تشهد ليبيا، في الوقت الراهن، حراكًا سياسيًا ودبلوماسيًا متواترًا في عدة مجالات. فقد دشنت بعثة الأمم المتحدة مبادرة جديدة سُمّيت "الحوار المهيكل"، بينما كثّف مبعوث الرئيس الأميركي، مسعد بولس، تحركاته ولقاءاته مع الفرقاء الليبيين والفاعلين الإقليميين من أجل بَلوة مبادرة أميركية لحلّ الأزمة، في حين سارع رؤساء المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى طرح خريطة طريق لتنظيم انتخابات عامة. وعلى الرغم من تزامن هذه المبادرات الثلاث، فإنها تختلف من حيث دوافعها ومرجعياتها وأولوياتها، ومدى قدرة الأطراف الداعمة لها، في تحويلها إلى "خريطة طريق" قابلة للتطبيق، وذلك في مشهد ليبي مأزوم، وفي سياق إقليمي ودولي مضطرب.
من الصخيرات إلى جنيف
في إثر الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي شهدته ليبيا، بعد الجدل الذي تزامن مع انتخابات مجلس النواب وإطلاق اللواء خليفة حفتر عملية "الكرامة" في عام 2014، رعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في عام 2015، ما عُرف بـ "الحوار السياسي الليبي" بمشاركة أعضاء من مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام وشخصيات سياسية واجتماعية وأكاديمية وممثلين عن المجالس البلدية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، والمرأة، بهدف توحيد أجهزة السلطة التنفيذية ومعالجة المخاطر الأمنية والمشكلات الاقتصادية والمعيشية[1]. وتُوِّج هذا الجهد بتوقيع "الاتفاق السياسي الليبي" المعروف بـ "اتفاق الصخيرات" في مدينة الصخيرات المغربية يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015. وانطلقت أعمال المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فعليًا، بدخول رئيسه، فايز السراج، طرابلس في 30 آذار/ مارس 2016.
نصَّ اتفاق الصخيرات على أن تكون مدّة ولاية حكومة الوفاق الوطني سنة واحدة قابلة للتجديد سنة أخرى، لتسلّم مهماتها إلى حكومة جديدة مشكّلة بموجب أحكام الدستور الذي يفترض الانتهاء من صياغته، قبل نهاية ولاية حكومة الوفاق الوطني.
لم تتمكن حكومة الوفاق الوطني من الإيفاء بتعهداتها في الالتزام بالمواعيد المحدّدة في اتفاق الصخيرات، من جراء تواصل الانقسام المؤسساتي، وتراجع مجلس النواب عن دعمه للاتفاق السياسي ومخرجاته. وانهار المسار السياسي، كليًّا، في 4 نيسان/ أبريل 2019، حينما شنّت قوات حفتر هجومًا فاشلًا على المنطقة الغربية والعاصمة طرابلس، حيث مقرّ حكومة الوفاق الوطني.
في إثر فشل خيار الحسم العسكري، رعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حوارًا سياسيًا جديدًا، انطلق في تونس، وتُوّج بتوقيع اتفاق سياسي جديد في جنيف، في مطلع عام 2021، شُكّلت بموجبه حكومة وحدة وطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة. وقد نصّ الاتفاق على توحيد السلطة التنفيذية المنقسمة منذ عام 2014، والشروع في تطبيق سلسلة من الإجراءات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية؛ تنتهي بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تفضي إلى إرساء مؤسسات حكم دائمة في نهاية عام 2021[2]. ولكنّ فُرص نجاح الاتفاق السياسي الثاني لم تكن مختلفة عن فُرص نجاح الاتفاق الأول؛ فقد فشل الفرقاء الليبيون في تنظيم الانتخابات للخروج بالبلاد من المراحل الانتقالية، وعاد الانقسام، من جديد، بظهور حكومة ومؤسسات موازية في المنطقة الشرقية الخاضعة لسلطة حفتر.
مبادرة الأمم المتحدة
بادرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، على الرغم من فشل اتفاقَي الصخيرات وجنيف، إلى تدشين مبادرة جديدة للحل؛ فقد جمعت 120 شخصية تمثّل البلديات والأحزاب والجامعات ومكونات المجتمع المختلفة تحت اسم "الحوار المهيكل"، من أجل "معالجة القضايا الأساسية في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ذات مصداقية ودعم جهود توحيد المؤسسات"[3].
انطلق الحوار، رسميًا، في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وعقدت فرق الحوار، بين كانون الأول/ ديسمبر 2025 وحزيران/ يونيو 2026، جولات من الاجتماعات تركزت، خلالها، المداولات على عدة محاور، أبرزها إنهاء الانقسام السياسي وتوحيد الحكومة والمؤسسات التنفيذية؛ بما فيها المؤسسات المالية والرقابية والمؤسستان الأمنية والعسكرية والسلطة القضائية. وشددت على ضرورة وضع سقفٍ زمني محدد للفترة الانتقالية، مع تقييدها بجداول زمنية صارمة للعبور بالبلاد إلى انتخابات، وإنجاز مشروع المصالحة الوطنية[4].
أكد التقرير الختامي للحوار المهيكل، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة، "الحاجة الملحّة إلى وجود سلطة تنفيذية واحدة وفعّالة، تنحصر مهامها الأساسية في إدارة المرحلة الانتقالية وتهيئة البيئة السياسية والأمنية والمؤسسية اللازمة لإجراء انتخابات وطنية شاملة في أقرب الآجال الممكنة"، وأوصى بـ "تحديد ولاية الحكومة بمرحلة تمهيدية لا تتجاوز (18-24 شهرًا) وفق جدول زمني صارم غير قابل للتمديد تحت أي مسوّغ"، داعيًا إلى "ضمان استقلالية وحياد وقدرة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات على العمل بكل حرية واستقلالية" و"مراجعة تشكيل[ها]"[5].
وفي محاولةٍ لتفادي الخلافات التي يمكن أن تعصف بالحوار الواسع، شُكّلت آلية حوار مصغّرة سُمّيت "لجنة 4+4" لمعالجة الإشكاليات السياسية والقانونية التي تعرقل تنظيم الانتخابات، وتهيئة الظروف لإجراء الاستحقاقَين التشريعي والرئاسي.
شرعت اللجنة في أعمالها، وعقدت سلسلة من الاجتماعات في تونس. وقالت بعثة الأمم المتحدة إن اللجنة حققت تقدمًا في مجال التهيئة للانتخابات. وأفادت البعثة في آخر متابعة لأعمال اللجنة أن المشاركين اتفقوا، خلال الاجتماع الذي ترأسته الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، في 6 آب/ أغسطس 2026، على آلية تعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وقد واصلوا مشاوراتهم بشأن البنود المتبقية في مسوّدة الاتفاق النهائي. وكانت البعثة قد أعلنت، في نيسان/ أبريل 2026، أن اللجنة اتفقت على أسماء أعضاء المجلس الجديد لمفوضية الانتخابات.
إدارة ترمب على الخط
عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2024 (قبل بدء ولايته بخمسين يومًا)، نسيبَه مسعد بولس مستشارًا لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا. وما إن عُيِّن بولس حتى أبدى، لأسباب تجارية واضحة، اهتمامًا بالملف الليبي، وأجرى زيارات ولقاءات مع فاعلين إقليميين في هذا الملف، وزار ليبيا، حيث التقى أبرز المكونات السياسية والعسكرية في الشرق والغرب، ثمّ إنه جمع هؤلاء الفاعلين في باريس خلال مطلع عام 2026. ويُعدّ اجتماع باريس بدايةً لتبلور ما أصبح يُعرف، إعلاميًا، بـ "مبادرة بولس"[6].
لا تتوافر، حتى الوقت الراهن، أيّ وثيقة رسمية للمبادرة، غير أن بولس ركّز في تحركاته وتصريحاته، طوال الأشهر الأخيرة، على ضرورة حَسْم ملفات سياسية تتصل بتوحيد أجهزة السلطة التنفيذية، وملفات اقتصادية تخصُّ قطاع الطاقة والاستثمار، وأخرى أمنيَّة تتعلق بالمؤسسة العسكرية، من دون أن يمنح الإشكاليات المرتبطة بالدستور والانتخابات أولويةً.
مبادرة "ليبية" ثلاثية
قبل تدخّل إدارة ترمب في سياق الأزمة، اجتمع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، ورئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، في القاهرة برعاية جامعة الدول العربية في 10 آذار/ مارس 2024، من أجل "حل النقاط الخلافية التي تخص كيفية الوصول إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية". واتفقوا، بحسب ما جاء في بيان الجامعة، على "وجوب تشكيل حكومة موحدة مهمتها الإشراف على العملية الانتخابية وتقديم الخدمات الضرورية للمواطن وتوحيد المناصب السيادية"[7].
مثّل لقاء القاهرة، لاحقًا، مرجعية لمبادرة ثلاثية لرؤساء المجالس الثلاثة. ومن أهم مضامينها إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية على نحو متزامن، في موعد أقصاه 17 شباط/ فبراير 2027، وذلك بموجب قوانين تنجزها لجنة "6+6" التي شُكّلت في آذار/ مارس 2026 من ستة أعضاء من مجلس النواب ومثلهم من المجلس الأعلى للدولة، إلى جانب جملة من الإجراءات؛ منها إعداد مشروع ميزانية موحدة لسنة 2027، ووضع إطار قانوني جديد للرقابة على قطاعات النفط والغاز والمياه والمعادن[8].
وعلى الرغم من أن المبادرة لم تلقَ اهتمامًا سياسيًا وإعلاميًا مماثلًا لمبادرتَي بعثة الأمم المتحدة والمبعوث الأميركي بولس، فإن المنفي أبدى تمسكًا بها، بـ "ما يسهم في بلورة خارطة طريق توافقية تحظى بقبول واسع وتؤسس لتسوية سياسية مستدامة تستند إلى الشراكة الوطنية وتحافظ على وحدة الدولة وسيادتها"[9].
وفي إطار مواصلة التنسيق بين رؤساء المجالس الثلاثة ضمن مبادرتهم المعلنة، من المتوقع عقد لقاء قريب بينهم بباريس، في الإليزيه، لنقاش إعادة تفعيل لجنة "6+6"، من أجل إعداد القوانين الانتخابية، وتكليفها بإجراء التعديلات اللازمة على القوانين التي أنجزتها؛ على نحو يسمح بوضعها موضع التنفيذ[10].
الأمم المتحدة مرة أخرى
تولّت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا رعاية المبادرتين السابقتين لحل الأزمة الليبية (الصخيرات، وجنيف) بالتشاور والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية ذات العلاقة بالشأن الليبي. ولم تكن توجد حينئذ أيّ مسارات موازية لمبادرة الأمم المتحدة، غير أن فشل المسارَين في توحيد السلطة التنفيذية، والوصول إلى انتخابات عامة تُنهي المراحل الانتقالية، أثار الشكوك في قدرة بعثة الأمم المتحدة على تنفيذ خرائط الطريق التي طُرحت وتحويلها إلى واقع سياسي وأمني واقتصادي، في سياق افتقارها إلى الآليات التنفيذية؛ وذلك لأنّ تنفيذ هذه المسارات ظل رهين حسابات الفرقاء الليبيين، ومصالح الأطراف الإقليمية والدولية المتدخلة في الشأن الليبي. وعلى الرغم من فشل مسارَي الأمم المتحدة السابقين، فإن بعثة الأمم المتحدة بادرت إلى تدشين مسار جديد تحت اسم "الحوار المهيكل". ولا يختلف مسار هذا الحوار كثيرًا عن المسارَين السابقين إلا من حيث ترتيب محطات خريطة الطريق. ففي حين كانت محطة الانتخابات تتويجًا لمسارَي الصخيرات وجنيف، فإنها أصبحت بحسب الحوار المهيكل بدايةً لخريطة الطريق.
لم تختلف السياقات الأمنية والسياسية التي حفّت بمسارَي الصخيرات وجنيف كثيرًا عن السياق الحالي؛ فالسلطات التنفيذية منقسمة بين شرق وغرب، والمشهد الأمني منفلت، والنسيج الاجتماعي ممزق، والعامل الخارجي ازداد استفحالًا وتأثيرًا، والأزمات المعيشية والاقتصادية تراوح مكانها، وبعثة الأمم المتحدة لا تزال عاجزة عن ابتكار آليات تنفيذية لإلزام الفرقاء بمبادرتها، على الرغم من تبني مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للمبادرة.
ويبدو أن مبادرة الأمم المتحدة بدأت تدخل مرحلة تجميد غير معلن؛ إذ تشير تسريبات إلى تأجيل التوقيع على مخرجات أعمال لجنة "4+4"، في إشارة ضمنية إلى صعوبات تواجهها قد تفضي إلى انتهاء أعمالها قبل الانتهاء من صياغة مخرجاتها.
فرص المبادرة الأميركية
تحظى مبادرة بولس برواج إعلامي، يفوق ما تحظى به مبادرة الأمم المتحدة. وعلى الرغم من عدم وجود أيّ وثيقة رسمية تكشف تفاصيل هذه المبادرة، فإن متابعة تصريحات بولس وتحركاته تصبُّ في اتجاه توحيد الحكومة والمؤسسات التنفيذية، والعمل على ملفات النفط والطاقة والاستثمار.
يتعامل بولس مع واقع الانقسام السياسي والمؤسساتي في ليبيا "براغماتيًا"، ويرى أنّ السلطات القائمة في الشرق والغرب أمرٌ واقعٌ محكوم بشبكات معقدة ومتداخلة من المصالح والحسابات السياسية والاقتصادية والجهوية والمناطقية، إضافة إلى مصالح القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الشأن الليبي. ويعتقد أن هذا الأمر يقتضي الحفاظ على مصالح وأدوارٍ للطرفين، لكن ذلك يتطلّب أن يكون ضمن سلطة تنفيذية موحدة؛ فقد ظهرت تسريبات مفادها وجود توجه أميركي إلى تسمية صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، ونائبه رئيسًا للمجلس الرئاسي، وتثبيت الدبيبة رئيسًا للحكومة، غير أن بولس لم يتطرق، حتى الوقت الراهن، إلى أسماء بعينها يمكن أن تشغل هذه المناصب.
وتواجه فرضية تعيين صدام حفتر رئيسًا للمجلس الرئاسي معارضةً شديدة من مكونات سياسية واجتماعية فاعلة في المنطقة الغربية. فقد رفضت المكونات الاجتماعية في مصراتة، التي تمثّل تشكيلاتها العسكرية العمود الفقري للقوات المحسوبة على حكومة الوحدة الوطنية، أيّ توجُّه يُفضي إلى "عسكرة الدولة"، وشدّدت على أن أيّ حل يجب أن يجري في إطار دستوري واضح، وليس عبر "تسوية سياسية ضيقة أو ترتيبات تعيد إنتاج الأزمة، أو تدفع بشخصيات غير نزيهة"؛ ما دفع بولس إلى الرد بنفي وجود مبادرة مكتوبة أو بنود محددة[11]. إضافةً إلى ذلك، يبدو أن صدام يواجه اعتراضات حتى داخل عائلة حفتر نفسها، التي يتقاسم أفرادها النفوذ في المنطقة الشرقية[12].
خلافًا لمبادرات الأمم المتحدة السابقة والحالية، بدأت مبادرة بولس بخطوات عملية ميدانية؛ إذ نجحت في دفع السلطات في الشرق والغرب، أوَّلَ مرة منذ عام 2013، إلى التوافق على ميزانية موحدة، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة بإشراف القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة بين المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب.
ترى المبادرة الأميركية، ضمنيًا، أن الانتخابات في ليبيا ليست إجراءات تقنية وإدارية فحسب، بل هي أيضًا مسار سياسي معقد وشائك وطويل الأمد، يصعب فيه جمع الفرقاء على توافقات؛ ما يعني أن كل الخطوات الأخرى ستظل رهينة نجاح هذا المسار غير المضمون.
بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، يُعَدّ الوضع في الشرق الأوسط، واهتزاز أسواق الطاقة، والمخاطر التي تهدد مسارات الإنتاج والنقل، من أهمّ دافع الاهتمام المباشر بليبيا؛ بالنظر إلى كونها غنيّة بكميات ضخمة من احتياطات الطاقة. وقد بدا ذلك جليًّا في إيلاء ملف النفط والاستقرار الأمني أولويةً، من أجل تهيئة ظروف ملائمة للشركات الأميركية، فضلًا عن محاصرة التمدد الروسي، وتثبيت الحضور العسكري والأمني في منطقة عبور رخوة؛ لمواجهة تدفّق الهجرة وتحركات الجماعات المسلحة المرتبطة بنزاعات الجوار. ويبدو أن الإدارة الأميركية تعوّل على الانفتاح على الحلفاء الإقليميين لتقوية فُرص نجاح المبادرة، وتشجيع تركيا على التعامل مع سلطات الأمر الواقع في الشرق. وقد بدت نتائج هذا الأمر في التحركات الدبلوماسية التركية المكثفة تجاه سلطات الشرق والغرب، وفي تراجع المحاذير المصرية في التعامل مع سلطات طرابلس.
وعلى الرغم من أن مبادرة بولس حققت تقدمًا في بعض المجالات (إنجاز ميزانية موحدة وأنشطة عسكرية مشتركة)، فإن توحيد السلطة التنفيذية، بالصيغة المروّج لها، يواجه اعتراضات وازنة في المنطقة الغربية خصوصًا، ويبدو أن امتناع بولس عن التصريح بأسماء المرشحين لمنصبَي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة يأتي في سياق تهدئة المخاوف من عسكرة السلطة، وتحوُّل المبادرة برمتها إلى تقاسم غنائم بين عائلتَي الدبيبة وحفتر. ومن غير المستبعد، في حال تواصل الاعتراضات، أن تنحو المبادرة الأميركية إلى الحفاظ على خطوطها الكبرى، مع تجاوز كل من حفتر والدبيبة، والبحث عن شخصيات أقل جدلًا، وجَعْل جميع الأطراف إزاء أمرٍ واقع، بعد أن جرى تجاوز مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة منذ أن اتضحت معالم المبادرة الأميركية.
مبادرة أم مناورة؟
تُعدّ لقاءات المنفي وصالح وتكالة الأقل إثارة للاهتمام، مقارنةً بمبادرة الأمم المتحدة والمبادرة الأميركية. فالمسؤولون الثلاثة لا يملكون قوة صلبة ميدانيًّا، خلافًا لحفتر والدبيبة، وتقتصر قدراتهم (خاصة عقيلة صالح) على إمكانية تعطيل أيّ مبادرة تشريعية أو سياسية؛ وهو الأمر غير المطروح في المبادرة الأميركية التي تتجاوز مسائل الدستور والانتخابات، والتي تتّجه مباشرة إلى توحيد السلطة التنفيذية، من دون المرور بأيّ جهة تمثيلية أو استشارية، فضلًا عن اختراق مجلس النواب وتحييد عدد من أعضائه الذين عبّروا عن دعمهم لمبادرة بولس.
يُدرك الثلاثي، المنفي وصالح وتكالة، أنهم سيكونون أكبر المتضررين من مبادرة بولس، ومن مبادرة الأمم المتحدة على نحو أقل. وهم يدركون أن موازين القوة ميدانيًّا ليست في صالحهم، وأنها لا تمنحهم فرصةً من فُرص التعطيل. لذا، فإن تحركهم لطرح مشروع بديل يأتي في إطار المناورة أكثر من كونه مشروعًا جديًا للحل. وهم واعون أيضًا بأن إجراء انتخابات عامة، في أجل أقصاه 17 شباط/ فبراير 2027، فرضية غير واقعية في مشهد سياسي وأمني متشظٍ، وفي ظلّ غياب أيّ أُسس تشريعية وأيّ استعدادات تنظيمية. وبناءً على ذلك، لا يُتوقع أن تُحدِث مبادرة الثلاثي أيَّ اختراق يُذكر في المشهد الليبي المأزوم حتى لو اجتمعوا، مجددًا، في باريس، كما هو متوقع.
خاتمة
بعد سنوات من انطلاق مسارَي الصخيرات وجنيف وفشلهما في توحيد السلطة التنفيذية، والخروج بليبيا من الأزمات المركّبة التي تمرّ بها، طرحت بعثة الأمم المتحدة مبادرة جديدة. غير أن هذه المبادرة تتزامن، هذه المرة، مع مبادرة أميركية ومبادرة ثالثة من رؤساء المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. وفي حين تعيد مبادرة الأمم المتحدة ومبادرة الرؤساء الثلاثة مسألة الانتخابات، بكل تعقيداتها وجدليتها، إلى الواجهة، تمرّ المبادرة الأميركية مباشرة إلى توحيد السلطة التنفيذية وفقًا لموازين القوى الحالية، على نحو يضمن مصالح واشنطن في مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن. غير أن المبادرة الأميركية، غير المهتمة بوحدة ليبيا بقدر اهتمامها بتثبيت سلطات الأمر الواقع في حالة نظام محاصصة مستقر، تواجه اعتراضات تتعلق، أساسًا، برفض مكونات ليبية وازنة عسكرةَ الحياة السياسية وتكريس حكم العائلات؛ ما يدفع إلى توقع تعديل أسماء شاغلي المناصب العليا، من دون تغييرٍ في مساراتها العامّة؛ ومن ثم جَعْل جميع الفرقاء في مواجهة أمر واقع.
في كل الأحوال، تُثبت التحركات والمبادرات الدبلوماسية المختلفة أن حل الأزمة الليبية على المدى الطويل غير ممكن من دون توافر توافق وطني بين النخب الليبية على بنية الدولة الليبية. وفي ظل مثل هذا التوافق - قبل الحديث عن طبيعة السلطة والانتخابات وغيرها - يمكن حلُّ بقية القضايا. فلا بديل من المسؤولية الوطنية إلّا تسويات مؤقتة مفروضة من الخارج.
[1] ينظر: الأمم المتحدة، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، "الاتفاق السياسي الليبي"، شوهد في 10/8/2026، في:
https://acr.ps/hBybGS6
[2] ينظر: "انتخاب السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا: حيثياته وآفاقه"،
تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 8/2/2021، شوهد في 11/8/2026 في:
https://acr.ps/hBybGFu
[3] بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، "الحوار المهيكل"، شوهد في 11/8/2026 في:
https://acr.ps/hBybHiP
[4] ينظر: بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، "التقرير الختامي للحوار المهيكل"، 3/6/2026، شوهد في 11/8/2026، في: https://acr.ps/hBybH6d
[5] المرجع نفسه.
[6] ينظر: "بولس: جمعت في باريس كبار مسؤولي غرب ليبيا وشرقها لإجراء ’مناقشات مثمرة‘"، بوابة الوسط، 5/2/2026، شوهد في 12/8/2026، في:
https://acr.ps/hBybGTB
[7] "ليبيا.. المنفي وصالح وتكالة يتفقون على تشكيل حكومة موحدة"،
الأناضول، 10/3/2026، شوهد في 11/8/2026، في:
https://acr.ps/hBybHlP
[8] للمزيد، ينظر: غنى الخطيب، "اعتماد خريطة طريق جديدة.. كيف عادت انتخابات ليبيا إلى الطاولة؟"،
الجزيرة نت، 18/6/2026، شوهد في 11/8/2026، في:https://acr.ps/hBybHkk
[9] "الرئيس يستقبل عددًا من السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدين لدى ليبيا"، صفحة المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي الليبي - فيسبوك، 24/6/2026، شوهد في 11/8/2026، في:https://acr.ps/hBybGGZ
[10] ينظر: أسامة علي، "رؤساء المجالس الليبية الثلاثة يجتمعون في باريس لبحث خريطة الطريق"،
العربي الجديد، 8/8/2026، شوهد في 12/8/2026، في:
https://acr.ps/hBybH7I
[11] "’أعيان وحكماء مصراتة‘: مسعد بولس لم يقدم مبادرة مكتوبة ونرفض عسكرة الدولة"، بوابة الوسط، 7/7/2026، شوهد في 12/8/2026، في:https://acr.ps/hBybGun
[12] ينظر: "تصدع في بيت حفتر: خالد يهاجم مبادرة بولس ويرفض تمكين شقيقه صدام"، ليبيا أوبزرفر، 9/4/2026، شوهد في 12/8/2026، في:https://acr.ps/hBybGV6