برز ما يُعرَف بـ "الخط الأصفر" عشية توقيع اتفاق وقف إطلاق النار على قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2025. وقد بُنِي هذا "النموذج" في القطاع، ويجري استنساخه في جنوب لبنان، وصولًا إلى محاولة فرض وقائع مماثلة في الجنوب السوري. ويؤكد الجيش الإسرائيلي أنه يواصل إرساء واقع أمني جديد، إذ إنه أنشأ "مناطق دفاعية" متقدمة في جميع جبهات المواجهة في القطاع وسورية ولبنان[1]. ولا يمكن فهم هذه الاستراتيجية بمعزلٍ عن سياقها التاريخي؛ إذ تُوظَّف لإعادة هندسة المجال الحيوي المحيط بـإسرائيل، عبر إخلائه ديموغرافيًا، وإضعافه عسكريًا، وربطه بمقاربة أمنية طويلة الأمد. وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن "نموذج الخط الأصفر" لا يقتصر على كونه تدبيرًا أمنيًا تكتيكيًا، بل يمثّل امتدادًا لمقاربة استراتيجية، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع أيديولوجيا توسعية.
أولًا: المناطق العازلة في سياقها التاريخي والأيديولوجي
برز مفهوم "المناطق العازلة" بُعيد إبرام اتفاقية الهدنة بين القوات الإسرائيلية والقوات المصرية[2] في قطاع غزة سنة 1949. وتنص هذه الاتفاقية على أن "الغرض الأساسي من خطوط حدود الهدنة هو تعيين الخطوط التي لا يجب أن تتجاوزها القوات المسلحة التابعة لكل من الطرفين"، وعلى تجريد المنطقة التي تشمل بلدة العوجا وما يجاورها من السلاح[3]. بيد أن الطرفين الإسرائيلي والمصري وقّعا، سنة 1950، اتفاقية سرّية في البلدة تقضي باقتطاع أكثر من 200 كيلومتر مربع من مساحة قطاع غزة، على أساس جعل المنطقة المقتطعة "منطقة عازلة" داخل القطاع لدواعٍ أمنية، وذلك بذريعة منع الاحتكاك بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية. وكانت المساحة الحقيقية للقطاع، وفق اتفاقية الهدنة سنة 1949، تبلغ 555 كيلومترًا مربعًا، وليس 365 كيلومترًا مربعًا. إضافة إلى ذلك، واصلت القوات الإسرائيلية العمل على زحزحة "الخط الفاصل"، وقضم أجزاء متتالية من أراضي القطاع، في خرق إضافي للاتفاقيتَين الموقَّعتَين[4].
وبذلك، يتّضح أن الاتفاقيتين تؤكدان أن المنطقة المقتطعة بموجب اتفاقية العوجا هي منطقة عازلة، بيد أن إسرائيل ضمّتها وحوّلتها إلى "أراضي دولة"؛ وهي المنطقة ذاتها التي شنّت عليها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مستهدِفةً المواقع والقواعد العسكرية الإسرائيلية داخل نطاقها. وحتى مع التسليم بقبول الفلسطينيين باتفاقية العوجا، فإنها بموجب الاتفاقيات، يجب أن تظل منطقة عازلة ومنزوعة السلاح، أي خالية من أيّ وجود عسكري.
وقد تجلّى تطبيق مفهوم المناطق العازلة بوضوح بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، تحت ذرائع أمنية مرتبطة بتهديد دول الطوق العربي؛ إذ إن إسرائيل سعت إلى إرساء واقع أمني جديد يحول دون أيّ هجوم برّي عربي، ومن ثم، استندت هذه الاستراتيجية إلى فكرة المناطق العازلة عن طريق الاستيطان؛ بوصفها من وجهة النظر الإسرائيلية تعالج مشكلة العمق الاستراتيجي. وقد ركزت رؤية رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، أرئيل شارون، سنة 1977، على الاستيطان في قمم الجبال والمرتفعات في الضفة الغربية، بهدف ترسيخ التفوّق العسكري والأمني في أيّ مواجهة مع الأطراف العربية[5]. وتُعدّ سياسة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي ترجمة عملية لمفهوم الصهيونية؛ فهي ترمي إلى تهجير السكان العرب من أرضهم، بما يتيح توسيع النطاق الجغرافي للاستيطان، ومن ثمّ، يمهّد لمزيد من التوسع[6]. أضف إلى ذلك أنه لا يمكن فصل هوية "الدولة اليهودية" عن حركة التوسع المستمر؛ بمعنى أن مشروع "الدولة" لم يكتمل بعد، فهي لم تُعرِّف حدودها، ولم تحدّد بصورة نهائية من يُعَدّون من مواطنيها. وبذلك تُعدّ إسرائيل دولة في طور التأسيس المستمر؛ أي إنها دولة لم يكتمل تشكّلها بعد[7].
وأسفرت نتائج حرب 1967 عن اندلاع حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 على الساحتين السورية والمصرية، وأفضت المفاوضات السورية – الإسرائيلية سنة 1974 إلى اتفاقية "فضّ الاشتباك"، التي نصّت على إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تفصل بين قوات الطرفين. وترسم خريطة الاتفاقية خطَّين للفصل (خط الفصل السوري باللون الأحمر، وخط الفصل الإسرائيلي باللون الأزرق)، بينما تقع المنطقة العازلة بينهما، حيث تتمركز قوات الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك[8]. وعلى الساحة المصرية، وُقِّعت اتفاقيات كامب ديفيد سنة 1979، التي قسّمت سيناء إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج)، مع السماح بمستويات متفاوتة من الوجود العسكري المصري في كل منطقة، بما يتيح للقوات المصرية درجات مختلفة من حرية العمل العسكري. أما في المنطقة (ج) فلا يُسمَح بوجود إلّا القوات المتعددة الجنسيات (قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة). وبذلك أنشأت هذه الاتفاقيات منطقة عازلة داخل سيناء[9].
أمّا على الساحة اللبنانية، فبعد غزو جنوب لبنان سنة 1978، فيما سُمّي إسرائيليًا "عملية الليطاني"، أنشأت إسرائيل منطقة عازلة عُرِفت حينها بـ "الحزام الأمني"؛ وهي منطقة خضعت لسيطرتها العسكرية والأمنية الكاملة، على طول الحدود مع لبنان، بعمقٍ راوح بين 5 و10 كيلومترات، ممتدة من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى الحدود السورية. إضافة إلى ذلك، أسست إسرائيل ما سُمِّي "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة سعد حداد، الذي أعلن تأسيس "دولة لبنان الحر" سنة 1979. وبعد وفاته، تولّى أنطوان لحد قيادة هذا الجيش، قبل أن يغادر إلى إسرائيل مع الانسحاب الإسرائيلي سنة 2000[10].
تشير المعطيات التاريخية إلى أن المناطق العازلة مثّلت الأداة الرئيسة التي اعتمدتها إسرائيل، منذ إقامتها، لمنع التهديدات، عبر إبعاد الخصوم جغرافيًا، تمهيدًا للتوسع في المناطق القابلة للضمّ. فقد ضمّت المنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاقية العوجا، مع غياب قوة مناوئة لها في غزة آنذاك. علاوة على ذلك، بدأت إسرائيل الاستيطان في قطاع غزة سنة 1977، ليؤدي في بدايته وظيفة المنطقة العازلة في مواجهة الجيش المصري من جهة غزة. ولاحقًا، اعتبرت غزة جزءًا من "أرض الميعاد"، لكنها انسحبت من هذه المستوطنات بفعل ضغط المقاومة الفلسطينية سنة 2005.
ثانيًا: المنطقة العازلة في قطاع غزة: الإطار والتطبيق
دخلت "خطة ترمب" لإنهاء الحرب على غزة حيز التنفيذ، في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وبصفتها جزءًا من المرحلة الأولى من الاتفاق، انسحب الجيش الإسرائيلي إلى الخط الذي أُطلق عليه اسم "الخط الأصفر"[11]. بيد أن هذا الخط لم يكن وليد الاتفاق؛ إذ إن الجيش، مستخلِصًا العبر من هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أكد أنه أنشأ منطقة عازلة في قطاع غزة، أو ما يُعرَف عسكريًا بـ "المنطقة الأمنية". وهي منطقة مكشوفة وخالية تمامًا من المباني والمزروعات والمرتفعات، ويُفترض كذلك أن تكون خالية من البنى التحتية للمقاومة مثل الأنفاق والتحصينات. ولا يُسمَح للفلسطينيين بدخولها، وإن دخلوها فإن القوات الإسرائيلية تطلق عليهم النار[12].
وأفاد تقرير صادر عن مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، نُشر في مطلع نيسان/ أبريل 2024، أن الجيش الإسرائيلي دمّر تقريبًا جميع المباني داخل المنطقة العازلة التي يقيمها في قطاع غزة. وتناول التقرير حجم الدمار الذي لحق بالمباني ضمن منطقة بلغ عرضها آنذاك كيلومترًا واحدًا[13]. ففي بداية الحرب على غزة، شرع الجيش في توسيع المنطقة العازلة، وكانت التوجيهات الصادرة عن المستوى السياسي إلى قوات الجيش تنص على توسيع عمقها من 300 متر إلى كيلومتر واحد انطلاقًا من السياج الفاصل المحيط بغزة؛ إذ إن عمق المنطقة العازلة بين إسرائيل والقطاع، حتى 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، نحو 300 متر من السياج الفاصل[14].
وفرضت القوات الإسرائيلية، على مرّ السنوات الماضية، معادلةً للرد على ما تعتبره انتهاكات للقيود المفروضة على الحركة في المنطقة العازلة، بما في ذلك استخدام الذخيرة الحية ضد المدنيين[15]، إضافة إلى رشّ مبيدات تؤدي إلى القضاء على الغطاء النباتي. ففي حزيران/ يونيو 2018، ذكرت صحيفة
هآرتس أن السلطات الإسرائيلية تستخدم مبيدات ذات تأثيرات خطرة في منطقة السياج المحيط بقطاع غزة أي المنطقة العازلة، لمنع نموّ النباتات والإبقاء على المنطقة مكشوفة، بما يتيح لقوات الجيش الإسرائيلي مراقبتها جيدًا، فضلًا عن سياسة التجريف المتواصل للأراضي الزراعية[16].
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق إيلي كوهين قد صرّح، في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قائلًا: "في نهاية هذه الحرب لن يقتصر الأمر على خروج حماس من غزة، بل ستُقلَّص مساحة غزة أيضًا". وأشار وزير الزراعة الإسرائيلي آفي ديختر إلى وجود نية لإنشاء منطقة عازلة، يُمنَع الفلسطينيون من دخولها[17]، بما يعني أن آلاف الغزّيين لن يتمكنوا من العودة إلى أراضيهم ومنازلهم، وما يترتب على ذلك من تدمير مجتمعات أصلانية في هذه المنطقة[18]. وذكر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (من الصهيونية الدينية)، في 22 نيسان/ أبريل 2026، أن "إسرائيل في حاجة إلى حدود أوسع وقابلة للدفاع في كل من قطاع غزة ولبنان وسورية"، موضحًا أن حدود 1967 هي "حدود غير قابلة للدفاع"؛ لأنها لا تراعي الاعتبارات الجغرافية والتضاريس الأمنية[19].
وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، في السياق ذاته، في 7 كانون الأول/ ديسمبر 2025، خلال جولة داخل منطقة الخط الأصفر في قطاع غزة، إن "الخط الأصفر هو خط الحدود الجديد لإسرائيل، وهو خط دفاع أمامي للمستوطنات وخط انطلاق للهجوم"[20]. وتؤكد التصريحات الدبلوماسية أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من هذا الخط، إلى حين إحراز تقدم في جميع المسائل المتعلقة بنزع سلاح حركة حماس[21]. وأعلن الجيش الإسرائيلي، في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2025، أنه دمَّر البنية التحتية للحركة داخل الخط الأصفر في قطاع غزة، ولا سيما الأنفاق، مشيرًا إلى أن مساحة هذه المنطقة تبلغ نحو 53 في المئة من مساحة القطاع (وقد أصبحت في الآونة الأخيرة 59 في المئة)[22]. وصرّح زامير أيضًا، في 27 نيسان/ أبريل 2026، بأن "الجيش يواصل إرساء واقع أمني جديد، وقد أنشأنا مناطق دفاعية متقدمة في جميع جبهات المواجهة في قطاع غزة وسورية ولبنان"، مضيفًا أنه يجب البقاء في هذه المناطق[23].
ثالثًا: استنساخ نموذج المنطقة العازلة في جنوب لبنان
أعلن الجيش الإسرائيلي، في 18 نيسان/ أبريل 2026، أنه أنشأ ما يُعرَف بـالخط الأصفر في جنوب لبنان، على غرار الخط في غزة[24]، مشيرًا إلى نيته تنفيذ هجمات ضد العناصر التي يُشتبه في اقترابها من هذا "الخط"، في إطار توجّه يرمي إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية الحدودية عبر استنساخ نموذج غزة. ووفق بيان الجيش الإسرائيلي، فإن هذه المنطقة تشكّل شريطًا أمنيًا يضم 55 قرية لبنانية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، يُمنع سكانها من العودة إليها، بينما يواصل الجيش تدمير ما يصفه بالبنية التحتية لحزب الله داخلها[25].
وقُسِّمت المنطقة الأمنية في جنوب لبنان إلى ثلاثة خطوط تعمل القوات الإسرائيلية على امتدادها؛ فالخط الأول هو "الخط الأحمر"، ويضم القرى الأقرب إلى الحدود، حيث دُمّرت معظم المنازل والمباني، وتمركزت القوات في بعض المواقع بصفة دائمة. أمّا الخط الثاني فهو الخط الأصفر المستوحى من نموذج قطاع غزة. وأمّا الخط الثالث فهو خط الليطاني، إذ يسعى الجيش الإسرائيلي إلى فرض هيمنة عسكرية عليه وإحباط التهديدات الصادرة عن حزب الله شمال نهر الليطاني[26]. ويمتد الخط الأصفر مسافة تصل إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ويعمل الجيش على إنشاء نحو 20 موقعًا جديدًا متقدمًا في عمق الأراضي اللبنانية مقابل المستوطنات الشمالية، ويُنظَر إلى هذه الخطوة باعتبارها إجراءً دفاعيًا في إطار المفاهيم العسكرية المعتمَدة[27].
وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في 17 نيسان/ أبريل 2026: "أنشأنا منطقة أمنية مشددة على طول الحدود الشمالية كلها، ليس فقط في لبنان، بل على امتداد الحدود اللبنانية وصولًا إلى جبل الشيخ، مرورًا بهضبة الجولان حتى اليرموك، أرادوا محاصرتنا بحلقة من النيران، فأنشأنا حلقة أمنية"[28]. وفي السياق ذاته، قال وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في اليوم نفسه: "إن الجيش سيبقى على جميع المواقع التي احتلها في لبنان"، معتبرًا أن ما وصفه بـ "الإنجازات" لم يكتمل بعد، وأوضح أن القوات موجودة داخل لبنان، مشيرًا إلى إنشاء "منطقة أمنية" بعمق 10 كيلومترات من الحدود حتى الخط المضاد للدروع (الخط الأصفر)، تمتد من البحر غربًا إلى جبل الشيخ شرقًا، وأضاف أن هذه المنطقة يجري "تطهيرها" من البنية التحتية، بما يشمل تدمير المنازل في القرى الحدودية[29].
رابعًا: مسار تشكّل المنطقة العازلة في جنوب سورية
عشية سقوط نظام بشار الأسد، وخلال زيارةٍ لهضبة الجولان، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وجّه نتنياهو الجيش الإسرائيلي للسيطرة على المنطقة العازلة مع سورية، وهي المنطقة المتفق عليها بموجب اتفاقية "فض الاشتباك". وتتذرع إسرائيل بسيطرتها على هذه المنطقة بأنها تهدف إلى حماية المستوطنات في مرتفعات الجولان، وترمي إلى الحد من عمليات تهريب الأسلحة إلى حزب الله في لبنان. وأكدت أن هذه السيطرة مؤقتة، بيد أنه من الواضح أنها تسعى إلى فرض واقع أمني جديد يعزز تفوّقها على الساحة السورية، عبر التحكّم في موقع استراتيجي مهمّ يمكّنها من رصد أيّ تحركات داخل الأراضي السورية، واستباقها بإجراءات أمنية وعسكرية[30].
وفي كانون الثاني/ يناير 2026، نفّذ طيران زراعي إسرائيلي عدة طلعات جوية، أُفيد خلالها برشّ مواد مجهولة على أراضٍ زراعية في ريف محافظة القنيطرة جنوبي سورية[31]. وكشفت صور الأقمار الصناعية عن تضرر واسع شمل الغطاء النباتي في المنطقة، وجفاف شبه كامل للمساحات الخضراء، وتشير بعض المعطيات إلى استخدام مبيدات شديدة الفاعلية تستهدف محو الغطاء النباتي وإزالته كليًا. وامتدت هذه الإجراءات إلى جنوب لبنان أيضًا، حيث سُجِّلت في الفترة نفسها عمليات رشّ مماثلة على أراضٍ زراعية، بالمواد ذاتها وللأهداف نفسها[32].
خاتمة
تشير المعطيات والوقائع التي تفرضها إسرائيل في الجبهات الثلاث، قطاع غزة وجنوب لبنان وجنوب سورية، إلى أن فكرة المناطق العازلة تُطبَّق ضمن منظور استراتيجي واحد؛ إذ إنها تسعى إلى الاستفادة من التغيرات الحاصلة في المنطقة لتوسيع "حدود الدولة"، عبر التمدد بنموذج الخط الأصفر، تحت ذريعة الضرورات الأمنية، ولكن دوافعه أيديولوجية توسعية. وفي مسعى لاستنساخ هذا النموذج في غزة، أنشأت خطًا أصفرَ على امتداد الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، وفرضت إجراءات مماثلة في الجنوب السوري.
يبدأ نموذج الخط الأصفر بتهجير السكان العرب من أراضيهم، يتبعه تدمير شامل للبنى التحتية والفوقية، ثم يتمركز الجيش الإسرائيلي في المواقع والمرتفعات الاستراتيجية القائمة أو التي يُنشئها. إلى جانب ذلك، يجري تشكيل مجموعات متعاونة أو دعم أقليات ذات طابع انفصالي وتسليحها لخدمة هذه الأهداف، على غرار ما يسمّى "العصابات العميلة" في غزة، وأقلية الدروز في السويداء السورية. ومن المتوقع أن يمتد هذا النمط إلى جنوب لبنان عبر آليات مماثلة؛ وبذلك يتجه المشروع إلى توسيع المجال الحيوي المحيط بإسرائيل، تمهيدًا لتثبيت هذا المجال ضمن حدود دولة لا تزال في طور التشكل ولم تكتمل بعد.
وتُظهر التجارب التاريخية أن المواجهة مع هذا النمط من التوسع الأيديولوجي تُعدّ عنصرًا أساسيًا في تعطيل استراتيجية قضم الأراضي العربية، التي احتُلّت تحت ذرائع أمنية، والتي ما لبثت أن اتجهت نحو تبريرات ذات طابع ديني؛ إذ ما كانت إسرائيل لتنسحب من سيناء لولا حرب 1973، ولا من جنوب لبنان سنة 2000 لولا المقاومة اللبنانية، ولا من قطاع غزة سنة 2005 لولا الضغط الذي فرضته المقاومة الفلسطينية. أما استمرار وجودها في الجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية والضفة الغربية، فيرتبط بعوامل تتصل بتوازنات القوى والظروف الإقليمية وأشكال المواجهة القائمة. وبناءً على ذلك، فإن مستقبل المناطق التي قضمتها إسرائيل، وفق نموذج الخط الأصفر، يظل مرهونًا بموازين القوى ومستوى المواجهة ووتيرتها في هذه الساحات.
المراجع
العربية
"دلالات سيطرة إسرائيل على المنطقة العازلة في سوريا".
تقرير. مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 14/12/2024. في:
https://acr.ps/hBybHrC حسين، عدنان.
التوسع في الإستراتيجية الإسرائيلية. بيروت: دار النفائس، 1989. فخر الدين، منير [وآخرون].
دليل إسرائيل العام 2020. مؤسسة الدراسات الفلسطينية. بيروت: 2021. الخولي، حسن صبري.
سياسات الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين. مج 2. القاهرة: دار المعارف، 1970.
الأجنبية Keefe, Edward C. (ed.).
Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXVI, Arab-Israeli Dispute, 1974–1976. Washington: United States Government Printing Office, 2011. |
[1] "زامير: يجب أن نبقى في غزة وسورية ولبنان ما دام الأمن طويل الأمد غير مضمون"،
عرب 48، 27/4/2026، شوهد في 1/5/2026، في:
https://2u.pw/qUMv0V
[2] كانت القوات المصرية المسؤولة عن إدارة قطاع غزة بقيادة الضابط المصري محمود رياض، وهو المسؤول عن توقيع اتفاقية العوجا سنة 1950، واسمها الرسمي هو "اتفاقية التعايش".
[3] حسن صبري الخولي،
سياسات الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، مج 2 (القاهرة: دار المعارف، 1970)، ص 468، 471.
[4] سلمان أبو ستة، "كيف قضمت إسرائيل قطاع غزة في اتفاقية سرية؟"،
عرب 48، 31/10/2010، شوهد في 1/5/2026، في:
https://2u.pw/13tLbB
[5] منير فخر الدين [وآخرون]،
دليل إسرائيل العام 2020، مؤسسة الدراسات الفلسطينية (بيروت: 2021)، ص 943.
[6] عدنان حسين،
التوسع في الإستراتيجية الإسرائيلية (بيروت: دار النفائس، 1989)، ص 20–24.
[7] فخر الدين [وآخرون]، ص 65، 942.
[8] “Agreement on Disengagement between Israeli and Syrian Forces,” 31/5/1974, in: Edward C. Keefe (ed.),
Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXVI, Arab-Israeli Dispute, 1974–1976 (Washington: United States Government Printing Office, 2011), Document 88, accessed on 25/4/2026, at:
https://acr.ps/hBybGxa
[9] “Military Zones in the Sinai Peninsula,”
RANE, 22/8/2012, accessed on 25/4/2026, at:
https://acr.ps/hBybGXT
[10] Amani Rammal, “Crossing the ‘Security Belt’: A History of the Occupied Lebanese Border Strip,”
The Public Source, 16/4/2026, accessed on 25/4/2026, at:
https://acr.ps/hBybHoC
[11] رون كريسي وليئور بن آري، "نقلت من غزة إلى لبنان: الخط الأصفر الجديد"،
يديعوت أحرنوت، 18/4/2026، شوهد في 29/4/2026، في:
https://acr.ps/hBybGLh (بالعبرية)
[12] آفي أشكنازي، "المنطقة التي غيرت قطاع غزة إلى الأبد: الحادثة التي وقعت في المنطقة العازلة هي بمنزلة تمهيد لما سيحدث في اليوم التالي"،
معاريف، 6/6/2024، شوهد في 2/5/2026، في:
https://acr.ps/hBybHc0 (بالعبرية)
[13] ياردن ميخائيلي، "الأمم المتحدة: تم هدم جميع المباني تقريبًا في المنطقة العازلة التي يبنيها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة"،
هآرتس، 15/4/2024، شوهد في 28/4/2026، في:
https://acr.ps/hBybGyF (بالعبرية)
[14] أشكنازي.
[15] "تتوسع المنطقة العازلة بين إسرائيل وغزة باستمرار"،
چيشاة-مسلك، 30/6/2024، شوهد في 27/4/2026، في:
https://acr.ps/hBybGZo (بالعبرية)
[16] نور أبو عيشة، "طائرات إسرائيلية ترش مبيدات ’كيميائية‘ على حدود غزة"،
وكالةالأناضول، 5/4/2020، شوهد في 2/5/2026، في:
https://2u.pw/lok6w2
[17] "تتوسع المنطقة العازلة بين إسرائيل وغزة باستمرار"،
چيشاة-مسلك، 30/6/2024، شوهد في 27/4/2026، في:
https://acr.ps/hBybGZo (بالعبرية)
[18] "تغييرات في المنطقة العازلة بموجب اتفاقية وقف إطلاق النار"،
چيشاة-مسلك، 15/3/2025، شوهد في 27/4/2026، في:
https://acr.ps/hBy2sM4 (بالعبرية)
[19] "سموتريتش: الفلسطينيون جزء من ’محور الشر‘ ونحتاج لتوسيع حدود إسرائيل"، الجزيرة نت، 23/4/2026، شوهد في 29/4/2026، في:
https://2u.pw/dP3mR4
[20] "رئيس الأركان في جولة بقطاع غزة: ’الخط الأصفر هو خط حدودي جديد - خط دفاع أمامي للمستوطنات وخط هجوم‘"، موقع الجيش الإسرائيلي، 7/12/2025، شوهد في 27/4/2026، في:
https://2u.pw/xM16iK (بالعبرية)
[21] جيلي كوهين، "ستبقى إسرائيل على الخط الأصفر حتى يتم نزع سلاح حماس"،
كان، 15/1/2026، شوهد في 27/4/2026، في:
https://acr.ps/hBybHf0 (بالعبرية)
[22] ألموغ بوكر، "أكمل الجيش الإسرائيلي عملية نزع السلاح من قطاع غزة داخل الخط الأصفر"،
القناة 12، 20/12/2025، شوهد في 28/4/2026، في:
https://acr.ps/hBy2sfc (بالعبرية)
[23] "زامير: يجب أن نبقى في غزة وسورية ولبنان ما دام الأمن طويل الأمد غير مضمون"،
عرب 48، 27/4/2026، شوهد في 1/5/2026، في:
https://2u.pw/qUMv0V
[24] Youssef Diab, “Israel Intensifies Ceasefire Violations, Destroying and Burning Occupied Lebanese Villages,”
Asharq Al-Awsat, 18/4/2026, accessed on 25/4/2026, at:
https://acr.ps/hBybGMM
[25] يستحاك فايس، "الجيش الإسرائيلي يكشف عن ’الخط الأصفر‘ في لبنان: 55 قرية تحت السيطرة الإسرائيلية"،
بخدري خرديم، 19/4/2026، شوهد في 27/4/2026، في:
https://acr.ps/hBybHdv (بالعبرية)
[26] إليشع بن كيمون، "الخط الأصفر: نموذج غزة ينسخ إلى لبنان"،
يديعوت أحرونوت، 19/4/2026، شوهد في 27/4/2026، في:
https://acr.ps/hBybGAa (بالعبرية)
[27] "كشف الجيش الإسرائيلي عن خريطة ’الخط الأصفر‘ في لبنان: هذا هو شكل خط الدفاع الجديد - الذي يعبر جزء منه نهر الليطاني"،
القناة 12، 19/4/2026، شوهد في 28/4/2026، في:
https://acr.ps/hBy2t2F (بالعبرية)
[28] "نتنياهو عن الهدنة الاستراتيجية في لبنان: ’تم تحقيق نتائج مهمة‘"،
i24NEWS، 17/4/2026، شوهد في 30/4/2026، في:
https://acr.ps/hBybH0T
[29] "كاتس: الجيش الإسرائيلي سيبقي على جميع المواقع التي احتلها بلبنان ... الأهداف ’لم تُستكمل بعد‘"،
عرب 48، 17/4/2026، شوهد في 30/4/2026، في:
https://2u.pw/Qq09ej
[30] "دلالات سيطرة إسرائيل على المنطقة العازلة في سوريا"،
تقرير، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 14/12/2024، شوهد في 5/5/2026، في:
https://acr.ps/hBybHrC
[31] "سوريا.. طيران إسرائيلي يرش ’مواد مجهولة‘ على أراض زراعية بالقنيطرة"،
وكالةالأناضول، 30/1/2026، شوهد في 5/5/2026، في:
https://2u.pw/p2m2LC
[32] "بالصور الفضائية.. كيف قتلت ’سموم إسرائيل‘ مئات الهكتارات بالقنيطرة؟"،
الجزيرة نت، 17/2/2026، شوهد في 5/5/2026، في:
https://2u.pw/YrbVm0