تكشف المواجهة الدستورية، التي فجّرتها الحرب الأميركية ضد إيران منذ 28 شباط/ فبراير 2026، عن لحظة شديدة الدلالة في السياسة الأميركية، تتقاطع فيها الاعتبارات الخارجية مع التفاعلات الداخلية، وتتحوّل الحرب من قرار عسكري إلى مرآة تكشف أزمة أعمق في بنية الحكم. فالمسألة تتجاوز تقييم الخطر الإيراني، وجدوى الضربات العسكرية، وقدرة إدارة الرئيس دونالد ترمب على انتزاع تنازلات نووية أو أمنية من طهران، لتمسّ سؤالين تأسيسيين في التجربة الأميركية نفسها: كيف يمكن أن تدير دولة، قامت على الحذر من تركّز السلطة، حروبًا متلاحقة عبر رئاسة تتسع صلاحياتها كلما اتسعت لغة الطوارئ؟ وكيف يستطيع نظام دستوري صُمّم على الفصل بين السلطات أن يحافظ على توازنه حين يصبح قرار الحرب أسرع من إيقاع التشريع، وأقدر على صناعة الوقائع من قدرة الكونغرس على ضبطها؟
أولًا: سؤال إعلان الحرب بين الرئاسة والكونغرس
أخذت إدارة ترمب، منذ اليوم الأول للضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، تتعامل مع الحرب باعتبارها امتدادًا لفلسفة الضغط الأقصى؛ أي استخدام القوة لإعادة تشكيل شروط التفاوض، ورفع السقف العسكري من أجل انتزاع تنازل سياسي، وتقديم الرئيس في صورة القائد القادر على الحسم حيث ترددت الإدارات السابقة[1]. غير أن هذا المنطق، حين ينتقل من الخطاب الانتخابي إلى إدارة صراع إقليمي بالغ الحساسية، يدخل منطقة أكثر تعقيدًا. فالحرب تخلق زمنها الخاص؛ إذ تبدأ بقرار سياسي، ثم سرعان ما تفتح احتمالاتها على ردود فعل عسكرية، وتقلبات في أسواق طاقة، ومخاوف لدى الحلفاء، وحسابات لدى الخصوم، فتغدو السيطرة عليها أصعب من إطلاقها. وعند هذه النقطة، بدأ الكونغرس يستعيد حضوره، بوصفه سلطةً رأت أن الحرب تنتقص من إحدى أهم صلاحياته الدستورية.
كان التصويت الذي شهده مجلس النواب في 3 حزيران/ يونيو 2026، والذي أُقر بموجبه تقييد صلاحيات الحرب ضد إيران بأغلبية 215 صوتًا مقابل 208 أصوات، لحظةً سياسيةً بالغة الدلالة[2]. فعلى الرغم من أن الفارق العددي بدا محدودًا، إذ لم يتجاوز سبعة أصوات، فإن رمزيته تجاوزت الحساب العددي البسيط. فقد انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين، وهم: توماس ماسي، وبراين فيتزباتريك، وتوم باريت، ووارن ديفيدسون[3]. وقد أخرج هذا الانضمام المسألة من إطار المواجهة بين الديمقراطيين ورئيس جمهوري، ووضعها في سياق انقسام أعمق في اليمين الأميركي نفسه. فثمة تيار داخل الحزب الجمهوري يرى أن مساندة ترمب لا تعني منح الرئاسة تفويضًا مفتوحًا، وأن العداء لإيران لا يبرّر منح البيت الأبيض سلطةً شبه مطلقة لتوسيع نطاق الحرب. ويستند هذا التيار إلى حساسية محافظة قديمة تجاه تضخّم السلطة التنفيذية، وإلى شكٍّ راسخ في الحروب الخارجية الطويلة، وإلى قناعة بأن الإنفاق العسكري المفتوح يبدّد الوعود بإعادة توجيه الاهتمام إلى الداخل الأميركي.
وتزداد أهمية هذا التصويت عند وضعه في سياقه الزمني. ففي 14 أيار/ مايو 2026، أخفق مجلس النواب في تمرير مسعى مشابه بعد تعادل الأصوات بواقع 212 صوتًا لكل طرف، وهي نتيجة أظهرت أن الممانعة التشريعية كانت تتبلور قبل نجاحها النهائي في حزيران/ يونيو[4]. وبين منتصف أيار/ مايو وبداية حزيران/ يونيو، كانت الحرب تنتقل من ضربة محسوبة إلى مسار أكثر امتدادًا، وتحاول الإدارة تثبيت روايتها القائلة إن القوة ضرورية، والهدف واضح، والضغط العسكري يخدم منع إيران من امتلاك السلاح النووي. لكن التصويت اللاحق، في 3 حزيران/ يونيو، حمل رسالة مختلفة؛ فمع دخول الحرب شهرها الرابع، صار تقديمها على أنها إجراء عابر أو ردّ محدود أكثر صعوبة. فكل يوم إضافي في الحرب كان يوسّع المجال السياسي للكونغرس كي يطرح أسئلة بشأن التفويض، والتكلفة، وسقف الأهداف، واللحظة التي يتحوّل فيها الرد العسكري إلى حرب تحتاج إلى شرعية برلمانية صريحة.
يستحضر هذا الاشتباك قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي وُلد من ذاكرة فيتنام ومن خوف أميركي عميق من قدرة الرئاسة على جرّ البلاد إلى حروب بعيدة عبر قرارات تدريجية لا يشعر المجتمع بخطورتها إلا بعد أن يصبح الخروج منها مكلفًا. فالقانون يطلب من الرئيس إبلاغ الكونغرس عند إدخال القوات الأميركية في أعمال عدائية، ويضع سقفًا زمنيًا عامًا قوامه ستون يومًا، مع إمكان التمديد ثلاثين يومًا إضافية لأغراض الانسحاب، ما لم يمنح الكونغرس تفويضًا صريحًا أو يعلن الحرب[5]. ومع الحرب على إيران الحالية، عادت الفلسفة التي يقوم عليها القانون إلى مركز النقاش؛ فالسلطة التنفيذية تمتلك أدوات السرعة، لكنها لا تمتلك وحدها حق تقرير المصير الحربي للأمة، في حين أن الكونغرس قد يتحرك ببطء، وقد تحكمه الحسابات الحزبية، لكنه يبقى المؤسسة التي تمنح الحرب صلتها بالموافقة الشعبية والتمويل والمساءلة.
ويتخذ هذا الصراع شكلًا أكثر حدة في شخصية ترمب السياسية، الذي صعد على وعد استعادة القوة الأميركية وتخليصها من حروب الاستنزاف؛ فهو يجد نفسه أمام مفارقة دقيقة، فجمهوره يريد زعيمًا حاسمًا، لكنه تعب أيضًا من تكلفة التدخلات الخارجية، ويريد ردع إيران، لكنه يخشى عودة منطق الحروب المفتوحة، كما يريد دولةً قويةً على الحدود وفي الخارج، لكنه يشكّ في الدولة الفدرالية حين تتوسع في المراقبة والإنفاق والبيروقراطية. ومن ثم، يبدو الخلاف حول الحرب الإيرانية أكثر من خلاف حول سياسة خارجية؛ إنه خلاف حول معنى "أميركا أولًا": أتعني قوة رئاسية طليقة قادرة على فرض الإرادة الأميركية في الخارج، أم تعني تقليص تكلفة التورط العسكري وإعادة القرار إلى الداخل الدستوري والشعبي؟
ثانيًا: بين القوة والتفاوض: ارتباك الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران
أدخلت إدارة ترمب نفسها في معادلة صعبة بين خطاب القوة وخطاب الصفقة. فمن جهة، قدّمت الحرب بوصفها ضرورة لردع إيران ومنعها من الاقتراب من امتلاك سلاح نووي. ومن جهة أخرى، فتحت باب التفاوض وألمحت إلى إمكان التوصل إلى ترتيب سياسي مع القيادة الإيرانية. ففي 2 حزيران/ يونيو 2026، مثُل وزير الخارجية، ماركو روبيو، أمام الكونغرس في جلسة اتسمت بحساسية سياسية عالية، مؤكدًا أن تخفيف العقوبات المفروضة على إيران ينبغي أن يرتبط بتفكيك برنامجها النووي، لا بمجرد ضمانات تتعلق بالملاحة أو بأمن مضيق هرمز[6]. وفي اليوم التالي، صرّح ترمب بأن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، وترك الباب مفتوحًا أمام احتمال لقاء المرشد الأعلى الإيراني إذا أحرزت المفاوضات تقدّمًا[7].
ويعكس هذا التداخل بين الضربة والتفاوض جوهر الأسلوب الترمبي في إدارة الأزمات. فترمب لا يرى التصعيد، بالضرورة، طريقًا إلى حرب شاملة، بل أداة لرفع تكلفة الرفض على الخصم ودفعه إلى طاولة التفاوض بشروط أشد. غير أن تطبيق هذا الأسلوب في الملف الإيراني ينطوي على مخاطر مضاعفة. فإيران ليست خصمًا يمكن فصله عن شبكة من الحلفاء والوكلاء والمؤسسات العقائدية والأمنية، كما أن الخليج ليس مسرحًا بعيدًا عن الاقتصاد العالمي، بل يمثّل عقدة رئيسة في سوق الطاقة، في حين تجعل حساسية مضيق هرمز أيّ تصعيد قادرًا على التأثير بسرعة في أسعار النفط والوقود والتأمين البحري وسلاسل الإمداد.
وبناء عليه، بدا الكونغرس أكثر قلقًا من اللغة المزدوجة التي تعتمدها الإدارة. فحين تعلن اقتراب نهاية الحرب أو تحقيق أهدافها، يطالب المشرّعون بمعرفة المقصود بالنهاية: أهو وقف العمليات المباشرة، أم خفض وتيرة الضربات، أم التوصل إلى اتفاق نووي جديد، أم قبول إيراني عام بمبدأ عدم التسلح من دون آلية تحقق صارمة؟ وحين يؤكد روبيو ضرورة تفكيك البرنامج النووي، يسأل الكونغرس عن أدوات تحقيق هذا الهدف: أتمتلك الإدارة خطة دبلوماسية قابلة للتطبيق، أم أنها تستخدم سقفًا تفاوضيًا مرتفعًا لتبرير استمرار الضغط العسكري؟ تنبع هذه الأسئلة من القلق إزاء غموض الأهداف؛ فالحرب ذات الهدف المحدد يمكن مراقبتها، أما الحرب التي تتحرك بين الردع والتفاوض وتغيير السلوك ومنع السلاح النووي وحماية الملاحة، فإنها تفتح الباب أمام تمدد لا تبدو له نهاية واضحة.
وقد زاد تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الصادر في 4 حزيران/ يونيو 2026، من تعقيد الوضع؛ إذ أشار إلى أن البرنامج النووي الإيراني لم يشهد تغيرًا جوهريًا مع الضربات والحرب، في ضوء استمرار مشكلات الوصول إلى المواقع المتضررة وفقدان جزء من "استمرارية المعرفة" الرقابية المتعلقة بالمخزون النووي، بما في ذلك اليورانيوم المخصب بنسب مرتفعة تصل إلى 60 في المئة[8]. وتضع هذه المعطيات الإدارة أمام سؤال صعب: ما معيار النجاح، إذا كانت الحرب تهدف إلى تعطيل البرنامج النووي؟ أيكفي تدمير المنشآت أو تعطيل القدرات مؤقتًا، أم يتمثل في نظام تحقّق دولي مستقر؟ وكلما بدت النتائج النووية أقل حسمًا، ازدادت حاجة البيت الأبيض إلى تسويق الحرب باعتبارها أداة ضغط تفاوضي، لا أداة حسم نهائي.
وتزداد تعقيدات هذه الإشكالية عند وضعها في سياق تقليد أميركي طويل شهد تحوّلًا في الأهداف المحدودة إلى مسارات كبرى. فتجربة غزو العراق عام 2003، والحرب في أفغانستان بعد عام 2001، والتدخلات المتقطعة في الشرق الأوسط، تركت جميعها أثرًا عميقًا في المخيلة السياسية الأميركية. ولم يعد المواطن الأميركي يتلقّى عبارة "عملية محدودة" بالثقة ذاتها التي كانت ممكنة في عقود سابقة. فالتاريخ القريب علّمه أن الضربة قد تتحوّل إلى وجود عسكري يمكن أن يتحول إلى إدارة أزمة، وأن إدارة الأزمة قد تتحول إلى مشروع سياسي بلا أفق واضح. لذلك، تعود عبارة "بناء الأمم" في النقاش الجمهوري المحافظ بوصفها تعبيرًا تحذيريًا أكثر منها مفهومًا أكاديميًا. فهي تختصر الخوف من أن تبدأ الولايات المتحدة الأميركية الحرب باسم الردع، ثم تجد نفسها مسؤولة عن إعادة ترتيب بيئة كاملة لا ترغب في تحمّل تكلفتها.
ويمثّل موقف ماسي أحد أكثر النماذج دلالةً على هذا القلق داخل اليمين الأميركي. فهو نائب جمهوري معروف داخل الكونغرس بنزعته المحافظة الدستورية، وبمواقفه المتحفّظة تجاه الحروب الخارجية وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية باسم الأمن القومي. لذلك، يكتسب اعتراضه على الحرب مع إيران دلالة تتجاوز الخلاف الحزبي المباشر؛ فهو لا يعارضها من موقع ديمقراطي مناهض لترمب، بل من داخل تيار جمهوري يرى أن الحرب المفتوحة قد تتحول إلى مدخل لتجاوز الكونغرس، واستنزاف المال العام، وتطبيع الاستثناء في إدارة السياسة الخارجية. أما باريت، حين ربط موقفه بالضمير وبحق الكونغرس في إعلان الحرب، فقد أعاد النقاش إلى إطار تتقاطع فيه الأخلاق مع الدستور؛ إذ تصبح السياسة الخارجية اختبارًا للشرعية بقدر ما هي اختبار للقوة. فالحرب التي تنفصل عن الموافقة المؤسسية تتحول تدريجيًا إلى قرار رئاسي بالغ الأثر، تصدره السلطة التنفيذية ثم تطلب من باقي النظام السياسي التكيّف مع نتائجه، في حين يفترض النظام الدستوري الأميركي أن يظل قرار الحرب محكومًا بتفويض واضح ورقابة شعبية ممثّلة في الكونغرس.
في المقابل، تستطيع إدارة ترمب تقديم حججها بقوة؛ وهي أن إيران، في نظرها، تمثّل تهديدًا متراكمًا من برنامج نووي ونفوذ إقليمي وقدرة على تعطيل الملاحة وشبكة من الحلفاء المسلحين، وأن ترك الانطباع بأن الكونغرس قادر على تقييد الرئيس في قلب المواجهة قد يشجّع طهران على المماطلة أو اختبار حدود الرد الأميركي. ولهذه الحجة وزنها في واشنطن، لأن الرؤساء يستندون عادة إلى فكرة أن إدارة الأزمات تتطلب سرعة ومرونة وسرّية يصعب توفيرها عبر النقاش التشريعي العلني. لكن قوة هذه الحجة تتراجع كلما طال أمد الحرب وارتفعت تكلفتها. فالحرب التي تستمر أيامًا تختلف، دستوريًا وسياسيًا، عن حرب تدخل شهرها الرابع. ومع مرور الوقت، يصبح طلب التفويض والمساءلة جزءًا من حماية القرار، لا عرقلة له.
ثالثًا: الاقتصاد السياسي للحرب ومأزق الشرعية الشعبية
تجد هذه الصراعات جميعها صداها الأوضح في الاقتصاد اليومي. فالحرب، مهما قُدّمت بلغة الأمن القومي، تصل إلى المواطن عبر الأسعار ومحطات الوقود. وقد بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي في الولايات المتحدة، بحسب بيانات جمعية السيارات الأميركية American Automobile Association, AAA، نحو 4.55 دولارات في 7 أيار/ مايو 2026، بعد ارتفاع قدره 25 سنتًا للأسبوع الثاني على التوالي، وبفارق يقارب 1.40 دولار عن مستواه في العام السابق[9]. ثم سجّلت أسعار الوقود خلال عطلة يوم الذكرى، في 21 أيار/ مايو 2026، أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، بمتوسط 4.56 دولارات للغالون[10]. وقد جعلت هذه الأرقام من أسعار الوقود مؤشرًا سياسيًا على كفاءة الإدارة، وعلى العلاقة بين السياسة الخارجية والأوضاع المعيشية، وعلى قدرة الرئيس على حماية الطبقة الوسطى من تكلفة الأزمات الخارجية.
وحين يتحدّث نائب مثل باريت عن شعوره بما يشعر به ناخبوه عند ملء خزان وقود سيارته، فإن حديثه يكتسب دلالة تتجاوز المجاملة الانتخابية أو الاستعارة الشخصية العابرة. فهو، بوصفه نائبًا جمهوريًا عن ولاية ميشيغان وذا خلفية عسكرية سابقة، يتحدّث من موقع يجمع بين حساسية الولاية الصناعية تجاه أسعار الطاقة وتكلفة المعيشة من جهة، وإدراك عملي لمعنى القرار العسكري حين يتحول من تقدير استراتيجي في واشنطن إلى عبء محسوس في حياة الأسر. ومن ثم، يصبح حديثه عن الوقود مدخلًا لربط الحرب بميزانية الأسرة، والخليج بمحطة البنزين، والتصويت في الكونغرس بالحياة اليومية للمواطنين الذين يقودون سياراتهم إلى العمل والمدرسة والمتجر. وتكتسب هذه اللغة أثرًا خاصًا في السياسة الأميركية، لأنها تنقل الحرب من مستوى الخرائط العسكرية وحسابات الردع إلى مستوى التجربة اليومية المباشرة. فالناخب قد لا يتابع تفاصيل قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، ولا ينشغل بالفروق الدقيقة بين التفويض العسكري والقرار الرئاسي، لكنه يعرف بدقة مقدار ما دفعه في آخر مرة ملأ فيها خزان وقود سيارته. ومن هذه الزاوية، لا يعود تقييد الحرب مسألةً دستورية مجردة، بل يتحول أيضًا إلى قضية معيشية تتصل بأسعار الوقود وتكلفة المعيشة والثقة بأن القرار الخارجي لا يُدار بمعزل عن تكلفته الداخلية.
وتدرك إدارة ترمب هذه الحساسية جيدًا؛ فهي تعلم أن أيّ ارتفاع مستمر في أسعار الوقود قد يبدّد جزءًا من رصيدها الشعبي، خصوصًا إذا اقترن بشعور بأن الحرب تطول من دون نهاية واضحة. لذلك، تحاول الجمع بين تأكيد الحزم العسكري وطمأنة الأسواق، وبين التلويح بالقوة وفتح نافذة للتفاوض. غير أن الأسواق تقرأ المخاطر في ضوء الاحتمالات، لا في ضوء الخطاب السياسي وحده. وكلما بدا الخليج معرّضًا لتوتّر طويل الأمد، ازداد أثر الحرب في أسعار النفط والتأمين والشحن، حتى قبل وقوع اضطراب كبير في الإمدادات. ولهذا، يشكّل الاقتصاد قيدًا غير مباشر على الرئاسة؛ فحتى حين تستطيع الإدارة الدفاع عن سلطاتها قانونيًا، قد تجد نفسها مضطرة إلى تعديل سلوكها تحت ضغط الأسعار.
وتزداد هذه المسألة تعقيدًا في ظل مطالب التمويل الداخلي. فإذا كان الكونغرس يناقش عشرات المليارات لتعزيز سياسات الحدود والهجرة، وكانت الحرب تفرض تكلفة عسكرية واستخباراتية ودبلوماسية إضافية، فإن الناخب يبدأ في المقارنة بين أولويات الدولة: ما الذي يستحق التمويل: الحرب، أم الحدود، أم الرعاية الصحية، أم تخفيض الأسعار، أم دعم الطبقة الوسطى؟ وتتحول هذه الأسئلة، في عام يشهد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، إلى مادة للتعبئة السياسية. فالجمهوريون يريدون تقديم أنفسهم بوصفهم حزب النظام والسيادة وخفض التكلفة، لكنّ الحرب وارتفاع أسعار الوقود قد يضعفان هذه الصورة. في حين أن الديمقراطيين يسعون إلى تصوير ترمب على أنه رئيس يوسّع الصلاحيات ويزيد التوتر، لكنهم يواجهون إرث إدارات سابقة استخدمت هي أيضًا أدوات الأمن القومي بقدر كبير من المرونة. لذلك تصبح المعركة على الشرعية، لا على الأرقام وحدها.
خاتمة
تكشف أحداث عام 2026، في عمق دلالاتها، عن بلد يحاول إعادة تعريف العلاقة بين القوة والشرعية. فالولايات المتحدة لا تزال قوة عالمية كبرى تمتلك أدوات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية ضخمة، لكنها تواجه في الداخل تساؤلًا متزايدًا بشأن تكلفة هذه القوة وطريقة استخدامها. ويمثّل ترمب اتجاهًا يسعى إلى إعادة الاعتبار إلى الإرادة الرئاسية الحاسمة، في مقابل كونغرس يحاول تذكير النظام بأن الحسم من دون رقابة قد يتحول إلى اندفاع، وأن الأمن من دون حدود دستورية قد يتحول إلى سلطة مفتوحة. في حين يقف المواطن الأميركي بين الطرفين، لا بوصفه متفرجًا عن بُعد، بل بوصفه من يتحمّل التكلفة عبر الضرائب والأسعار والوقود والقلق من المستقبل.
لذلك، لا يستمد قرار مجلس النواب، الصادر في 3 حزيران/ يونيو 2026، أهميته من قدرته المباشرة على إنهاء الحرب فحسب، بل من أنه أعاد طرح سؤال تحاول الرئاسات الأميركية المتعاقبة تجاوزه. فالحرب، في نظام دستوري، ليست مجرد قرار تنفيذي، بل هي فعل سيادي يحتاج إلى تفويض، ومساءلة، ووضوح في الهدف، وحدود في الزمن، وقدرة على إقناع المجتمع بأن تكلفته ترتبط بمصلحة حقيقية، لا باعتبارات سياسية عابرة. ومع دخول الحرب شهرها الرابع، وارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات تجاوزت أربعة دولارات للغالون، واحتدام الجدل بشأن تمويل الأمن الداخلي والهجرة، يتحول النقاش حول صلاحيات الحرب إلى نقاش حول طبيعة الدولة الأميركية نفسها: أهي دولة تقود العالم من خلال قوة الرئاسة، أم جمهورية تحاول، كلما اتسعت الأزمات، أن تعيد السلطة إلى توازنها الدستوري قبل أن تبتلعها الطوارئ؟
[1] Matt Spetalnick, Andrea Shalal & Idrees Ali, “Trump’s Iran Strikes Mark His Biggest Foreign Policy Gamble,”
Reuters, 28/2/2026, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBy2sGC
[2] Patricia Zengerle, “U.S. House Backs Resolution Curbing Trump Iran War Powers,”
Reuters, 3/6/2026, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBy2sXd
[3] Victor Nava, “House Defies Trump and Passes War Powers Resolution to Halt Military Action Against Iran,”
New York Post, 3/6/2026, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBy2sql
[4] Robert Tait, “House Passes War Power Resolution to Curb Trump’s Authority in Iran,”
The Guardian, 3/6/2026, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBy2sGW
[5] “War Powers Resolution,” Public Law 93-148 (November 7, 1973),
The Avalon Project: Documents in Law, History and Diplomacy, Lillian Goldman Law Library, Yale Law School, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBy2sXx
[6] Farouq Suleiman et al., “Senators Grill Secretary of State Rubio on Foreign Policy,”
Reuters, 2/6/2026, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBy2sa4
[7] “Trump Says Iran has Agreed not to have a Nuclear Weapon,”
Reuters, 3/6/2026, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBy2sHg
[8] “First IAEA Report on Iran’s Nuclear Programme since February Shows Little Change despite War,”
Reuters, 4/6/2026, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwCn
[9] “National Average Rises 25 Cents for Second Straight Week,”
AAA Gas Prices, 7/5/2026, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvLU
[10] “Memorial Day Weekend Gas Prices Reach Four-Year Highs,” AAA Gas Prices, 21/5/2026, accessed on 10/6/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvZv