN amid Concerns over Gaza Motives,”
Reuters, 29/12/2025, accessed on 19/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwyn
[26] Mahmoud, “Somaliland and the Limits of Diplomatic Recognition.”
[27] "منظمة التعاون الإسلامي تدين افتتاح ما يسمى ’إقليم أرض الصومال‘ سفارة بالقدس المحتلة"، منظمة التعاون الإسلامي، 14/6/2026، شوهد في 29/6/2026، في:
https://acr.ps/hBy7UC7
[28] عزمي بشارة، "قضايا أخلاقية في أزمنة صعبة: صيغة معدلة"،
تبيّن، مج 12، العدد 47 (شتاء 2024)، شوهد في 19/6/2026، في:
https://acr.ps/hBxMvHU
[29] “Muse Bihi Raises Constitutional Challenge over Israel Deal,”
Geeska, 21/2/2026, accessed on 19/6/2026, at: ttps://acr.ps/hBxMvVv
[30] لا يعني الاعتراف الإسرائيلي أن قضية صوماليلاند تفقد وجاهتها التاريخية والسياسية. فخصوصيتها المؤسسية، وتجربتها الممتدة منذ عام 1960، ومظالمها المرتبطة بفشل الاتحاد الصومالي، تظل عناصر قائمة في أيّ نقاش جاد حول وضعها. غير أن هذا الاعتراف غيّر شروط تلقّي القضية عربيًا وإسلاميًا وأفريقيًا؛ إذ لم يعد يُنظر إليها من زاوية تقرير المصير وبناء الدولة فحسب، بل من خلال الاصطفاف مع إسرائيل في لحظة تتصدّر فيها فلسطين والإبادة في غزة النقاش الأخلاقي والقانوني الدولي. وفي هذا السياق تكمن المعضلة؛ فحين يأتي الاعتراف من دولة متّهمة بتقويض حق شعب آخر في تقرير مصيره، تصبح هرجيسا مطالبة بتفسير اتساق خطابها؛ إذ كيف تطلب الاعتراف باسم مبدأ عام، ثم تقبل أن يتحول هذا المبدأ إلى أداة انتقائية تخدم الطرف الأقوى، ولا سيما حين يتعلق الأمر بقوة استعمار استيطاني؟ للمزيد ينظر:
Farah Bakaari, “Sovereignty’s End and Beginning,”
Boston Review (Spring 2026), accessed on 19/6/2026, at: https://acr.ps/hBxMw96