العنوان هنا
دراسات 27 ديسمبر ، 2020

قراءة الشافعي في سياقه: نحو مقاربة جديدة

الكلمات المفتاحية

عبدالرحمن حللي

باحث ومحاضر في مركز الدراسات الإسلامية بجامعة فرانكفورت.حاصل على درجتي الدكتوراه في العلوم الإسلامية (2004) والماجستير في أصول الدين (1998) من جامعة الزيتونة في تونس، وعلى دبلوم الفقه الإسلامي وأصوله من جامعة دمشق (1995)، وعلى الإجازة في الشريعة من جامعة دمشق (1994).

تعرض هذه الدراسة أهم الاتجاهات في مقاربة شخصية الشافعي التي توزعت بين مناقب ودراسات ومحاكمات، وتقترح مقاربةً بديلة تعتمد على قراءة نصوصه ومقارنتها وتحليلها، وفهمها في ضوء سياقها التاريخي وما يمكن أن تكشف عنه بنفسها، وتركز على قضيتين بُنيت عليهما مواقف حادة منه؛ تتعلق الأولى بأثر أعماله وتنظيره لقواعد قراءة النصوص في التعدد والاختلاف، ومن ثم تتناول عناية الشافعي بالسياق، ومراعاته حيثيات النص اللغوية والتاريخية. أما القضية الثانية فهي تتعلق بموقفه من غير المسلم والجهاد؛ إذ تناقش الدراسة رؤية الشافعي للعالم من خلال تنظيره لموضوع الجهاد في الإسلام وأحكام العلاقة مع غير المسلم، وتنتهي إلى أن ما تكشف عنه نصوص الشافعي يختلف عن الأحكام والتعميمات التي تنسب إليه.

تمهيد

كان التراث الإسلامي، ولا يزال، فاعلًا في الفكر العربي المعاصر، تأثيرًا وتقديسًا واستلابًا، أو منازعة ونقدًا وتشريحًا، فجمد على مآلاته وارتهن بأحكامه، في حين أنهكه آخرون حفرًا وتنقيبًا حتى غدا كُتَلًا مفككة يصعب إعادة بنائها، إلى حدّ أنْ شُبِّهت بعض مقاربات التراث بـ "المذبحة" التي لم تتوقف، بل تنوعت أشكالها بعدد المُدَى التي أُعمِلت في جسده، وأعيد تخيلُه مرات عِدَّة بعدد المناظير التي سلطت على الظُّلْمة التاريخية التي أحاطت به، فتخيله السلفيون نسقًا دينيًا طهوريًا تَدَنَّس تدريجيًا مع تطور الزمان، وقرأه القوميون حركة عروبية، واليساريون نزاعًا طبقيًا، والثوريون استبدادًا متوارثًا، وبعض المتفلسفين ظلامية ضد العقلانية. وهكذا، قلما نجت مقاربة من نزعة مناقبية أو محاكمة ذات مرجعية، فكرية أو مذهبية أو طائفية أو سياسية.

تؤكد هذه الكثافة من الاهتمام المتضاد بالتراث أنه لا يزال حاضرًا وفاعلًا، وأنه في حاجة إلى مقاربات تحاول تجاوز إسقاط القيم المعاصرة عليه، أو الارتهان في قراءته لأفكار مسبقة، أو إنطاقه بما لا يتسع له. ولعل أنجع طريقة لتجاوز هذه المزالق مقاربته من زوايا دقيقة ومحددة، بالاعتماد على نصوصه ومقارنتها وتحليلها، وفهمها في ضوء سياقها التاريخي وما يمكن أن تكشف عنه بنفسها. وهذا ما تسعى إليه هذه الدراسة؛ إذ اتخذت جوانب من شخصية الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت. 204هـ/ 820م) موضوعًا للدراسة، نظرًا إلى ما تحتله من مكانة واهتمام في التراث والفكر المعاصرين، كما يوضح المحور الأول من الدراسة "مقاربات الشافعي: مناقب ودراسات ومحاكمات"، ولما أحاط بشخصية الشافعي من التباس حول أثر أعماله في التعدد والاختلاف، والادعاء أن التنظير لقواعد قراءة النصوص آل إلى قراءة ظاهرية تلغي الاختلاف. 

يتناول المحور الثاني "عناية الشافعي بالسياق: حيثيات النص اللغوية والتاريخية"، ويناقش المحور الأخير أهم قضية فقهية تنسب إلى الشافعي، وتساق شاهدًا على موقفه المناهض للتعددية، من خلال ما نسب إليه من تعليل الجهاد بالكفر؛ إذ يبحث هذا المحور "رؤية الشافعي للعالم: الجهاد والعلاقة مع غير المسلم"، وذلك بتحليل نصوص الشافعي نفسه وآرائه المنثورة في مجمل أعماله التي وصلت إلينا. والعلاقة بين المحاور الثلاثة تكاملية وليست تركيبية، إذ يوضح المحور الأول سعة الاختلاف في شخصية الشافعي وتناقض مقارباته، وهي تمثل نموذجًا لمقاربات التراث عمومًا. وبطبيعة الحال، لن تتسع الدراسة لمناقشة ما سأعرضه منها اكتفاءً بما يفهم من المحورين الثاني والثالث من نقد غير مباشر لها. أما المحور الثاني، فيوضح أن جهد الشافعي في التقعيد والاجتهاد إنما هو محاولة تأويلية لم تُلغِ ما يخالفها، ولم تكن خارج ظروفها وسياقها، في حين يفكك المحور الثالث قضية مشكلة وراهنة تبنى على فكر الشافعي، ويبين أن رؤية الشافعي للجهاد ذات تأويل سياسي للنصوص مرتبط بعصره. ومن مجمل هذه المحاور، يبرر الباحث مشروعية الاعتماد على نصوص التراث لتكشف عن دلالتها التاريخية، مع التحفظ من قراءات التراث بهواجس وقيم معاصرة مسقطة عليه.


** تجدون في موقع دورية "تبيّن" خلال الفترة الحالية من جائحة كورونا جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.