التحول البنيوي في الصراع الإقليمي: مشروع التوسع الإسرائيلي والتكامل العسكري التقني مع الولايات المتحدة الأميركية
تحليل سياسات 21 يوليو ، 2026

التحول البنيوي في الصراع الإقليمي: مشروع التوسع الإسرائيلي والتكامل العسكري التقني مع الولايات المتحدة الأميركية

عبد الله راشد المرسل

باحث دكتوراه في العلوم السياسية، جامعة سوسة، تونس.

​مقدمة

​​ يشهد الشرق الأوسط انتقالًا نوعيًا في طبيعة الصراع، لا يقتصر على تبدل موازين القوة بين أطراف إقليمية متنافسة، ولا على اتساع دائرة الحروب من غزة إلى لبنان وسورية والعراق واليمن والبحر الأحمر، بل يمس البنية العميقة التي كانت تنظّم العلاقة بين القوة والشرعية والحدود والتحالفات. فقد جرى التعامل طويلًا مع الصراع العربي - الإسرائيلي بوصفه نزاعًا قابلًا للإدارة عبر مزيج من التفوق العسكري الإسرائيلي، والرعاية الأميركية، والتجزئة العربية، ومسارات تفاوضية متقطعة تُبقي فكرة التسوية حاضرة ولو في حدّها الأدنى. غير أن السنوات الأخيرة دفعت هذا التصور إلى حدوده القصوى، لأن ما أخذ يتشكل لم يعد استمرارًا للاحتلال أو توسعًا في الاستيطان أو انحيازًا أميركيًا تقليديًا، بل بنية أكثر تركيبًا تجمع بين ثلاثة مسارات متداخلة. يتمثل المسار الأول في انتقال اليمين الإسرائيلي من إدارة الاحتلال إلى محاولة إعادة تعريف الأرض والسيادة والهوية السياسية وفق تصور ديني قومي صلب. وقد تجلى ذلك بوضوح في المبادئ الائتلافية للحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين التي أكدت، وفق قراءة حقوقية موثقة، "الحق الحصري وغير القابل للتصرف للشعب اليهودي في جميع أجزاء أرض إسرائيل"[1]. ويتمثل المسار الثاني في انتقال العلاقة الأميركية - الإسرائيلية من نموذج الدعم والمساعدة والتفوّق النوعي إلى نموذج الاندماج الدفاعي والتقني والصناعي، كما ظهر في مبادرة التعاون الدفاعي التقني بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل داخل مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي للسنة المالية 2027[2]. أما المسار الثالث فيتمثل في تآكل الإجماع الأميركي الداخلي الذي منح إسرائيل، خلال عقود، موقعًا شبه محصّن داخل السياسة الخارجية الأميركية، وهو تآكل ترصده استطلاعات مؤسسة غالوب ومركز بيو للدراسات بوضوح في اتجاهات الديمقراطيين والشباب والمستقلين[3].

تنبع خطورة هذا التحول من أن المشروع الإسرائيلي لم يعد يتحرك فقط من خلال السيطرة العسكرية المباشرة، بل عبر إنتاج واقع قانوني وإداري ورمزي يجعل الضمّ عملية متراكمة لا إعلانًا واحدًا. فالاستيطان، والطرق الالتفافية، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، ونقل الصلاحيات من الإدارة العسكرية إلى الوزارات المدنية، وتوظيف الآثار والتراث في تثبيت الرواية السيادية، كلها أدوات تعمل في اتجاه واحد يتمثل في تحويل الاحتلال من وضع مؤقت في القانون الدولي إلى واقع دائم في الإدارة اليومية. وقد أصبح هذا المنطق أشد وضوحًا مع تصريحات بتسلئيل سموتريتش المتكررة بشأن فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ومع تقارير صحافية دولية وثّقت انتقال بعض الصلاحيات الفعلية إلى قنوات مدنية موالية للمشروع الاستيطاني[4]. ومع صعود قوى سياسية إسرائيلية تتحدث بوضوح عن رفض الدولة الفلسطينية، وعن حق ديني وتاريخي في الضفة الغربية، وعن تشجيع هجرة الفلسطينيين أو إخضاعهم ضمن بنية سيادة يهودية، صار من الصعب الفصل بين خطاب الأمن وخطاب التفوّق القومي. فلا يعود الأمن هنا حجة لحماية الحدود، بل يتحول إلى لغة تبرير لمشروع يتجاوز الحدود نفسها.

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة داخل معادلة أشد تعقيدًا مما توحي به صورة الانحياز المطلق. فواشنطن ما زالت تمنح إسرائيل دعمًا عسكريًا وسياسيًا واستخباراتيًا واسعًا، وقد قدّمت لها، بحسب وزارة الخارجية الأميركية، أكثر من 130 مليار دولار من المساعدات الثنائية منذ عام 1948. كما ربطت مذكرة التفاهم العسكرية لعام 2016 المساعدات الأميركية لإسرائيل بإطار عشري يمتد من السنة المالية 2019 إلى السنة المالية 2028[5]. وما زال نفوذ المؤسسات المؤيدة لإسرائيل حاضرًا بقوة في الكونغرس والإدارة ومراكز التفكير، غير أن البيئة الأميركية ذاتها تتغير. فالجيل الأصغر من الناخبين، وقطاع واسع من الديمقراطيين، وجزء متزايد من المستقلين، وحتى بعض التيارات اليمينية القومية التي ترفع شعار "أميركا أولًا"، أخذت تنظر إلى العلاقة مع إسرائيل من زاوية التكلفة السيادية والأخلاقية والاستراتيجية. ولا يعني هذا التحول أن السياسة الأميركية ستنقلب سريعًا على إسرائيل، لكنه يعني أن الحصانة القديمة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها، وأن تحويل العلاقة إلى اندماج بنيوي داخل الصناعة الدفاعية وسلاسل التكنولوجيا قد يكون محاولة استباقية لتحصين التحالف من هذا التآكل السياسي.

من هنا تكتسب مبادرات التعاون الدفاعي التقني المطروحة في الكونغرس أهمية تتجاوز نصوصها القانونية المباشرة. فالمسألة لا تتعلق ببرنامج إضافي لتطوير منظومة دفاع جوي أو بتمويل مشترك لمشروع عسكري، بل باتجاه لإدخال التكنولوجيا الإسرائيلية في بنية البحث والتطوير والاختبار والتقييم والتصنيع الدفاعي الأميركي. ويطلب نص لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، في صيغته الخاصة بمشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، من وزير الدفاع تعيين "وكيل تنفيذي" يتولى مزامنة التعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مجالات البحث والتطوير والاختبار والتقييم والاندماج والتعاون الصناعي الدفاعي[6]. وحين يصبح التعاون قائمًا على الذكاء الاصطناعي، والأنظمة المستقلة، والحرب السيبرانية، والتقنيات الحيوية، والحوسبة المتقدمة، ومنظومات الطاقة الموجهة، فإن العلاقة تنتقل من قابلية الدعم إلى قابلية الاعتماد المتبادل. ويحمل كل اعتماد متبادل في المجال الدفاعي سؤالًا سياديًا حادًا، لأن من يملك عقدة في سلاسل التوريد، أو مدخلًا في البرمجيات، أو تأثيرًا في بنية الاختبار، أو قدرة على تعطيل التكامل، يكتسب نفوذًا يتجاوز حجمه الجغرافي والسياسي.

تقوم هذه الورقة على فرضية مركزية مفادها أن الصراع الإقليمي دخل طورًا بنيويًا جديدًا، تتداخل فيه الجغرافيا الفلسطينية مع البنية التقنية الأميركية، ويتحول فيه مشروع التوسع الإسرائيلي من سياسة احتلال قابلة للضغط إلى منظومة نفوذ تسعى إلى تثبيت نفسها داخل القانون والإدارة والذاكرة والتكنولوجيا والتحالفات. غير أن هذا الطور لا يتشكل في فضاء مستقر، بل في بيئة مأزومة تشهد تصاعد تكلفة الحرب مع إيران، وتآكل القدرة الأميركية على فرض الإكراه العسكري من دون أثمان كبرى، وانقسامًا أميركيًا داخليًا حول حدود الدعم لإسرائيل، وتراجعًا دوليًا في قبول السردية الإسرائيلية بعد حرب غزة وما رافقها من دمار إنساني وسياسي وقانوني واسع. وقد جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الصادر في 19 تموز/ يوليو 2024، ليمنح هذا التحول إطارًا قانونيًا بالغ الأهمية؛ إذ عدّ استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة مخالفًا للقانون الدولي، وربط بين الاستيطان والضم والتدابير التمييزية وانتهاك حق تقرير المصير[7]. لذلك، لم يعد السؤال ما إذا كانت إسرائيل قادرة على الاحتفاظ بتفوّقها العسكري، بل ما إذا كان هذا التفوق قادرًا على إنتاج شرعية قابلة للاستمرار، وما إذا كان اندماجها الأعمق بالولايات المتحدة سيحميها من العزلة أم سيجعلها عبئًا أكبر على القوة الأميركية نفسها.

أولًا: مشروع التوسع الإسرائيلي من الخيال الأيديولوجي إلى سياسة الدولة

ظل مفهوم "إسرائيل الكبرى"، تاريخيًا، محمّلًا بتداخل شديد بين الأسطورة الدينية والذاكرة القومية والمصلحة الأمنية. فقد ظهر في صور متعددة، بعضها ديني يتصل بفكرة الأرض الموعودة، وبعضها استراتيجي يربط السيطرة على المجال الفلسطيني والعربي المحيط بمنع قيام تهديد وجودي، وبعضها استيطاني يرى أن الحدود النهائية يجب أن ترسمها الوقائع السكانية والعمرانية التي تنتجها الحركة الصهيونية على الأرض. غير أن التحول الأهم في السنوات الأخيرة تمثّل في انتقال هذا المفهوم من هامش أيديولوجي يميني إلى قلب الائتلاف الحاكم في إسرائيل، بحيث لم تعد الأفكار التي كانت تُطرح سابقًا في دوائر المستوطنين أو الحركات الدينية القومية وسيلة للضغط على الحكومة، بل صارت جزءًا من لغة الوزارات والموازنات والتشريعات وبرامج العمل. وقد وثقت تقارير إسرائيلية ودولية عدة اندفاع الحكومة الحالية نحو تسريع الاستيطان، ومنح شرعية قانونية لبؤر استيطانية، وتوسيع الموازنات الخاصة بالمستوطنات، بما يجعل المشروع الاستيطاني أداة حكم مستمرة، لا سياسة حكومية عابرة[8].

منح هذا الانتقال المشروع التوسعي طابعًا مزدوجًا. فمن جهة، ظل يستدعي مفردات الأمن التقليدية التي تشدد على هشاشة العمق الجغرافي الإسرائيلي، وخطر الصواريخ، وضرورة السيطرة على المرتفعات والحدود والمعابر، وحماية المستوطنات. ومن جهة أخرى، صار يستند إلى خطاب سيادي ديني لا يكتفي بالنظر إلى الضفة الغربية بوصفها منطقة أمنية، بل يعدّها قلب الحق التاريخي والديني والسياسي. وهنا يتلاشى الفرق العملي بين الأمن والعقيدة؛ لأن السيطرة التي تبدأ بحجة منع التهديد تنتهي إلى إعادة تعريف الأرض ذاتها بوصفها جزءًا من وطن لا يجوز التنازل عنه. لذلك، يمكن قراءة تصريحات سموتريتش عن إعداد خرائط للضمّ وضرورة تطبيق السيادة الإسرائيلية، بوصفها علامة على انتقال الضمّ من مجال التلميح السياسي إلى مجال التخطيط الإداري والخرائطي[9]. وبذلك يتحول الاحتلال من إجراء عسكري إلى ادعاء سيادي، ويتحول الفلسطيني من طرف سياسي صاحب حق في تقرير المصير إلى عائق ديموغرافي وأمني أمام اكتمال المشروع.

وتكمن خطورة هذا التحول في أنه يغير طبيعة النزاع من صراع على حدود الدولة الفلسطينية المنتظرة إلى صراع على قابلية الفلسطينيين أنفسهم لأن يكونوا شعبًا سياسيًا. فحين يرفض التيار الحاكم في إسرائيل مبدأ السيادة الفلسطينية، ويجري التعامل مع الضفة الغربية بوصفها مجالًا مفتوحًا للضمّ الزاحف، وتُطرَح فكرة "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين في خطاب وزاري أو حزبي، تصبح المسألة أبعد من خلاف تفاوضي حول القدس أو المستوطنات أو الترتيبات الأمنية. إنها تمسّ أصل الاعتراف بالوجود السياسي الفلسطيني. وقد استند رأي محكمة العدل الدولية إلى هذا المعنى حين ربط بين السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وإضعاف حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره[10]. ولهذه النقلة آثار عميقة في النظام الإقليمي كله؛ لأنها تقطع الطريق على الصيغة التي أدارت الصراع منذ اتفاق إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية "اتفاق أوسلو"، وهي صيغة الدولة المؤجّلة التي تُستخدَم أحيانًا غطاءً لاستمرار الاحتلال، وأحيانًا أخرى، أفقًا تفاوضيًا يحول دون الانفجار الكامل.

قامت صيغة أوسلو على وعد مؤجّل، مفاده أن السلطة الفلسطينية يمكن أن تكون نواة دولة، وأنّ المفاوضات يمكن أن تقود في النهاية إلى تسوية دائمة، وأن الاحتلال يمكن أن يعاد تنظيمه تدريجيًا حتى يتحول إلى انسحاب. غير أن الوقائع التي تراكمت منذ ذلك الحين سارت في اتجاه معاكس. فقد تضاعفت المستوطنات، وتعمقت التجزئة الجغرافية، وانقسم المجال الفلسطيني بين الضفة وغزة، وتراجع المعنى العملي للسيادة، وتحولت السلطة الفلسطينية إلى جهاز إدارة محدود الصلاحيات داخل بنية احتلال أوسع. ومع صعود اليمين الديني القومي، لم تعد هذه الوقائع نتيجة جانبية لتعثّر المفاوضات، بل غدت هدفًا قائمًا بذاته، لأن تفتيت إمكانية الدولة الفلسطينية هو الشرط العملي لتثبيت السيادة الإسرائيلية بين النهر والبحر. وقد حذّر باحثو مجموعة الأزمات الدولية من أن الضمّ الإسرائيلي للضفة الغربية يتسارع عبر تفاصيل إدارية وبيروقراطية، لا من خلال إعلان واحد فحسب، وهي ملاحظة تساعد على فهم التحوّل من الاحتلال العسكري إلى الضمّ بحكم الأمر الواقع[11].

يظهر هذا التحول بوضوح في الطريقة التي جرى بها نقل مركز الثقل من الاحتلال العسكري إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية. فالاحتلال في صورته التقليدية يبقى محكومًا، نظريًا على الأقل، بلغة المؤقت والقانون الدولي والسلطة العسكرية. أما حين تنتقل صلاحيات التخطيط والبناء والآثار والبنى التحتية والحوكمة المدنية إلى وزارات إسرائيلية أو هيئات ذات طابع مدني، فإن الواقع يبدأ في اكتساب صورة السيادة. وهذه هي لحظة التحوّل من الاحتلال إلى الضمّ بحكم الأمر الواقع. فالضمّ هنا لا يحتاج إلى إعلان رسمي شامل؛ لأن الإعلان قد يستدعي تكلفة دبلوماسية كبيرة، بينما يحقق الضمّ الزاحف النتيجة نفسها عبر خطوات متفرقة تبدو إدارية أو تراثية أو أمنية أو بلدية. ولهذا، لا تكمن أهمية الإجراءات الإسرائيلية الجديدة في الضفة في عدد الوحدات الاستيطانية أو حجم المخصصات فحسب، بل في البنية القانونية التي تنقل الإقليم المحتل تدريجيًا إلى نطاق الإدارة المدنية الإسرائيلية.

من هذه الزاوية، يصبح مشروع "إسرائيل الكبرى" أقل شبهًا بخريطة توراتية جامدة وأكثر شبهًا بمنظومة عمل يومية. فالخريطة الكبرى لا تُرسَم مرة واحدة، بل تتقدم من خلال مستوطنة، وطريق، ونقطة عسكرية، ومحمية طبيعية، وموقع أثري، ومنطقة إطلاق نار، وأمر هدم، وترخيص بناء، وقرار وزاري، وموازنة بلدية. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع التحوّل الكبير. وحين تتكرر على مدى سنوات، فإنها تنتج واقعًا لا يحتاج إلى خطاب كبير لكي يفرض نفسه. لذلك، لا ينبغي لتحليل المشروع التوسعي أن ينشغل فقط بالتصريحات المستفزة للوزراء أو الرموز الدينية التي يتداولها اليمين الإسرائيلي، بل يجب أن يقرأ شبكة الإجراءات التي تحوّل الأيديولوجيا إلى إدارة، والرغبة إلى قانون، والأسطورة إلى بنية تحتية.

غير أن هذا المشروع يحمل تناقضاته داخله. فكلما ازداد وضوح البعد الديني القومي للتوسع، تراجعت قدرة إسرائيل على تسويق نفسها بوصفها دولة ديمقراطية ليبرالية محاصرة. وكلما اقتربت من الضمّ المفتوح، ازدادت صعوبة الفصل بين السيطرة الأمنية ونظام التمييز القانوني. وكلما أضعفت إمكانية الدولة الفلسطينية، وجدت نفسها أمام سؤال الدولة الواحدة، وما إذا كانت تستطيع الجمع بين السيادة اليهودية الدائمة على كامل الأرض وحرمان ملايين الفلسطينيين من حقوق سياسية متساوية. وهذه ليست معضلة أخلاقية مجردة، بل معضلة استراتيجية، لأنها تضرب الأساس الذي قامت عليه دعوى الشرعية الإسرائيلية الدولية بعد عام 1948، أي قدرتها على تقديم نفسها بوصفها دولة قومية لها حدود قابلة للاعتراف، لا قوة تهيمن إلى أجل غير مسمى على شعب آخر. وقد جعل رأي محكمة العدل الدولية هذه المعضلة أشد وضوحًا، حين أكد أن على الدول عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الوجود الإسرائيلي المستمر في الأرض المحتلة، وعدم تقديم عون أو مساعدة في إبقائه[12].

تتجلى المفارقة في أن إسرائيل تحاول إنتاج واقع لا رجعة فيه في الضفة الغربية والقدس، بينما يزداد العالم قدرة على تسمية هذا الواقع قانونيًا وسياسيًا. وظلت إسرائيل تستفيد طويلًا من غموض المصطلحات، فتتحدث عن أراضٍ متنازع عليها بدلًا من الأراضي المحتلة، وعن أحياء بدلًا من مستوطنات، وعن إجراءات أمنية بدلًا من عقوبات جماعية، وعن إدارة مدنية بدلًا من ضمّ فعلي. غير أن تراكم التقارير الأممية والحقوقية والقضائية جعل هذا الغموض أضعف من السابق. وبذلك، يصبح المشروع التوسعي أمام معادلة صعبة. فهو ينجح ميدانيًا في خلق الوقائع، لكنه يخسر تدريجيًا القدرة على توفير تغطية أخلاقية وقانونية لها. وقد لا توقفه هذه الخسارة فورًا، لكنها تجعل تكلفته الخارجية والداخلية أكبر مع مرور الوقت.

ثانيًا: الآثار والتراث والسيادة الرمزية في الضفة الغربية والقدس

تمثّل معركة الآثار والتراث واحدة من أكثر جبهات الصراع خفاءً وعمقًا في الوقت نفسه. فهي لا تبدو، في ظاهرها، معركة عسكرية أو سياسية مباشرة، لكنها تمس جوهر السيادة، لأن من يملك حق تسمية المكان وتفسير طبقاته التاريخية وإدارته قانونيًا يستطيع أن يحوّل الذاكرة إلى أداة حكم. ولهذا لم تكن مشاريع التنقيب وإدارة المواقع الأثرية في القدس الشرقية والضفة الغربية أنشطة علمية محايدة، بل دخلت في صلب الصراع على الأرض والهوية والرواية. فحين تُنتزَع المواقع الأثرية من محيطها الفلسطيني، أو تُربَط حصرًا بسردية توراتية واحدة، أو تُدار من خلال مؤسسات إسرائيلية ذات صلة بالمستوطنين، يتحول التاريخ إلى جهاز سياسي يعمل على تثبيت السيادة الإسرائيلية ونزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني. وقد وصفت وكالة رويترز مشروع قانون "سلطة التراث في يهودا والسامرة" بأنه محاولة لمدّ السيطرة المدنية الإسرائيلية إلى مواقع أثرية في الضفة الغربية، وسط اعتراضات فلسطينية وحقوقية عدّته خطوة في اتجاه الضمّ الفعلي[13].

ظهر هذا النمط بوضوح منذ سنوات في القدس الشرقية، وخصوصًا في سلوان ومحيط البلدة القديمة. فالموقع لا يُقرأ فقط بوصفه مجالًا حضريًا فلسطينيًا مأهولًا، بل بوصفه مساحة رمزية يجري من خلالها وصْل الحاضر الإسرائيلي بماضٍ توراتي منتقى، ثم توظيف هذا الوصل لإعادة تشكيل الملكية والسكان والحركة والسياحة والتعليم. ويُعدّ مشروع "مدينة داود" مثالًا دالًّا على هذا المنطق؛ لأن الآثار فيه لا تعمل بوصفها علمًا مستقلًا عن السياسة، بل بوصفها بوابة لإنتاج جغرافيا سيادية تحيط بالمسجد الأقصى والبلدة القديمة، وتدفع الأحياء الفلسطينية إلى حالة من الهشاشة الدائمة. وقد ربطت تقارير وتحقيقات دولية بين منظمة "إلعاد"، التي تدير موقع مدينة داود، ومشروع استيطاني يعمل عبر السياحة والآثار وشراء العقارات. كما كشف تحقيق "فينسن فايلز" عن تبرعات ضخمة قدّمتها شركات مرتبطة بالملياردير رومان أبراموفيتش إلى هذه المنظمة[14]. وهنا تتداخل الحفريات، والجمعيات الاستيطانية، والتمويل الخاص، والحماية الأمنية، والمصادقات البلدية، وخطاب السياحة الدينية، في منظومة واحدة تجعل التاريخ أداة لإعادة تشكيل المجال.

تشهد الضفة الغربية أيضًا انتقالًا أكثر صراحة نحو تقنين السيطرة الإسرائيلية على المواقع الأثرية. فمشاريع القوانين التي تهدف إلى إنشاء سلطة أو هيئة إسرائيلية لإدارة التراث فيما تسميه إسرائيل "يهودا والسامرة" لا يمكن قراءتها بوصفها إجراء ثقافيًا محدودًا، لأنها تنقل وظيفة الإدارة من الإطار العسكري للاحتلال إلى الإطار المدني الإسرائيلي. ويحمل هذا النقل معنى سياسيًا خطيرًا، حتى حين يُقدَّم بلغة حماية الآثار. فالقوة المحتلة تستطيع، وفق القانون الدولي، إدارة بعض الشؤون مؤقتًا بحكم السيطرة العسكرية، لكنها لا تملك تحويل الإقليم المحتل إلى جزء من إدارتها السيادية الطبيعية. ولذلك رأى معارضو مشروع القانون أن إخضاع مواقع أثرية في الضفة لوزارة التراث الإسرائيلية يفتح الباب أمام مصادرة أراضٍ، وشراء أراضٍ، وتوسيع نطاق السيطرة الاستيطانية، بما يجعل التراث من مداخل الضمّ المدني[15].

تتجاوز المسألة، إذًا، حقلًا أكاديميًا متخصصًا إلى قلب الصراع على معنى المكان. فالآثار في المجال الفلسطيني ليست حجارة صامتة، بل أدوات لتحديد من يملك الماضي، ومن يملك الحاضر، ومن يملك حق تقرير المستقبل. وحين يجري انتقاء طبقة تاريخية معينة وإعلاؤها فوق بقية الطبقات، يصبح التاريخ نفسه خاضعًا لمنطق الإقصاء. فالمدن والقرى الفلسطينية تضمّ طبقات كنعانية ويهودية ورومانية وبيزنطية وإسلامية وعثمانية وحديثة، غير أن المشروع الاستيطاني يميل إلى ترتيب هذه الطبقات بما يخدم سيادة واحدة، فيجعل الوجود الفلسطيني المعاصر طارئًا أو معيقًا أو غير مرئي. وقد انتقدت منظمة "عيمق شافيه" الإسرائيلية - وهي منظمة تضمّ علماء آثار معارضين لتسييس الآثار - هذا الاستخدام السياسي للتنقيب في سلوان والقدس، معتبرةً أن التركيز الانتقائي على السردية اليهودية يهمش تعددية التاريخ الحضري والديني في المكان[16].

ويمكن، من هذه الزاوية، فهم اعتراض الفلسطينيين ومنظمات حقوقية إسرائيلية ودولية على تشريعات الآثار في الضفة. فالقضية ليست خوفًا من البحث الأثري، بل من توظيفه في مصادرة الأرض، وتوسيع المستوطنات، وعزل القرى عن مواردها. فحين يترافق الاهتمام بالموقع الأثري مع مصادرة أراضٍ أو اقتلاع أشجار زيتون، أو تقييد الحركة، أو توسيع المستوطنات المحيطة، يصبح التراث مدخلًا لإعادة ترتيب الملكية والسيطرة. وفي هذه الحالة، لا تعود الحفريات بحثًا عن الماضي، بل أداة لإنتاج مستقبل سياسي معيّن. إنها طريقة ناعمة للضمّ؛ لأنها تبدو أقل صدامًا من الدبابة والحاجز، لكنها تفضي إلى النتيجة نفسها حين تعيد توزيع الأرض والسلطة والشرعية.

تكتسب هذه الجبهة حساسية إقليمية خاصة؛ لأنها تمس القدس والمقدسات والروايات الدينية. وقد أثبتت تجارب سابقة أن أيّ تغيير في محيط المسجد الأقصى أو الأحياء الفلسطينية القريبة منه يمكن أن يتحول إلى شرارة واسعة تتجاوز حدود المدينة. فالقدس ليست مدينة محلية في الوعي العربي والإسلامي، وليست ملفًا تفاوضيًا بين طرفين، بل مركز رمزي تتقاطع فيه الشرعية الدينية والسيادة الوطنية والهوية الجماعية. ولهذا، فإن الضمّ الزاحف عبر الآثار والتراث يحمل قدرة تفجيرية أكبر مما توحي به طبيعته الإدارية الهادئة. فالخطوة التي تقدّم في الكنيست بوصفها تنظيمًا لتراث أو حماية لموقع أثري قد تُقرأ فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا بوصفها جزءًا من محاولة أشمل لتغيير هوية المكان وفرض سيادة دينية قومية عليه.

وهذا ما يجعل الصراع على الآثار جزءًا من التحوّل البنيوي الأشمل. فالحرب الحديثة لا تدور فقط حول من يملك القوة النارية، بل حول من يملك القدرة على تثبيت الرواية في الأرض والقانون والمؤسسة. وإسرائيل تدرك أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن كل سيطرة تحتاج إلى معنى يبررها، وإدارة تعيد إنتاجها، وشبكة دولية تحميها. ولذلك، تعمل الجبهة التراثية بوصفها حلقة وصل بين الأيديولوجيا والسيادة. فهي تمنح التوسّع لغة ثقافية، وتجعله يبدو دفاعًا عن الذاكرة، وتخفي داخله أثره السياسي المباشر. وفي ذلك تكمن قوة الأداة وخطورتها في آن واحد.

غير أن تحويل الآثار إلى أداة سيادية يطرح أيضًا أزمة على المؤسسة العلمية الإسرائيلية نفسها. فالعلم، حين يُدفَع إلى خدمة مشروع ضمّ، يفقد جزءًا من شرعيته الدولية. وقد أشار تقرير رويترز الصادر عن قانون التراث المقترح إلى تحذيرات صدرت عن علماء ومؤسسات إسرائيلية من أن هذه الخطوة قد تضر بالعلاقات البحثية الدولية، وتزيد التوترات السياسية، وتخلط بين البحث العلمي ومشروع السيادة[17]. ويكشف ذلك تناقضًا أعمق داخل المشروع الإسرائيلي نفسه؛ فهو يحتاج إلى العلم لتعزيز روايته، لكنه يضع العلم في خدمة سياسة تقوّض استقلاله وصدقيته.

ثالثًا: من المساعدة العسكرية إلى الاندماج البنيوي داخل القاعدة الدفاعية الأميركية

قامت العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خلال أكثر من نصف قرن، على معادلة واضحة نسبيًا، تقوم على المساعدة المالية، وضمان التفوق العسكري النوعي، والتنسيق الاستخباراتي، وتطوير بعض الأنظمة المشتركة، وتوفير الغطاء السياسي في المؤسسات والمحافل الدولية. وقد أتاحت هذه المعادلة لواشنطن الاحتفاظ، ولو نظريًا، بمسافة بين الدعم والاندماج. فالولايات المتحدة تستطيع زيادة المساعدات أو تخفيضها، وتسريع تسليم الذخائر أو تأخيره، واستخدام حق النقض "الفيتو" أو الامتناع عنه، وممارسة الضغط العلني أو غير العلني؛ لأن العلاقة، على الرغم من عمقها، بقيت في جانب مهمّ منها علاقة راعٍ بحليف يعتمد على التمويل والحماية والتكنولوجيا الأميركية. ويظهر هذا النمط في مذكرة التفاهم لعام 2016، التي تعهدت الولايات المتحدة بموجبها بتقديم 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية على مدى عشر سنوات، موزَّعة بين التمويل العسكري الأجنبي وبرامج الدفاع الصاروخي المشتركة[18]. غير أن مبادرات التعاون الدفاعي التقني الجديدة تشير إلى اتجاه مختلف، يقوم على إدماج القدرات الإسرائيلية في بنية الصناعة الدفاعية الأميركية نفسها.

يكتسب هذا التحوّل أهمية بالغة؛ لأنه يغيّر طبيعة النفوذ المتبادل؛ ففي النموذج القديم، كانت إسرائيل تحتاج إلى الولايات المتحدة بدرجة أكبر مما تحتاج الولايات المتحدة إليها. أما في نموذج التكامل التقني، فيُراد لإسرائيل أن تصبح مصدرًا لقدرات مدمجة في أنظمة أميركية مستقبلية، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة المستقلة، والحرب السيبرانية، والتقنيات الحيوية، والليزر الدفاعي. وبذلك، لا تعود العلاقة قائمة على دعم أميركي لطرف خارجي، بل على بناء سلسلة إنتاج ومعرفة مشتركة تجعل الفصل بين الطرفين أكثر صعوبة. وقد نصّت صيغة لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي على تحديد تقنيات إسرائيلية المنشأ أو مطورة بصورة مشتركة، ذات فائدة عملياتية محتملة، لإدماجها في الأنظمة الأميركية وبرامج السلاح القائمة[19]. وكلما دخلت التكنولوجيا الإسرائيلية في برامج أميركية رسمية، ازدادت تكلفة التراجع السياسي عنها؛ لأن القرار السياسي يصبح مقيّدًا بالتزامات صناعية وعقود ومراكز بحث واختبارات ومعايير تشغيلية.

تستند هذه الرؤية إلى منطق أوسع في الاستراتيجية الأميركية المعاصرة، يتمثل في تعبئة قدرات الحلفاء لمواجهة الصين وروسيا. فواشنطن تدرك أن المنافسة الكبرى لم تعد تعتمد على حاملات الطائرات والقواعد العسكرية وحدها، بل على التفوق في الابتكار، والشرائح، والأنظمة غير المأهولة، والحوسبة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والحرب الإلكترونية. ومن ثم، يصبح الحليف الذي يمتلك قطاعًا تقنيًا متقدمًا أكثر من مستهلك للسلاح الأميركي، بل شريكًا في إنتاجه. وتقدّم إسرائيل نفسها في هذا السياق، بوصفها مختبرًا عسكريًا وتقنيًا عالي الكثافة، يمتلك خبرة عملياتية مستمرة، وشركات ناشئة، ووحدات سيبرانية، وقدرة على تحويل التكنولوجيا بسرعة إلى تطبيقات أمنية. وقد دافعت لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية "أيباك" عن مبادرة التعاون الدفاعي التقني باعتبارها وسيلة لتعزيز الأمن القومي الأميركي، وتحديث الجيش الأميركي، وتسريع الابتكار عبر حليف موثوق، مع تأكيدها أن المبادرة لا تنشئ قيادة مشتركة، ولا تمنح إسرائيل سلطة قرار داخل البنتاغون[20].

غير أن هذه الجاذبية التقنية تخفي سؤالًا سياديًا عميقًا. فحين تندمج برمجيات أو مكونات أو خوارزميات أو بنى اختبار إسرائيلية داخل أنظمة أميركية، يصبح الاعتماد المتبادل مجالًا لاحتمال النفوذ والتعطيل والاختراق. ولا يلزم افتراض وجود "مفاتيح تعطيل" بالمعنى الحرفي لفهم هذا الخطر؛ إذ يكفي تأمّل طبيعة التكنولوجيا الحديثة، حيث تتداخل طبقات الكود، والتحديثات، والبيانات التدريبية، والاعتماد على المورّدين، وخدمات الصيانة، ومعايير التشغيل. وفي هذه البيئة، لا تكون السيادة ملكية المنصة العسكرية فحسب، بل القدرة الكاملة على فهم مكوناتها، والتحكّم في تحديثاتها، وضمان استقلال قرار استخدامها. وأيّ تعقيد يضع جزءًا من هذه القدرة خارج السيطرة الأميركية الصرفة يُحدِث ثغرة سياسية قبل أن يكون ثغرة تقنية. ولذلك انتقد معهد كوينسي المبادرة بوصفها انتقالًا من المساعدة إلى الاندماج، ورأى أنها قد تعمّق اعتماد المؤسسة الدفاعية الأميركية على بنى تعاون يصعب فصلها سياسيًا في وقت لاحق[21].

يمكن، من هذه الزاوية، فهم الاعتراضات التي ظهرت داخل الكونغرس على مبادرة التعاون الدفاعي التقني. فالمعارضة ليست كلها نابعة من موقف مؤيّد للفلسطينيين أو معادٍ لإسرائيل، بل من قلق أميركي داخلي بشأن حدود التبعية المتبادلة. فبعض التيارات التقدمية ترى أن دمج الصناعة الدفاعية الأميركية مع إسرائيل، في لحظة تتسم بالحرب والاحتلال والاتهامات الحقوقية العميقة، يعني ربط الولايات المتحدة بممارسات قد تتحول إلى عبء أخلاقي وقانوني. وفي المقابل، ترى بعض تيارات اليمين القومي أن هذا الدمج يتعارض مع شعار "أميركا أولًا"، لأنه يمنح دولة أجنبية نفوذًا داخل منظومة الدفاع الأميركية، ويحوّل الدعم إلى التزام بنيوي يصعب فكّه. وقد أظهرت صفحة لجنة القواعد في مجلس النواب تعديلات اقترحها نواب، مثل توماس ماسي ورو خانا وجيم ماكغفرن وغيرهم، لإلغاء القسم 219، وهو القسم الذي كان يُعرَف سابقًا باسم 224، بما يعكس تبلور اعتراض عابر لبعض الاصطفافات الحزبية التقليدية[22].

والأخطر أن الاندماج التقني قد يقلص قدرة واشنطن على الضغط السياسي على إسرائيل. فمن الناحية النظرية، تمتلك الولايات المتحدة أدوات هائلة للتأثير؛ لأنها مصدر السلاح والغطاء الدبلوماسي والتمويل والدعم الاستخباراتي. غير أن هذه الأدوات تفقد بعض فاعليتها حين تتحول العلاقة إلى اعتماد صناعي وتقني مشترك. فكلما أصبحت إسرائيل جزءًا من سلسلة التفوق العسكري الأميركي، غدا الضغط عليها أقرب إلى الضغط على مكوّن من مكونات القوة الأميركية نفسها. وهنا تتبدل المعادلة من "حليف يعتمد علينا" إلى "حليف دخل في بنيتنا"، وهو فارق استراتيجي كبير. فقد تستطيع واشنطن، نظريًا، تعليق شحنة ذخائر، لكنها ستجد صعوبة أكبر في تعطيل برامج بحث وتطوير مشتركة أو سلاسل توريد أو تكاملات برمجية دخلت في أنظمة طويلة الأمد.

ومع ذلك، ينبغي قراءة الأمر من دون اختزال. فالولايات المتحدة نفسها تبحث عن هذا النمط من التعاون لأنها تريد تقليل تكلفة التفوّق في منافسة عالمية مرهقة، والاستفادة من ابتكارات الحلفاء، وتحويل شبكاتها الأمنية إلى شبكات لإنتاج المعرفة والسلاح. غير أن هذا المنطق العام يصبح أكثر حساسية حين يتعلق بإسرائيل، لأنها ليست حليفًا عاديًا في بيئة مستقرة، بل دولة منخرطة في احتلال طويل، وحروب متكررة، وصراع مفتوح مع الفلسطينيين، وتوترات مع إيران وحلفائها، واتهامات متصاعدة بارتكاب انتهاكات جسيمة. وقد خلص تقرير وزارة الخارجية الأميركية، في أيار/ مايو 2024، وفق ما نقلته رويترز، إلى أنه من المعقول تقييم أن إسرائيل استخدمت أسلحة أميركية في غزة على نحو غير متسق مع القانون الدولي الإنساني في بعض الحالات، مع عجز التقرير عن الوصول إلى استنتاجات قاطعة بشأن حوادث بعينها بسبب ظروف الحرب[23]. وبذلك، يصبح إدخال إسرائيل على نحو أعمق في البنية الدفاعية الأميركية إدخالًا لأزماتها معها، لا إدخال تقنياتها فحسب.

ترتبط هذه النقطة بسؤال القاعدة الصناعية العسكرية الأميركية نفسها. فواشنطن تشكو منذ سنوات هشاشة سلاسل التوريد، وتآكل القدرة التصنيعية، والاعتماد على مورّدين خارجيين في بعض المكونات الحساسة، وبطء الإنتاج في لحظات الطلب المرتفع، كما ظهر في أوكرانيا والشرق الأوسط. وفي مثل هذه البيئة، يبدو التعاون مع إسرائيل وسيلة لتوسيع قاعدة الابتكار والإنتاج. غير أن توسيع هذه القاعدة لا يعني بالضرورة تعزيز السيادة إذا جرى من دون رقابة صارمة. فالتكامل الدفاعي يحتاج إلى قواعد شفافة لنقل التكنولوجيا، وحماية المعلومات، وإدارة تضارب المصالح، ومراجعة الكونغرس، واختبارات الأمن السيبراني، وضمان عدم انتقال التكنولوجيا إلى أطراف ثالثة، وتحديد حدود الاستخدام العملياتي. ومن دون هذه الضوابط، قد يتحول شعار الابتكار المشترك إلى باب خلفي لخلق اعتماد غير محسوب.

لهذا يمكن القول إن مبادرة التكامل الدفاعي ليست ملفًا فنيًا، بل لحظة سياسية تكشف اتجاهين متعاكسين في واشنطن. يسعى الاتجاه الأول إلى تثبيت إسرائيل داخل بنية القوة الأميركية حتى لو تغيرت الإدارات أو تبدّل الرأي العام، بينما يحاول الاتجاه الثاني إعادة العلاقة إلى مجال المحاسبة السياسية، بحيث يبقى الدعم قابلًا للنقاش والتقييد والمراجعة. والصراع بين الاتجاهين هو، في جوهره، صراع على طبيعة السياسة الخارجية الأميركية نفسها: أتكون التحالفات قابلة للمساءلة الديمقراطية، أم تتحول إلى ترتيبات تقنية وصناعية تجعل الديمقراطية تأتي متأخرة، بعد أن تكون البنية قد حسمت الخيارات الأساسية؟ ويزداد هذا السؤال أهمية كلما اقتربت التكنولوجيا الدفاعية من مجالات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والحرب السيبرانية؛ لأن هذه المجالات تجعل القرار السياسي أسيرًا لما بُنِي داخل المنظومة التقنية قبل أن تُتاح للجمهور فرصة مساءلته.

رابعًا: السيبرانية الإسرائيلية وتآكل الإجماع الأميركي وحدود الإكراه الإقليمي

تفتح التجربة الإسرائيلية في مجال التكنولوجيا السيبرانية بابًا إضافيًا لفهم مخاطر التكامل غير المشروط. فإسرائيل تمتلك بالفعل بيئة سيبرانية متقدمة، تشكلت عند تقاطع الجيش والاستخبارات والشركات الناشئة والسوق العالمية للأمن الرقمي. وقد أصبحت وحدات، مثل "الوحدة 8200"، رمزًا لقدرة إسرائيل على تحويل الخبرة العسكرية والاستخباراتية إلى شركات ومنتجات وأدوات للمراقبة والاختراق وتحليل البيانات. ومنح هذا النموذج إسرائيل مكانة عالمية في اقتصاد الأمن السيبراني، لكنه حمل معه أيضًا إرثًا شديد الالتباس؛ لأن كثيرًا من الأدوات التي طورتها أو صدّرتها شركات إسرائيلية ارتبطت بانتهاكات حقوقية وعمليات تجسس استهدفت صحافيين ومعارضين ونشطاء ومسؤولين. وتمثّل مجموعة "إن إس أو" NSO Group وبرنامج "بيغاسوس"Pegasus المثال الأبرز على هذا الالتباس؛ إذ أدرجت وزارة التجارة الأميركية المجموعة، إلى جانب شركة "كانديرو" Candiru الإسرائيلية، على قائمة الكيانات[24]، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، بسبب تطويرها برامج تجسس وتزويد حكومات أجنبية بها، وقد استُخدمت لاستهداف مسؤولين حكوميين، وصحافيين، ورجال أعمال، ونشطاء، وأكاديميين، وموظفي سفارات[25].

تزداد حساسية الأمر حين يوضع في سياق التكامل الدفاعي. فواشنطن لا تستطيع التعامل مع التكنولوجيا الإسرائيلية بوصفها كتلة واحدة نقية من الابتكار العسكري؛ لأن جزءًا من هذا النظام البيئي ارتبط بسوق عالمية للمراقبة الهجومية. ولا تعمل هذه السوق وفق القواعد التقليدية لتجارة السلاح وحدها، بل من خلال ثغرات برمجية، ووسطاء، ورخص تصدير، وعقود غامضة، وقدرات يصعب تتبّعها بعد بيعها. لذلك، فإن إدخال شركات أو خبرات أو تقنيات من هذه البيئة في برامج أميركية حساسة يحتاج إلى رقابة أعمق من الرقابة الاعتيادية. وقد أصدر البيت الأبيض في آذار/ مارس 2023 أمرًا تنفيذيًا يحظر على الوكالات الأميركية الاستخدام التشغيلي لبرامج تجسس تجارية تشكّل مخاطر كبيرة على الأمن القومي، أو مكافحة التجسس، أو حقوق الإنسان، بما يعكس انتقال المخاوف من مستوى الخطاب الحقوقي إلى مستوى السياسة الأمنية الأميركية الرسمية[26].

ويبرز أيضًا بعدٌ أخلاقي لا يقل أهمية عن البعد الأمني. فالتكنولوجيا التي تُطوَّر في بيئة احتلال ومراقبة مستمرة قد تحمل معها منطق تلك البيئة. ولا تقتصر المشكلة على احتمال استخدام أداة معينة ضد هدف غير مشروع، بل تمتد إلى فلسفة التصميم ذاتها، التي قد تفترض أن السكان مجال دائم للمراقبة، وأن الأمن يسبق الحقوق، وأن الوقاية تبرر الاختراق، وأن الخوارزمية تستطيع تصنيف البشر وفق درجات تهديد قابلة للمعالجة الآلية. وحين تُنقَل هذه التكنولوجيا إلى دول أخرى، فإنها لا تنقل الكود وحده، بل تنقل تصورًا معيّنًا للعلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن هنا تبرز المخاوف من أن يتحول ما جُرّب في سياق السيطرة على الفلسطينيين إلى نموذج أوسع في إدارة الحدود والهجرة والاحتجاج والمراقبة الداخلية.

لا يعني ذلك أن كل التكنولوجيا السيبرانية الإسرائيلية ملوثة سياسيًا، أو أن التعاون معها ينبغي أن يُرفض تلقائيًا، لكنه يعني أن هذا التعاون يحتاج إلى فصل واضح بين الدفاع والهجوم، وبين حماية الشبكات ومراقبة المجتمعات، وبين الابتكار المشروع والتكنولوجيا التي تنتهك الخصوصية وحقوق الإنسان. كما يحتاج إلى مراجعة مستقلة لطبيعة البيانات المستخدَمة في تدريب الأنظمة، ومصادر الخبرة العملياتية، وحدود التصدير، وصلات الشركات بالمؤسسات العسكرية والاستخباراتية. فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا المجال هي أن التفوق التقني لا يمنح إعفاءً أخلاقيًا، وأن الحليف لا يُعامَل بوصفه فوق قواعد الأمن القومي الأميركي لمجرد أنه حليف. وقد مثّلت سياسة الإدارة الأميركية تجاه برامج التجسس التجارية إقرارًا عمليًا بأن أدوات الحلفاء قد تصبح مصدر خطر حين تعمل خارج الرقابة القانونية والمؤسسية[27].

ويرتبط الاندفاع نحو تحصين العلاقة الأميركية - الإسرائيلية أيضًا بتحوّلٍ موازٍ في البيئة الإقليمية، يتمثل في تراجع قدرة الإكراه العسكري على تحقيق نتائج حاسمة بتكاليف مقبولة. فقد افترضت إسرائيل والولايات المتحدة، في مراحل مختلفة، أن التفوق الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي قادر على ردع الخصوم، أو تدمير قدراتهم الحرجة، أو فرض حدود صارمة على سلوكهم. غير أن التجربة الإقليمية الأخيرة أظهرت أن الخصوم طوروا أدوات تجعل هذا التفوق أقل قدرة على الحسم. فإيران، خصوصًا، لم تعد قوة تقليدية يمكن قياسها بعدد الطائرات والدبابات فقط، بل شبكة ردع مركبة تضم الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، والقوى الحليفة، والعمق الجغرافي، والقدرة على تهديد الممرات البحرية والطاقة. وهنا يصبح السؤال الاستراتيجي متعلقًا بتكلفة الضربة وما قد تفتحه من ارتدادات في الخليج والعراق وسورية ولبنان واليمن ومضيق هرمز وأسواق الطاقة، أكثر من تعلّقه بقدرة واشنطن أو تل أبيب على تنفيذ ضربة ناجحة في حد ذاتها.

ولا يعني ذلك أن إيران تحولت إلى قوة عصية على الهزيمة، أو أن الفارق الواسع في القدرات بينها وبين الولايات المتحدة قد تلاشى، بل يعني أن معيار الحساب الاستراتيجي لم يعد يتوقف عند القدرة على إلحاق الضرر العسكري، بل امتد إلى تقدير قد يترتب على هذا الضرر من ارتدادات سياسية وأمنية واقتصادية. فالولايات المتحدة وإسرائيل تملكان، من حيث القدرة العسكرية المباشرة، إمكانية ضرب منشآت إيرانية حساسة، غير أن جوهر المسألة ينتقل سريعًا من سؤال الضربة ذاتها إلى سؤال ما بعدها، أي إلى طبيعة الرد المحتمل، واتساع ساحاته، وانعكاساته على الخليج والعراق وسورية ولبنان واليمن والممرات البحرية وأسواق الطاقة. وكلما اتسعت هذه الدائرة، تراجعت فكرة النصر الحاسم لمصلحة منطق إدارة التصعيد، لتصبح الغاية الأساسية ضبط تداعيات القوة لا استخدامها فحسب. ومن هنا يبرز التحول من الإكراه إلى الإدارة؛ فالإكراه يقوم على افتراض أن الضغط العسكري أو السياسي سيدفع الخصم إلى التراجع، بينما تنطلق الإدارة من إدراك أن الضغط نفسه قد يفتح سلسلة مترابطة من الأثمان يصعب احتواؤها بعد انفلاتها. وبذلك يجد أي مشروع إسرائيلي يسعى إلى تصفية المسألة الفلسطينية أو فرض الضمّ النهائي نفسه داخل بيئة إقليمية شديدة الحساسية، تجعل كل خطوة داخل فلسطين قابلة للتحول إلى مادة تعبئة سياسية وأمنية ضد إسرائيل والولايات المتحدة معًا.

تتحرك الولايات المتحدة داخل هذه المعادلة بين التزام تاريخي راسخ بأمن إسرائيل ورغبة متزايدة في تقليص انغماسها في حروب الشرق الأوسط. فلم تعد تجربتا العراق وأفغانستان تسمحان بتسويق حرب إقليمية مفتوحة للرأي العام الأميركي أو لقطاعات واسعة من النخبة السياسية والعسكرية بالسهولة التي كانت قائمة في مراحل سابقة. كما أن احتدام المنافسة مع الصين جعل تحويل الموارد والاهتمام الاستراتيجي إلى صراع طويل في الشرق الأوسط خيارًا عالي التكلفة، لا لأنه يستنزف القوة الأميركية وحدها، بل لأنه يربك ترتيب الأولويات العالمية لواشنطن في لحظة ترى فيها أن مركز الثقل الدولي ينتقل تدريجيًا إلى آسيا والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. لذلك، تحاول الإدارة الأميركية بناء معادلة دقيقة تجمع بين استمرار دعم إسرائيل، وحماية تفوّقها، ومنع انهيار الردع الإقليمي، وبين الحيلولة دون انفلات التصعيد إلى مستوى يربك الاقتصاد العالمي، أو يهدد الممرات البحرية والطاقة، أو يستنزف الحضور العسكري الأميركي، أو يمنح الصين وروسيا وإيران فرصة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات على حساب واشنطن. غير أن هذه المعادلة تصبح أكثر هشاشة كلما دفعت السياسة الإسرائيلية نحو خطوات قصوى في غزة أو الضفة أو تجاه إيران؛ لأن كل توسع في استخدام القوة يضع الولايات المتحدة أمام مهمة أشد تعقيدًا، إذ تضطر إلى حماية إسرائيل سياسيًا وعسكريًا، وفي الوقت نفسه إلى احتواء النتائج التي تنتجها سياساتها.

ويزداد هذا الاحتواء صعوبة مع التآكل المتدرج في الإجماع الأميركي حول إسرائيل، وهو إجماع استند، خلال عقود، إلى تداخل معقّد بين الاعتبارات الاستراتيجية والذاكرة الدينية والحسابات الانتخابية ونفوذ جماعات الضغط. فقد نجحت إسرائيل طويلًا في تقديم نفسها داخل المجال الأميركي بوصفها حليفًا ديمقراطيًا مستقرًا في منطقة مضطربة، وقاعدة متقدمة للمصالح الغربية، وشريكًا استخباراتيًا وعسكريًا قادرًا على إنتاج قيمة استراتيجية تتجاوز حجمه الجغرافي. وفي الوقت نفسه، وفرت لها المؤسسات المؤيدة لإسرائيل شبكة نفوذ واسعة داخل الكونغرس والحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة، الديمقراطي والجمهوري، ووسائل الإعلام ومراكز التفكير. وإلى جانب ذلك، أسهمت المسيحية الصهيونية في تثبيت قاعدة دعم واسعة داخل اليمين الأميركي، إذ لم يكن الانحياز إلى إسرائيل قائمًا دائمًا على حسابات المصلحة الباردة، بل ارتبط أيضًا بتصور ديني يرى في إسرائيل الحديثة جزءًا من سردية لاهوتية عن التاريخ والخلاص والنبوءة. غير أن هذه البنية، التي منحت إسرائيل حماية سياسية شبه تلقائية بدأت تتعرض لتصدعات متراكمة، خصوصًا بعد حرب غزة وما رافقها من صور الدمار والمجاعة والنزوح والضحايا المدنيين. فقد انتقلت إسرائيل، في نظر قطاعات متزايدة من الرأي العام الأميركي، من صورة الحليف المحاصر إلى صورة القوة التي تستخدم تفوقًا هائلًا في مواجهة مجتمع فلسطيني منزوع الحماية، الأمر الذي جعل الدفاع غير المشروط عنها أكثر تكلفة أخلاقية وسياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.

لا يكمن التغير الأكثر أهمية في انتقال السياسة الرسمية الأميركية فورًا، بل في تبدّل البيئة الاجتماعية المحيطة بهذه السياسة. فقد أظهرت مؤسسة غالوب، في شباط/ فبراير 2026، أن الإسرائيليين لم يعودوا يتقدمون على الفلسطينيين في تعاطف الأميركيين كما كان الحال تقليديًا، وأن الديمقراطيين باتوا ينظرون إلى الأراضي الفلسطينية بصورة أكثر إيجابية من إسرائيل، بينما تراجع التأييد الجمهوري لإسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين[28]. وأظهر مركز بيو، في نيسان/ أبريل 2026، استمرار ارتفاع النظرة السلبية إلى إسرائيل وبنيامين نتنياهو بين الأميركيين، خصوصًا بين الشباب، مع بقاء الصراع مهمًا شخصيًا لأكثر من نصف الأميركيين[29]. ويعكس هذا التحول انتقال القضية الفلسطينية من هامش السياسة الخارجية إلى قلب النقاش الأخلاقي داخل الجامعات والإعلام والحركات الاجتماعية. فقد باتت مفردات مثل الاحتلال، والفصل، والتجويع، والتهجير، وجرائم الحرب، حاضرة في النقاش العام الأميركي بدرجة لم تكن مألوفة سابقًا. ولم تعد الرواية الإسرائيلية قادرة على احتكار معنى الأمن والضحية كما كانت تفعل في عقود سابقة.

لا يلغي هذا التغير قوة المؤسسات المؤيدة لإسرائيل، لكنه يغير تكلفة الدفاع غير المشروط عنها. فالنائب الأميركي الذي كان يرى في دعم إسرائيل خيارًا آمنًا انتخابيًا صار يواجه جمهورًا أكثر انقسامًا. والمرشح الشاب في الحزب الديمقراطي يجد أن انتقاد السياسات الإسرائيلية لم يعد انتحارًا سياسيًا بالضرورة في بعض الدوائر، بل قد يكون جزءًا من شرعية تقدمية. وفي المقابل، يظهر داخل اليمين تيار قومي يشكك في المساعدات الخارجية والحروب المفتوحة ويرى أن الدعم اللامحدود لإسرائيل يتعارض مع مصالح دافعي الضرائب الأميركيين. ولا ينطلق هذا التيار بالضرورة من تعاطف مع الفلسطينيين، وقد يحمل أحيانًا عناصر انعزالية أو قومية حادة، لكنه يلتقي عمليًا مع التقدميين في رفض تحويل العلاقة مع إسرائيل إلى التزام بلا سقف.

من هنا، تكتسب المعارضة المشتركة لبعض النواب من اليسار واليمين لمبادرات التكامل العسكري التقني أهمية رمزية. فهي تكشف أن إسرائيل لم تعد نقطة إجماع تلقائية، وأن التحالف معها يمكن أن يُقرَأ من زاويتين نقديتين مختلفتين: زاوية ترى أن الدعم العسكري يجعل الولايات المتحدة شريكة في انتهاكات الاحتلال والحرب، وزاوية ترى أن دمج الدفاع الأميركي بدولة أجنبية يهدد السيادة الأميركية ويضع "أميركا آخرًا". ولا يشكّل هذا التلاقي بعد كتلة سياسية قادرة على قلب السياسة الخارجية، لكنه يمثّل بدايةً لكسر احتكار النخبة التقليدية تعريف المصلحة الأميركية في الشرق الأوسط.

خاتمة

تكشف التحولات الراهنة أن الصراع الإقليمي لم يعد يتحرك داخل حدوده التقليدية، بل دخل طورًا أكثر تركيبًا تتداخل فيه الأرض مع التكنولوجيا، والاحتلال مع التحالفات، والسيادة مع صناعة الرواية، والسياسة الخارجية الأميركية مع الانقسام الداخلي في الولايات المتحدة. ومن ثم، لم يعد المشروع الإسرائيلي محصورًا في إدارة نزاع قابل للتفاوض، أو في تثبيت وقائع احتلال قابلة للمساومة، بل أخذ، في صيغته اليمينية الراهنة، يتجه نحو إعادة تعريف الأرض الفلسطينية داخل أفق سيادة إسرائيلية دائمة، بما يجعل الضمّ الزاحف مشروعًا سياسيًا، لا ممارسة ميدانية متفرقة. وفي المسار نفسه، لم تعد العلاقة الأميركية الإسرائيلية تقف عند حدود المساعدات والضمانات والتنسيق العسكري؛ إذ بدأت بعض صيغها الجديدة تميل إلى تكامل دفاعي وتقني أعمق، يمكن أن يجعل الفصل بين المصالح العسكرية والصناعية للطرفين أكثر صعوبة، ويحوّل التحالف من خيار سياسي قابل للمراجعة إلى بنية مؤسسية وتقنية قادرة على تقييد القرار. وفي المقابل، لم يعد الرأي العام الأميركي يمنح إسرائيل الحصانة القديمة ذاتها، كما لم تعد حروب الشرق الأوسط قابلة للتسويق الداخلي بالسهولة السابقة، ولم تعد إيران وحلفاؤها خصومًا يمكن إخضاعهم بمنطق الإكراه الخالي من الأثمان. وبذلك، يصبح أيّ تصعيد إقليمي محكومًا بحسابات أشد تعقيدًا من التفوق الناري أو القدرة على توجيه الضربات.

يتحدد جوهر التحوّل البنيوي، من هذه الزاوية، في اتساع الفجوة بين القدرة والشرعية. فإسرائيل تمتلك قوة عسكرية هائلة، وتكنولوجيا متقدمة، وتحالفًا أميركيًا عميقًا، غير أنها تواجه، في الوقت نفسه، أزمة شرعية متنامية كلما حاولت تحويل التفوق إلى سيادة دائمة على شعب محروم من حقه السياسي. وتمتلك الولايات المتحدة قدرة غير مسبوقة على حماية إسرائيل وتمكينها دبلوماسيًا وعسكريًا، غير أنها تواجه سؤالًا متزايدًا حول ما إذا كانت هذه الحماية تخدم المصلحة الأميركية أم تقيّدها، وما إذا كان إدخال إسرائيل بصورة أعمق في البنية الدفاعية الأميركية يعزز الأمن الأميركي أم يورطه في أزمات حليف لم تعد سياساته قابلة لتغطية أخلاقية سهلة. أما الفلسطينيون، فعلى الرغم من الضعف والانقسام وفداحة التكلفة الإنسانية، فما زالوا يمثلون العقدة السياسية والقانونية التي لا يستطيع المشروع التوسعي تجاوزها من دون أن يفتح على نفسه أزمة دائمة؛ لأن كل محاولة لإلغاء حقهم في الأرض والسيادة والتمثيل لا تنهي الصراع، بل تعيد إنتاجه على مستوى أعلى وأكثر تعقيدًا.

وعلى هذا الأساس، لن يتحدد مستقبل المنطقة بميزان الصواريخ والطائرات وحده، بل بقدرة الأطراف على إدراك أن التفوق العسكري لا يحسم مسألة الشرعية، وأن السيطرة لا تصنع استقرارًا حين تنفصل عن العدالة، وأن الأمن لا يكتمل حين يتحول إلى غطاء دائم لنفي الحقوق. فالضمّ الزاحف يستطيع تغيير الخرائط، غير أنه يعجز عن إنتاج قبول سياسي مستدام، والتكامل التقني يستطيع تحصين التحالفات، غير أنه قد يحوّلها إلى قيود سيادية وأخلاقية، والتفوق السيبراني يستطيع توسيع قدرة المراقبة والتحكم، غير أنه لا يستطيع إلغاء مطلب الحرية والكرامة. ومن ثم، لا يتمثل المخرج الحقيقي في تحويل إسرائيل إلى عقدة داخل البنية الدفاعية الأميركية، ولا في تحويل الفلسطينيين إلى فائض ديموغرافي داخل مشروع سيادي مغلق، ولا في إدارة الإقليم من خلال جولات ردع متكررة، بل في إعادة السياسة إلى مركز الصراع، بما تعنيه من اعتراف بالحقوق، ووضع حدود للقوة، وربط الأمن بالعدالة، وإدراك أن أيّ نظام إقليمي يقوم على إخضاع شعب كامل يظل مفتوحًا على احتمالات الانفجار، مهما بلغت قدراته التقنية والعسكرية. وحين تعجز القوة عن إنتاج شرعية عادلة، فإنها لا تؤسس نظامًا مستقرًا، بل تؤجل الانفجار وتمنحه أسبابًا أعمق للعودة.


المراجع​

Executive Order 14093. “Prohibition on Use by the United States Government of Commercial Spyware That Poses Risks to National Security.” Federal Register 88. no. 61. 30/3/2023. at: https://acr.ps/hBy2sPm

International Court of Justice. “Legal Consequences Arising from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, Including East Jerusalem, Advisory Opinion.” 19/7/2024. at: https://acr.ps/hBy2t33

International Crisis Group. “Sovereignty in All but Name: Israel’s Quickening Annexation of the West Bank.” Report no. 252. 9/10/2025. at: https://acr.ps/hBy2t3n

Sharp, Jeremy M. “U.S. Foreign Aid to Israel.” Congressional Research Service Report RL33222. 16/11/2020. at: https://acr.ps/hBy2sMs

U.S. Department of Commerce, Bureau of Industry and Security. “Commerce Adds NSO Group and Other Foreign Companies to Entity List for Malicious Cyber Activities.” 4/11/2021. at: https://acr.ps/hBy2sia

U.S. Department of State. “U.S. Security Cooperation with Israel.” 25/4/2025. at: https://acr.ps/hBy2svR

U.S. House Committee on Rules. “H.R. 8800, National Defense Authorization Act for Fiscal Year 2027.” Amendment Listing for Massie, Khanna, McGovern, Garcia, Tlaib, Beyer, Tokuda, and Tran. at: https://acr.ps/hBy2sP2



[1] “Adalah’s Analysis of the New Israeli Government’s Guiding Principles and Coalition Agreements and Their Implications on Palestinians’ Rights,” Adalah, 10/1/2023, pp. 2–3, accessed on 16/7/2026, at: https://acr.ps/hBy2t2p

[2] U.S. House Armed Services Committee, “H.R. 8800, National Defense Authorization Act for Fiscal Year 2027,” Chairman’s Mark, 22/5/2026, sec. 224, accessed on 17/7/2026, at: https://acr.ps/hBy2seW

[3] “Israelis No Longer Ahead in Americans’ Middle East Sympathies,” Gallup, 27/2/2026, accessed on 17/7/2026, at: https://acr.ps/hBy2svx; “Negative Views of Israel, Netanyahu Continue to Rise among Americans, Especially Young People,” Pew Research Center, 7/4/2026, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sM8

[4] “Far-Right Minister Calls for Israeli Sovereignty in West Bank in 2025,” Reuters, 11/11/2024, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2t2J; Peter Beaumont, “Israeli Far-Right Minister Speaks of Effort to Annex West Bank,” The Guardian, 24/6/2024, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sfg

[5] U.S. Department of State, “U.S. Security Cooperation with Israel,” 25/4/2025, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2svR; Jeremy M. Sharp, “U.S. Foreign Aid to Israel,” Congressional Research Service Report RL33222, 16/11/2020, pp. 1-2, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sMs

[6] U.S. House Armed Services Committee, “H.R. 8800, National Defense Authorization Act for Fiscal Year 2027,” sec. 224.

[7] International Court of Justice, “Legal Consequences Arising from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, Including East Jerusalem, Advisory Opinion,” 19/7/2024, paras. 285-289, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2t33

[8] “Israel Approves Hundreds More Houses in 3 Settlements in the Occupied West Bank,” Associated Press, 10/12/2025, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sfA; “Israel Sends West Bank Settlement Funding Plan to Security Cabinet, Rights Group Says,” Reuters, 11/6/2026, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2swb

[9] “Israel’s Smotrich Says He Is Drawing Up West Bank Annexation Maps,” Reuters, 3/9/2025, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sMM

[10] International Court of Justice, paras. 230-243.

[11] International Crisis Group, “Sovereignty in All but Name: Israel’s Quickening Annexation of the West Bank,” Report no. 252, 9/10/2025, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2t3n

[12] International Court of Justice, paras. 279-289.

[13] “Palestinians Decry Israeli Push for Control over Ancient West Bank Sites,” Reuters, 25/6/2026, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sfU

[14] Oliver Holmes, “Leaks Show Chelsea Owner Abramovich Funded Israeli Settler Group,” The Guardian, 22/9/2020, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2swv; Organized Crime and Corruption Reporting Project, “FinCEN Files Show Roman Abramovich Helped Fund Israeli Settlement,” 22/9/2020, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sN6

[15] “Palestinians Decry Israeli Push for Control over Ancient West Bank Sites.”

[16] Emek Shaveh, “Elad’s Settlement in Silwan,” Emek Shaveh, 10/9/2013, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2t3H; Bethan McKernan, “‘Tunnel Vision’: How Israel Is Using Archaeology to Win US Support for Goals,” The Guardian, 25/9/2025, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sge

[17] “Palestinians Decry Israeli Push for Control over Ancient West Bank Sites.”

[18] Sharp, pp. 1-2.

[19] U.S. House Armed Services Committee, “H.R. 8800, National Defense Authorization Act for Fiscal Year 2027,” sec. 224.

[20] AIPAC, “United States-Israel Defense Technology Cooperation Initiative,” 4/6/2026, accessed on 29/6/2026, accessed on 16/7/2026, at: https://acr.ps/hBy2swP

[21] Andrew Bacevich & William D. Hartung, “Cooperation without Oversight: The United States-Israel Defense Technology Cooperation Initiative,” Quincy Institute for Responsible Statecraft, 16/6/2026, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sNq

[22] U.S. House Committee on Rules, “H.R. 8800, National Defense Authorization Act for Fiscal Year 2027,” Amendment Listing for Massie, Khanna, McGovern, Garcia, Tlaib, Beyer, Tokuda, and Tran, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sP2

[23] Humeyra Pamuk & Patricia Zengerle, “US Says Israel’s Use of Weapons May Have Violated International Law,” Reuters, 10/5/2024, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2t5D

[24] قائمة تابعة لوزارة التجارة الأميركية، تُدرج فيها شركات أو مؤسسات أو أفراد ترى واشنطن أن أنشطتهم تمثل خطرًا على الأمن القومي أو مصالح السياسة الخارجية الأميركية. ويترتب على الإدراج تقييد حصول هذه الجهات على السلع أو البرمجيات أو التكنولوجيا الأميركية إلا بترخيص خاص.

[25] U.S. Department of Commerce, Bureau of Industry and Security, “Commerce Adds NSO Group and Other Foreign Companies to Entity List for Malicious Cyber Activities,” 4/11/2021, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sia; U.S. Department of Commerce, “Addition of Certain Entities to the Entity List,” Federal Register 86, no. 211, 4/11/2021, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2syL

[26] Executive Order 14093, “Prohibition on Use by the United States Government of Commercial Spyware That Poses Risks to National Security,” Federal Register 88, no. 61, 30/3/2023, accessed on 29/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sPm

[27] Executive Order 14093, “Prohibition on Use by the United States Government of Commercial Spyware That Poses Risks to National Security.”

[28] “Israelis No Longer Ahead in Americans’ Middle East Sympathies.”

[29] “Negative Views of Israel, Netanyahu Continue to Rise among Americans, Especially Young People.”