وقف إطلاق النار: النتائج المرجّحة لمفاوضات إسلام آباد
تقييم حالة 20 مايو ، 2026

وقف إطلاق النار: النتائج المرجّحة لمفاوضات إسلام آباد

مهسا صافي

خبيرة في العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية والدولية في طهران، إيران. والآراء الواردة في هذه الورقة هي آراء شخصية للكاتبة، ولا تمثّل الموقف الرسمي للمؤسسة التي تنتمي إليها.

لا تقتصر إطالة أمد الحروب أحيانًا على القوة العسكرية أو تصميم الأطراف المنخرطة فيها، بل تمتد أيضًا إلى غموض مفهوم "نهاية" الحرب ذاته، وبقائه غير محدّد المعالم. بعد 39 يومًا من الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، وفي أعقاب التوصل إلى اتفاقَين هشّين لوقف إطلاق النار، ومع إغلاق مضيق هرمز وبدء الحصار البحري، دخلت الأوضاع مرحلةً ضبابية غير مستقرة لا يمكن وصفها بالسلم أو بالحرب، ولا حتى بوقفٍ لإطلاق النار له إطار واضح.

وقد لجأت الولايات المتحدة الأميركية إلى أدوات القوة الصلبة، إلّا أنها تدعو الآن إلى إجراء مفاوضات؛ وهو دليل على إدراكها حدود القوة العسكرية في هذه الحالة. ومع ذلك، لا يوجد إجماع استراتيجي واضح في واشنطن، بينما تبدو علامات الانقسام والشكّ والارتباك جليّةً في عملية صنع القرار. وينطبق الأمر نفسه على طهران، حيث تبرز مؤشرات على انعدام الاتساق في تحديد مسار المرحلة المقبلة.

السياسات الداخلية وطبيعة وقف إطلاق النار

تقدّم نظرية "لعبة المستويين" للباحث الأميركي روبرت بوتنام منظورًا متماسكًا لفهم القيود السياسية الداخلية التي تصوغ المفاوضات الدولية. وينطلق هذا النموذج من أنّ​ التفاوض بين القادة يجب أن يحدث على مستويين مترابطين في آنٍ واحدٍ: المستوى الدولي، والمستوى السياسي الداخلي. ولذلك، لا يعتمد النجاح في المفاوضات الخارجية على القوة الدبلوماسية أو الضغط الخارجي فحسب، بل أيضًا على التماهي مع المصالح السياسية الداخلية والدوائر الانتخابية.

فيما يتعلق بمفاوضات إسلام آباد، يتعيّن على القيادة الإيرانية تحقيق توازن بين الضغوط التي تمارسها التيارات المتشدّدة والمطالب الاقتصادية والاجتماعية في الداخل. أما صنّاع السياسات الأميركية، فهم يواجهون قيودًا من الرأي العام والدورات الانتخابية والضوابط المؤسسية. وتُظهر هذه الدينامية الموازية أنّ وقف إطلاق النار الحالي والمفاوضات تتأثر بالحسابات السياسية الداخلية بقدر تأثرها بالاعتبارات العسكرية أو الاقتصادية؛ ما يُسلّط الضوء على التعقيد الاستراتيجي للتفاعل القائم[1].

يميّز هنري كيسنجر في كتابه عالم مُستعاد بين الترتيبات المؤقتة والحلول السياسية الفعلية، مُؤكدًا أنّ فترات التهدئة الظاهرية في النزاعات غالبًا ما تعكس إعادة معايرة استراتيجية، لا حلًّا فعليًّا. وبناءً على ذلك، لا ينبغي النظر إلى التمديد الأخير لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه نهايةً للأعمال العدائية؛ إذ قد يبدو، للوهلة الأولى، دليلًا على حالةٍ من الهدوء، إلا أن الدراسة الدقيقة تكشف أن الوضع أقرب إلى تحوّلٍ في ديناميات النزاع؛ أي تهدئة استراتيجية تُتيح للطرفين إعادة تقويم موقعهما، لا خاتمةً نهائية للحرب[2].

أما الآن، وبعد أن انقشع غبار المعركة وخفّت رائحة البارود، تتّجه الأنظار إلى إسلام آباد. وبصرف النظر عن أولئك الذين دعوا إلى الحرب منذ البداية، ولن يرضيهم أن يروا نهايتها، يتعامل بعض الإيرانيين مع المفاوضات بوصفها تكرارًا لأخطاء الماضي؛ إذ لا يزال كثيرون يعتقدون أنّ اللعبة لم تنتهِ بعد، وأنّ تحقيق "نصرٍ" ما ، لا يزال ممكنًا. في المقابل، فإن الذين يرحّبون بانتهاء الحرب لا ينظرون إليها بوصفها "لعبةً"، إذ يخشون تداعياتها المدمّرة وطويلة الأمد. غير أنّ الواقع يشير إلى أنّ نتائج مفاوضات إسلام آباد لا ينبغي التعامل معها بوصفها "نهاية" للنزاع الإيراني–الأميركي.

الحرب والمفاوضات والضغوط الاستراتيجية

لا تزال ردود الفعل في إيران منقسمة؛ فهناك فريق يدعو باستمرار إلى مواصلة المواجهة من دون أن يضع تصوّرًا واضحًا أو قابلًا للتطبيق لنهاية النزاع. في حين يقبل فريقٌ آخر ضمنيًا بحقيقة أنّ استمرار الحرب في الظروف الراهنة ليس مستدامًا، إن كان على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والجيوسياسي. لذلك، لا تكمن المسألة الأساسية في الاختيار بين الحرب والسلم، بل في رسم حدود العلاقة بين البلدين ضمن إطار استراتيجي. ومن الضروري التذكير بأنّ الحرب لا تشكّل سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى، حتى في أنجح أشكالها[3]؛ فهي أداة وليست غاية، وعندما تتحوّل الأدوات إلى أهداف، تصبح السياسة أسيرة الانفعال.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أوضح نائب وزير الخارجية سعيد خطيب زاده أنه إذا ما أُجريت مفاوضات مع واشنطن يومًا ما في إطار الشروط المذكورة، فستكون بالتأكيد "مفاوضات مسلّحة". وذكر أن طهران في هذه المفاوضات لا تثق بالولايات المتحدة فحسب، بل إنها أيضًا على أتمّ الاستعداد "لاتخاذ إجراءات فعالة ضد خداعها"[4].

لا يدلّ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتمديد وقف إطلاق النار من دون الموافقة على تنفيذ شرط إيران الأساسي؛ أي رفع الحصار البحري، على تراجعٍ أميركي، بل على إعادة معايرة للضغوط؛ في الوقت الذي قاطعت فيه طهران جولة المفاوضات الثانية. وقد مارست واشنطن الإكراه على نحوٍ مختلف، بدلًا من أن تبادر إلى خفض التصعيد. ويمكن فهم هذه الدينامية من خلال منطق لعبة "الدجاجة" في نظرية الألعاب: وهي حالة يندفع فيها سائقان بسرعة نحو بعضهما، ومن ينعطف أولًا يخسر السباق، بينما يؤدي التعنّت المتبادل إلى اصطدام كارثي. في هذه الحالة، لم ينعطف ترمب عن مساره كليًّا، ولم يُخفّف سرعته؛ فهو يتجنّب المواجهة المباشرة من خلال تمديد وقف إطلاق النار، ولكنه يُبقي التهديد قائمًا من خلال استمرار الحصار وممارسة الضغوط الاقتصادية على نطاقٍ أوسع.

لا تكمن القوة، في النزاعات المسلّحة، في الاستخدام المباشر للسلاح فحسب، بل أيضًا في إدارة المخاطر وتشكيل تصوّر الخصم لعدم اليقين. يبيّن توماس شيلينغ في كتابه استراتيجية النزاع، أنّ إنتاج أوضاعٍ لا يمكن التحكّم في نتائجها على نحوٍ كاملٍ قد يشكّل أداةً مهمة لممارسة الإكراه؛ إذ إنّ إدخال المخاطر يغيّر حسابات الخصم ويجعل التهديدات أكثر صدقيّة. ويشرح هذا المنطق طرائق الجهات الفعّالة في التأثير في سلوك الخصم من دون تصعيد مباشر، وذلك من خلال زيادة الاحتمالات المتصوّرة للنتائج الخارجة عن السيطرة على نحوٍ استراتيجي. وقد طوّر شيلينغ هذا المنطق في دراسته عن سياسة حافة الهاوية و"التهديدات التي تنطوي على إدخالٍ متعمّدٍ لعدم اليقين"[5].

الضغوط الاقتصادية وعدم اليقين

أتاح وقف إطلاق النار الأوّلي المحدود فرصةً نادرةً لواشنطن "لرصد ما يجري داخل إيران." وخلال هذه الفترة، لم تكتفِ الولايات المتحدة بمراقبة التحرّكات العسكرية فحسب، بل سعت أيضًا إلى فهم ما كان يجري داخل المجتمع الإيراني: من يدعم المفاوضات؟ ومن يعارضها؟ ما هي قاعدة صنع القرار؟ وما العمليات التي تخضع لها؟ أين تصبح القوى أكثر راديكالية؟ وأين تبدو أكثر عقلانية؟ أين يتمركز المعتدلون والمتشدّدون؟ وأين تعلو أصواتهم أكثر: في الجيش أو في الشوارع أو في التلفزيون الرسمي أو بين الدبلوماسيين، أو في مواقع التواصل الاجتماعي؟ والأهم من ذلك، أيمكن إثارة الشكوك بشأن المفاوضين والمسار المستقبلي، أم بشأن جدوى الاستمرار في هذا الوضع؟ وما مدى تأثير منشورات ترمب المتناقضة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تفتقر أحيانًا إلى أسس واقعية؟ وما مدى فعّالية الردود عليها؟

في حالات النزاع، قد يُوظَّف الاستخدام المتعمّد للمخاطر، للتأثير في سلوك الخصم. ويمكن مراقبة ردّ فعل الخصم من خلال إنتاج وضعٍ لا يُمكن التحكّم في نتائجه على نحوٍ كلّي، فضلًا عن الحصول على معلومات بشأن نيّاته، وتصميم الاستراتيجيات بناءً على ذلك[6]. ويبدو أنّ الدينامية قد انتقلت من وضع المراقبة إلى التأثير الفعّال خلال وقف إطلاق النار الثاني. فالوقت نفسه تحوّل إلى أداة ضغط؛ إذ تستمرّ القيود الاقتصادية وتزداد آثارها تجلّيًا في الحياة اليومية، ولا سيما عبر ارتفاع معدّلات التضخّم. وفي هذه الأوضاع، يُرجّح أن يتصاعد الاستياء الاجتماعي. أما من منظور ترمب، فتبدو المعادلة بسيطة: كلما ارتفعت تكلفة استمرار الوضع الراهن بالنسبة إلى إيران، ازدادت احتمالات دفعها إلى التفاوض، حتى من دون ضمان تحقيق مطالبها الأساسية.

سلّط وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الضوء على حجم الضغط الاقتصادي المفروض على إيران في إطار عملية "الغضب الاقتصادي"، مشيرًا إلى أنّ معدّلات التضخم فيها قد ارتفعت إلى نحو 70 في المئة، وأنّ عملتها الوطنية في حالة "انهيار كامل وحرّ"، وأكّد أنّ "الولايات المتحدة تواصل تشديد العقوبات، بالتزامن مع الحصار البحري بهدف تقويض قدرة إيران على توليد الإيرادات ونقلها وتحويلها. إنّ الحصار وحده يكبّد إيران خسارة تقارب قيمتها 500 مليون دولار يوميًا من إيراداتها، كما توقف 90 في المئة من إجمالي التجارة الإيرانية؛ ما يُلحق أضرارًا دائمة بالبنية التحتية النفطية الإيرانية"[7].

ومع ذلك، لا تُفضي السياسة دائمًا إلى نتائج حاسمة أو متوقّعة. وتشير التجربة إلى أنّ الضغوط الاقتصادية لا تُحقّق دائمًا النتائج المرجوّة. وقد تساهم الضغوط الخارجية أحيانًا في تعزيز التماسك الداخلي بدلًا من إحداث تشظٍّ في المجتمع. وفي أوقاتٍ أخرى، تطوّر البلدان آليات للالتفاف على آثار الضغوط الخارجية أو التخفيف من حدّتها. لذا، فإنّ الزمن لا يكون دائمًا في صالح الطرف الذي يراهن على الانتظار.

المأزق والانتقال إلى التفاوض

تعكس مفاوضات إسلام آباد هذه الحقيقة البسيطة: إنّ صمود إيران في مواجهة جيشين من أقوى جيوش العالم يُعدّ نجاحًا لافتًا، إضافة إلى فشل هاتين القوتين في تحقيق أهدافهما المُعلنة. غير أنّ أزمةً قد نشأت بوصفها نتيجةً مباشرةً لمأزق مكلفٍ بعد حرب دامت 39 يومًا. ولم يحقق أيٌّ من الطرفين نصرًا حاسمًا، ولم يعد أيٌّ منهما قادرًا على مواصلة الحرب من دون تحمّل تكاليف تفوق قدرته على الاحتمال. لذلك، لم تنبثق المفاوضات بسبب تبدّلٍ في الأهداف بقدر ما جاءت نتيجة عجز الطرفين عن الاستمرار في النزاع.

وفي إطار مفهوم الاعتماد المتبادل المسلّح، يرى هنري فاريل وأبراهام نيومان أنّ القوة في الاقتصاد العالمي المعاصر تتوزّع على نحوٍ غير متكافئ عبر هياكل الشبكات. فالدول التي تحتلّ مواقع مركزية في هذه الشبكات تمتلك القدرة على رصد وصول الدول الأخرى إلى التدفقات المالية الحيوية والمعلومات والتجارة، وتصفيته أو تقييده، ما يحوّل الاعتماد المتبادل إلى مصدر للضغط والإكراه. ويوضح الباحثان أنّ الدول المتمركزة في نقاط رئيسة ضمن الشبكات العالمية قادرة على تشكيل وصول الدول الأخرى إلى هذه التدفقات الحيوية أو تقييده؛ ما يحوّل الاعتماد المتبادل البنيوي إلى أداة من أدوات قوة الدولة[8]. ووفقًا لهذا المنطق، فإنّ القدرة الإكراهية في النظام الدولي الحديث لا تُستمدّ من القدرات العسكرية فحسب، بل أيضًا من مواقع بنيوية داخل الشبكات العالمية.

الردع المتبادل والحدود الاستراتيجية

يمكن توصيف العلاقة بين إيران والولايات المتحدة بأنها علاقة "ردع متبادل منقوص"؛ إذ يمتلك كل طرف القدرة على فرض تكلفةٍ كبيرةٍ على الطرف الآخر، لكن من دون أن يتمكّن أي منهما من تحقيق هدفه النهائي على نحو كلّيّ. تتمتّع الولايات المتحدة بتفوق عسكري تقليدي، وبقدرة على تنفيذ ضربات دقيقة، إضافة إلى شبكة من القواعد الإقليمية. غير أنّ هذا التفوّق لا يتحوّل بالضرورة إلى نصرٍ سياسي في الحروب الطويلة وغير المتكافئة. في المقابل، تفتقر إيران إلى التفوّق العسكري التقليدي، لكنها قادرة على إشعال اضطرابات على المستوى الإقليمي، ولا سيما في قطاع الطاقة؛ ما يتيح لها تكبيد المنطقة تكاليف اقتصادية بنيوية.

في الوقت نفسه، تجد الولايات المتحدة نفسها في عزلةٍ متزايدةٍ في عملية مضيق هرمز من دون دعم من حلفائها الغربيين، بخاصةٍ أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويُشكّل الاضطراب الذي أصاب أسواق الطاقة العالمية ضغطًا إضافيًا على واشنطن. أما على الصعيد الداخلي، فتتصاعد الضغوط عليها مع ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 50 في المئة؛ ما يزيد من حدّة الضغوط السياسية من الجانبين: فالجمهوريون يخشون تعريض موقعهم السياسي للخطر قبل انتخابات التجديد النصفي المقبلة، بينما يواصل الديمقراطيون انتقاد الحرب بوصفها حربًا غير قانونيةً منذ البداية.

صرّح محمد باقر قاليباف، رئيس الوفد الإيراني المفاوض في إسلام آباد ورئيس البرلمان الإيراني، في مقابلةٍ مع التلفزيون الإيراني الرسمي، قائلًا: "لقد انتصرنا في ساحة المعركة بفضل اعتماد استراتيجية وتخطيط دقيقين. غير أنّ ذلك لا يعني أننا دمرنا قوتهم العسكرية. يجب أن نُقرّ بأنهم يمتلكون أفضل المعدّات والتقنيات العسكرية وأكثرها تطورًا في العالم. إضافة إلى ذلك، إنّ خوضهم الحروب وارتكابهم الجرائم في مختلف أنحاء العالم يكسبهم خبرة واسعة. ومع ذلك، فقد هزمتهم الجمهورية الإسلامية في الميدان بفضل حكمتها وتخطيطها الدقيق، ولهذا السبب طلبوا وقف إطلاق النار". وأضاف: "بات من الضروري الآن أن نُرسّخ هذا التفوّق العسكري لا على المستوى العملي فحسب، بل أيضًا في المجالين القانوني والسياسي. وفي هذا السياق، أنا على استعداد للتضحية بحياتي في ساحة المعركة وبسمعتي في الأوساط الدبلوماسية".[9]

وبهذا، تُفهم مفاوضات إسلام آباد، على نحوٍ أفضلٍ، لا بوصفها مرحلةً تفضي إلى تسوية نهائية، بل بوصفها إعادةَ تشكيلٍ للنزاع عبر نقله من ساحةٍ عسكريةٍ إلى ساحةٍ دبلوماسيةٍ أكثر ضبطًا وتحكّمًا. ومن غير المرجّح أن يؤدّي هذا التحوّل إلى تسويةٍ شاملة؛ بل قد يقتصر على إنتاج إطار عمل محدود لإدارة الأزمة.

سيناريوهات مستقبلية

لا تزال مسارات عديدة مفتوحة أمام وقف إطلاق النار غير المستقرّ. وقد تدفع الضغوط الاقتصادية والغموض السياسي، إيران إلى التفاوض في نهاية المطاف، وهو سيناريو يبدو أنّ واشنطن تعوّل عليه. لكن، وبالقدر نفسه، قد تستوعب طهران هذه الضغوط، وتستمرّ في استراتيجية الصبر التي تنتجها. في هذه الحالة، لن تتحقّق أهداف الولايات المتحدة فحسب، بل إنّ التكاليف المرتبطة بها مثل ارتفاع أسعار الطاقة، ستقع أيضًا على عاتق واشنطن. وأخيرًا، يبقى الخطر القائم الذي يكمن في توصّل أحد الطرفين إلى قناعةٍ مفادها أنّه يتعذّر استمرار هذا الوضع على حاله، ومن ثم يختار إعادة التصعيد.

تتمحور هذه الضغوط حول السيطرة أو التهديد بالسيطرة على نقطة تحكّم بحرية حيوية للطاقة المتمثّلة في مضيق هرمز. ويُكسب هذا الموقع إيران القدرةَ على نقل مستوى الأزمة من نطاق اقتصادي إقليمي إلى نطاق اقتصادي عالمي؛ ما يجعل قوة إيران على المدى القصير أكثر تأثيرًا بوصفها قوةً مُزعزعةً للاستقرار، مقارنة بقدراتها الاقتصادية التقليدية. تُبيّن تجربة العقوبات الاقتصادية أنها نادرًا ما تُحقّق الأهداف التي يحدّدها صنّاع السياسات لها؛ فغالبًا ما تكون العقوبات أقلّ فعّالية مما يأمله صنّاع السياسات، ونادرًا ما يكون تأثيرها خطيًا أو محسومًا، بخاصةٍ في البلدان التي اعتادت الأزمات الاقتصادية أو عدم الاستقرار. كذلك، تؤثر عوامل مثل قدرة الدولة المستهدفة على التكيّف، ووجود شركاء تجاريين بديلين، فضلًا عن مستوى التماسك السياسي الداخلي، في كيفية تأثير العقوبات في السلوك[10].

وتؤدي السياسات الداخلية أيضًا هنا دورًا حاسمًا. ففي الولايات المتحدة، يفرض الوعي العام بتكاليف الحرب وأسعار الطاقة والدورات الانتخابية قيودًا على نطاق السياسة الخارجية. في حين تمكّن بنية النظام السياسي في إيران الدولة من تحمّل تكاليفٍ مرتفعة على المدى القصير، مهما بلغت حدّتها. وتتمثّل نتيجة هذا التفاوت في أنّ الطرف القادر على تحمّل المزيد من الضغوط في أوقات الأزمات سيتمتّع بموقعٍ أقوى في المفاوضات.

الغموض ومحدودية النتائج

ما نشهده اليوم ليس سلمًا ولا حربًا، بل تعليقًا محسوبًا تحوّلت فيه أدوات النزاع من عددٍ أقلّ من القنابل والصواريخ، إلى ضغوط اقتصادية أكبر؛ من مواجهة مباشرة أقلّ، إلى تلاعبٍ أكثر بالوقت والمعلومات والتصوّرات؛ من يقينٍ أقلّ إلى حالة ركودٍ أكثر فتكًا. ولن يتحدّد مسار هذا الوضع من خلال التصريحات، بل عبر هذه الديناميات الكامنة؛ أي كيف تصمد الاقتصادات وكيف تستجيب المجتمعات، ومتى يقتنع القادة السياسيون بأنّ تكلفة الاستمرار تفوق تكلفة التغيير. وفي هذا الإطار، وعلى الرغم من خطاب تجنّب المخاطر، فإنّ أي اتفاق مُحتمل، إذا ما قيسَ بالفجوة بين إمكانية الحدوث والواقع، يُرجَّح أن يكون محدود النطاق ومؤقتًا.

ومن المستبعد أن يُؤدي أي اتفاق إلى القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني؛ بل سيخضع لقيود صارمة ورقابة مشدّدة. ويتماهى ذلك مباشرةً مع مسار الاتفاق النووي السابق، حيث لم يُعلَّق البرنامج النووي الإيراني، بل جرى تحديده ضمن إطار يخضع لرقابة مشدّدة. لذلك، فإنّ أي اتفاق ينصّ على تخصيب محدود لليورانيوم سيُبيّن فعليًا احتفاظ طهران بقدرتها الاستراتيجية، وسيعكس تراجعًا عن أهداف ترمب وبنيامين نتنياهو.

أما في ما يتعلّق بمسألة العقوبات، فالفرق بين رفعها فعليًّا وتعليقها المؤقّت يُعدّ مسألةً حاسمةً. فإذا جرى تخفيف العقوبات من خلال استثناءات قابلة للنقض، فستحتفظ الولايات المتحدة بأداة الضغط؛ ما يجعل أي اتفاق هشًا بطبيعته. في المقابل، يشكّل رفع العقوبات البنيوي والدائم تنازلًا جوهريًا لصالح إيران، وهو احتمالٌ يبدو مستبعدًا في ضوء الانسحاب الأحادي من الاتفاق السابق.

لا شك أنّ الاتفاق سيتّسم ببعض الالتباس على المستوى الجيوسياسي الإقليمي. وواقعيًا، لن يجري تفكيك شبكات النفوذ الإقليمي كليًّا، ولن تُستبعَد من الحسابات الأمنية. ولذلك، غالبًا ما ستقتصر لغة الاتفاق في هذا المجال على مصطلحات مثل "خفض التصعيد" أو "ضبط النفس"، وهي صيغ تحتمل التأويل عن سابق تصوّرٍ وتصميم. ويحقّق هذا الالتباس غرضًا وظيفيًا؛ إذ يتيح للأطراف الحفاظ على الاتفاق على الرغم من التوترات الكامنة العالقة.

غياب المنتصر الواضح

تُعدّ آلية الرصد والتحقّق عاملًا حاسمًا آخر؛ فكلّما ازدادت عملية الرقابة صرامةً واتّسع نطاق الوصول، زاد اختلال التوازن المعلوماتي لصالح الجانب الغربي. في المقابل، إنّ تقييد آليات الرصد يحافظ على درجةٍ من الغموض الاستراتيجي لصالح إيران. وإضافة إلى ذلك، تُرجىء عملية إدراج حدود زمنية في الاتفاق التنازلات إلى المستقبل، وهذا يتيح لإيران الاحتفاظ بقدرة قابلة للاستعادة.

باختصار، من غير المرجّح أن تُفضي هذه المفاوضات إلى اتفاق نهائي ومستقرّ، بل إلى حالةٍ من التوازن الهشّ والقابل للنقض؛ حالة موجّهة نحو إدارة الأزمات وكسب الوقت. وفي ظلّ هذا التوازن، يُجري كلّ طرف تعديلات معيّنة، لكنه لا يتخلّى عن موقفه الجوهري.

وبناءً على ذلك، يستحيل تحديد "طرف منتصر" واضح في مثل هذا الاتفاق، ولا سيما من خلال المنظور الاختزالي الذي غالبًا ما يسود الخطاب الإعلامي. مع ذلك، يمكن تحديد ميزات نسبية لكلّ طرف. على سبيل المثال، إذا كان المعيار هو الحفاظ على القدرات الاستراتيجية، فإن الأفضلية تكون للطرف الذي ينجح في صون بنيته التحتية الحيوية مع قبوله بقيودٍ محدودة وقابلة للنقض. أما إذا كان المعيار هو القدرة على مواصلة الضغط على مدى طويل، فإن اليد العليا تكون للطرف الذي يحتفظ بنظام العقوبات وأدوات الإكراه المؤسسية.

في الختام، لن يشكّل اتفاق إسلام آباد نهايةً للمواجهة في حال جرى التوصل إليه، بل سيكون تثبيتًا لحالة مؤقتة توقّفت فيها الحرب من دون أن تُحسَم، وانطلقت فيها الدبلوماسية لكنها لم تُفضِ إلى تسوية نهائية.


[1] Robert D. Putnam, “Diplomacy and Domestic Politics: The Logic of Two-Level Games,” International Organization, vol. 42, no. 3 (1988), pp. 427–460.

[2] Henry Kissinger, A World Restored: Metternich, Castlereagh and the Problems of Peace, 1812-1822 (Boston: Houghton Mifflin, 1957), pp. 30–35.

[3] Carl von Clausewitz, On War, Michael Howard & Peter Paret (trans.) (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008 ]1832[).

[4] “Any Talks with US to Be ‘Armed Negotiations’: Iranian Diplomat,” Tabnak, 16/11/2025, at: https://acr.ps/hBxSODz.

[5] Thomas C. Schelling, The Strategy of Conflict (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), chap 7–8.

[6] Ibid., 168–170.

[7] New York Post, “Rubio Highlights Severe Economic Damage in Iran: ‘Complete Freefall’,” YouTube, 5/5/2026, at: https://acr.ps/hBxSOLC

[8] Henry Farrell & Abraham L. Newman, “Weaponized Interdependence: How Global Economic Networks Shape State Coercion,” International Security, vol. 44, no. 1 (Summer 2019), pp. 42–79.

[9] "گفتگو با دکتر محمد باقر قالیباف 19/4/2026" [مقابلة مع الدكتور محمد باقر قاليباف 19/4/2026]، تلوبيون، شوهد في 18/5/2026، في: https://acr.ps/hBxSNPB

[10] Gary Clyde Hufbauer, Jeffrey J. Schott & Kimberly Ann Elliott, Economic Sanctions Reconsidered, 3rd ed. (Washington, DC: Peterson Institute for International Economics, 2007), p. 14.

المراجع​

Clausewitz, Carl von. On War. Michael Howard & Peter Paret (trans.). Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008 ]1832[.

Farrell, Henry & Abraham L. Newman. “Weaponized Interdependence: How Global Economic Networks Shape State Coercion.” International Security. vol. 44, no. 1 (Summer 2019).

Hufbauer, Gary Clyde, Jeffrey J. Schott & Kimberly Ann Elliott. Economic Sanctions Reconsidered. 3rd ed. Washington, DC: Peterson Institute for International Economics, 2007.

Kissinger, Henry. A World Restored: Metternich, Castlereagh and the Problems of Peace, 1812–1822. Boston: Houghton Mifflin, 1957.

Putnam, Robert D. “Diplomacy and Domestic Politics: The Logic of Two-Level Games.” International Organization. vol. 42, no. 3 (1988).

Schelling, Thomas C. The Strategy of Conflict. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960.