الحرية الأكاديمية في فرنسا
مقالات 24 نوفمبر ، 2025

الرقابة على فلسطين… حين تتحوّل الحرية الأكاديمية إلى امتياز سياسي في فرنسا

هالة اليوسفي

​أستاذة مشاركة في جامعة باريس للعلوم والآداب–دوفين. تشمل اهتماماتها البحثية الثقافة السياسية والممارسات التنظيمية في العالم العربي والتغيير المؤسسي والتنمية الاقتصادية والدراسات الاستعمارية والحركات الاجتماعية. وهي مؤلفة كتاب النقابات العمالية والثورات العربية: حالة الاتحاد العام التونسي للشغل، الصادر عن روتليدج عام 2017.

​​​​ تتصاعد الهجمات على حرية التعبير والبحث الأكاديمي في فرنسا كلما ارتبط الأمر بفلسطين، حتى باتت الظاهرة جزءًا من مشهد يتسع يومًا بعد يوم، بما في ذلك ما حدث مؤخرًا حين ألغى مدير "كوليج دو فرانس" توما رومير المؤتمر الدولي بعنوان "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة".

كان المؤتمر، الذي أشرف على تنظيمه المؤرخ الفرنسي المعروف هنري لورنس بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، سيجمع شخصيات أكاديمية مرموقة، إلى جانب المقررة الخاصة بالأمم المتحدة فرانسيسكا ألبانيزي ووزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان. لم يشفع هذا المستوى العلمي للمؤتمر؛ إذ انطلقت حملة منظمة ضده قادتها صحيفة لو بوان اليمينية ورابطة "مكافحة العنصرية ومعاداة السامية" المؤيدة لإسرائيل، ثمّ تكفلت الشبكات الرقمية التابعة لليمين المتطرف بإثارة موجة تشهير واسعة. وقد روّجت هذه الحملة، بلا أي دليل، لاتهامات تصوّر الحدث على أنه "تجمع مؤيد لحماس" و"حزبي" و"نشطوي"، وليس لقاءً أكاديميًا يضم خبراء مرموقين.

وازداد المشهد خطورة حين كشفت صحيفة بلاست عن شبكة أكاديمية منظمة تُدعى "شبكة الأبحاث حول العنصرية ومعاداة السامية"، وهي قريبة أيديولوجيًا من اليمين المتطرف، تعمل خلف الستار للتأثير في قرارات المؤسسات الجامعية والضغط على القيّمين عليها. وقد أدت هذه الشبكة دورًا مباشرًا في الدفع نحو إلغاء مؤتمر "كوليج دو فرانس".

وجاء تدخّل وزير التعليم العالي الفرنسي، فيليب باتيست، ليضفي شرعيةً ما على الحملة المغرضة، بعدما أعاد تدوير الاتهامات نفسها ووجّه ضغوطًا مباشرة نحو إدارة المؤسسة، متذرعًا بضرورة "حماية الرصانة العلمية"، وذلك في تناقض صارخ مع الدور المنوط بوزارته بشأن حماية الحرية الأكاديمية. وكثيرًا ما تُستدعى شعارات "الحياد" و"التوازن" و"الأمن" لتبرير حملات إسكات تقودها قوى اليمين المتطرف وتحظى بدعم حكومي وإعلامي.

لم يمر الأمر بصمت. فقد وقّع أكثر من 2500 من الباحثين والأساتذة والطلاب عريضة تطالب باستقالة الوزير، معتبرين أن ما حدث يمثل "محاولة ممنهجة لمنع البحث العلمي حول إسرائيل وفلسطين" متى خالف هذا البحث الرواية الرسمية التي يدعمها المؤيدون للسياسات الإسرائيلية.

اتساع دائرة الرقابة

عبّر أساتذة من "كوليج دو فرانس" عن استنكارهم ما وصفوه بـ "الاستسلام"، معتبرين عبر مقال رأي نشرته صحيفة لوموند أنه يفتح مجالًا لـ "سابقة خطيرة" تهدد إمكان النقاش العلمي في أي قضية اجتماعية ما أن تصبح مادة للابتزاز وتدخلات سياسية أو حزبية أو إعلامية تهدف إلى حظرها أو منعها.

لا يمكن النظر إلى هذه الواقعة بوصفها حدثًا منفصلًا؛ فهي جزء من سياق أوسع من الرقابة وقمع الدراسات المتعلقة بفلسطين، وهي أيضًا ظاهرة اشتدت بشكل ملحوظ منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023؛ إذ جرى إلغاء فعاليات أكاديمية، والتشكيك في مشروعية أبحاث علمية، وتوجيه اتهامات خطيرة تمتد من "معاداة السامية" إلى "تمجيد الإرهاب" مستهدفة باحثين متخصصين في شؤون الشرق الأوسط.

ويعكس هذا الهجوم على الأصوات التي تنتقد الدعم الفرنسي غير المشروط لإسرائيل توجهًا أعمّ نحو الحد من مساحة الحرية الأكاديمية. وهذه الظاهرة ليست جديدة ولا مقتصرة على فلسطين؛ ففي عام 2016، شنّ وزير التعليم العالي آنذاك، جان-ميشيل بلانكيه، حملة مشابهة ضد باحثين بدعوى "الإسلامو–يسارية"، في خلط متعمّد بين "التفكير النقدي" و"الإرهاب" و"الإسلام". وفي رسالة تضامنية دعمًا للباحثين المستهدفين، استخدم الموقّعون مصطلح "الاستبداد الأكاديمي" لوصف هجوم الحكومة على الحرية الأكاديمية، وهو وصف يبدو أكثر دقة اليوم في ظل ما تشهده فرنسا.

وأصبح من المألوف، كما يظهر ذلك إلغاء المؤتمر، استهداف بعض مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية أو التشكيك فيها سياسيًا مثل دراسات الجندر والعرق، والدراسات ما بعد الاستعمارية، والدراسات التفكيكية أو نزع الشرعية عنها وعن العاملين فيها من قبل السلطة السياسية. وتُستخدم مصطلحات مثل "ثقافة الإلغاء" و"الصوابية السياسية" و"النزعة الأهلوية" من أصحاب النفوذ لقمع أي مساءلة للنظام الاجتماعي والسياسي السائد، وتصوير الأعمال المناهضة للعنصرية والاستعمارية على أنها دعوات انقسامية أو مناوئة لـ "الجمهورية".

تكشف هذه الهجمات على الحرية الأكاديمية رغبةً في تعزيز السيطرة على إنتاج المعرفة والبحث في فرنسا، إلى جانب مناخ سياسي آخذ في التشدد. ورغم أن هذه الهجمات تتقاطع مع صعود النزعات السلطوية عالميًا، فإن تجلّياتها تختلف بحسب السياق الوطني.

الدولة وإعادة تشكيل الحرية الأكاديمية

إن الحرية الأكاديمية - أي حق الأكاديميين في التعبير عن أفكارهم بلا خوف من الرقابة أو العقاب المؤسسي - ليست حقًا مطلقًا أو امتيازًا مقدسًا، بل هي في جوهرها ثمرة تاريخ معقد من المفاوضات والتوازنات وعلاقات القوة التي تحكم الحقل الأكاديمي محليًا ودوليًا.

إذا تجاوزنا المشهد السياسي والأيديولوجي المأزوم في فرنسا اليوم، وجدنا أن البيئة المؤسسية التي نتجت من تزاوج إصلاحات نيوليبرالية في التعليم مع الميل السلطوي المتزايد لدى الدولة قد أعادت تشكيل العمل الأكاديمي وأضعفت الحريات الأكاديمية.

فخلافًا للنموذج الأميركي الذي يعد الحرية الأكاديمية امتدادًا طبيعيًا لحرية التعبير، تُعامل هذه الحرية في فرنسا ليس بوصفها حقًا مطلقًا، بل بوصفها امتيازًا مهنيًا يُمنح للأكاديميين، حتى لو كانت تحظى بحماية دستورية تضمن استقلال التدريس والبحث.

لقد ترسّخ هذا الامتياز تاريخيًا داخل منظومة جامعية مركزية، يتمتع فيها الأساتذة - بصفتهم موظفين من النخبة يُعيّنون مدى الحياة - بحقوق وضعية تضمن استقلاليتهم، إلا أن هذا النموذج حمل دائمًا تناقضًا جوهريًا؛ إذ تحمي الدولة الحرية الأكاديمية بيد، وتقيدها باليد الأخرى عبر شروطها وأولوياتها. فالمنظومة نفسها التي تحمي الباحثين تمنح السياسيين سلطة تحديد أجندات البحث والتنقل المهني، وتتدخل كلما تعارض العمل الأكاديمي مع توجهات الدولة.

منذ تسعينيات القرن الماضي، جاءت الإصلاحات النيوليبرالية لتزيد الضغط على الحرية الأكاديمية وتزيد من حدة هذا التناقض. فالقوانين، مثل قانون "استقلال الجامعات" لعام 2007 وقانون "التخطيط والبحث" لعام 2020، التي ادّعت منح الجامعات مزيدًا من الاستقلال، أسفرت عمليًا عن تعزيز الإدارة المركزية، وإضعاف الحوكمة الجامعية القائمة على قيادة الأساتذة، وزيادة هشاشة الظروف التي يعمل فيها الباحثون، وربطت البحث بمعايير السوق والمنافسة.

وقد مكّنت هذه الإصلاحات الحكومة من التدخل المباشر في إنتاج المعرفة، سواء عبر قمع بعض المجالات، أو الحد من التمويل، أو الضغط على القيادات الجامعية. وهكذا باتت الحرية الأكاديمية في فرنسا أقرب إلى امتياز مشروط، يُمنح أو يُسحب وفق مدى الانسجام مع المزاج السياسي والتراتبية المؤسسية والبنى الاجتماعية الأوسع.

فلسطين وحدود الاعتراض المسموح به

لا يمكن فهم صعود الفاشية الجديدة في الغرب من دون التوقف عند ارتباطها الوثيق بالعنف الاستعماري والإمبريالي. ورغم كثرة الأصوات التي تدعو إلى التنبّه إلى النزعات الفاشية، فإن ممارسات قمع النشاط المؤيد لفلسطين تكشف تهافت هذه التحذيرات القادمة من الأوساط الليبرالية.

فمنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شهدت الجامعات الفرنسية تصعيدًا غير مسبوق في قمع الدراسات والنشاطات المتعلقة بفلسطين. أُلغيت مؤتمرات، وقُمعت تحركات طلابية، وتعرض أكاديميون لاتهامات بمعاداة السامية و"الإسلامو–يسارية" و"تمجيد الإرهاب"، كما تعرض رؤساء الجامعات لضغوط حكومية من أجل فرض رقابة صارمة على أي تعبير معارض داخل الحرم الجامعي.

واتخذ القمع أشكالًا شتى من الاعتقالات، والرقابة الاستباقية، ومراقبة تحركات الطلبة والأساتذة، واستهداف كل من عبّر عن تضامن مع الفلسطينيين أو قدّم دراسات نقدية لسياسات إسرائيل.

ولا تقتصر المسألة على السياسات الدولية، بل تعكس بوضوح حجم تأثير الإرث الاستعماري والتراتبية العنصرية في تشكيل حدود الحرية الأكاديمية. فالفئات المُهمّشة - العرب والمسلمون خصوصًا - تُقدَّم بوصفها "طوابير خامسة"، ويُصوَّر أي نقد للحرب الإسرائيلية الإبادية باعتباره "تهديدًا للنظام العام" أو "الوحدة الوطنية"، حيث تصوّر فلسطين بوصفها قضية تخص حصرًا الفئات العربية أو الإسلامية.

وما إن تكون فلسطين موضوع النقاش، حتى تتراجع الجامعات التي ترفع شعار الحرية الأكاديمية عن مبادئها؛ ما يكشف الطابع المشروط للحرية الأكاديمية وخضوعها للتنظيم السياسي.

تزعم الدولة أنها تدافع عن الجامعات ضد "التهديدات الأيديولوجية"، لكنها في الواقع هي الفاعل الرئيس في تضييق الحريات وإعادة تشكيل قواعد اللعبة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بفلسطين. فكثيرًا ما يختفي القمع وراء خطاب "الحياد"، ويُبرر إسكات الأصوات النقدية بذريعة "حماية النظام العام".

وبهذا المعنى، تكشف القضية الفلسطينية البنية العميقة للنظام الأكاديمي في ظل النيوليبرالية السلطوية؛ إذ تُستدعى الحرية الأكاديمية على نحو انتقائي للحفاظ على السرديات السائدة، فيما يُهمّش البحث النقدي. بناءً عليه، يتطلب الدفاع الحقيقي عن الحرية الأكاديمية ما هو أكثر من التمسك بها كمبدأ نظري، بل يقتضي مواجهة القوى السياسية والاقتصادية والاستعمارية التي تحدد من يحق له الكلام، وما الذي يُمكن بحثه، وأي نضالات يُعترف بها داخل الجامعة.


المصدر:

Hèla Yousfi, "What censoring Palestine reveals about French academic 'Freedom'", The New Arab, 21/11/2025, accessed on 24/11/2025, at: https://www.newarab.com/opinion/what-censoring-palestine-reveals-about-french-academic-freedom​.