مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الصراع تتجاوز في طبيعتها وأدواتها أنماط المواجهة التقليدية بين الدول. فالمواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعُد صراعًا على النفوذ الإقليمي أو مواجهة غير مباشرة عبر مناطق وسيطة مثل العراق وسورية ولبنان فحسب، بل أخذت أيضًا تتحول تدريجيًا إلى صراعٍ مركّب يمتد من المجال البحري في الخليج العربي إلى البنية الداخلية للدولة الإيرانية. وفي مثل هذا السياق، تصبح القضايا القومية والعرقية داخل الدول المتعددة الإثنيات عناصر محتملة في إعادة تشكيل مجال العمليات الجيوسياسي.
أولًا: المسألة الكردية والبنية القومية للدولة الإيرانية
يشكّل الأكراد إحدى أكبر القوميات العابرة للحدود في الشرق الأوسط، وتنتشر تجمعاتهم السكانية بين أربع دول رئيسة، هي: تركيا، والعراق، وسورية، وإيران. وقد منح هذا الامتداد الجغرافي القضيةَ الكردية طبيعةً فريدة جعلتها مرتبطة، على نحو دائم، بتوازنات القوى الإقليمية والدولية. وفي الحالة الإيرانية تحديدًا، تتخذ المسألة الكردية بعدًا خاصًّا نظرًا إلى تمركزها في منطقة حدودية ذات حساسية تمتد على طول جبال زاغروس وتربط إيران مباشرة بإقليم كردستان العراق.
تشير الدراسات الديموغرافية إلى أنّ الأكراد يشكلون ما بين 10 و12 في المئة من سكان إيران، ويتمركز وجودهم أساسًا في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية وإيلام. وقد ظل هذا الإقليم، الذي يطلق عليه الأكراد اسم "روجَهلات كردستان"، جزءًا من معادلة الأمن القومي الإيراني منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979. فالعلاقة بين الدولة المركزية والحركات القومية الكردية تشكّلت منذ بداية الثورة الإسلامية، ضمن سياق من التوترات السياسية والعسكرية التي ارتبطت بمطالب الحكم الذاتي والاعتراف بالحقوق الثقافية والقومية[1].
في الأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام الشاه عام 1979، ظهرت في المدن الكردية حركة سياسية واسعة تطالب بإقامة نظام إداري يمنح الإقليم قدرًا من الحكم الذاتي ضمن إطار الدولة الإيرانية. غير أن القيادة الثورية الجديدة، التي كانت في طَور تثبيت أركان النظام السياسي الجديد، رأت في هذه المطالب تهديدًا مباشرًا لمشروع الدولة المركزية التي سعت إلى بنائها. وقد أدى هذا التباين بين الطرفَين إلى اندلاع مواجهات مسلحة في العديد من المدن الكردية خلال السنوات الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية، عندما أرسلت الحكومة قوات الحرس الثوري لإعادة فرض السيطرة على الإقليم[2].
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت المناطق الكردية جزءًا من حسابات الدولة الإيرانية من الناحية الأمنية؛ إذ تداخلت الاعتبارات القومية مع معادلات الأمن القومي والسيادة الإقليمية. لكنّ هذه المسألة لم تبقَ شأنًا إيرانيًا داخليًا خالصًا؛ إذ إن التحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط، منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، أعادت تعريف مكانة القضية الكردية في جغرافية المنطقة من الناحية السياسية.
وفي هذا السياق، أدى الغزو الأميركي للعراق عام 2003 إلى نشوء كيان كردي يحظى بنسبة عالية من الحكم الذاتي في شمال هذا البلد، ثمّ إن الحرب السورية بعد عام 2011 أفضت إلى صعود القوى الكردية المسلحة بوصفها فاعلًا رئيسًا في التوازنات العسكرية في شمال سورية. وقد منحت هذه التحولات الحركة الكردية في المنطقة مجالًا أوسع للحركة السياسية والعسكرية، وجعلت القضية الكردية جزءًا من حسابات القوى الكبرى استراتيجيًا[3].
وقد مثّلت الحرب التي تجري في الخليج العربي، منذ مطلع آذار/ مارس 2026، بدايةً لمرحلة جديدة من هذه التفاعلات. فمع تصاعد الضربات العسكرية التي استهدفت منشآت إيرانية مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومع تصاعد التوترات البحرية في مضيق هرمز، بدأت ملامح انتقال الصراع من المواجهة بين الدول إلى التأثير في البنية الداخلية لإيران نفسها.
وقد برزت المناطق الكردية في غرب إيران بوصفها أحد الفضاءات التي بدأت تشهد نشاطًا متزايدًا لبعض الفصائل الكردية المعارضة للنظام الإيراني. وتشير تقارير أمنية متعددة إلى تسجيل زيادة في تحركات بعض هذه الفصائل التنظيمية خلال الأسابيع التي تلت اندلاع حرب احتلال العراق، وقد شملت عمليات محدودة ضد مواقع للحرس الثوري الإيراني في المناطق الجبلية القريبة من الحدود العراقية، إضافة إلى محاولات مرتبطة بإعادة تنشيط الشبكات السياسية والتنظيمية داخل المجتمع الكردي[4].
ويتصدر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني قائمة القوى السياسية التي تسعى إلى توسيع حضورها في هذه المرحلة؛ إذ يعود تاريخ هذا الحزب إلى أربعينيات القرن العشرين عندما أدّى دورًا مركزيًا في تجربة جمهورية مهاباد الكردية عام 1946، وتُعد هذه التجربة أوّل محاولة حديثة لإقامة كيان سياسي كردي في إيران. وقد حافظ الحزب، منذ ذلك الحين، على حضور سياسي وعسكري في المناطق الكردية الإيرانية؛ فهو يتبنى خطابًا قوميًا يدعو إلى إقامة نظام فدرالي داخل إيران يضمن للأكراد حقوقًا سياسية وثقافية موسَّعة[5]. وفضلًا عن هذا الحزب، تنشط تنظيمات أخرى؛ مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK المرتبط أيديولوجيًا بحزب العمال الكردستاني في تركيا. وقد خاض هذا التنظيم، خلال العقدين الماضيين، مواجهات مسلحة متقطعة مع القوات الإيرانية في المناطق الحدودية، مستفيدًا من طبيعة المنطقة الجبلية الوعرة، ومن امتداد المجتمع الكردي جغرافيًا عبر الحدود[6].
ومع اندلاع الحرب الحالية في الخليج، بدأت بعض هذه التنظيمات ترى في اللحظة الجيوسياسية الراهنة فرصةً لإعادة طرح القضية الكردية في إيران ضمن سياق إقليمي أوسع. فالحرب الخارجية التي تواجهها طهران تخلق بطبيعتها بيئة استراتيجية يمكن أن تسمح لبعض القوى المحلية بمحاولة توسيع هامش حركتها السياسية والعسكرية. غير أن هذه التحركات لا يمكن فهمها بمعزل عن تاريخ طويل تتّسم به العلاقة بين الحركة الكردية والقوى الدولية، وهو تاريخ يتضمّن ذاكرةً معقدة من التحالفات المؤقتة والخيبات المتكررة.
وهنا يبدأ البعد الأكثر حساسيةً في المسألة الكردية المعاصرة: فالذاكرة السياسية العميقة لما يعتبره الأكراد نمطًا متكررًا من الاستغلال والتخلي، من جانب القوى الكبرى، تجعل القيادات الكردية تتعامل بحذر شديد مع أيّ دعوة من دعوات الانخراط في صراعات إقليمية واسعة من دون ضمانات سياسية واضحة.
ثانيًا: الذاكرة التاريخية الكردية: من سيفر ولوزان إلى اتفاق الجزائر
عند الانتقال من تحليل التحركات الكردية الراهنة في غرب إيران إلى فهم حسابات القيادات الكردية تجاه الحرب التي تجري في الخليج العربي، يتضح أن العامل الأكثر تأثيرًا في الموقف الكردي المعاصر لا يقتصر على موازين القوى العسكرية أو الحسابات الإقليمية الآنية، بل إنه يشمل أيضًا ما يمكن تسميته الذاكرة السياسية العميقة للحركة القومية الكردية. فهذه الذاكرة تشكلت خلال قرنٍ كامل من التجارب التي رسّخت لدى النخب الكردية تصورًا متكررًا عن نمطٍ من العلاقات مع القوى الكبرى مبنيٍّ على الاستقطاب المؤقت ثم التخلي اللاحق. وقد أصبح هذا النمط، بسبب تكراره عبر أجيال مختلفة، جزءًا بنيويًا من الوعي السياسي الكردي المعاصر؛ بحيث لا يمكن فهم الحذر الحالي تجاه أيّ تحالفٍ عسكري جديد من دون العودة إلى جذوره التاريخية.
ويرتبط هذا الإدراك التاريخي باللحظة المؤسسة التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى. ففي أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1918، برزت - أوّل مرّة - إمكانية قيام كيان سياسي كردي مستقل ضمن النظام الإقليمي الجديد الذي كانت القوى الأوروبية بصدد تشكيله. وقد نصّت معاهدة سيفر الموقعة عام 1920 بين الحلفاء والدولة العثمانية على مواد أتاحت مجالًا لاحتمال إنشاء دولة كردية في الأناضول وشمال بلاد ما بين النهرين؛ إذ تضمنت المواد 62 و63 و64 آليةً تسمح بإقامة حُكم ذاتي كردي قد يتطور لاحقًا إلى استقلال كامل إذا ما أقرَّ بذلك سكان المنطقة عبر استفتاء محلّي[7]. غير أن هذه الإمكانية زالت سريعًا؛ إذ أدّت التحولات العسكرية والسياسية التي قادتها الحركة الكمالية في تركيا إلى إعادة التفاوض في ترتيبات ما بعد الحرب، وهو ما أدّى إلى توقيع معاهدة لوزان عام 1923 التي ألغت عمليًا كل إشارة إلى قيام دولة كردية مستقلة، وأعادت رسم الحدود الإقليمية، على نحو أدى إلى تقسيم المناطق الكردية بين أربع دول رئيسة هي: تركيا والعراق وسورية وإيران[8].
وقد ترك هذا التحول أثرًا عميقًا في الوعي السياسي الكردي؛ إذ اعتُبر لحظة تأسيسية لما أصبح لاحقًا خطابًا سياسيًا كرديًا يقوم على فكرة "الوعد المجهَض" الذي قدّمته القوى الدولية، ثم تراجعت عنه عندما تغيرت حساباتها الاستراتيجية. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت القضية الكردية في الأدبيات السياسية الكردية مرتبطةً بفكرة أن النظام الدولي نفسه كان جزءًا من المشكلة، وأنه لم يكن وسيطًا محايدًا في حلّها.
لكن هذه التجربة لم تبقَ حدثًا تاريخيًا بعيدًا، بل أُعيد إنتاجها في أكثر من مرحلة من مراحل القرن العشرين اللاحقة. ومن ذلك، مثلًا، ما حدث في سبعينيات هذا القرن في العراق. ففي هذه المرحلة دعمت الولايات المتحدة وإيران الشاه حركة التمرد الكردية في شمال العراق بقيادة مصطفى البارزاني، وذلك في إطار الصراع الإقليمي مع نظام حزب البعث في بغداد. وقد وفرت واشنطن وطهران دعمًا عسكريًا واستخباريًا للحركة الكردية؛ ما مكّنها من الاستمرار في قتال الجيش العراقي عدة سنوات. غير أن هذا الدعم انقطع على نحو مفاجئ عام 1975 بعد توقيع اتفاق الجزائر بين العراق وإيران، وهو الاتفاق الذي أعاد ترتيب الحدود بين البلدين وأزال أحد أبرز أسباب التوتر بينهما. وما إن وُقّع الاتفاق حتى توقفت مساعدات إيران والولايات المتحدة للحركة الكردية؛ ما أدى إلى انهيار التمرد خلال فترة قصيرة وترك الأكراد في مواجهة مباشرة مع القوات العراقية[9].
وقد وصف كثير من الباحثين هذه الحادثة بأنها المثال الأكثر وضوحًا في التاريخ الحديث بالنسبة إلى العلاقة المتقلبة بين الحركات الكردية والقوى الدولية. فقد كشف التحقيق الذي أجراه الكونغرس الأميركي لاحقًا، في إطار ما عُرف بتقرير "لجنة بايك"، أن الدعم الأميركي للحركة الكردية لم يكن يهدف أساسًا إلى تحقيق طموحات الأكراد القومية، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع لإضعاف العراق في سياق توازنات إقليمية للحرب الباردة[10]. وقد أدّى ذلك إلى ترسيخ قناعة واسعة داخل الأوساط السياسية الكردية مفادها أن التحالفات مع القوى الكبرى غالبًا ما تكون ظرفيةً ومرتبطةً بحسابات استراتيجية تتغير ما إنْ تتغير مصالح هذه القوى نفسها.
ولا يقتصر هذا الشعور التاريخي بالخذلان على التجربة العراقية، بل يمتد إلى التجربة الكردية داخل إيران أيضًا. فقد شارك العديد من الأكراد الإيرانيين في الثورة التي أطاحت نظام الشاه عام 1979، وهم يأملون أن يؤدي سقوط النظام الملكي إلى إتاحة مجالٍ لصيغة جديدة من الاعتراف السياسي والثقافي بحقوقهم القومية. غير أن العلاقة بين الأكراد والسلطة الجديدة سرعان ما تدهورت خلال الأشهر الأولى بعد الثورة. ففي آب/ أغسطس 1979، أصدر آية الله الخميني تصريحات حادّة ضد الأحزاب الكردية، واعتبر النزعة القومية الكردية خروجًا على وحدة الدولة الإسلامية، وهو ما أتاح أوضاعًا لحملة عسكرية واسعة استهدفت المناطق الكردية، وأدّت إلى اندلاع صراع مسلح استمر سنواتٍ[11]. وقد تسبّب هذا الصراع في قتل آلاف الأكراد؛ ومن ثمّ رسّخ في الذاكرة الكردية تجربةً أخرى من تجارب التحالف المؤقت الذي يتحوّل سريعًا إلى مواجهة دامية.
ثالثًا: الضمانات السياسية ومحاذير الانفتاح الكردي على الصراع
أسهم تراكب هذه التجارب التاريخية المتعددة في تشكيل ما يمكن تسميته الوعي السياسي الحذر لدى القادة الأكراد المعاصرين. فهؤلاء القادة، الذين يتابعون اليوم تطورات الحرب الجارية في الخليج، ينظرون إلى الدعوات التي تشجعهم على الانخراط في الصراع ضد طهران من خلال عدسة هذا التاريخ الطويل من التحالفات المؤقتة. ولهذا السبب، يرفض كثير منهم فكرة الانخراط الكامل في أيّ مواجهة عسكرية من دون الحصول على ضمانات سياسية واضحة من القوى الدولية التي قد تستفيد من هذا الانخراط.
وتتمثل هذه الضمانات في مجموعة من المطالب السياسية، وفي مقدمتها الاعتراف بحق الشعب الكردي في تقرير المصير ضمن إطار دولة إيرانية ديمقراطية وفدرالية، وهو المطلب الذي يطرحه ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران بوصفه الإطار السياسي القادر على التوفيق بين وحدة الدولة وحقوق القوميات المختلفة[12]. وتطالب القوى الكردية بإنشاء نظام إداري ديمقراطي في المناطق الكردية الإيرانية يمنحها صلاحيات سياسية وإدارية واسعة، على نحو يشبه النموذج القائم في إقليم كردستان العراق. مع تأكيد ضرورة وجود التزام دولي طويل الأمد يضمن استمرار الدعم السياسي لقضيتهم، حتى بعد انتهاء أيّ مواجهة عسكرية مع النظام الإيراني. ويعكس هذا المطلب إدراكًا متزايدًا لدى النخب الكردية مفاده أن الدعم العسكري وحده لا يوفر ضمانة حقيقية لمستقبلهم السياسي، وأن التجارب السابقة أظهرت أن القوى الكبرى قد تتخلى بسرعة عن حلفائها المحليين عندما تتغير مصالحها الاستراتيجية.
وتتضمن المطالب الكردية، أيضًا، جوانب ثقافية وقانونية تتعلق بالاعتراف بالهوية الكردية داخل النظام السياسي الإيراني؛ مثل السماح بالتعليم باللغة الكردية، والاعتراف الرسمي بحقوق الشعب الكردي الثقافية واللغوية. ويرى القادة الأكراد أن هذه الحقوق تمثّل الحد الأدنى من الضمانات التي ينبغي توافرها في أيّ تسوية سياسية مستقبلية.
وكذلك تسعى القيادات الكردية إلى الحصول على ضمانات تتعلق بالحماية من التدخلات الإقليمية المحتملة. فالدول المجاورة، وفي مقدمتها تركيا، تنظر إلى أيّ صعود للقوة الكردية في المنطقة بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو ما يجعل الأكراد يخشون أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى في موقع المواجهة مع أكثر من دولة إقليمية في آنٍ واحد إذا ما انخرطوا في صراع واسع مع إيران من دون إطارٍ سياسي دولي واضح.
ومن جانب آخر، لا يمكن قراءة أيّ انفتاح كردي واسع داخل إيران على الصراع الدائر في الخليج بمعزل عن الحسابات الأمنية التركية؛ إذ تنظر أنقرة إلى المسألة الكردية في المنطقة باعتبارها ملفًّا عابرًا للحدود يؤثّر، على نحو مباشر، في توازنها الأمني الداخلي. فتركيا، التي تخوض منذ عقود صراعًا مع حزب العمال الكردستاني، ترى أنّ أيّ تحول في وضع القوى الكردية المسلحة في جوارها الإقليمي قد ينعكس مباشرةً على ديناميات الصراع الكردي داخل أراضيها. ومن هذا المنطلق، تراقب المؤسسة الأمنية التركية، باهتمام بالغ، التطورات في المناطق الكردية الإيرانية، خصوصًا ما يرتبط منها بنشاط تنظيمات حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي يرتبط أيديولوجيًا وتنظيميًا بحزب العمال الكردستاني.
وتنبع حساسية الموقف التركي من أنّ اندماج القوى الكردية الإيرانية في الصراع الحالي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المجال الكردي المسلح الممتد من جبال قنديل في شمال العراق إلى الحدود الإيرانية - التركية. ففي حالة تحوّل غرب إيران إلى منطقة نشاط عسكري واسع للقوى الكردية، قد يُتاح مجالٌ لتشكُّل فضاء عملياتي متصل يسمح بانتقال المقاتلين والسلاح والخبرات بين التنظيمات الكردية المختلفة في المنطقة. ويعني ذلك بالنسبة إلى تركيا احتمال ظهور بيئة استراتيجية جديدة تُعزّز قدرات الشبكات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وهو ما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. ولهذا السبب، فإنّ أيّ تصعيد كردي داخل إيران قد يدفع تركيا إلى فرض مجموعة من المحاذير الاستراتيجية التي تهدف إلى منع تحوّل هذا التصعيد إلى واقع جيوسياسي دائم. وقد تشمل هذه المحاذير تعزيز الوجود العسكري التركي على الحدود الشرقية، وتكثيف العمليات الاستخبارية في المناطق الجبلية الواقعة بين العراق وإيران، إضافةً إلى ممارسة ضغوط سياسية على حكومة إقليم كردستان العراق؛ لمنع استخدام أراضي الإقليم قاعدةً لعمليات تستهدف إيران انطلاقًا من الفضاء الكردي المشترك.
ولا يمكن استبعاد احتمال مفاده أنْ تلجأ تركيا إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية العابرة للحدود إذا ما رأت أن التطورات في غرب إيران تؤدي إلى تقوية بنية التنظيمات العسكرية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني. وقد شهد العقدان الماضيان عدّة عمليات تركية داخل شمال العراق استهدفت قواعد الحزب في جبال قنديل، وهو ما يشير إلى استعداد تركيا لاستخدام القوة العسكرية خارج حدودها عندما ترى أن التوازن الأمني الداخلي مهدد.
ويكتسب الموقف التركي أهمية إضافية في ظل عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهو أمرٌ يمنح أيّ تطور أمني كبير على حدودها بُعدًا يتجاوز الإطار الثنائي بينها وبين إيران. فتركيا تشكّل بالنسبة إلى هذا الحلف الجناح الجنوبي الشرقي، وأيّ اضطراب واسع في بيئتها الأمنية قد يفرض داخل الناتو نقاشًا متعلقًا بكيفية التعامل مع تداعيات الحرب في الخليج من الناحية الاستراتيجية. وإنْ أدى الصراع إلى حوادث عسكرية تؤثّر في المجال التركي على نحو مباشر، فإنّه قد يُمهّد لتفاعلات أكثر تعقيدًا داخل الحلف نفسه؛ إذ تتقاطع الحسابات الأمنية بالنسبة إلى أعضاء الناتو مع مخاوف تركيا المتعلقة بالمسألة الكردية.
ومن هذا المنظور، فإنّ انخراط القوى الكردية الإيرانية في الصراع الإقليمي يتضمَّن احتمالَ توسيعٍ لنطاق الحرب حتى تشمل فاعلين إقليميين جدُدًا. فبدلًا من أن يبقى الصراع محصورًا في المواجهة بين إيران وكلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يتحول إلى مجال أكثر تعقيدًا تتداخل فيه الدول والجماعات المسلحة، فضلًا عن الفاعلين العابرين للحدود. وفي مثل هذا السيناريو، قد تواجه المنطقة خطر التحول إلى فضاء صراع متعدد الجبهات؛ بحيث تتقاطع الحروب بين الدول مع النزاعات القومية الداخلية، وتتحول الحدود الجغرافية إلى "خطوط تماسٍّ" بين شبكات متداخلة من القوى المحلية والإقليمية والدولية.
من أجل ذلك، ينظر العديد من المحللين إلى العامل التركي بوصفه أحد المتغيرات الحاسمة في تحديد نطاق التصعيد المحتمل بالنسبة إلى المسألة الكردية داخل إيران. فاستجابة أنقرة لأيّ تحوّل كبير في هذا الملف قد تضطلع بدور أساسي في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة من الصراع؛ سواء كان هذا الدور عبر احتواء التوترات، أو عبر إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من التفاعلات الجيوسياسية الأكثر تعقيدًا.
خاتمة
تفسّر هذه الحسابات المعقدة الحذرَ الشديد الذي تبديه القيادات الكردية تجاه التطورات الجارية في الخليج. ففي حين ترى بعض القوى الكردية في الحرب فرصةً تاريخية لإعادة طرح قضيتها السياسية في إيران، فإنّ التجارب التاريخية السابقة تدفعها، في الوقت نفسه، إلى البحث عن ضمانات سياسية واضحة قبل الانخراط كليًّا في أيّ مواجهة عسكرية واسعة النطاق. وبذلك، فإنّ المسألة الكردية في السياق الراهن لا تقتصر على كونها جبهة إضافية في الصراع الإقليمي؛ ذلك أنها تعكس أيضًا صراعًا أعمق بين الذاكرة التاريخية للحركة الكردية وحسابات القوى الدولية التي تسعى إلى توظيف هذه القضية ضمن استراتيجياتها الأوسع في الشرق الأوسط.
[1] David McDowall,
A Modern History of the Kurds, 3rd ed. (London: I.B. Tauris, 2004).
[2] Abbas Vali,
Kurds and the State in Iran: The Making of Kurdish Identity (London: I.B. Tauris, 2011).
[3] Michael M. Gunter,
The Kurds Ascending: The Evolving Solution to the Kurdish Problem in Iraq and Turkey (New York: Palgrave Macmillan, 2016).
[4] International Crisis Group,
Iran’s Kurdish Regions: Security and Political Dynamics, Middle East Report no. 266 (Brussels: 2023), accessed on 2/4/2026, at:
https://www.crisisgroup.org
[5] William Eagleton Jr.,
The Kurdish Republic of 1946 (London: Oxford University Press, 1963).
[6] Cengiz Gunes,
The Kurdish National Movement in Turkey: From Protest to Resistance (London: Routledge, 2012).
[7] David Fromkin,
APeace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East (New York: Henry Holt, 1989).
[8] McDowall.
[9] Ofra Bengio,
The Kurds of Iraq: Building a State within a State (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2012).
[10] Gunter.
[11] Ervand Abrahamian,
A History of Modern Iran (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).
[12] Vali.
المراجعAbrahamian, Ervand.
A History of Modern Iran. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. Bengio, Ofra.
The Kurds of Iraq: Building a State within a State. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2012. Eagleton Jr., William.
The Kurdish Republic of 1946. London: Oxford University Press, 1963. Fromkin, David.
APeace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East. New York: Henry Holt, 1989. Gunes, Cengiz.
The Kurdish National Movement in Turkey: From Protest to Resistance. London: Routledge, 2012. Gunter, Michael M.
The Kurds Ascending: The Evolving Solution to the Kurdish Problem in Iraq and Turkey. New York: Palgrave Macmillan, 2016. International Crisis Group.
Iran’s Kurdish Regions: Security and Political Dynamics. Middle East Report no. 266. Brussels: 2023. McDowall, David.
A Modern History of the Kurds. 3rd ed. London: I.B. Tauris, 2004. Vali, Abbas.
Kurds and the State in Iran: The Making of Kurdish Identity. London: I.B. Tauris, 2011.
|