«صديقة إيران في أوقات الشدّة» وخطة الصين البديلة
تقييم حالة 17 يونيو ، 2026

«صديقة إيران في أوقات الشدّة» وخطة الصين البديلة

رزان شوامرة

​محاضِرة في الجامعة العربية الأميركية، وعضو في أكاديمية MESA العالمية. وهي باحثة متخصصة في السياسة الخارجية الصينية، مع تركيز خاص على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تتناول أبحاثها دراسة انخراط الصين الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري، إضافة إلى أدوات قوتها الناعمة في المنطقة​.

​​​​مقدّمة

​​ ​تتّسم علاقات الصين بحلفاء الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط بقدرٍ كبير من الاستقرار والمكاسب، مقارنةً بعلاقاتها بإيران الخاضعة للعقوبات في ظلّ حالة عدم الاستقرار التي تشهدها. فهل يكون انهيار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقيام نظامٍ سياسي إيراني جديد متحرّر من العقوبات ومندمج في البنية الأمنية الأميركية، أكثر فائدةً بالنسبة إلى الصين؟ وهل يمكن أن يُساهم زوال النظام الإيراني الحالي في تحقيق السيناريو الأمثل للصين على المدى الطويل، بما يُسهّل انتقالًا سريعًا نحو شراكةٍ أكثر استقرارًا؟

منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، دأب الباحثون على تحليل الدبلوماسية الصينية وكيفية تعاملها مع الحرب من خلال منظورين: يتمثّل الأول في اعتماد الصين نهجًا قائمًا على "عدم التدخل". أما الثاني، فيتمثّل في دعمها إيران سرَّا. غير أنّ هذين الافتراضين يهملان ركيزة مهمّة، ألا وهي الحدود التي تضعها بكين لانخراطها الدبلوماسي خلال النزاعات الدولية. والمقصود بالحدود في هذه الدراسة القيود التي تفرضها الصين على تدخّلها، ولا سيّما تجنّبها المواجهة المباشرة، وعدم رغبتها في تحمّل مسؤوليات قيادية في عمليات حلّ النزاعات، فضلًا عن اختيارها التموضع الخطابي بدلًا من الدخول في التزاماتٍ سياسية أو عسكرية مكلفة. وعادةً ما تُرسى هذه الحدود في المراحل الأولى من الأزمات؛ إذ تهدف إلى حماية أولويات الصين الاستراتيجية بعيدة المدى، بما في ذلك الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتجنّب التورّط في حروب إقليمية.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك ردّ الرئيس الصيني، شي جين بينغ، على دعوات الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إلى التعاون من أجل إنهاء الحرب في أوكرانيا؛ فاستحضر مثلًا شائعًا يحدّد نطاق المسؤولية: "على من ربط الجرس في رقبة النمر أن ينزعه"[1]. أما في ما يتعلّق بالإبادة الجماعية في غزة، فقد نشرت الحكومة الصينية ورقة موقف أحالت فيها المسؤولية إلى مجلس الأمن[2]، كما لو أنه جهة خارجية لا علاقة للصين به، على الرغم من كونها عضوًا دائمًا فيه. ولم تقدّم الصين أو تشارك في أي مقترح داخل مجلس الأمن لوقف الحرب. وظهر نمط مماثل خلال حرب الاثني عشر يومًا على إيران (13-24 حزيران/ يونيو 2025)؛ إذ تمثّل البيان الأول للصين في دعوة "المجتمع الدولي" إلى التحرّك، وحثّ "الدول التي تتمتع بنفوذ لدى إسرائيل على بذل جهودٍ حقيقية لإحلال السلام"[3].

ويُبرِز موقف الصين الأوّلي من الحرب هذه الحدود على نحو أوضح؛ إذ صرّحت أنّها "تشعر بقلقٍ بالغ إزاء الضربات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. ومن الواجب احترام سيادة إيران وأمنها وسلامة أراضيها. ودعت إلى وقف فوري للعمليات العسكرية ومنع مزيد من دوامات التصعيد واستئناف الحوار والمفاوضات، وبذل الجهود الرامية إلى إحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط"[4]. ومن اللافت أنّ هذا البيان، شأنه شأن البيانات اللاحقة، قد خلا من أي إدانةٍ صريحة. وعوضًا عن ذلك، فقد استخدم لغةً تضمنّت عبارات مثل "القلق البالغ"، و"استئناف الحوار" و"ضبط النفس"، في خطابٍ يتعامل مع هجومٍ وجودي على شريك استراتيجي كأنه "وضع متوتر" يقع عبء إدارته على أطراف أخرى.

أولًا: تلاشي توقعات طهران

بعد حرب الاثني عشر يومًا في عام 2025، سارع السفير الصيني لدى إسرائيل، شياو جون تشنغ، إلى طمأنة الإسرائيليين بأنّ الشائعات التي تحدّثت عن تزويد إيران بأسلحة هي "كذب". في الواقع، تشير جميع الأدلّة المتوافرة إلى أنّ المساعدات العسكرية الصينية كانت تتدفّق في الاتجاه المعاكس؛ أي نحو إسرائيل. ويشير تقرير صادر عن الأمم المتحدة إلى أنه "بين تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وتشرين الأول/ أكتوبر 2025، أرسلت 26 دولة ما لا يقلّ عن 10 شحنات من ’الأسلحة والذخائر‘ إلى إسرائيل، وكانت الصين ضمن أبرز المورّدين"[5]. والجدير بالذكر أنّ هذه الفترة تشمل حرب الاثني عشر يومًا. يقول شياو جون تشنغ: "لا داعي للقلق في إسرائيل [...] الكذبة التي تتكرّر ألف مرّة تظلّ كذبة"[6].

ساد داخل إيران، قبل حرب عام 2025، افتراض راسخ ومبالغ فيه مفاده أنّ "الجمهورية الإسلامية هي خط الدفاع الغربي للصين. إذا سقطت، ستتأثر الصين وتتضرر [...] وإذا قطعنا النفط، ستواجه الصين مشاكل؛ وإذا غابت إيران، ستواجه الصين تحديات. وإذا لم نبقِ أميركا منشغلة في هذه المنطقة، ستّتجه نحو الصين"[7]. وقد تعزّز هذا التصوّر بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة لعام 2021 والممتدّة إلى 25 عامًا بين إيران والصين. وعلى الرغم من الطريقة المبهمة التي قدّمت بها الصين الاتفاقية، مستخدمةً عبارات عامة مثل التركيز على "التعاون الاقتصادي والثقافي"، ومشدّدةً على أنها لا تتضمّن "عقود كَمِّية" أو "لا تستهدف أي طرف ثالث"[8]، فإنّ مسؤولين إيرانيين، مثل جواد ظريف، قد وصفوا الصين بأنها "الصديقة في أوقات الشدّة"[9].

وساهمت بكين في تعزيز هذا التصوّر من خلال خطابها الرسمي؛ فقد أعلن وزير الخارجية وانغ يي عزمَ بلاده على الارتقاء بالعلاقات إلى "أعلى مستوى ممكن"[10]. أما بالنسبة إلى إيران، فقد شكّلت الصين "حليفًا" ومخرجًا من العقوبات الغربية وثقلًا استراتيجيًا موازنًا للولايات المتحدة. وقد تعزّز هذا الانطباع مع حصول إيران على العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون وفي مجموعة بريكس، فضلًا عن موقعها الجغرافي في مبادرة الحزام والطريق واستمرار التعاون في قطاع الطاقة.

والأبرز في هذا السياق أنّ الصين أصدرت للمرّة الأولى، في 12 أيار/ مايو 2025، كتابًا أبيضَ مخصصًا حصرًا للأمن القومي، بعنوان "الأمن القومي الصيني في العصر الجديد"، أدرجت من خلاله الشرق الأوسط ضمن إطارها الخاص للأمن القومي[11]. وتعهدت بأن تكون "صانعة سلام"، مشيرةً إلى دورها في تسهيل التقارب بين المملكة العربية السعودية وإيران، ودعمها للتوصل إلى حلّ سياسي للقضية الفلسطينية.

أثارت حرب الاثني عشر يومًا خيبة أمل كبيرة داخل إيران. فبعد نحو أسبوعين من تصريحات السفير الصيني لدى إسرائيل، أكّد العميد يد الله جواني، المساعد السياسي في الحرس الثوري الإيراني، أنّ طهران لم تطلب أي مساعدة عسكرية من الصين. وأضاف قائلًا: "لم تطلب الجمهورية الإسلامية المساعدة من أي دولة، ولا حتى من أعضاء محور المقاومة"[12].

أما الباحثون الإيرانيون فكانوا أشدّ انتقادًا؛ فقد أشار عطا تبريز إلى أنّ الحرب "كشفت حدود شراكة طهران مع بكين؛ إذ لم تقدّم الأخيرة سوى دعم دبلوماسي بدلًا من المشاركة الملموسة التي توقّعها المسؤولون الإيرانيون من حليفهم الاستراتيجي المُعلن"[13]. وكان السياسي الإصلاحي محسن أمين أشدّ صراحةً؛ إذ قال إنّ الحرب أثبتت أنّ "إيران وحيدة في العالم ولا تملك حليفًا استراتيجيًا حقيقيًا"[14]. واستشهد حامد وفائي، مدير مركز أبحاث آسيا والمدير المشارك في معهد كونفوشيوس في جامعة طهران، بتقارير تفيد أنّ الصينيين أنفسهم يصفون موقفهم بأنه "الجلوس على جبل ومشاهدة النمور تتقاتل"[15]. وحذّر قائلًا: "لا ينبغي لإيران أن تتوقّع دعمًا مباشرًا وكاملًا من الصين"، مضيفًا: "إنّ تردّد الصين المبدئي، خلال حرب الاثني عشر يومًا، يثبت افتقارنا الشديد إلى نظام علاقات ثنائية استراتيجية"[16].

وقد أيّد هذا الموقف كلٌّ من إحسان جيتساز، نائب وزير الاتصالات، وبهزاد أحمدي، مستشار وزير الاتصالات للشؤون الدولية، وكلاهما يشغلان مناصب بحثية في جامعة طهران؛ إذ خلصا إلى أنه "من غير الواقعي أن تتوقّع إيران من الصين أن تُعرّض علاقاتها بإسرائيل والولايات المتحدة للخطر. لذلك، يبدو أنّ نظرتنا الرومانسية إلى الصين هي نتاج سنوات من صناعة الأساطير والتفكير الاستراتيجي الرغائبي، وليست تعبيرًا عن فهمٍ دقيق لسلوك قوة براغماتية"[17].

ولعلّ الأكثر دلالةً هو أنّ خصوم إيران كانوا يدركون حدود الدعم الصيني. فالولايات المتحدة وإسرائيل صعّدتا العمليات العسكرية ضد إيران بسهولة وثقة نسبيّتين؛ ما يوحي بأنّ أيًا من الطرفين لم يرَ في الصين رادعًا مؤثرًا يُعتدُّ به في حساباته الاستراتيجية. وعلى خلاف المواجهات التي شهدتها الحرب الباردة، حيث كان ردّ القوى العظمى يشكّل ديناميات التصعيد، فإنّ الحرب الدائرة حاليًا تجري من دون قلقٍ جدّي بشأن احتمال تدخّل صيني، أكان تدخّلًا دبلوماسيًا أم اقتصاديًا أم عسكريًا. ويعكس ذلك فهمًا دوليًا أوسع للحدود التي تفرضها بكين على انخراطها في الشرق الأوسط، فالصين وإن كانت توفر دعمًا خطابيًا وتموضعًا دبلوماسيًا، فإنها لا تزال غير مستعدّة لتحمّل تكاليف استراتيجية كبيرة أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة بسبب نزاعات إقليمية. ومن هنا، كشفت الحرب إلى أي مدى أصبح موقف الصين متوقعًا بالنسبة إلى منافسها الاستراتيجي الرئيس في واشنطن.

ثانيًا: حسابات الصين

استغرقت الصين يومين للإعلان عن موقفها تجاه الضربات الإيرانية على منطقة الخليج العربي. وعلى الرغم من أنّها تجنّبت في بيانها الرسمي الإدانة الصريحة لهذه الضربات، مكتفيةً بالإشارة إلى أنّها "تُقدّر المطالب المشروعة لدول الخليج"[18]، فإنّ سلوكها في الأمم المتحدة عكس واقعًا مختلفًا. فمن خلال امتناعها عن التصويت على القرار 2817، أتاحت تمرير إدانة دولية رسمية لإيران. وعلى الرغم من أنّ بكين برّرت امتناعها بالدعوة إلى تبنّي رؤية "متوازنة"[19]، فإنّ النتيجة الاستراتيجية تمثّلت في تمكين دول الخليج والولايات المتحدة من تحقيق مكسب دبلوماسي. ففي الدبلوماسية، تكتسب النتائج أهميةً أكبر من الخطابات. ولم يكن هذا الامتناع يشكّل خطوةً مؤيدةً لإيران ولا موقفًا معاديًا للخليج. غير أنّ تقاعس الصين، من خلال الامتناع عن التصويت على القرار، تحوّل فعليًا إلى إجراءٍ صبّ في مصلحة دول الخليج. وفي الوقت نفسه، اتّخذت خطوتين لتفادي استفزاز إيران، ألا وهما: تحميل "الأسباب الجذرية" للأزمة مسؤولية التصعيد (في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل)[20]، ودعم القرار الذي سبق أن طرحته روسيا[21].

تتّسم علاقات الصين بحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بقدرٍ أكبرٍ من الاستقرار والمكاسب مقارنةً بعلاقاتها بإيران الخاضعة للعقوبات. على سبيل المثال، أصبحت الصين، بحلول عام 2025، أكبر مستثمر أجنبي مباشر في السعودية؛ إذ بلغت الاستثمارات 8.2 مليارات دولار؛ أي بزيادة تقارب 30 في المئة مقارنةً بعام 2023. وتجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي السنوي حاليًا 100 مليار دولار[22]، مع وجود أكثر من 1000 شركة صينية تعمل في السعودية، منها 35 شركة تتخذ منها مقرًا إقليميًا لها، إضافة إلى نحو 400 شركة سعودية تعمل في الصين[23]. وعلى نحوٍ مماثلٍ، تجاوز حجم التجارة غير النفطية مع الإمارات العربية المتحدة 72 مليار دولار عام 2022، مسجّلًا نموًا بنسبة 18 في المئة مقارنةً بـ 61 مليار دولار عام 2021. وتُعدّ الصين أيضًا ثالث أكبر مستثمر أجنبي في الإمارات اليوم[24]. وأفادت وزارة الاقتصاد الإماراتية أنه جرى إصدار أكثر من 14500 رخصة اقتصادية لشركات صينية في عام 2024، ليتجاوز هذا الرقم ضعف ما كان عليه في عام 2019. وعلى الرغم من أنّ هذا الرقم يشمل شركات عملاقة مملوكة للدولة، فإنه يعكس أيضًا تدفقًا كبيرًا للشركات الصغيرة والمتوسطة وروّاد الأعمال من القطاع الخاص الذين يتّخذون من دولة الإمارات مركزًا إقليميًا لأعمالهم[25].

ولعلّ أوضح دليل على ذلك هو الانخراط الاقتصادي الصيني في إسرائيل. وقد نفى السفير الصيني علنًا الشائعات الأخيرة التي تفيد أنّ الصين حظرت الاستثمارات في إسرائيل، وقال: إنّ "الصين تشجّع أصدقاءها الإسرائيليين على التعاون معها في أشكال مختلفة من التعاون الاقتصادي والتجاري"[26]. وقد فنّدت صحيفة غلوبال تايمز الصينية الرسمية هذه الشائعات بالأرقام، مشيرةً إلى أنّ الصين حافظت على موقعها بوصفها أكبر مصدِّر لواردات إسرائيل للعام الخامس على التوالي. ويشير التقرير إلى أنّ الواردات الإسرائيلية من الصين بلغت 13.53 مليار دولار في عام 2024، بزيادة 19.8 في المئة مقارنةً بـ 11.29 مليار دولار في عام 2023. ووصل حجم التجارة الثنائية إلى 22.7 مليار دولار في عام 2024، ليبلغ إجمالي التجارة 27.44 مليار دولار بين كانون الثاني/ يناير وتشرين الأول/ أكتوبر 2025[27]. وواصلت الشركات الصينية استثماراتها في قطاع الطاقة الإسرائيلي خلال الإبادة الجماعية في غزة. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، عزّزت الشركات الصينية حضورها في ثلاثة مشاريع كبرى للطاقة، بما فيها محطة داليا 2 لتوليد الكهرباء في موقع تزافيت (بقيمة 3.8 مليارات شيكل) ومحطة إشكول أفشال لتوليد الكهرباء (بقيمة 3.3 مليارات شيكل)[28]. وفي شباط/ فبراير 2025، بدأ تشغيل محطة كوخاف هايردن الكهرومائية للتخزين بالضخ التي أُنشئت باستثمار بلغ ملياري شيكل، حيث أدّت شركة "باور تشاينا" Power China دور المقاول والمطوّر للمشروع. وتحتفظ الشركات الصينية بحصص ملكية في عدد من مشاريع البنية التحتية الإسرائيلية؛ فعلى سبيل المثال، تمتلك شركة الهندسة لحوض البحر الأبيض المتوسط Pan-Mediterranean Engineering Company,PMEC حصةً تبلغ 33.3 في المئة في محطة ألون تافور لتوليد الكهرباء بالشراكة مع إسرائيليين[29].

غير أنّ الصورة تختلف جذريًا في حالة إيران؛ ففي الوقت الذي سجّلت فيه التجارة والاستثمارات مع حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين نموًا ملحوظًا، كان انخراط الصين الاقتصادي في طهران يشهد تراجعًا حادًا بحلول أواخر عام 2025. وانخفض حجم التبادل التجاري بين الصين وإيران بنسبة 24 في المئة ليبلغ 9.09 مليارات دولار أميركي خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025، مقارنةً بـ 12 مليار دولار أميركي خلال الفترة نفسها من عام 2024. ووفقًا للإدارة العامة للجمارك الصينية، تراجعت الصادرات الصينية إلى إيران بنسبة 22 في المئة لتصل إلى 6.23 مليارات دولار أميركي، بينما انخفضت الواردات بنسبة 27 في المئة لتبلغ 2.86 مليار دولار أميركي. وشهد تشرين الثاني/ نوفمبر وحده تراجعًا حادًا في الصادرات الصينية؛ إذ انخفضت بنسبة 57 في المئة لتصل إلى 170 مليون دولار أميركي، مقارنةً بـ 395 مليون دولار أميركي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024[30].

أما في قطاع الطاقة، فكان الانسحاب الصيني مدروسًا بالقدر نفسه، فبعد انهيار الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة)، بدأت الشركات الصينية الكبرى المملوكة للدولة تنسحب تدريجيًّا من السوق الإيرانية لتفادي العقوبات الأميركية الثانوية. فقد انسحبت شركة سينوبك Sinopec من خطة تطوير حقل يادافاران، وانسحبت شركة البترول الوطنية الصينية من مشروع تطوير المرحلة 11 من حقل غاز جنوب بارس، وهو أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم[31]. وتنعكس هذه الاتجاهات في الجدول، الذي يبرز التباين بين توسّع علاقات الصين بحلفاء الولايات المتحدة من جهة، وتراجع انخراطها في إيران من جهة أخرى.

الاتجاهات المتباينة في علاقات الصين الاقتصادية ببعض حلفاء الولايات المتحدة وإيران 

الاتجاه

مؤشرات إضافية

الاستثمارات الصينية

حجم التجارة مع الصين

البلد

تصاعدي

1005 شركات صينية تعمل في السعودية

8.2 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول عام 2025

أكثر من 100 مليار دولار سنويًا

المملكة العربية السعودية

تصاعدي

إصدار 14500 رخصة لشركات صينية

ثالث أكبر مستثمر أجنبي في العالم

72 مليار دولار من التجارة غير النفطية

الإمارات ​العربية المتحدة

تصاعدي

الصين أكبر مصدر لواردات إسرائيل (13.53 مليار دولار)

نحو 7 مليارات شيكل من الاستثمارات في البُنى التحتية لقطاع الطاقة

27.44 مليار دولار من التبادل التجاري عام 2025

إسرائيل

تراجعي - 24%

انسحاب شركة سينوبك وشركة البترول الوطنية الصينية من مشاريع رئيسة

انسحاب من مشاريع كبرى في قطاع الطاقة

9.09 مليارات دولار من التبادل التجاري عام 2025 (انخفاض بنسبة 24%)

إيران

المصدر: من إعداد المؤلف استنادًا إلى البيانات التي جمع​ها.

​ولم يكن تخلّي الصين عن هذه المشاريع ناتجًا من تراجع اهتمامها بها، بل جاء في إطار إعادة معايرة استراتيجية؛ فقد اختارت إعادة توجيه رؤوس أموالها نحو حلفاء الولايات المتحدة بوصفها خطةً بديلةً، وهي بذلك قد أعطت الأولوية للأمن الاقتصادي على حساب الانحياز السياسي. ويبدو أنّها تُركّز على التكيّف مع نتائج النزاع المحتملة عوضًا عن السعي إلى التأثير المباشر في مساره. بعبارةٍ أخرى، قد لا تكون بكين قادرة على التحكّم بمجريات النزاع، إلّا أنها قادرة على إدارة تبعاته.

وتتجلّى خطة الصين البديلة في قدرتها الأخيرة على التكيّف مع موازين القوى الجديدة التي أوجدتها الولايات المتحدة، في تجسيدٍ للحكمة الصينية القديمة: "لا يهمّ إن كان القط أصفر أو أسود، ما دام يصطاد الفئران"[32]. وقد بدا ذلك جليًّا في سرعة تطبيع علاقاتها بالحكومة السورية الجديدة والانفتاح عليها، بعد أقلّ من ثلاثة أشهرٍ من سقوط نظام بشار الأسد "الصديق الصيني"[33]. وتُعدّ فنزويلا مثالًا آخر على هذا النهج؛ ففي حين "أدانت الصين بشدّة الإجراء الأميركي ضدّ رئيسها" على خلفية اعتقال نيكولاس مادورو[34]، فإنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب طمأن بكين بأنه "مرحّب بها للدخول وإبرام صفقات نفطية كبيرة"[35]. وهذا ما حدث فعلًا؛ إذ أشارت التقارير إلى أنّ الصين واصلت تجارتها النفطية مع فنزويلا بعد اعتقال مادورو عبر قنوات معتمدة من الولايات المتحدة[36]. ويبدو أنّ الصين واثقة من قدرتها على تأمين حصتها من النفط الإيراني بأسعار السوق سواء جرى استبدال النظام الحالي أو بقي في السلطة.

ومن اللافت أنّ الولايات المتحدة وصفت بيع النفط الفنزويلي إلى الصين بأنه "قانوني"، مؤكدةً أنّ "الصين اشترت جزءًا من النفط الخام الذي باعته الحكومة الأميركية [...] وهي صفقات تجارية صينية مشروعة في إطار ظروف تجارية مشروعة"[37]. ويشير هذا النمط إلى أنّ الصين قد تكون أيضًا مستعدّة للتكيّف مع سيناريوهات مختلفة في إيران. إنّ العقوبات الغربية المفروضة على الأخيرة لسنوات بقيادة الولايات المتحدة قد عرقلت بشدّة دخول مشاريع البنية التحتية والطاقة الصينية إلى البلاد. ومن ثم، فإنّ أي تغيير في النظام يؤدي إلى رفع العقوبات، حتى لو أسفر عن قيام حكومة أكثر انحيازًا للغرب، قد يخدم المصالح الاقتصادية الصينية طويلة الأمد بصورةٍ أفضل من الوضع الراهن. عمليًا، تبيّن أنّ علاقات بكين بالدول المتحالفة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أعمق، ويمكن الاعتماد عليها أكثر من علاقتها بإيران الخاضعة لعقوباتٍ قاسية.

ومن شأن رفع العقوبات أن يُتيح للصين تحقيق أهدافها في مجالي الطاقة والبنية التحتية من دون التعرّض المستمرّ لخطر العقوبات الأميركية. وتشير هذه الديناميات مجتمعةً إلى أنّ دور بكين خلال الحرب لم يكن دليلًا على الضعف أو اللامبالاة، بل كان استراتيجيةً مدروسةً تهدف إلى الحفاظ على درجة من المرونة تتيح لها التعامل مع مختلف المخرجات السياسية في طهران.

​​المراجع​

Ministry of Economy and Tourism of the United Arab Emirates. “UAE and China Discuss Investment Opportunities in New Economic Sectors, Trade, Transportation & Technology.” 19/3/2023. at: https://acr.ps/1L9B9tA

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. “UAE and China Agree to Strengthen Collaboration in New Economy, Entrepreneurship, Tourism, Technology, Circular Economy, Aviation, and Logistics Transport.” 27/2/2024. at: https://acr.ps/1L9B9DP

Ministry of Foreign Affairs and Expatriates of the Syrian Arab Republic. “President Al-Sharaa Receives Chinese Ambassador Shi Hongwei in Damascus.” 21/2/2025. at: https://acr.ps/hBxSOIW

Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China. “Foreign Ministry Spokesperson Zhao Lijian’s Regular Press Conference on March 29, 2021.” 29/3/2021. at: https://acr.ps/1L9B9Vt

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. “President Xi Jinping Has a Video Call with US President Joe Biden.” 19/3/2022. at: https://acr.ps/1L9B9qt

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. “Position Paper of the People’s Republic of China on Resolving the Palestinian-Israeli Conflict.” 30/11/2023. at: https://acr.ps/1L9B9G2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. “Wang Yi Has a Phone Call with Iranian Foreign Minister Seyed Abbas Araghchi.” 14/6/2025. at: https://acr.ps/1L9B9lQ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. “Foreign Ministry Spokesperson’s Remarks on the Military Strikes Against Iran by the US and Israel.” 28/2/2026. at: https://acr.ps/1L9Bakc

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. “Foreign Ministry Spokesperson’s Remarks on the US Military Strikes on Venezuela.” 3/1/2026. at: https://acr.ps/hBxSOQZ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. “Wang Yi Has a Phone Call with Omani Foreign Minister Sayyid Badr bin Hamad bin Hamood Albusaidi.” 2/3/2026. at: https://acr.ps/1L9B9D3

Permanent Mission of the People’s Republic of China to the UN. “Explanation of Vote by Ambassador Fu Cong on the UN Security Council Draft Resolution on the Iran-related Situation.” 11/3/2026. at: https://acr.ps/1L9B9B8.

The State Council of Information of the People’s Republic of China. “China’s National Security in the New Era.” 12/ 5/ 2025. at: https://acr.ps/1L9B9Zl.

United Nations. “Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied since 1967, Francesca Albanese: Gaza Genocide: A Collective Crime.” 20/10/2025. at: https://acr.ps/1L9BacR.



[1] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “President Xi Jinping Has a Video Call with US President Joe Biden,” 19/3/2022, accessed on 16/5/2026, at: https://acr.ps/1L9B9qt

[2] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “Position Paper of the People’s Republic of China on Resolving the Palestinian-Israeli Conflict,” 30/11/2023, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9G2

[3] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “Wang Yi Has a Phone Call with Iranian Foreign Minister Seyed Abbas Araghchi,” 14/6/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9lQ

[4] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “Foreign Ministry Spokesperson’s Remarks on the Military Strikes Against Iran by the US and Israel,” 28/11/2026, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9Bakc

[5] United Nations, “Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied since 1967, Francesca Albanese: Gaza Genocide: A Collective Crime,” 20/10/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9BacR.

[6] Erez Linn & Dudi Kogan, “‘A Lie Repeated 1000 Times is Still a Lie’: China's Israel Envoy Hits Back,” Israel Hayom, 7/11/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9R8

[7] Theo Nencini & Veronica Turrini, “Iranian Experts Debate the Future of the Iran-China Relationship After the Twelve-Day War,” ChinaMed Observer, 26/9/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBxSNWE

[8] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “Foreign Ministry Spokesperson Zhao Lijian’s Regular Press Conference on March 29, 2021,” 29/3/2021, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9Vt

[9] “Zarif Lauds China as Iran’s Friend in Difficult Times,” Tasnim News Agency, 28/3/2021, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9UQ

[10] Ibid.

[11] The State Council of Information of the People’s Republic of China, “China’s National Security in the New Era,” 12/5/2025 , accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9Zl

[12] “Iran Did Not Seek Military Help from China or Russia, IRGC Official Says,” Iran International, 3/8/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9Vo

[13] Ata Tabriz, “China’s Limited Support for Iran During War Exposes Partnership Gaps,” IranWire, 5/8/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBxSO4H

[14] Ibid.

[15] Nencini & Turrini.

[16] Ibid.

[17] Ibid.

[18] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “Wang Yi Has a Phone Call with Omani Foreign Minister Sayyid Badr bin Hamad bin Hamood Albusaidi,” 2/3/2026, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9D3

[19] Permanent Mission of the People’s Republic of China to the UN, “Explanation of Vote by Ambassador Fu Cong on the UN Security Council Draft Resolution on the Iran-related Situation,” 11/3/2026 , accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9B8

[20] Ibid.

[21] Ibid.

[22] Nour El-Shaeri, “Saudi Arabia Sees 28.8% Rise in Chinese FDI to reach $8.2bn,” Arab News, 24/8/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9Baaz

[23] Mohammed Al-Sadiq, “Saudi Arabia, China Nurturing Multi-faceted Cooperation Amid Mutual Trust and Shared Interests,” ChinaDaily, 28/11/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba7B

[24] Ministry of Economy and Tourism of the United Arab Emirates, “UAE and China Discuss Investment Opportunities in New Economic Sectors, Trade, Transportation & Technology,” 19/3/2023, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9tA

[25] Ministry of Economy and Tourism of the United Arab Emirates, “UAE and China Agree to Strengthen Collaboration in New Economy, Entrepreneurship, Tourism, Technology, Circular Economy, Aviation, and Logistics Transport,” 27/11/2024, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9DP

[26] Embassy of the People’s Republic of China in the State of Israel, “Chinese Embassy Clarifies Untrue Media Reports Claiming ‘China prohibits investment in Israel’,” 13/11/2026, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9BaeF

[27] “Chinese Embassy in Israel Refutes False Reports Claiming ‘China Bans Investment in Israel’,” Global Times, 13/11/2026, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9ls

[28] Dean Elmas, “China Still Winning Major Israeli Infrastructure Deals,” The Jerusalem Post, 17/11/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9B9ph

[29] Ibid.

[30] “China-Iran Trade Plunges 24% as Sanctions Bite and Beijing Shifts Oil Suppliers,” bne IntelliNews, 24/12/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBxSOsQ

[31] “Chinese are No Longer Willing to Work on Iran Oil Projects,” Iran International, 15/11/2023, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba17

[32] Deng Xiaoping Works, “Restore Agricultural Production 1962,” 7/7/1962, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBxSOAT

[33] Ministry of Foreign Affairs and Expatriates of the Syrian Arab Republic, “President Al-Sharaa Receives Chinese Ambassador Shi Hongwei in Damascus,” 21/2/2025, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBxSOIW

[34] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “Foreign Ministry Spokesperson’s Remarks on the US Military Strikes on Venezuela,” 3/1/2026, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBxSOQZ

[35] Tamsin McMahon & Jennifer A. Dlouhy, “Trump Says He Welcomes China, India Investment in Venezuela Oil,” Bloomberg, 1/2/2026, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBxSNUY

[36] Rong Wei Neo & Andrew Rosati, “China Bought Some Venezuelan Oil From the US, Wright Says,” Bloomberg, 12/2/2026, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBxSO31

[37] “China bought ‘legitimate’ Venezuelan oil from US after Maduro Seizure, Energy Secretary Says,” South China Morning Post, 12/2/2026, accessed on 16/6/2026, at: https://acr.ps/hBxSOb4