العنوان هنا
دراسات 10 فبراير ، 2020

عن السياسة والسياسي والنظرية: تأملات في السجال بين المنهج والنظرية في وظيفة العلوم السياسية

عبد الوهاب الأفندي

أستاذ مشارك في العلوم السياسية في "مركز دراسات الديمقراطية في جامعة وستمينستر" في لندن، ومنسق برنامج الديمقراطية والإسلام في المركز. ويشغل حالياً إضافة إلى ذلك، وظيفة زميل في برنامج المتغيرات الكونية بمجالس البحوث البريطانية. وهو أستاذ زائر في ـ"مركز الدراسات الإسلامية بجامعة كامبريدج". من مؤلفاته: الثورة والإصلاح السياسي في السودان (1995)، و: - Turabi's Revolution: Islam and Power in Sudan (1991). Who Needs an Islamic State? (1991). Rethinking Islam and Modernity (2001). For a State of Peace: Conflict and the Future of Democracy in Sudan (2002) .The Conquest of Muslims Hearts and Minds: Perspectives on U.S. Reforms and Public Diplomacy Strategies (2005). About Muhammad: The Other Western Perspective on the Prophet of Islam (2010). وللأفندي كذلك مساهمات في العديد من الدوريات المتخصصة وفي المؤلفات أدناه: -The Routledge Encyclopedia of Philosophy (1998) -Social Science and Social Conflict Analysis (1993) -Islam and Secularism in the Middle East (2000) -Understanding Democratic Politics (2003) -American Power in the 21st Century (2004) -Islamic Democratic Discourse (2006) -The Blackwell Companion to Contemporary Islamic Thought (2006) كان د. الأفندي عضوا في فريق المؤلفين الأساسيين في تقرير التنمية الإنسانية العربية (2004) وأيضاً أحد معدي تقرير "توطين الإسلام في بريطانيا". (Contextualizing Islam in Britain) 2010 أكمل الأفندي تعليمه في جامعة الخرطوم، وجامعة ويلز، وحصل على الدكتوراه من جامعة ريدنغ في بريطانيا عام 1989، وعمل طيارا (1976 – 1981)، ثم مديراً لتحرير مجلة (أرابيا) (1982 – 1989)، ودبلوماسيا في الخارجية السودانية (1990 – 1994). وحصل في عام 2006 على جائزة العلاّمة إقبال للإبداع في الفكر الإسلامي التي تقدمها مجلة "مسلم نيوزMuslim News" البريطانية. ترجمت كتب الأفندي إلى العربية والمالاوية والتركية.

ملخص

تعرض الدراسة لإشكالات التسييس البنيوي في المعالجات السياسية، وخطر تحوّل السجالات المنهجية إلى مواجهات سياسية، وهو وضع تكرر في السجال المستمر بين دعاة العلموية وخصومهم. وبيّنت الدراسة أن لزوم البعد السياسي، و/ أو التوابع السياسية لكل تناول "علمي" للسياسة، لا يعني بالضرورة القبول بالتسييس الفج. فمن الممكن الاعتراف بالمحتوى السياسي للمعالجة من دون الانزلاق نحو التسييس. من هذا المنطلق، لا يمكن انتقاد التسييس الكامن أو البنيوي، كما في نقد إدوارد سعيد الاستشراق والمركزية الغربية، أن يقارن بالتسييس الفج لأنصار إسرائيل في معركتهم لإخضاع دراسات الشرق الأوسط الأميركية لمصالح إسرائيل واليمين المتطرف. ومن المنطلق نفسه، تتناول الدراسة نقديًا الرأي الذي يسم "دراسات المناطق" في العلوم السياسية بالفقر النظري والدونية العلمية، وتميل إلى دعم الرأي القائل إن ما يُسمّى "معالجات نظرية" هي بدورها "دراسات مناطق" تتخذ من الغرب مبتدأ وخبر التجارب السياسية، وتسعى لتعميم تجاربه على شكل "نظريات" ذات صلاحية كونية.

مقدمة

تواجه دراسة السياسة تحديات ذات طبيعة بنيوية، تشترك في بعضها مع باقي العلوم الاجتماعية، وتنفرد ببعضها الآخر؛ إذ تواجه العلوم الاجتماعية ما وُصف بأنه "أزمة هوية" بسبب طبيعتها التفاعلية، وتداخلها مع موضوعها، في الوقت نفسه الذي يتطلّب طموحها "العلمي" وجودًا موضوعيًا مستقلًا عن هذا الموضوع. وهذا يتطلب مراجعات مستمرة لموضوع هذه العلوم، وإعادة صياغة توجهات، بل هوية، هذه العلوم، في أثناء تفاعلها مع التحديات المعرفية والعملية التي يطرحها التأثر المتبادل بينها وبين موضوع الدراسة. لكن تنفرد العلوم السياسية، بحسب بعض الدارسين، بأنها لم تنجح في إيجاد مسافة كافية بينها وبين موضوعها، كما فعلت تخصصات أخرى أعادت توصيف موضوع دراستها بصورة كرّست استقلاله، مثل "الثقافة" (الأنثروبولوجيا) أو "المجتمع" (علم الاجتماع) أو "الاقتصاد" (علم الاقتصاد). في المقابل، نجد "السياسة" باعتبارها مجالَ دراسة، تطرح تحدّيًا مزدوجًا للتخصص. فمن جهة، هناك فهم مقصود عند البعض وضمني عند الغالبية، بأن لدراسة السياسة في حد ذاتها بعدًا سياسيًا وسعيًا للتأثير في السياسة. لكن من جهة أخرى، يرى التخصص ضرورة عزل نفسه عن الساحة السياسية، والتمترس في أبراج الأكاديمية حتى ينسب إلى نفسه استقلالية و"سلطة علمية". وتعني هذه "الاعتزالية" أن التخصص يفقد تأثيره العملي بسبب هذا التنزه المقصود عن المجال السياسي، لكن من دون أن يدرك مقام "العلم"، تحديدًا لأنه يبقى عملًا سياسيًا بقصد أو من دون قصد، إن نجح في أن يكون ذا تأثير.

يقود هذا إلى سجال آخر لا يزال محتدمًا داخل التخصص بشأن دعوى "العلمية" المرتبطة باسمه، التي يتمسك بها البعض بصورة متشددة تقترب من التنطع. وتجلّى ذلك في الولايات المتحدة، بدءًا من مطلع الخمسينيات في ظهور المدرسة السلوكية Behavioralism التي انتقدت الطابع الوصفي والتاريخي للدراسات السياسية، وتركيزها على المؤسسات، ونادت بأسلوب أكثر علمية في تناول السياسة. واستلهمت هذه المدرسة التوجهات السلوكية في العلوم البيولوجية وعلم النفس، وركّزت على دراسة السلوك الإنساني في الأفراد والجماعات، مفترضةً وجود قوانين تحكم هذا السلوك وتفسّره، ويمكن استخلاصها عبر دراسات علمية متجردة (تفصل بوضوح بين القيم والواقع التجريبي). وينبغي أن تعتمد هذه الدراسات الدقة في تسجيل الوقائع، مستخدمة المنهج الكمي ما أمكن، مع استصحاب فرضية وحدة العلوم، حيث تتكامل نتائج البحث في السياسة مع ما كشفت عنه العلوم الأخرى. لكن، واجهت سيادة المدرسة السلوكية ردة فعل مضادّة في منتصف الستينيات، بقيادة مجموعة سمّت نفسها "التجمع من أجل علوم سياسية جديدة" The Caucus for a New Political Science، أعلنت تمرّدها على ما وصفته بالتنطع و"العلموية" Scientism. ومثّلت هذه الحركة ثورةً مزدوجةً؛ إذ كانت من جهة ثورة منهجية ضد ما وصفته بأنه نهج علموي عقيم، صرَف النظرَ عن الدراسة الحقيقية للسياسة، وتخفّى خلف التقنيات من مواجهة القضايا السياسية. أما من جهة أخرى، فكانت ثورة سياسية "تقدمية" ضد ما وصفته بالتوجهات المحافظة، والخالية من كل توجه نقدي تجاه السياسات الرسمية السائدة، ومراكز الهيمنة القابضة. وهناك ترابط بين المشكلتين؛ حيث يرى الناقدون أن مزعم النأي عن الأحكام الأخلاقية اتُّخذ في الواقع ستارًا لإخفاء تحيّزات قيمية وسياسية تدعم مشروعية الأيديولوجيات المهيمنة والنظم القائمة والسياسات الرسمية. ويدخل في ذلك اعتبار الديمقراطية الأميركية النموذج المثالي الواجب احتذاؤه، والخالي من كل عيب.

* هذه الدراسة منشورة في العدد 41 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2019) من دورية "سياسات عربية" (الصفحات 7-21)وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات كل شهرين.

** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" خلال الفترة الحالية من جائحة كورونا جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.