الاتفاق الإطاري اللبناني - الإسرائيلي: قراءة في دوافعه وتداعياته على لبنان
تقدير موقف 29 يونيو ، 2026

الاتفاق الإطاري اللبناني - الإسرائيلي: قراءة في دوافعه وتداعياته على لبنان

وحدة الدراسات السياسية

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش.

​أعلنت الولايات المتحدة الأميركية، في 26 حزيران/ يونيو 2026، التوصلَ إلى "اتفاق إطاري" بين لبنان وإسرائيل يُعيد تعريف طبيعة الصراع بينهم​ا[1]، وذلك بعد خمس جولات من المفاوضات المباشرة، التي بدأت في 14 نيسان/ أبريل 2026، برعاية أميركية. وقد جاء نص الاتفاق، الذي أعلنته وزارة الخارجية الأميركية، ووقّعه الطرف اللبناني أنّ إنهاء الحرب، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، يكون بترتيبات أمنية جوهرُها نزعُ سلاح حزب الله؛ ليس في جنوب لبنان فحسب، بل أيضًا في الأراضي اللبنانية كلّها، وأنّ هذه الترتيبات تتولّاها الحكومة اللبنانية، وتُشرف عليها الولايات المتحدة، وتتحقّق منها إسرائيل. ويتجاوز الاتفاق بمضمونه ولغته ونبرته كل الاتفاقات السابقة التي وقّعها لبنان مع إسرائيل؛ بما في ذلك اتفاق الهدنة لعام 1949، واتفاق 17 أيار 1983، والقرار 1701 الصادر عقب حرب تموز/ يوليو 2006، وحتى اتفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 الذي جاء عقب حرب الـ 66 يومًا بين حزب الله وإسرائيل. فقد سلّم لبنان الرسمي فيه بالاحتلال الإسرائيلي ما لم ينزع سلاح حزب الله كاملًا. ومن منظور الاتفاق، لم يعُد ثمة مطلب رسمي لبناني بانسحاب إسرائيل، وحلَّ محلّه مطلب من الدولة اللبنانية: أنْ تنزعَ سلاح حزب الله لكي تنسحب إسرائيل، وهو أمرٌ ليس في إمكانها تنفيذه.

أبرز بنود الاتفاق

يرتكز الاتفاق، الذي جاء في 14 ​بندًا، على معادلة أساسية تتمثل في اشتراط تنفيذ أيّ انسحاب (إعادة انتشار) إسرائيلي من جنوب لبنان بتولِّي الحكومة اللبنانية نزع سلاح حزب الله، مع دور أميركي مركزي في الإشراف على التنفيذ، ورَبْط إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي بإعادة بناء المنظومة الأمنية اللبنانية[2]، ويكون ذلك بموافقة لبنانية رسمية. وينص الاتفاق، في تفاصيله، على إعلان الطرفين عزمهما إنهاء حالة الحرب القائمة بينهما، والانتقال إلى مسار تفاوضي مباشر، برعاية الولايات المتحدة، لمعالجة القضايا العالقة والتوصل إلى سلام دائم. ويضع الاتفاق إطارًا متدرجًا يُعيد بموجبه الجيش اللبناني بَسْط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، من خلال انتشار تدريجي في "مناطق تجريبية" في الجنوب، بالتوازي مع نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها العسكرية، على نحو يسمح بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية تدريجيًّا خارج الأراضي اللبنانية. ويؤكد الاتفاق أن الحكومة اللبنانية وحدها هي التي تمتلك حق احتكار استخدام القوة واتخاذ قرارَي الحرب والسلم، مع إنشاء آلية تنسيق عسكرية تشارك فيها الولايات المتحدة للإشراف على تنفيذ الترتيبات الأمنية المرتبطة بذلك والتحقق منها.

ويربط الاتفاق بين تنفيذِ هذه الالتزامات الأمنية وإطلاقِ عملية واسعة لإعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده، على أن يكون الدعم الدولي، ولا سيما الأميركي، مشروطًا بتحقيق مراحل محددة وقابلة للتحقق في بسط سلطة الدولة، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، ومنع تمويلها، أو استفادتها من أموال إعادة الإعمار. وينص على إنشاء مجموعاتِ عملٍ للتفاوض في اتفاق سلامٍ، وأمن شاملٍ بين لبنان وإسرائيل، واعتماد إجراءات لبناء الثقة بين الطرفين؛ تشمل وَقْف الأعمال العدائية، والتعاون في ملفات المحتجزين، والبحث عن رفات القتلى، على نحو يهدف إلى الانتقال تدريجيًّا من ترتيبات وَقْف الصراع إلى إقامة علاقة مستقرة وسلمية بين لبنان وإسرائيل.

ظروف التوصل إلى الاتفاق

جاء التوصل إلى الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في سياق الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في 28 شباط/ فبراير 2026، والتي انضم إليها حزب الله بقراره الخاص، من دون استشارة الشعب اللبناني، ولا حتى قاعدته الاجتماعية؛ وذلك بعد أن ظل ملتزمًا بوقف إطلاق النار منذ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وهو ما لم تلتزم به إسرائيل، مثلما لا تلتزم حاليًّا بوقف إطلاق النار في غزة. وفي إثر ذلك، سارعت الحكومة اللبنانية، في محاولةٍ لتجنب توريط لبنان في حرب جديدة بعد ساعات من الهجوم الذي شنّه حزب الله على إسرائيل في 2 آذار/ مارس 2026، إلى عقد جلسة برئاسة رئيس الجمهورية، جوزيف عون، وأصدرت قرارًا شدّد على رفض الحكومة اللبنانية أيّ عمل عسكري ينطلق من أراضيها، مع تأكيد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون في إطار سلطتها حصريًّا. ونصّ القرار على حظرٍ فوريٍّ لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية[3]. وكان رئيس الجمهورية قد استبق اجتماع الحكومة باعتبار أنّ ما أقدم عليه حزب الله عملٌ "غير مسؤول"، لأنه يعرّض لبنان لخطر الانسياق إلى الصراع الإقليمي، وهو ما ذهب إليه أيضًا رئيس الحكومة، نواف سلام، الذي تعهّد بحماية مصالح الشعب اللبناني[4].

كان القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية، في جلسة 2 آذار/ مارس، ذروةَ مسارٍ طويلٍ من الضغط الأميركي نحو نَزْع سلاح حزب الله، وقد بدأ عندما قررت الحكومة، في جلسة عقدتها في 7 آب/ أغسطس 2025، الموافقة على بنود مقترح قدّمه المبعوث الأميركي، توماس براك، لتثبيت وقفِ إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، كان قد جرى التوصل إليه في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وهو يتضمن جدولًا زمنيًّا لنزع سلاح حزب الله[5]. لكن الحرب مع إيران أضافت بُعدًا جديدًا إلى الصراع في لبنان بشأن نزع سلاح حزب الله. ففي حين أصرّت إيران على أن يكون لبنان مشمولًا باتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه مع الولايات المتحدة بوساطة باكستانية في 8 نيسان/ أبريل 2026، خاصة أن حزب الله دخل الحرب إسنادًا لها، أصرّت إسرائيل على فصل لبنان عن مسار مفاوضات إسلام آباد والاحتفاظ بحرية الحركة على أرضه، واستمرت على هذا النهج منذ اتفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. وقد أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قبل إعلان وقف إطلاق النار مع إيران، أنه سيلتزم بالهدنة، لكنه شدّد على أن "جبهة لبنان لا تخضع لترتيبات الاتفاق"[6]. وفي محاولة لحرمان إيران من إمكانية ربط المسارَين، وافقت إسرائيل على مقترح للرئيس عون قدّمه في 9 آذار/ مارس 2026، كانت قد تجاهلته سابقًا، يرتكز على إعلان وقفٍ شامل لإطلاق النار، ويتزامن مع انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، ومعالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، في مقابل الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من أجل إنهاء حالة الصراع بين الطرفين[7]. وبناءً على تغيّر الموقف الإسرائيلي من المقترح اللبناني، استضافت الولايات المتحدة، في 14 نيسان/ أبريل 2026، مسارًا تفاوضيًّا ثنائيًّا مباشرًا في واشنطن بين لبنان وإسرائيل؛ أي بعد نحو أسبوع من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران، ليعلن ترمب عقب أول جولة تفاوضية بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي في 16 نيسان/ أبريل، 2026، التوصل إلى هدنة أيضًا في لبنان مدتها عشرة أيام[8]، دخلت حيز التنفيذ في اليوم التالي؛ ما جعل اتفاق وقف إطلاق النار يبدو كأنه نتاج تلك المفاوضات، علمًا أنّ وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترمب لم يشمل كلّ الأراضي اللبنانية، بل إنّ إسرائيل حاولت بعد ذلك تكريس معادلة الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل مستوطنات الشمال في حين أنها احتفظت بحرية الحركة ضد حزب الله في الجنوب اللبناني، الذي اقتصرت هجماته ضدها على قواتها الموجودة على الأرض اللبنانية.

الانقسام اللبناني حول الدور الإيراني

اتفقت رغبة إسرائيل في فصل مسار التفاوض مع لبنان عن مساره مع إيران، مع رغبة الحكومة اللبنانية؛ خاصةً بعد أن ردّت إيران على هجوم شنّته إسرائيل في الضاحية الجنوبية لبيروت، في 7 حزيران/ يونيو 2026، متذرعةً بإطلاق مقذوفين من لبنان في اتجاه مستوطنات الشمال، لتربط بقوة مسار الحرب في لبنان بمسار الصراع في الخليج مع الولايات المتحدة. وتبلور ذلك على نحو واضح في مذكرة التفاهم التي وقّعها الطرفان الأميركي والإيراني في جنيف، في 18 حزيران/ يونيو 2026، وقد نصّت على وقف الأعمال العسكرية في كل الجبهات، بما فيها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز، والشروع في مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، مقابل رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وحزمة من التسهيلات الاقتصادية والإعفاءات من العقوبات[9].

لقد شكّل الصراع الداخلي اللبناني بشأن العلاقة مع إيران أحد أبرز دوافع السلطة اللبنانية للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل والقبول باتفاق يجعل تسليم حزب الله سلاحَه شرطًا للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ويذهب إلى حدّ إلى القبول بتعهّد "الطرفين" بعدم إجراء نشاط دبلوماسي أو قانوني معاد (البند 13)؛ وهو ما لا تتطلبه حتى علاقات التطبيع. وقد أدى هذا الإصرار الرسمي اللبناني على عدم ربط المسارين، أو ما يسميه المعارضون عدم الاستفادة من الظروف المستجدة، إلى اندفاع في عملية التفاوض أدّى إلى توقيع هذا الاتفاق. ففي حين يُصِرّ رئيسَا الجمهورية والحكومة على حق لبنان السيادي في التفاوض نيابةً عن نفسه، ويرفضان ربط القرار اللبناني بمسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ويعتبران أن المفاوضات هي السبيل الوحيد لوقف الحرب وتحقيق انسحاب إسرائيل من الجنوب، يُصِرّ حزب الله على أن الضغط الذي مارسته إيران على الولايات المتحدة، بإغلاقها مضيق هرمز، هو الذي أجبر إسرائيل على وقف إطلاق النار في لبنان، وليس مفاوضات الحكومة المباشرة مع إسرائيل، وأن المقاومة والتنسيق مع إيران هما اللذان سيجبران إسرائيل على الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة؛ لذلك يفضّل حزب الله مقاربة مبنيّة على تسوية إقليمية، والاستفادة من أي تحرُّك دولي أو إقليمي يضغط على إسرائيل، بدلًا من الانخراط في مسار تفاوضي مباشر، لا يملك فيه لبنان أوراق قوة كثيرة[10]. ومن ثمّ، قررت السلطات اللبنانية، بناءً على هذا الانقسام اللبناني العميق، وسعيها إلى الانفكاك عن إيران، الموافقةَ على نص اتفاق يربط انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني وإعادة الإعمار وعودة المهجرين بموافقة حزب الله على نزع سلاحه، والحقيقة أنها ربطت ذلك بقدرتها وقدرة داعميها على نزع سلاحه، وقيّدت نفسها بقيود أخرى ناجمة عن تقبُّل الإملاءات الأميركية على نحو ما هي عليه، ومن دون نقاش.

قراءة في بنود الاتفاق

تكشف القراءة المتأنية لنص الاتفاق الإطاري عن محاولة أميركية - إسرائيلية لإعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية التي نشأت في لبنان بعد حرب تموز/ يوليو 2006. فالاتفاق، هذه المرة، لا ينهي الحرب، بل يعيد تعريف أسبابها، وهي أول مرة في تاريخ الاتفاقات العربية - الإسرائيلية، يجري فيها تعريف المقاومة وليس الاحتلال، بنص الاتفاق، بأنها السبب الرئيس لحالة الصراع بين لبنان وإسرائيل؛ وهو بهذا ينقل جوهر الصراع في العلاقة اللبنانية - الإسرائيلية إلى البنية الداخلية للدولة اللبنانية نفسها. والأخطر من ذلك أن الاتفاق يضع عبء استمرار الاحتلال على حزب الله؛ إذ يجعل إصراره على الاحتفاظ بسلاحه سببًا لاستمرار إسرائيل في احتلالها أرضًا لبنانية؛ أي إنه يُحوّل النتيجة إلى سبب. ومن هذا المنظور، لا يهدف الاتفاق، كما كانت الحال عليه في اتفاقات 2006 و2024، إلى إنهاء العمليات العسكرية، والاتفاق على ترتيبات أمنية على الحدود، بل يهدف إلى تغيير البيئة التي ترى إسرائيل والولايات المتحدة أنها أنتجت الصراع، أي وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة اللبنانية يشكّل بقاءها مسلحةً تهديدًا لإسرائيل. وفضلًا عن ذلك، يعيد النص تعريف مفهوم السيادة اللبنانية. ففي الخطاب السياسي اللبناني، منذ اتفاق الطائف، ارتبطت السيادة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. أما الاتفاق الحالي، فيربط السيادة بنزع سلاح حزب الله. وعلى الرغم من أن الاتفاق يقدّم نفسه بوصفه إطارًا متبادلًا، فإن قراءة بنوده تكشف عدم توازن واضح بين التزامات الطرفين. فلبنان مطالبٌ بنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة، وتفكيك بنيتها العسكرية، وضبط الحدود، ومنع التمويل، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، وإنشاء آليات رقابة، وربط المساعدات الاقتصادية بإنجاز هذه الالتزامات. أما إسرائيل، فلا تقدّم التزامًا مماثلًا، بل تربط إعادة انتشار قواتها بالتحقق من تنفيذ لبنان لهذه الشروط. وبذلك، يصبح الانسحاب الإسرائيلي نتيجةً للتنفيذ اللبناني، وليس التزامًا قانونيًّا مستقلًا. ويمنح هذا الوضع إسرائيل حقًّا في تعطيل تنفيذ الاتفاق متى اعتبرت أن الالتزامات اللبنانية لم تتحقق، ويُشرعن بقاء الاحتلال ما لم يُستوفَ شرط إنهائه من الجانب اللبناني؛ المتمثل بنزع سلاح حزب الله.

يُظهر الاتفاق أيضًا تحوّلًا مهمًّا في الدور الأميركي. فالولايات المتحدة لا تكتفي برعاية الاتفاق، بل تصبح المرجعية الأساسية في تنفيذه. فهي تشارك في التحقق من نزع السلاح، وتقود مجموعة التنسيق العسكري، وتُشرف على آليات الدعم المالي والعسكري، وتجعل المساعدات الاقتصادية مشروطة بتقييمها لمستوى التنفيذ أيضًا. وتكمن المفارقة الأساسية في أن الاتفاق يقلل من أهمية القضايا التي كانت تشكّل جوهر الصراع اللبناني - الإسرائيلي؛ مثل الاحتلال، والحدود، والانتهاكات الإسرائيلية، والأسرى، وأنه يركز، بدلًا من ذلك، على إعادة ترتيب التوازنات داخل لبنان. وبذلك، يتحوّل موضوع حزب الله من قضية ترتبط بالصراع العربي - الإسرائيلي إلى قضية تتعلق ببناء الدولة اللبنانية وقدرتها على احتكار السلاح؛ ما يعكس تغيرًا في المقاربة الأميركية، التي أصبحت ترى أن معالجة الصراع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ بإعادة تشكيل الدولة اللبنانية وليس إزالة الاحتلال، على الرغم من أن هذا الافتراض يُقابَل بحقيقة أن حزب الله ليس تنظيمًا عسكريًا فحسب، وإنما هو فاعل سياسي واجتماعي يحظى بقاعدة شعبية، ويستند إلى شبكة من التحالفات الداخلية والإقليمية، وهي أمورٌ تعزّز إمكانية دفع لبنان إلى حافة الحرب الأهلية، من خلال وضع القوى السياسية والاجتماعية اللبنانية في مواجهة بعضها، وتعريض المؤسسة العسكرية اللبنانية لمخاطر جمّة عبر تحميلها مسؤولية نزع سلاح حزب الله قبل التوصل إلى توافق داخلي لبناني، ومن دون إزالة الأسباب التي يسوقها حزب الله للاحتفاظ بسلاحه، من خلال العمل في اتجاه انسحاب الاحتلال الإسرائيلي وعودة اللاجئين والمهجرين إلى قراهم.

خاتمة

لا يمثل الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل "خطوة" لإنهاء الحرب بين الطرفين عبر معالجة أسبابه، وهو استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، بمقدار ما يمثّل محاولةً لإعادة تعريفه عبر تحميل مسؤوليته لحزب الله، وربط استمراره بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاحه، بمعزل عن مدى توافر الظروف الملائمة لذلك. وبما أنه من الواضح أنّ الدولة غير قادرة على نزع سلاح الحزب من دون أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية، فإنّ خياراتها أصبحت إما الحرب الأهلية وإما دوام الاحتلال الإسرائيلي وتهجير أهل الجنوب؛ وهكذا، وضعت نفسها إزاء هذين الخيارين. ومن ثمّ، لا يتغير الواقع، في حين يستمر الاحتلال الإسرائيلي. ولكنّ الأمر، في هذه المرة، بتوقيع لبناني. ولهذا، يَعدّ نتنياهو الاتفاق إنجازًا له. وإذا طالبه أيّ طرف دولي بالانسحاب، فسيكون في وسعه إبراز الاتفاق وتوقيع ممثلة لبنان عليه. وفي ضوء الانقسامات الداخلية اللبنانية، خصوصًا حول دور إيران في لبنان، ورفض حزب الله للاتفاق الإطاري، وصعوبة فصل الساحة اللبنانية عن مسار العلاقة الأميركية - الإيرانية، لن تنجح في لبنان مسألة احتكار الدولة لاستخدام القوة، وممارسة سيادتها واستقلالها على أراضيها، وامتلاك قرار إعلان الحرب والسلم، وهو حق سيادي للبنان مثل أي دولة، ما لم ترتبط بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتسوية سياسية داخلية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة وحزب الله، مع تفاهم إقليمي أوسع يوقف التدخلات الخارجية في الشأن اللبناني. ومن دون ذلك، قد يتحول الاتفاق إلى إطار جديد لإدارة الأزمة، وحتى تفجير أزمة جديدة في قلب لبنان، بدلًا من أن يكون مدخلًا إلى تسوية مستدامة للصراع، وهو ما لم تقدّره بدقة السلطات اللبنانية في أثناء سعيها للتخلص من "الوصاية الإيرانية" بأيّ ثمنٍ كان.​


[1] United States Department of State. “The United States, Israel and Lebanon Sign the Trilateral Framework,” 26/6/2026, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2scP

[2] "النص الكامل للاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل"، العربي الجديد، 27/6/2026، شوهد في 29/6/2026، في: https://acr.ps/hBy2t0C

[3] "لبنان يحظر أنشطة حزب الله العسكرية ويطالبه بتسليم السلاح"، العربي الجديد، 2/3/2026، شوهد في 29/6/2026، في: https://acr.ps/1L9B9DF

[4] "نواف سلام يحذر من ’مغامرات غير مسؤولة‘" الأسبوع العربي نيوز، 28/2/2026، شوهد في 29/6/2026، في: https://acr.ps/1L9B9XM

[5] "التداعيات السياسية والأمنية لقرار الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الدولة"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 13/8/2025، شوهد في 29/6/2026، في: https://acr.ps/hBxNLFO

[6] “Alexander Ward & Michael Amon, ‘Israel Says Cease-Fire doesn’t Extend to its Invasion of Lebanon,’” The Wall Street Journal, 7/4/2026, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBxMwjl

[7] "المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية حول لبنان: وحدة ساحات أم فصل مسارات؟"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 13/8/2025، شوهد في 29/6/2026، في: https://acr.ps/hBy2sK1

[8] Barak Ravid & Dave Lawler, “Trump Announces 10-day Ceasefire between Israel and Lebanon,” Axios, 16/4/2026, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBxNM8b

[9] "مذكرة إسلام أباد: من إدارة الحرب إلى إدارة التفاوض بين واشنطن وطهران"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 21/6/2026، شوهد في 29/6/2026، في: https://acr.ps/hBy2stq

[10] "نعيم قاسم: 4 مؤثرات تساعدنا على اجتياز هذه المرحلة والاستسلام لن يكون الحل"، عرب 48، 4/5/2026، شوهد في 29/6/2026، في: https://acr.ps/hBxNMgH