بعد نحو أسبوعين من تكليف الرئيس العراقي نزار آميدي، في 27 نيسان/ أبريل 2026، علي الزيدي بتشكيل الحكومة، نالت حكومته، في منتصف أيار/ مايو، ثقة البرلمان العراقي. وجاء ذلك بعد نحو ستة أشهر من الاستعصاء السياسي الذي أعقب الانتخابات البرلمانية العراقية في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، نتيجة عدم اتفاق أطراف الإطار التنسيقي، الكتلة النيابية الأكبر التي تضم 12 زعيمًا سياسيًا شيعيًا، على مرشح توافقي. وعلى الرغم من أن الحكومة لا تزال غير مكتملة؛ إذ جرى التصويت على 14 وزيرًا فقط من أصل 23، وسط خلافات بشأن شاغلي المواقع المتبقية، فإن الزيدي شرع في التعامل مع جملة من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ولا سيما إدارة التوازن الصعب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في العراق في خضم الحرب بينهما.
ظروف تكليف علي الزيدي وسياقاته
قُدّم الزيدي بوصفه مرشّح تسوية لتجاوز الانقسام الذي شهده الإطار التنسيقي بشأن تسمية رئيس الوزراء إلى معسكرين: الأول مؤيد لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (2006-2014)، والآخر معارض له، التفّ حول رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني (2022-2026)، بعد تعذّر التفاهم على بديل لمواجهة المالكي. وعلى الرغم من امتلاك التيار المعارض للمالكي التمثيل النيابي الأكبر داخل الإطار؛ إذ يضم "ائتلاف الإعمار والتنمية" الذي يقوده السوداني (46 نائبًا)، وحركة "عصائب أهل الحق" التي يتزعمها قيس الخزعلي (27 نائبًا)، و"تيار الحكمة" الذي يترأسه عمار الحكيم (20 نائبًا)، فإنه فشل في انتزاع أغلبية الثلثين بين قادة الإطار لتمرير مرشح رئاسة الوزراء وفقًا لنظامه الداخلي. وفضلًا عن ذلك، سرعان ما تصدّع ائتلاف السوداني بانسحاب بعض أطرافه، ثم شمول آخرين بإجراءات اعتقال على خلفية تهم فساد. وحتى مع الاعتراض العلني الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ترشيح المالكي، وتهديده بوقف التعاون مع العراق إن لم يُستبعد، لم تتغير التوازنات المحلية على نحو حاسم. لكن الموقف الأميركي دفع معارضي المالكي إلى تحديه علنًا، ومهّد للبحث عن مرشح توافقي، تمثّل في الزيدي الذي دعمه رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان.
ومن العوامل التي ساهمت في التوافق على الزيدي أيضًا عدم امتلاكه قاعدة سياسية مستقلة، شأنه في ذلك شأن رئيس الوزراء الأسبق، مصطفى الكاظمي (2020-2022)، ولاحقًا السوداني؛ فلا يشكّل وصوله إلى منصب رئيس الوزراء تهديدًا مباشرًا لمصالح القوى السياسية التي تتحاصص الدولة. ويسهم ذلك أيضًا في ترسيخ عُرفٍ يقوم على عدم التجديد لرئيس الوزراء بعد انتهاء ولايته. وعادةً ما يتجه رئيس الوزراء التوافقي، في حدود السلطة المتاحة له، وبحكم عدم استناده إلى تنظيم سياسي خاص به، إلى إرضاء أطراف نظام المحاصصة، وتحقيق نوع من التوازن بين الشبكات الزبونية الخاصة بكل حزب، من دون ترجيح طرف على آخر.
ووفقًا لنظام توزيع المناصب المعمول به منذ عام 2003، لا يقع المرشح التوافقي لمنصب رئيس الوزراء ضمن حصة المناصب التنفيذية لأيّ حزب، ما يتيح للأحزاب المختلفة المطالبة بمناصب تنفيذية أخرى، بدلًا من أن يؤدي الاستحواذ على منصب رئيس الوزراء إلى الانتقاص من حصتها. ويسهّل كذلك التنصل من المرشح التوافقي مستقبلًا تحت أيّ ضغط شعبي، أو تقويض مكانته إذا لجأ إلى بناء قاعدة سياسية مستقلة تهدد مصالح زعماء القوى السياسية الأخرى.
وإضافة إلى عدم امتلاكه تجربة سياسية سابقة، فقد ساعدت خلفية الزيدي، بصفته مالكًا لشركة الأويس، التي أبرمت عقدًا مع وزارة التجارة لتزويد المواطنين بالحصة التموينية، ولمصرف الجنوب أيضًا، في تسهيل اختياره لمنصب رئيس الوزراء. وأتاحت له هذه الخلفية بناء شبكة علاقات واسعة مع معظم الأحزاب والقوى السياسية الشيعية، بما في ذلك التيار الصدري، الذي أصدر زعيمه مقتدى الصدر[1] بيانًا يدعم فيه منح حكومة الزيدي فرصة مئة يوم. ودعم الصدر أيضًا الحملة التي شنّها رئيس الوزراء الجديد على الفساد، وأسفرت في مرحلتها الأولى عن اعتقال 47 شخصًا، بينهم نواب[2].
نشوء التحالف الرباعي
منذ إعلان الإطار التنسيقي ترشيح المالكي لمنصب رئاسة الوزراء، برز تحالف سياسي معارض للتفاهمات التي نشأت بينه وبين زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، يتكون من أربع قوى رئيسة يقودها الخزعلي، والحكيم، وزعيم حزب "تقدم" محمد الحلبوسي، وزعيم الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني. وقد نجح هذا "التحالف الرباعي" في تمرير كافة مرشّحيه لمناصب تشريعية وتنفيذية مختلفة، في حين فشل مرشحو تحالف المالكي وبارزاني، أو أُجبروا على استبدالهم استجابةً للضغوط. وشمل ذلك انتخاب القيادي في عصائب أهل الحق، عدنان فيحان، نائبًا أول لرئيس مجلس النواب، وهو المنصب الذي كان يسعى إليه مرشح تحالف المالكي - بارزاني، النائب محسن المندلاوي، الذي شغله في الدورة النيابية السابقة.
وتمكّن التحالف الرباعي كذلك من دفع الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى تغيير مرشحه لمنصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، وهو المنصب المخصص للحزب وفقًا لنظام المحاصصة. ونجح أيضًا، قبل تشكيل الحكومة، ومع مطالبة الحزب الديمقراطي الكردستاني بمنصب رئيس أركان الجيش باعتباره "من نصيب الكرد"، في تثبيت عبد الأمير يار الله في المنصب بقرار برلماني، وهي خطوة اعترض عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني[3].
وأفضت جهود التحالف الرباعي، إضافة إلى الضغوط الأميركية الرامية إلى منع الفصائل المسلحة المقرّبة من إيران من تولّي مناصب تنفيذية في حكومة الزيدي، إلى إفشال التصويت على وزراء ائتلاف "دولة القانون" الذي يقوده المالكي، وتحالف "العزم" بقيادة مثنّى السامرائي الذي اعتُقل لاحقًا بتهم فساد. ولم تُطرح كذلك الوزارات الواقعة ضمن حصص الأحزاب المرتبطة بالفصائل للتصويت، باستثناء منظمة "بدر"، وهي الكيان السياسي الوحيد القريب من إيران الذي لا يزال خارج قائمة العقوبات الأميركية. وأدّى ذلك إلى نيل حكومة الزيدي الثقة بفارق حرج؛ إذ جرى التصويت على 14 وزيرًا فقط من أصل 23 وزارة مقترحة. ووفقًا للدستور العراقي، تتحول الحكومة إلى حكومة تسيير أعمال عند انسحاب أكثر من نصف أعضاء "الكابينة" الوزارية، ما يعني أن حكومة الزيدي قد تفقد الثقة، بحسب الوضع الراهن، في حال استقالة ثلاثة وزراء أو إقالتهم، الأمر الذي يزيد قدرة قوى الإطار التنسيقي على التأثير في خيارات الزيدي.
واختار الزيدي، في بداية مساره الحكومي وبدعم من زيدان، إطلاق حملة لمكافحة الفساد بهدف بناء قاعدة دعم شعبي مستقلة، استهدفت شبكة واسعة من السياسيين وأصحاب المصالح، ولا سيما في وزارة النفط. ويُلاحظ أن أبرز المعتقلين ينتمون إلى القوى السياسية السنّية، في حين أتاح تسريب معلومات لسياسيين مرتبطين بالفصائل المسلحة الهرب قبل إلقاء القبض عليهم، كما في حالتَي حسين مؤنس، المرتبط بكتائب حزب الله، وأحمد الأسدي، قائد ميليشيا جند الإمام، والذي تقلّد سابقًا منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعية. وعلى الرغم من استهداف شخصيات مرتبطة بالسوداني أيضًا[4]، فإن الحملة لا تزال تتجنب الاصطدام بمراكز القوة الراسخة أو بالسياسيين ورجال الأعمال البارزين.
العلاقة مع إدارة ترمب
ما إن أُعلِن عن تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة حتى سارعت إدارة ترمب، التي سبق أن اعترضت على ترشيح المالكي أو شخصيات قريبة من إيران أو محسوبة على الفصائل، إلى إعلان دعمها له. وكان ترمب أول المهنّئين، في اتصال جرى بينهما في 30 نيسان/ أبريل 2026، ودعاه خلاله إلى زيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة. وتهدف الولايات المتحدة، من خلال دعم حكومة الزيدي، إلى تحقيق عدة أهداف، منها: الدفع نحو حل الميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ووقف تهريب العملة الصعبة من العراق إلى إيران، في إطار سياسة "الضغط الأقصى" التي أعاد ترمب العمل بها، وخلق فرص استثمارية للشركات الأميركية في العراق، وتعزيز ترابطه الاقتصادي مع سورية على نحو أساسي، بما يمكّن، في نهاية المطاف، من إبعاده عن النفوذ الإيراني ودمجه مع بقية دول الإقليم الحليفة للولايات المتحدة (تركيا ودول الخليج العربية). وفي هذا السياق، سعت إدارة ترمب، من خلال مبعوثها توم باراك، إلى إحياء خط أنابيب نفط كركوك – بانياس، الذي جرى الاتفاق عليه بين العراق وسورية برعاية أميركية. ويهدف المشروع، في حال إنجازه، إلى نقل نحو مليونَي برميل يوميًا من النفط العراقي عبر الأراضي السورية، ومن المتوقع أن ينفّذه تحالف شركات، مثل: "تي آي كابيتال" TI Capital، و"أورباكون القابضة" UCC Holding، و"شيفرون" Chevron[5]. ويسهم المشروع جزئيًا في معالجة الأزمة التي يواجهها العراق من جراء إغلاق مضيق هرمز[6]، بعد تراجع صادراته النفطية بنحو 80 في المئة[7]؛ ما تسبّب في أزمة مالية حادة في بلد يعتمد على نحو شبه كلي على تصدير النفط، الذي يشكّل نحو 90 في المئة من إيرادات الحكومة الاتحادية.
ووقّع العراق، خلال زيارة الزيدي واشنطن في منتصف تموز/ يوليو، 48 مذكرة تفاهم واتفاقية بقيمة تقترب من 60 مليار دولار أميركي، كان أبرزها الترخيص لشركة "ستارلينك" للعمل داخل العراق[8]. وتقوم سياسة الزيدي بوضوح على كسب دعم ترمب عبر تقديم تسهيلات وامتيازات للشركات الأميركية، بما يساعد في تخفيف الضغط الاقتصادي على العراق، وخصوصًا من جهة تدفق الدولار إلى السوق العراقية؛ حيث كانت الحكومة الأميركية قد جمّدت إرسال الدولار نقدًا وسيلةً للضغط على العراق للالتزام بسياسة الضغط الأقصى على إيران، بعد اتهامات وجّهتها وزارة الخزانة الأميركية إلى عدد من البنوك العراقية بتسهيل وصول الدولار نقدًا إلى إيران. وقد رُفع التجميد بعد زيارة الزيدي، وبدأت واشنطن كذلك إجراءات رفع حظر التعامل مع سبعة بنوك عراقية، من بينها مصرف الجنوب الذي يديره الزيدي وعائلته[9].
وتسعى الولايات المتحدة أيضًا، من خلال دعمها لحكومة الزيدي، إلى تقليص النفوذ الصيني والروسي في قطاع النفط العراقي، بدءًا بالاستحواذ على حقل القرنة 2 عقب انسحاب شركة "لوك أويل" Lukoil الروسية، من جراء عقوبات فرضتها واشنطن عليها في فترة حكومة السوداني. وخلال زيارة الزيدي الأخيرة، وقّع العراق كذلك مذكّرات تفاهم مع شركات نفط أميركية مثل: "شيل" Shell، و"جي إي فيرنوفا" GE Vernova، و"كي بي آر" KBR. ويرتبط ذلك بتوجه العراق إلى المطالبة بحصة أكبر ضمن منظمة الدول المصدّرة للنفط "أوبك" والتعبير عن نيته زيادة إنتاجه النفطي[10].
نزع سلاح الفصائل
أشار الزيدي، خلال المؤتمر الصحافي مع ترمب، إلى أن 30 أيلول/ سبتمبر 2026 سيكون الموعد الأخير للفصائل المسلحة من أجل "تسليم سلاحها"[11]، وهو الموعد الذي يُفترض أن تستكمل فيه القوات الأميركية انسحابها من العراق أيضًا. وقد أصدرت قوى وفصائل مسلحة عديدة بيانات داعمة لهذا التوجه، في حين أعربت الفصائل الثلاثة الأقرب إلى إيران وهي: كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، عن رفضها له، مشترطةً لتسليم سلاحها ما أسمته "خروج الاحتلال التركي" و"التحرر من الهيمنة الاقتصادية الأميركية". وقرنت هذه الفصائل موقفها كذلك بالوضع الإقليمي في سورية، والحرب على لبنان وإيران. وعمومًا، أسفرت توجهات حكومة الزيدي نحو حصر السلاح في يد الدولة عن فرز الفصائل والجماعات المسلحة العراقية إلى معسكرين، الأول، وإن ظل متوجسًا من أن يؤدي تسليم سلاحه إلى إضعاف موقفه وخسارة امتيازاته داخل الدولة، يرى نفسه جزءًا من العملية السياسية في العراق، ويسعى إلى تحصيل اعتراف بشرعية وضعه عبر إزالة مؤسساته وأسماء قياداته من لوائح العقوبات والإرهاب الأميركية؛ أما الثاني فيرى نفسه جزءًا من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران.
ومع ذلك، تواجه عملية نزع السلاح تحديات عديدة، على الرغم من موافقة بعض الفصائل عليها. ومن أبرز هذه التحديات الانقسامات التي باتت، مؤخرًا، سمة واضحة داخل بعض الفصائل؛ ما يُلقي ظلالًا من الشك على قدرة قياداتها السياسية على إلزام أجنحتها العسكرية بتعليماتها، في ضوء المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى إضعافها، وإصرار فصائل أخرى على الاحتفاظ بسلاحها. وقد برز هذا التوجه حتى داخل كيانات أصبحت أقل راديكالية مؤخرًا، مثل عصائب أهل الحق، التي يرفض أحد أجنحتها العسكرية الالتزام بتعليمات زعيم الحركة، الخزعلي، بضرورة التهدئة مع الولايات المتحدة، وينخرط في عمليات تستهدف مصالحها وحلفاءها في المنطقة.
وإضافة إلى ذلك، لا يوجد تعريف أو مسار إجرائي واضح لعملية تسليم السلاح أو لنوعه، ما يتيح الالتفاف على العملية؛ إذ ترفض بعض الفصائل الاعتراف بامتلاك أيّ سلاح غير الذي تسلّمته من الدولة خلال فترة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش".
وتحاول الفصائل المسلحة الرافضة تسليم سلاحها، من جهة أخرى، فرض وجودها بوصفه أمرًا واقعًا، وتحدّي مساعي الحكومة في هذا الشأن. ومن أمثلة ذلك، الاستهداف المتكرّر بالطائرات المسيّرة لمدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، وهو ما حدث أيضًا بعد ساعات من لقاء الزيدي بترمب في واشنطن وإعلانه مهلة تسليم السلاح.
وعلى الرغم من أن الصدر سبق جميع الفصائل بإعلانه حل ميليشيا سرايا السلام وتسليم سلاحها[12]، فإن ذلك يُقرأ في إطار محاولته إحراج خصومه، فضلًا عن أنه يستطيع إعادة بناء تياره سريعًا عند الحاجة، بخلاف الميليشيات الأخرى التي سيكون أصعب عليها إعادة التشكّل في حال تفكيك هياكلها التنظيمية.
ولا تبدو طريقة التعامل مع حل ميليشيا سرايا السلام مشجّعةً أيضًا. فقد أحال رئيس الوزراء طلب الصدر، بربط سرايا السلام الممثلة في ثلاثة ألوية بوزارة الدفاع بوصفه إجراءً انتقاليًا، إلى فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي، على نحو يضعها في وضع مشابه للفصائل المرتبطة بالعتبات الشيعية المقدسة. غير أن الفياض أصدر أمرًا باستبدال آمر قاطع عمليات سامراء، وتعيين قائد جديد من عصائب أهل الحق بدلًا من سرايا السلام، في خطوة تهدف إلى إخراج التيار الصدري من معقله الأساسي. وأبلغ الفياض أيضًا قيادات في التيار الصدري نيته التعامل مع منتسبي سرايا السلام، البالغ عددهم نحو 13500 شخص، على نحو فردي، وتوزيعهم عشوائيًا على ثلاث مناطق جغرافية ضمن قواطع عمليات الحشد الشعبي. ويبقى السؤال الأبرز في كل ذلك متعلقًا بالإجراء الذي ستتخذه الدولة بعد 30 أيلول/ سبتمبر في حق الفصائل التي ترفض تسليم سلاحها، في ضوء الضغط الأميركي المتزايد لإغلاق هذا الملف.
العلاقات مع إيران
وصف علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، زيارة الزيدي واشنطن بأنها "مصدر أسف وحزن لشعبنا وللشعب العراقي المؤمن"[13]. وقد جاءت الزيارة بعد أيام قليلة من تشييع جنازة المرشد الإيراني السابق، علي خامنئي، في مدينتَي النجف وكربلاء. وحاولت إيران والجماعات المقرّبة منها، من خلال مراسم التشييع، إظهار أن غالبية الشيعة العراقيين يصطفّون خلف السياسة الإيرانية. وفي الوقت الذي سعى فيه الزيدي إلى احتواء أيّ ضرر يمكن أن تتسبّب فيه عملية تشييع خامنئي في العراق لزيارته واشنطن، كلّف مدير مكتبه برئاسة اللجنة المعنية بتنظيم مراسم التشييع. وأجرت هيئة الحشد الشعبي ودوائر حكومية عراقية أخرى ترتيبات واسعة للإعداد لها، شملت توجيه الموظفين إلى ضرورة المشاركة، وحظيت بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الحكومية وتلك المقربة من إيران.
وعلى الرغم مما يبدو من ضعف يعتري الموقف الإيراني في العراق، فإن الواضح أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية عززت سردية "المقاومة" والتحدي التي يتبنّاها الإيرانيون، وزادت المخاوف داخل الأوساط الدينية الشيعية من أن يتحول انكسار إيران إلى ضعف عام يشمل الشيعة في عموم المنطقة.
ونجحت إيران وحلفاؤها في إقصاء جميع القوى الإصلاحية العراقية المعارضة للنفوذ الإيراني في انتخابات عام 2025، وتمكنوا من الفوز بثلث مقاعد البرلمان العراقي ونحو نصف مقاعد الإطار التنسيقي. وعلى الرغم من أن الشبكات الزبونية الخاصة بالفصائل أدت دورًا أساسيًا في ذلك، فإن التغيرات الإقليمية، مثل العدوان الإسرائيلي على غزة، واغتيال حسن نصر الله، وسقوط نظام بشار الأسد، أوجدت شعورًا عامًا بالتوجس، سهّل على الفصائل ممارسة نشاط انتخابي علني ومغطى سياسيًا.
ومع ذلك، تبدو الطبقة السياسية الشيعية راغبةً في تجاوز هذه المرحلة بأقل قدر من الخسائر؛ لذلك تتجنّب الاصطفاف المباشر والصريح مع إيران في الحرب، وتقبل، إن لم تكن تدعم، جهود الزيدي لتخفيف الضغط الأميركي على العراق، مقابل وعود فضفاضة بحصر سلاح الفصائل، وتقديم منافع اقتصادية للشركات الأميركية، والتقارب مع حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع، التي كانت ترفضها بعض قيادات الإطار التنسيقي. وفي المقابل، لم يصدر عن هذا الإطار، باستثناء التصريحات اللفظية، موقف تجاه استهداف فصائل عراقية دول الخليج خلال الحرب الأخيرة، في حين اكتفت حكومة الزيدي بإعلان التنديد، ومطالبة دول الخليج بتقديم الأدلة على تلك الاستهدافات[14].
وعلى المستوى السياسي، توجد مؤشرات على التراجع النسبي في قوة النفوذ الإيراني في العراق، نظرًا إلى انشغال إيران بالحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وإظهار إدارة ترمب قدرًا كبيرًا من التشدد في التعامل مع الزعامات الفصائلية العراقية، سواء عبر عمليات القصف خلال فترة الحرب على إيران، التي استهدفت عناصر قيادية في الفصائل المسلحة وبعض ضباط الحرس الثوري الذين كانوا نشطين في العراق، أو من خلال توظيف الضغوط الاقتصادية. لكن هذا لا يعني أن النفوذ الإيراني المتغلغل في مفاصل الدولة والمجتمع العراقي يمر بمرحلة انحسار كلي؛ بل إن لحظة الصراع الأميركي - الإيراني الراهنة ضيّقت هامش المناورة العراقي، ويسّرت تشكيل حكومة منفتحة على توطيد العلاقات مع الولايات المتحدة، في مقابل استمرار إيران في الاحتفاظ ببعض أهم عناصر القوة، ومن بينها "فصائل المقاومة". علمًا أن الزيدي بدأ زيارة لطهران في 23 تموز/ يوليو (2026)، في محاولة لإظهار أن العراق لا يزال مهتمًا بالحفاظ على علاقات قوية مع إيران[15].
خاتمة
يبدو أن حكومة الزيدي ومعظم أطراف الإطار التنسيقي يفضّلون التعامل مع المرحلة الحالية بمنطق إدارة الأزمة، وتقديم تنازلات جزئية للولايات المتحدة، بهدف تخفيف الضغط عن العراق في ظل وضع اقتصادي يزداد تدهورًا مع انحسار القدرة التصديرية للنفط العراقي من جراء إغلاق مضيق هرمز. غير أن ذلك لا يعني أن حكومة الزيدي بصدد اتخاذ إجراءات جذرية ضد الفصائل المسلحة المقرّبة من إيران لعدة أسباب. أولًا، لأن هذه الفصائل تمثّل جزءًا من منظومة الإطار التنسيقي، وتشكّل خطَّ دفاعٍ أساسيًا عن النظام الحاكم وعلاقات القوة داخله. وثانيًا، بسبب عدم اتضاح نتائج الحرب الأميركية - الإيرانية ومآلاتها. وثالثًا، لأن أيّ صدام مسلح مع تلك الفصائل قد يتسبّب في صراع داخلي بين القوى الشيعية.
وفي الحصيلة، يبدو أن السياسة الراهنة تقوم على محاولة عبور مرحلة ترمب بأقل قدر من الخسائر، وهو التوجه الذي يجسّده الزيدي؛ فهو براغماتي بما يكفي لنيل القبول الأميركي، ويفتقر في الوقت نفسه إلى قاعدة سياسية مستقلة، بما يتيح تقييد حركته عندما تصطدم بجوهر مصالح القوى الشيعية المهيمنة. إنها سياسة تحوّط تهدف إلى الحفاظ على استقرار النظام في ظل احتدام الصراع الأميركي - الإيراني، والأزمة الاقتصادية الناتجة منه.
[1] "سماحة القائد السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) يقدم شكره إلى الإخوة الذين شكلوا لجنة لتقديم الخدمة للزيارة الشعبانية"،
موقع المكتب الخاص للسيد مقتدى الصدر، 28/1/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMwaH
[2] مظفر مزوري، "الصدر يعلن دعمه لحملة ’الزيدي‘ ضد الفساد ويدعو لوقفات سلمية الجمعة القادمة"،
كوردستان 24، 29/6/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMwoi
[3] "الديمقراطي الكردستاني: التصويت على منصب رئاسة أركان الجيش مخالفة دستورية وتجاوز للتوافقات"،
قناة دجلة الفضائية، 17/2/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMvX6
[4] وليد الخزرجي، "الزيدي يطيح بمنظومة السوداني قبل تسلمه رئاسة وزراء العراق"،
عربي 21، 19/7/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMwBT
[5] “Iraq and Syria, Together with UCC, Chevron and TI Capital, Advance Strategic Oil Corridor to the Mediterranean,”
Zawya, 18/7/2026, accessed on 23/7/2026, at:
https://acr.ps/hBxMvLq
[6] "بين الفرص والتحديات.. خط كركوك – بانياس يعيد رسم خريطة الطاقة الإقليمية"،
الجزيرة نت، 18/7/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMvZ1
[7] في الشهر الأول لإغلاق مضيق هرمز، تراجعت صادرات العراق من النفط من سبعة مليارات دولار شهريًا إلى نحو مليار دولار. ينظر:
Samriddhi Vij, “Hormuz Chokes the Iraqi Economy,”
ORF Middle East, 17/7/2026, accessed on 23/7/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwcC
[8] “Iraq Signs 48 Deals with US Companies during PM’s Visit to Washington,”
Al Jazeera, 18/7/2026, accessed on 23/7/2026, at:
https://acr.ps/hBxMwqd
[9] عبد الوهاب الجندي، "اتفاق عراقي أمريكي يعيد إعادة سبعة بنوك عراقية في النظام المالي العالمي"،
اليوم السابع، 19/7/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMwDO
[10] ليث الجنيدي، "الزيدي: العراق لن يخرج من ’أوبك‘ ونسعى لحصة عادلة في الإنتاج"،
وكالة الأناضول، 9/7/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMvNl
[11] وليد الخزرجي "تعهد أمام ترامب.. هل ينجح الزيدي في حصر السلاح رغم تحدي الفصائل؟"،
عربي 21، 16/7/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMvPg
[12] "الصدر يعلن انفكاك سرايا السلام عن التيار والتحاقها بالدولة العراقية"،
الجزيرة نت، 27/5/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMw0W
[13] "مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي: زيارة الزيدي لواشنطن مصدر أسف وحزن لشعبنا وللشعب العراقي المؤمن"،
نبض، 19/7/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMwex
[14] "العراق يرفض ’أي اعتداء أو استهداف‘ يطول الخليج والأردن انطلاقًا من أراضيه"،
الشرق الأوسط، 20/11/2024، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMws8
[15] عادل النواب، "الزيدي إلى طهران نهاية الأسبوع في جولة تشمل أنقرة والرياض ودمشق"،
العربي الجديد، 20/7/2026، شوهد في 23/7/2026، في:
https://acr.ps/hBxMvBF