اتجاهات الرأي العام التركي تجاه الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران
تقييم حالة 05 يوليو ، 2026

اتجاهات الرأي العام التركي تجاه الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

محمود سمير الرنتيسي

باحث فلسطيني متخصص في الشأن التركي، يعمل في مركز الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية "سيتا" في أنقرة وإسطنبول. مساعد رئيس تحرير مجلة "رؤية تركية". حاصل على الدكتوراه حول العلاقات بين تركيا وقطر من جامعة غازي، أنقرة. له العديد من الدراسات والأبحاث المحكمة، وشارك في عدة كتب مثل "النظام الرئاسي والتحول السياسي في تركيا"، و"السياسة الخارجية التركية" (2016). وقد تم نشر رسالته في الماجستير في كتاب بعنوان "السياسة الخارجية القطرية تجاه الربيع العربي والقضية الفلسطينية 2011-2013".

​ ملخص

تحاول هذه الورقة استكشاف مواقف الرأي العام التركي من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وخاصة ما يتعلق بخيارات الحياد والاصطفاف تجاه عدد من القضايا والدول والتحالفات، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي "الناتو". وتتناول مواقف الرأي العام التركي من بعض قضايا السياسة الداخلية في سياق هذه الحرب. وتعتمد الورقة منهجيًا على تحليل نتائج عدد من استطلاعات الرأي التركية الحديثة التي أُجريت عام 2026، وفي مقدمتها استطلاعَا مركز ميتروبول للأبحاث الاستراتيجية والاجتماعية ومؤسسة جينار للأبحاث اللذان أُجريا عقب اندلاع الحرب. وتنطلق من ثلاث فرضيات رئيسة: أولًا، كلما ازداد إدراك المخاطر الاقتصادية الناجمة عن الحرب تعززت ميول الرأي العام التركي إلى تفضيل حياد الدولة. ثانيًا، لا يؤدي ضعف الثقة، بل النظرة العدائية تجاه بعض الدول، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى رفض استمرار العلاقات معها أو الانسحاب من التحالفات التي تجمع تركيا بها، بل يدفع نحو قدرٍ أكبر من الاستقلالية في إدارة تلك العلاقات. ثالثًا: ترتفع مستويات الثقة بالرئيس رجب طيب أردوغان نظرًا إلى خبرته في إدارة الأزمات السياسية والأمنية خلال الحروب والأزمات، على الرغم من استمرار الانتقادات الموجَّهة إلى سياساته الاقتصادية.

مقدمة

تمثّل الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران عام 2026 اختبارًا حقيقيًا لخيارات السياسة الخارجية التركية، ولمدى اتّساق سلوك الدولة مع توجهات الرأي العام. فقد وضعت هذه الحرب تركيا في موقع تماسٍّ​ جغرافي وسياسي مباشر مع ديناميكيات صراع إقليمي واسع، في سياق شبكة معقّدة من العلاقات التي تربطها بمختلف الأطراف، من الولايات المتحدة والناتو وإسرائيل إلى إيران ودول الخليج.

في هذا السياق، تحاول هذه الورقة تحليل الكيفية التي أسهم بها هذا الصراع في تشكيل مواقف الرأي العام التركي، أو إعادة تشكيلها، تجاه قضايا الحياد والاصطفاف، والتحالفات، ودور تركيا بوصفها وسيطًا أو طرفًا في الصراع، فضلًا عن تقييم أداء القيادة السياسية في إدارة الأزمات. وتعتمد على قراءة تحليلية لعدد من استطلاعات الرأي التي أُجريت عام 2026، بما يتيح فهمًا أعمق لهامش الحركة المتاح أمام صانع القرار التركي في ظل ضغوط الجغرافيا السياسية وحسابات الرأي العام. وتجدر الإشارة إلى أن نتائج هذه الاستطلاعات تُقرَأ بحذر، نظرًا إلى عدم التيقّن الكامل من منهجياتها وطرائق اختيار عيّناتها، واحتمال تأثّرها باعتبارات سياسية. ومع ذلك، فإنها تظلّ ذات قيمة تحليلية، إذ إنها تسهم في مقارنة الاتجاهات العامة واستكشاف أنماط المواقف إزاء القضايا السياسية؛ ومن ثمّ، تُعامَل في هذه الورقة بوصفها مؤشرات دالّة أكثر من كونها قياسات حاسمة.

أولًا: استطلاعات ما قبل الحرب ومن ينبغي أن يكون القائد إذا اندلعت حرب محتملة؟

أجرت عدة شركات استطلاع رأي في تركيا مسوحًا قبل اندلاع الحرب، عندما كانت لا تزال احتمالًا قائمًا، لاستكشاف توجهات الرأي العام بصورة استباقية، ولرصد التحولات التي قد تطرأ عليها مع امتداد الصراع. ويدل اهتمام أكثر من شركة استطلاع بهذا الموضوع على أنه أصبح قضيةً ذات أولوية متقدمة على أجندة الرأي العام التركي.

تناولت مؤسسة جينار، في أحد استطلاعاتها للرأي العام التركي، مسألة القيادة السياسية إذا نشبت حرب محتملة. وأظهرت النتائج أن 68 في المئة من المستجيبين يرون أنّ الأحزاب التركية يجب أن تتخذ قرارات مشتركة وتتصرف بصورة موحّدة إذا اندلعت الحرب. أما الشخصية التي يفضلون أن تقود البلاد في زمن الحرب، فقد أعرب 56.8 في المئة عن تفضيلهم رجب طيب أردوغان، مقابل 20 في المئة فضّلوا زعيم المعارضة أوزغور أوزال (قبل إبعاده لاحقًا عن رئاسة حزب الشعب الجمهوري بعد إبطال محكمةٍ تركية نتائج المؤتمر العام للحزب الذي انتُخب فيه رئيسًا).

ووفقًا لنتائج الاستطلاع يفضّل الرأي العام التركي بقاء أردوغان في السلطة على زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزال، إذا وجدت تركيا نفسها في خضمّ حرب إقليمية؛ إذ يرى أكثر من 45 في المئة من المستطلَعين أن أردوغان هو الأقدر على إدارة الأزمات، في مقابل 29 في المئة يفضّلون أوزال. وتشير هذه النتائج إلى أنّ ملفَّي الأمن القومي والسياسة الخارجية لا يزالان يمنحان التحالف الحاكم ميزة نسبية في الرأي العام، على الرغم من الانتقادات الحادة الموجَّهة إلى أدائه الاقتصادي.

تُفسَّر هذه الأفضلية بعدة عوامل، في مقدمتها سياسات الحكومة التي أولت تطوير الصناعات الدفاعية اهتمامًا خاصًّا، إلى جانب الدور الذي أدّته في السياسة الخارجية، لا سيما عبر الوساطة في عدد من الأزمات الإقليمية والدولية. كما أن الرصيد الذي راكمه أردوغان في إدارة الأزمات، خلال أكثر من عقدين في الحكم، أسهم في ترسيخ صورته لدى الرأي العام بوصفه الأكثر قدرةً على قيادة البلاد في أوقات الأزمات. ويُظهر الشكل تفوّقه على منافسيه بفارق واضح؛ إذ حلّ أوزال في المرتبة الثانية بنسبة 20 في المئة، تلاه دولت بهجلي في المرتبة الثالثة بنسبة 4.5 في المئة. وتشير نتائج الاستطلاع أيضًا إلى أنه إذا اندلعت حرب قد تمتد آثارها إلى تركيا، فإن الاستقطاب والتنافس السياسيَين سيتراجعان لفائدة أولوية المصالح الوطنية في خيارات الناخبين.

الإجابات عن ​سؤال القائد الذي ينبغي أن يقود تركيا إذا اندلعت حرب محتملة


المصدر:

Kübra Beyazoğlu, “Oy oranında birinci çıktı: Türkiye’nin savaş durumunda görmek istediği lider,” Haber7, 6/2/2026, acce​ssed on 10/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2t0W

وعلى الرغم من ترسّخ الاستقطاب في السياسة الداخلية التركية، فإنّ الناخبين أبدوا تأييدًا واضحًا لفكرة "تعاون الأحزاب السياسية في إدارة قضايا السياسة الخارجية" في أوقات الأزمات. فإذا اندلعت حرب، يعتقد 68.6 في المئة من المستطلعين أن على الحزب الحاكم والمعارضة أن يعملا معًا، في حين عارض ذلك 19.2 في المئة، وأفاد 12 في المئة أنهم ليس لهم رأي محدد. وتشير هذه النتائج إلى أنّ أغلبية الرأي العام تفضّل اتّباع سياسة خارجية توافقية، انطلاقًا من إدراكها أن تماسك الجبهة الداخلية يعزز الموقف التفاوضي لتركيا في مواجهة التحديات الخارجية[1]. وفي هذا السياق، برزت في الآونة الأخيرة مبادرات في الأوساط الإعلامية التركية تدعو إلى تشكيل تحالف وطني يضمّ أحزاب التحالف الحاكم والمعارضة، بهدف تعزيز الموقف التركي في مواجهة التداعيات الإقليمية والدولية التي أفرزتها الحرب على إيران.

ثانيًا: استطلاعات الرأي وتزايد الاهتمام بالشؤون الخارجية

في سياق الحرب على إيران، أصدر مركز ميتروبول تقريرًا استند إلى استطلاع ميداني أُجري في الفترة 11-16 آذار/ مارس 2026، وشمل 1186 مشاركًا من 28 مدينة تركية. ويُعدّ المركز من أبرز مؤسسات استطلاع الرأي في تركيا؛ إذ كثيرًا ما تُقارَن نتائج استطلاعاته بنتائج الانتخابات الفعلية، وقد أظهرت بعض استطلاعاته درجة معقولة من الدقة، الأمر الذي أكسبه قدرًا من الصدقية في الأوساط البحثية. ويُعدّ من أكثر مراكز استطلاع الرأي حضورًا في متابعة القضايا السياسية والانتخابية. ويُنظَر إليه، لعدم ارتباطه بالسلطة، بوصفه أقل انحيازًا من بعض المؤسسات الأخرى[2].

تميّز أحدث استطلاع للمركز بتخصيص مجموعة واسعة من الأسئلة محورها الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ولا سيما ما يتعلق بالتفضيلات إزاء الحياد أو الاصطفاف، وبالقيادة السياسية إذا اندلعت الحرب، الأمر الذي يوفر قاعدة بيانات مناسبة لاختبار فرضيات الورقة. وإلى جانب ذلك، تناول الاستطلاع اتجاهات الرأي العام إزاء عدد من القضايا، شمل المواقف من الانتخابات والأوضاع الاقتصادية والأجندة السياسية، وقضايا التديّن والعلمانية.

لعل اللافت في استطلاع ميتروبول أنه من الحالات النادرة التي تحظى فيها قضية من قضايا السياسة الخارجية، وخاصة الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، باهتمام يفوق بكثير القضايا الداخلية التي تُعدّ تقليديًا محور اهتمام الناخب التركي. فقد خصّص للحرب أكثر من عشرين سؤالًا فرعيًا لقياس المواقف والتصورات إزاء أطرافها وتداعياتها على تركيا. ويمكن القول إنّ تخصيص هذا العدد الكبير من الأسئلة الفرعية يعكس اهتمامًا متزايدًا لدى مؤسسات استطلاع الرأي بقياس اتجاهات المواطنين إزاء قضايا السياسة الخارجية، بعد أن كان يُنظر إلى الناخب التركي في الأعوام السابقة بوصفه أقل اهتمامًا بهذا المجال.

ويُظهر الاستطلاع أن 56 في المئة من المشاركين يبدون اهتمامًا بما يجري في السياسة الخارجية، بعد أن كانت هذه القضايا تقتصر على شريحة محدودة من المهتمين. وعند مقارنة هذه النتيجة بنتائج استطلاع أجرته جامعة قادر هاس، يتضح أنّ 4 في المئة فقط من المستجيبين أفادوا أنهم يتحدثون دائمًا عن السياسة الخارجية، في حين قال 32 في المئة إنهم لا يتحدثون عنها مطلقًا، مقارنةً بـ 42 في المئة في استطلاع عام 2020. وأظهر الاستطلاع أن 12 في المئة يهتمون بدرجة كبيرة بالتطورات الدولية، و51 في المئة يهتمون بها إلى حدٍّ ما، في مقابل 37 في المئة لا يبدون أيّ اهتمام بها.[3] وتشير هذه النتائج إلى تنامي اهتمام المواطن التركي بقضايا السياسة الخارجية، وهو اتجاه أخذ يبرز بوضوح منذ عام 2023.

وتدعم نتائج استطلاع مؤسسة جينار، الصادر في كانون الثاني/ يناير 2026، هذا الاتجاه. فقد كشفت، للمرة الأولى تقريبًا، عن تأثير حاسم لقضية من قضايا السياسة الخارجية في الديناميكيات السياسية الداخلية؛ إذ أظهرت النتائج أن التطورات الحاسمة في سورية أسهمت في تعزيز شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم، بما مكَّنه من تجاوز نسب التأييد التي حظيت بها أحزاب المعارضة الرئيسة[4].

ثالثًا: مواقف الرأي العام التركي في سياق الحرب على إيران

فيما يتعلق بالحرب على إيران، يميل الرأي العام التركي بوضوح إلى تفضيل تبنّي دولته خيار الحياد. فوفقًا لاستطلاع ميتروبول، يرى 68 في المئة من المشاركين أنّ على تركيا الالتزام بالحياد في هذه الحرب، في حين يفضّل 23 في المئة دعم إيران، ولا تتجاوز نسبة مؤيدي دعم الولايات المتحدة وإسرائيل 2 في المئة، ما يعكس رفضًا شعبيًا واضحًا للاصطفاف إلى جانب واشنطن وتل أبيب، مع عدم وجود تأييد واسع للانحياز المباشر إلى طهران أيضًا. ولعل هذا التوجّه الشعبي ينسجم، إلى حدٍّ كبير، مع سياسة الحكومة التركية التي تتبنّى نهج الوساطة، بوصفه خيارًا يتوافق، نسبيًا، مع موقف الحياد.

وتتسق هذه النتائج مع استطلاع آخر أجرته مؤسسة جينار قبل اندلاع الحرب؛ إذ قال 35.2 في المئة من المستطلعين، ردًّا على سؤال يتعلق بالدور الذي ينبغي أن تؤديه تركيا إذا تعرّضت إيران لهجمات محتملة، إن على تركيا التزام الحياد، في حين رأى 32.8 في المئة أنها يجب أن تؤدي دور الوسيط، أما المؤيدون لدعم إيران، فبلغت نسبتهم 12 في المئة، مقابل 2.7 في المئة فقط أيّدوا دعم الولايات المتحدة.

ووفقًا لبيانات مؤسسة "أسال للأبحاث والاستشارات"Asal Araştırma ، طُرِح هذا السؤال: "ماذا ينبغي أن يكون موقف تركيا من الصراع بين إسرائيل وإيران؟". وقد أظهرت النتائج أن 72 في المئة يرون أن على تركيا الحفاظ على التوازن والاضطلاع بدور الوسيط، في حين أيّد 16 في المئة دعم إيران، مقابل 4 في المئة فقط أيّدوا دعم إسرائيل[5].

وتكشف نتائج هذه الاستطلاعات عن نمط متماسك في توجهات الرأي العام التركي، يتمثّل في رفض الاصطفاف إلى جانب واشنطن وتل أبيب، مع التحفّظ عن الانحياز المباشر إلى طهران. وفي المقابل، تتقدّم خيارات الحياد والوساطة، إلى جانب تفضيل اضطلاع تركيا بدور قوة مستقلة وموازِنة، بدلًا من أن تكون طرفًا منخرطًا في الصراعات. ويوفر هذا التوجّه الشعبي سندًا لخطاب السياسة الخارجية التركية القائم على الحياد النسبي والوساطة.

1. الموقف من تغيير النظام الإيراني والأثر الأبرز للحرب

من النتائج اللافتة التي أظهرتها الاستطلاعات تراجع تأييد انتقاد سياسات النظام الإيراني أو الدعوة إلى تغييره عقب الحملة الجوية الأميركية - الإسرائيلية على إيران. فوفقًا لاستطلاع ميتروبول، لم يؤيد تغيير النظام الإيراني سوى 12 في المئة فقط من المستطلعين، بعدما كانت هذه النسبة تقارب 40 في المئة في كانون الثاني/ يناير من العام نفسه؛ ويمكن تفسير هذا الانخفاض بوصفه رد فعل على الهجمات الأميركية - الإسرائيلية؛ إذ يرى 79 في المئة من المستجيبين أنها تمثّل انتهاكًا للقانون الدولي. وحتى بين الذين يعدّون إيران مصدر تهديد لتركيا، لا يُنظَر إلى التدخّل الأميركي بوصفه عملًا مشروعًا.

وتشير هذه النتائج إلى حساسية مرتفعة لدى الرأي العام التركي تجاه قضايا سيادة الدول ورفض التدخلات العسكرية الخارجية، بما جعل الموقف المسبق من النظام الإيراني ثانويًا مقارنةً برفض الحرب الأميركية - الإسرائيلية.

ويرى غالبية المشاركين أن الأثر الأبرز للحرب في حياتهم يتمثل في ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في حين تأتي التهديدات الأمنية وموجات الهجرة الجديدة في المرتبة الثانية. ويعتقد 77 في المئة أن الحرب مع إيران ستؤدي إلى تراجع مستوى معيشتهم، وهي قناعة مشتركة بين مختلف القواعد الحزبية، بما يعكس إدراكًا عامًّا لمحدودية قدرة الاقتصاد التركي على تحمّل صدمات إضافية.

وتُظهر هذه النتائج تمركز مسألة التكلفة الاقتصادية للحرب في وعي الرأي العام التركي بوصفها قضية ذات أولوية عليا، بما يعزز نزعة براغماتية تسعى إلى تقليل الانخراط في الصراعات وتجنّب أيّ مسار يزيد هشاشة الاقتصاد وانعكاساتها السلبية على مستوى المعيشة.

2. الموقف من حلف الناتو

أظهرت الحرب على إيران كذلك أهمية موقع تركيا داخل منظومة حلف الناتو؛ إذ رأى 61 في المئة من المستطلَعين أنّ الحلف يمثّل عنصرًا مهمًّا لأمن تركيا، بما يعكس النظر إليه بوصفه غطاءً أمنيًا عمليًا، مع تحسّن تدريجي في هذا التصور مقارنةً بفترات سابقة اتسمت بقدر أعلى من الشكّ تجاه الغرب. في المقابل، تتراجع الثقة بالولايات المتحدة إلى مستويات شبه منعدمة؛ إذ لا يرى 91 في المئة من المستجيبين أنها دولة موثوقة، مع تسجيل ارتفاع في هذه النسبة مقارنةً بالعام السابق. ويُعدّ هذا المستوى من انعدام الثقة عابرًا للانتماءات الحزبية والأيديولوجية، بما يجعله أرضية توافق نادرة في المشهد التركي. وفي هذا السياق، علّقت الصحافية هانده فرات بأنّ الجمع بين عدم الثقة بأميركا والاعتقاد بأهمية الناتو لا يُعدّ تناقضًا، بل يعكس تلخيصًا لجوهر السياسة الخارجية التركية[6].

ويمكن القول إن هذه النتائج تشير إلى قبول الناتو بوصفه مظلة أمنية بنيوية لا غنى عنها في بيئة إقليمية ودولية مضطربة، في مقابل رفض تحويل هذه المظلة إلى شكل من أشكال التبعية للولايات المتحدة أو للعواصم الأوروبية. ومن ثمّ، تستفيد تركيا من الحلف بوصفه أداة ردع، في الوقت الذي تسعى فيه، عبر سياسة خارجية أكثر توازنًا واستقلالية، إلى تقليل أثر انعدام الثقة تجاه الولايات المتحدة.

ويعتقد جزء من الرأي العام التركي أن تركيا قد تكون الهدف التالي بعد جيرانها العراق وسورية وإيران، غير أن هذا التصور لا يقترن بشعور عام بالذعر من احتمال اندلاع حرب مباشرة؛ فعندما سُئل المستجيبون عن أولويات تركيا في سياق تداعيات هذه الحرب، رأى 37 في المئة منهم أن الاستقرار الاقتصادي يجب أن يتصدر الأولويات، في حين اختار 24 في المئة السلم الاجتماعي والحد من الاستقطاب. وتشير هذه النتائج إلى أن الرأي العام ينظر إلى مكامن الهشاشة الداخلية، وفي مقدمتها الضغوط الاقتصادية والاستقطاب السياسي، بوصفها التحدي الأبرز لاستقرار البلاد، بما يعكس قناعة بأن فاعلية السياسة الخارجية تظل رهينة تماسك الجبهة الداخلية.

3. "جزيرة الاستقرار" أو "الملاذ الآمن"

من الواضح أن أحد العوامل المؤثرة في اتجاهات الرأي العام التركي في ظل الحرب على إيران، وخاصة نحو واقع بلدهم هو خطاب النخبة التركية، فمنذ الأيام الأولى للحرب على إيران، استحضر أردوغان مفهوم "جزيرة الاستقرار" في خطاباته الموجّهة إلى الرأي العام التركي، في إطار التأكيد على نجاح سياسات الدولة في إدارة التحديات الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، قال: "إذا كنا اليوم نبرز كجزيرة استقرار وسط حلقة النار المشتعلة من حولنا، فإن الفضل في ذلك يعود، في المقام الأول، إلى شخصيتنا الوطنية التي لا تقبل الخضوع". وظل مفهوم "جزيرة استقرار" حاضرًا في خطابات المسؤولين الأتراك وفي تناول الإعلاميين المقرّبين من الدولة، بوصفه ثمرةً للسياسات التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة بقيادة حزب العدالة والتنمية على مدى أكثر من عقدين. ففي أيار/ مايو 2026، قال أردوغان: "في هذه الفترة التي تعاني فيها منطقتنا سلسلة حروب وأزمات، تبرز تركيا كجزيرة استقرار بفضل اقتصادها وبنيتها التحتية ومؤسساتها ذات الخبرة وكوادرها الكفؤة، والأهم من ذلك، جبهتها الداخلية المتماسكة". وأضاف أن تركيا، على الرغم من التحديات والانتقادات، تجني ثمار السياسات التي اتبعتها خلال الأعوام الثلاثة والعشرين الماضية، ولا سيما في مجال الصناعات الدفاعية، مستشهدًا بارتفاع حجم الاقتصاد من 238 مليار دولار إلى أكثر من 1.6 تريليون دولار، وزيادة الصادرات السنوية من 36 مليار دولار إلى 276 مليار دولار، وارتفاع صادرات قطاعَي الدفاع والطيران من 248 مليون دولار إلى أكثر من 10 مليارات دولار، معتبِرًا أن هذه المؤشرات تعكس قصة نجاح نادرة لتركيا على المستوى العالمي. وتابع قائلًا: "بعد أن تهدأ الأوضاع، بإذن الله، ستكون تركيا من النجوم الساطعة في العصر الجديد. ونحن نبذل كل ما يلزم لتحقيق ذلك"[7]. يشير هذا الخطاب إلى أن صانع القرار التركي عمل على توجيه الرأي العام نحو دعم السياسة التركية بوصفها قادرة على إبعاد تركيا عن التداعيات المباشرة للحروب المحيطة بها، والحفاظ على صورتها بوصفها جزيرة استقرار، باعتبارها رصيدًا سياسيًا يمكن توظيفه في مرحلة ما بعد الأزمات.

مع ذلك، يرى بعض الصحافيين الأتراك أن الدولة لم تنجح بالقدر الكافي في توضيح منطق سياستها للرأي العام. وفي هذا السياق، أشار الصحافي المخضرم عبد القادر سيلفي في مقال له في صحيفة حريت إلى أنه بعد مراجعة نتائج أربعة استطلاعات أجرتها شركات مختلفة لأبحاث الرأي العام، لاحظ أن هذه الاستطلاعات، على الرغم من تباين نتائجها عادةً، جاءت متقاربة، بل شبه متطابقة، فيما يتعلق بمواقف الرأي العام التركي من سياسة تركيا تجاه الحرب على إيران[8]. واستشهد سيلفي بنتائج استطلاع أجرته مؤسسة سونار، سُئل فيه المستجيبون: "هل تنظرون إلى سياسة تركيا في الحرب الإيرانية - الأميركية نظرة إيجابية أم سلبية؟"، فأجاب 47.6 في المئة بنظرة إيجابية، مقابل 33.1 في المئة بنظرة سلبية، في حين قال 19.3 في المئة إنهم مترددون أو لا رأي لهم. وتمثّل نسبة المترددين وفق هذا الاستطلاع نحو خُمس المستجيبين. وهو ما دفع إلى القول إن حزب العدالة والتنمية يحتاج إلى تقديم شرح أوضح لاستراتيجية تركيا ولدور أردوغان في إدارة الأزمات.

ويحاول بعض الباحثين والصحافيين الأتراك إجراء مقارنات بين أردوغان بوصفه زعيمًا استطاع تجنيب تركيا أزمات إقليمية كبرى، وقادة آخرين ذوي خبرة واجهوا صعوبات في إدارة أزمات بلدانهم. ويُستشهَد، في هذا السياق، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي لا تزال بلاده منخرطة في الحرب الأوكرانية منذ عام 2022، والرئيس دونالد ترمب الذي يرى هؤلاء أنه أخفق في إدارة أزمة مضيق هرمز. وانطلاقًا من هذا التصور، يفسر بعض الباحثين الأتراك تزايد شعبية حزب العدالة والتنمية، على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تؤدي عادةً إلى تراجع التأييد الشعبي للحزب، بما يعدّونه نجاحًا "للسياسات الحكيمة" التي انتهجتها الدولة التركية في التعامل مع الصراع الأميركي - الإيراني. ويعزون جانبًا كبيرًا من هذا النجاح إلى الدور القيادي للرئيس أردوغان[9].

خاتمة: التداعيات السياسية

تكشف نتائج الورقة عن تبلور نمط متّسق في توجهات الرأي العام التركي يرفض الاصطفاف في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، مع تفضيلٍ واضح لخيارَي الحياد والوساطة، بما ينسجم مع تصور تركيا بوصفها "قوة موازِنة" لا طرفًا مباشرًا في الصراع. ويوفّر هذا التوجه سندًا شعبيًا لخطاب السياسة الخارجية التركية الذي يقدّم تركيا وسيطًا إقليميًا يسعى إلى إدارة التوازنات، بدلًا من الانخراط في الحروب بالوكالة أو الاصطفاف الكامل ضمن أحد المحاور المتصارعة. وتوحي النتائج بأن هذا المزاج العامّ يجعل أيّ انحراف نحو المشاركة العسكرية المباشرة أو الاصطفاف الحادّ مع أحد أطراف الصراع أكثر تكلفة على الصعيد الداخلي، ويحدّ من هامش المناورة المتاح لصانع القرار في تبنّي خيارات تصعيدية.

وتُظهر الاستطلاعات بوضوح أنّ إدراك التكلفة الاقتصادية للحرب والخشية من تدهور مستوى المعيشة يشكّلان محورًا رئيسًا في وعي الرأي العام التركي، إلى درجة أن أولويات الاستقرار الاقتصادي والسلم الاجتماعي تتقدم على المخاوف الأمنية المباشرة من احتمال امتداد الحرب إلى تركيا. ويعزز هذا التوجه النزعة البراغماتية لدى الرأي العام التركي، ويدفع نحو تفضيل سياسات خارجية تقلل من الصدمات الاقتصادية. ومن ثمّ، يوفر هذا المزاج قدرًا من الشرعية لخيارَي الحياد والوساطة اللذَين تتبناهما السياسة الخارجية التركية.

وتكشف الورقة عن مفارقة لافتة تتمثل في التعايش بين انعدام الثقة شبه الكامل بالولايات المتحدة واستمرار القبول الواسع بحلف الناتو بوصفه مظلة أمنية بنيوية، بما يعكس توجهًا تركيًا مزدوجًا يجمع بين الاستفادة من منظومة الردع الغربية ورفض التبعية السياسية لواشنطن. وتشير هذه النتيجة إلى ترسيخ نمط يكرّس خيار "الاستقلالية داخل الحلف"؛ أي الحفاظ على العضوية في الحلف مع توسيع هامش القرار الوطني المستقل. ويتوافق هذا التوجه مع خطاب السياسة الخارجية التركية الذي يسعى إلى إعادة تعريف موقع تركيا بوصفها قوة إقليمية ذات طموح دولي، قادرة على توظيف عضويتها في الناتو باعتبارها أداة لتعزيز مكانتها لا قيدًا.

أما داخليًا، وعلى مستوى القيادة السياسية، فلا يزال ملفَّا الأمن القومي والسياسة الخارجية يمنحان أردوغان أفضلية نسبية على خصومه في أوقات الحروب والأزمات، على الرغم من التقييم السلبي لأداء حكومته في إدارة الاقتصاد؛ إذ يُنظر إليه بوصفه "زعيم إدارة الأزمات" القادر على تجنيب البلاد السيناريوهات الأسوأ، والذي أسهمت سياساته في ترسيخ صورة تركيا بوصفها "جزيرة استقرار" وسط بيئة إقليمية مضطربة. ويمنح هذا التوجه في الرأي العام التحالف الحاكم رصيدًا يمكن أن يسهم في الحدّ من أثر السخط المرتبط بالأوضاع الاقتصادية. ومع ذلك، تبقى قدرة الحكومة على حماية الليرة وكبح التضخم وضبط الأسعار معيارًا مهمًّا في تقييم الرأي العام التركي لنجاح السياسة التركية في التعامل مع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

أخيرًا، على المستوى الهوياتي، تكشف النتائج أن البنية الهوياتية للرأي العام التركي تتسم بالتعدد؛ إذ تتوزع تصورات الانتماء بين "العالم التركي" و"العالم الإسلامي" و"أوروبا"، من دون وجود إطار حضاري واحد جامع. ويعكس هذا التعدد، إلى حد كبير، الانقسامات الحزبية، وينعكس على المواقف من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ومن الولايات المتحدة، ومن القضية الفلسطينية وإسرائيل. وتشير هذه الخريطة الهوياتية المعقدة إلى أن صانع القرار التركي يواجه تحدي صياغة خطاب خارجي قادر على مخاطبة هذه المرجعيات المتعددة، مع الحفاظ على قاسم مشترك داخلي يقوم على رفض التدخلات العسكرية الخارجية، وتفضيل الحياد والوساطة، وإعطاء تعزيز الجبهة الداخلية اقتصاديًا واجتماعيًا الأولوية، بوصفها شرطًا أساسيًا لدعم أيّ دور تركي أوسع على المستويَين الإقليمي والدولي.


[1] Kübra Beyazoğlu, “Oy oranında birinci çıktı: Türkiye’nin savaş durumunda görmek istediği lider,” Haber7, 6/2/2026, accessed on 10/6/2026, at:

[2] “Türkiye’nin Nabzı – Mart 2026,” Metropoll Stratejik ve Sosyal Arastirmalar Merkezi (Mart 2026), accessed on 10/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sdt

[3] Mustafa Aydın, “Türk Dış Politikası Kamuoyu Algıları – 2022: Nicel Araştırma Raporu,” Kadir Has Üniversitesi, 8/9/2022, accessed on 30/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2su4

[4] Kübra Beyazoğlu, “Oy oranında birinci çıktı: Türkiye’nin savaş durumunda görmek istediği lider,” Haber7, 6/2/2026, accessed on 10/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2t0W

[5] Kübra Beyazoğlu, “2 anket, tek sonuç: Türk halkının savaş tercihi belli oldu,” Haber7, 5/3/2026, accessed on 10/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sKF

[6] Hande Fırat, “Bölgesel güçten küresel iddiaya,” Hürriyet, 7/4/2026, accessed on 10/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2t1g

[7] “Cumhurbaşkanı Erdoğan: Türkiye istikrar adası olarak göz dolduruyor,” Anadolu Ajansı, 26/5/2026, accessed on 10/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2suo

[8] Abdulkadir Selvi, “Sonar’ın anketi şaşırtıcı,” Hürriyet, 11/5/2026, accessed on 10/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sKZ

[9] Ibid.