هل تبخّر ما كان صلبًا؟ الجمهورية الإسلامية في مأزق
دراسات 03 يونيو ، 2026

هل تبخّر ما كان صلبًا؟ الجمهورية الإسلامية في مأزق

روزبه بارسي

​باحث في جامعة لند في السويد. حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من الجامعة نفسها عام 2009، وشغل سابقًا منصب رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد السويدي للشؤون العالمية.​

مقدمة

​قابلتُ في إحدى العواصم الأوروبية، في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، دبلوماسيًا إيرانيًا رفيع المستوى ذا خبرة تمتد عقودًا في التعامل مع جهاز السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وسرعان ما انتقل الحديث إلى فوز دونالد ترمب المفاجئ في الانتخابات آنذاك. كان الدبلوماسي متفائلًا؛ إذ افترض، كما فعل كثيرون قبله، أنّ رئيسًا جمهوريًا سيكون شريكًا أكثر وضوحًا ومباشرة، وأنّ السياسة الخارجية الأميركية عقلانية إلى حدٍ بعيد، على الرغم من العدائية المتوقّعة. وإنصافًا لهذا الدبلوماسي، فقد شاركه كثيرون في أوروبا هذا التصوّر الخاطئ الجوهري عن السياسة الأميركية. صحيحٌ أنّ الجمهورية الإسلامية تعرّف نفسها جزئيًا بوصفها نقيضًا للولايات المتحدة الأميركية، إلا أنّ أوروبا تتحكّم فيها ثقافةُ تبنّي العقلانية السياسية الأميركية، فضلًا عن اعتمادها عليها سياسيًا. لكنهم جميعًا كانوا مخطئين؛ إذ غابت عنهم الإشارات الواضحة الدالّة على أنّ الكيان السياسي للولايات المتحدة قد انحرف عن مساره؛ وهو مسار يمكن تتبّعه من خلال ظهور حركة "ماغا" MAGA، أي "لنجعل أميركا عظيمة مجددًا"، وحركة حزب الشاي Tea Party[1]، والرئيس السابق لمجلس النواب نيوت غينغريتش Newt Gingrich، الذي كان وراء الإغلاق الحكومي في عام 1995. وفي هذا السياق، يبدو ترمب تجسيدًا لمشكلة بنيوية فحسب.

لم يكن هذا الخطأ في التقدير ناتجًا من نقصٍ في الذكاء؛ إذ كان المحاور الإيراني من بين ألمع العقول التي قابلتها في الأوساط الدبلوماسية الإيرانية، بل كان فشلًا في المخيّلة السياسية، متجذّرًا في افتراضات بنيوية تتشاركها الجمهورية الإسلامية، للمفارقة، مع القوى الغربية نفسها التي تدّعي عدم الثقة بها. فالولايات المتحدة تنظر إلى نفسها بوصفها فاعلًا عقلانيًا، وغالبًا ما يمنحها كثيرون قرينة الشك في هذا الشأن، بمن فيهم صنّاع القرار في طهران. في المقابل، يسود اعتقاد لدى كثيرين في واشنطن والعواصم الأوروبية مفاده أنّ طهران غير عقلانية وغير مسؤولة. لكنّ النظام السياسي الأميركي ليس عقلانيًا كما يتمنّى كثيرون بحماس، كما أنّ طهران ليست "مجنونة" كما يفترض آخرون باستخفاف. فالهدف الأساسي للقيادة في طهران يكمن في بقاء النظام، أما هدفها الثانوي فيتمثّل في تحقيق مكانة إقليمية والحفاظ عليها. ولا يُعدّ أيّ من هذين الهدفين غير عقلاني، حتى إن لم يؤيّدهما كثيرون، في حين لا يدلّ سلوك تحالفات النخب على أيّ اندفاع متهوّر نحو تمنّي الموت.

يسري هذا التصوّر الخاطئ في الاتجاهين معًا، وتُسهم الحوافز المؤسسية في ترسيخه. فقد تجاهل الفاعلون الدوليون، طوال فترة طويلة، تعقيدات النقاش الداخلي في إيران، وركّزوا حصريًا على المرشد الأعلى؛ وهو انشغال يقلّل من شأن القيود البنيوية التي يتحرّك ضمنها أكثر القادة الإيرانيين براغماتية. وفي المقابل، أخطأت طهران في تقدير قدرة الغرب على اتخاذ قرارات مدمّرة للذات، لأنها تُسقط عقلانيتها الخاصة، الموجّهة نحو تأمين البقاء، على أنظمة تحكمها متطلّبات داخلية مختلفة تمامًا.

ولا يُعدّ هذا التماثل في سوء الإدراك مجرّد مغالطة تحليلية تنسب إلى كل طرف قدرًا من العقلانية أو اللاعقلانية لا ينسجم مع الواقع، بل تترتّب عليه تداعيات جيوسياسية خطيرة تفاقمت على نحوٍ مطّرد منذ الهجوم الذي شنّته حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وتواجه الجمهورية الإسلامية اليوم أزمات متشابكة بلغت من الحدّة درجةً قد تعجز معها بناها القادرة على الصمود، وإن كانت متداعية، عن استيعابها[2]. ولفهم أسباب ذلك، لا ينبغي التطلّع إلى ما يجهله قادة إيران، بل إلى ما يعجزون عن القيام به بأنفسهم.

أولًا: النظام الذي لم يَعُد يعمل

يعتمد نظام الجمهورية الإسلامية على حكم الأقلّية، لا على الدكتاتورية الفردية، وهذه هي آلية بقائه وسقوطه في آنٍ واحد. ويتألف النظام من منظومة تضمّ تيارات ومؤسسات وشبكات رعاية وتعبئة أيديولوجية، يفترض أن تتحرّك جميعها في الاتجاه نفسه عند اتخاذ القرارات الكبرى. وقد استطاعت هذه الآلية غير المتجانسة الاستمرار في العمل على مدى عقود، على الرغم من تناقضاتها الداخلية واختلالاتها الوظيفية. غير أنّ حركة هذه المنظومة بدأت تتباطأ، ويبدو أنها تقترب اليوم من حالة جمود شبه كاملة.

يقوم نظام الجمهورية الإسلامية على مبدأ التوافق. وقد كان على روح الله الخميني، قائد الثورة الإيرانية والحَكَم الأخير فيها، أن يتقبّل حقيقة أنّ النخبة السياسية المحيطة به كانت منقسمة إلى تيارات متنافسة تضمّ راديكاليين ومحافظين ومؤيدين للدولة، وآخرين مؤيدين لاقتصاد السوق الحرّة. وعند المنعطفات الحاسمة، كان يتّخذ القرارات ويفرض على مختلف الشخصيات والتيارات الانصياع لها. وتمثّلت استراتيجيته في توظيف العداء المتبادل بين تلك التيارات لتعزيز موقعه بوصفه الحَكَم الذي لا غنى عنه[3]. أما علي خامنئي، فقد أعلن أنه يسير على النهج نفسه؛ إذ قال في عام 2005 إنّ "التيارَين هما كجناحَي طائر، وبهذين الجناحين تستطيع البلاد أن تحلّق". لكنه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة أن تكون الحكومة موحّدة، وأنّ الولاء الأساسي للدستور شرط للمشاركة في إدارة شؤون البلاد[4]. وبطبيعة الحال، لم يتطرّق إلى أسلوبه التعسفي في تطبيق الدستور وتعطيله متى شاء.

لم يكن خامنئي حين خلف الخميني في منصب المرشد الأعلى، في عام 1989، يمتلك المؤهلات الدينية اللازمة لتولّي المنصب. لذلك، كان لا بدّ من تعديل الدستور للسماح لشخص يتمتع بالسجل الثوري المناسب بالوصول إلى قمة الهرم المؤسسي؛ وهو منصب يتحكّم في السلطة السياسية باسم الدين. وبعد الفتوى التي أصدرها الخميني في عام 1987، ونصّت على أنّ الدولة هي التي تحدّد ما يخدم مصلحة الإسلام، شكّل تعديل الدستور وصعود خامنئي إلى السلطة، في جوهره، المسمار الأخير في نعش الجمهورية الإسلامية بوصفها مشروعًا كان يهدف إلى إنتاج السياسة من خلال الدين[5].

لذلك، لم يكن خامنئي يمتلك السلطة الدينية التي تمتّع بها الخميني، ولا ثقله السياسي. فسعى إلى تعزيز موقعه وسلطته عبر التحالف الوثيق مع ما برز لاحقًا بوصفه جناحًا محافظًا، سياسيًا وثقافيًا، داخل النخبة السياسية. وكان نهجه أقرب إلى ردّ الفعل منه إلى المبادرة؛ إذ تمثّلت رؤيته لإيران، على نحو أساسي، في الحفاظ على المبادئ الثورية، التي لا يوجد إجماع عالمي على جوهرها، ومواجهة النفوذ الغربي. وبعبارة أخرى، سعى إلى الحؤول دون تغلغل العالم الخارجي في المجتمع الإيراني، ومنع المسار الذي بدا حتميًا والمتمثّل في تخلّي المجتمع الإيراني عن الثورة.

أما النظام الذي كان في السابق تنافسيًا وديناميًا، فعلى الرغم من انقساماته، فقد تصلّب مع مرور الوقت ليتحوّل إلى حالة من الجمود القائم على التعطيل المتبادل. وأصبحت قدرة كل فريق على عرقلة عمل منافسه تمثّل سقف طموحه، بل حدود قدرته أيضًا، على نحوٍ متزايد. ولا يعكس النظام القائم على تعدّد مراكز القوى إجماعًا واسعًا، بل يعكس، كما وصفه أحد المحلّلين، "تعدّدية مشاكسة"؛ بحيث تصبح السياسات نتاج المنافسة والتنازلات، بما يولّد حالة من عدم الاتساق والتناقضات[6]. وتمثّلت أكبر أزمة داخل النخبة الحاكمة في تلك التي فجّرتها النتائج المثيرة للجدل للانتخابات الرئاسية في عام 2009. فقد فرض المتشدّدون، بدعم من خامنئي، مرشّحهم محمود أحمدي نجاد، في حين دعم آية الله علي أكبر هاشمي رفسنجاني، أحد الآباء المؤسسين للثورة، المرشّح الأوفر حظًا، رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي. وهنا، تجاوز النظام السياسي حدود المعقول إلى حدّ فقدان الصدقية، عندما اتُّهم رئيس الوزراء السابق، الذي كان يُوصَف بالراديكالية آنذاك وقاد البلاد خلال الحرب على العراق، بأنه عميل للولايات المتحدة. وبعد قمع تظاهرات حاشدة شارك فيها الملايين رفضًا لنتائج الانتخابات الرسمية، خضع عدد من الشخصيات داخل النخبة الحاكمة لمحاكمات صورية، ودِينوا بتهم ملفّقة. ولا يزال موسوي نفسه رهن الإقامة الجبرية حتى اليوم. ولم يلتئم هذا الشرخ قط، وإن شهد نوعًا من الاحتواء الجزئي مع وصول حسن روحاني إلى سدّة الرئاسة، متعهّدًا بحلّ النزاع مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن برنامج تخصيب اليورانيوم[7].

لا يزال المجلس الأعلى للأمن القومي المؤسسة الوحيدة التي يجري فيها التداول بشأن القضايا المصيرية، مثل البرنامج النووي، والردّ على الهجمات الإسرائيلية، وكيفية التعامل مع الاحتجاجات الجماهيرية، وذلك بحضور جميع الأطراف الفاعلة الرئيسة. غير أنّ هذا الإطار يبقى مقيّدًا بالديناميات بين التيارات التي تتخلّل النظام بأسره. وقد عمل مجلس صيانة الدستور، الذي يدقّق في أهلية جميع المرشحين للمناصب المنتخبة، على تقويض الدينامية التنافسية التي يحتاج إليها النظام للحفاظ على شرعيته. ففي الانتخابات الرئاسية لعام 2021، أُفرغت الساحة بالكامل لصالح مرشّح المؤسسة المفضّل، إبراهيم رئيسي، إلى درجة أنّ نسبة المشاركة الشعبية في التصويت انخفضت إلى أدنى مستوى في تاريخ الجمهورية الإسلامية[8].

ولا تكمن المشكلة الأساسية للتيار المحافظ في المقاربات السياسية التي يعتمدها فحسب، بل أيضًا في افتقاره إلى رؤية واضحة خاصة به لإيران. وغالبًا ما يعجز عن اتّخاذ القرارات حتى عندما يمتلك جميع أدوات السلطة. فتماسكه وتركيزه هما، في أغلب الأحيان، نتاج ردّ فعله العدائي تجاه الإصلاحيين ومطالب الشعب بالتغيير. وإذا أُزيل هذا الخصم من المعادلة، فلن يبقى برنامج سياسي واضح، بل فراغ سياسي. لذلك، يبدو المتشدّدون أكثر صخبًا وحضورًا عندما يمارسون هوايتهم المفضّلة، أي مهاجمة الإصلاحيين، مقارنةً باللحظة التي يُطالَبون فيها بشرح تصوّرهم الفعلي لمستقبل البلاد.

ثانيًا: مفارقة المرشد الأعلى

يعود أصل كلمة "ثورة" إلى اللاتينية Revolūtiō، وتعني "الحركة الدائرية". وقد أفضت الطموحات الجامحة للثورة الفرنسية إلى الحكم الإمبراطوري لنابليون بونابرت. وعلى نحوٍ مماثل، يبدو المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية اليوم أشبه بملك، بعدما توسّعت صلاحياته بوضوح خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وأصبح أكثر انخراطًا في شؤون الدولة. وكان خامنئي شخصية محورية لا يمكن تجاهلها، لكنه كان في الوقت نفسه أضعف من أن يُحدث تحوّلًا حقيقيًا. وافتقر كذلك إلى السلطة والرؤية اللازمتين لإخراج الجمهورية، التي ترأسها ما يقارب أربعة عقود، من المأزق الذي أسهم هو نفسه، إلى حدٍّ بعيد، في صنعه.

دعم خامنئي المتشدّدين عند كل منعطف، وغالبًا ما جرى تصويره بوصفه الشخص القادر على تحقيق التوازن بينهم، وهي سردية تخدم مصالحه، لأنّ اختلال التوازن كان في معظمه من صنعه. ولعلّ محاولته حماية النظام كانت من أكثر العوامل التي ساهمت في زعزعته. وقد فشلت استراتيجيته، في الأساس، لأنه لم يكن يمتلك رؤية فعلية للجمهورية الإسلامية. ومع مرور السنوات، ازداد تشدّدًا، فأَولى أهمية متزايدة للسيطرة الأبوية، وأظهر تراجعًا متصاعدًا في ثقته بقدرة الشعب على اختيار مساره بنفسه، حتى في الوقت الذي ظلّ فيه في حاجة إلى الشرعية التي لا يمكن أن توفّرها سوى المشاركة الشعبية في الانتخابات.

ومع ذلك، فإنّ إلقاء اللوم بالكامل على رجل واحد، مهما بلغت مكانته وسلطته، يبقى تبسيطًا مخلًّا. صحيحٌ أنّ خامنئي كان صاحب القرار النهائي، إلا أنّ قراراته كانت مقيّدة بعوامل أيديولوجية ومؤسسية وسياسية. وقد دفعته حاجته إلى تأمين الدعم الداخلي إلى الانحياز على نحو متزايد إلى اليمين، ولا سيما الحرس الثوري، ما فاقم الانقسامات بين التيارات ورسّخ النهج المتشدّد بوصفه الموقف المعياري الذي يتطلّب أيُّ خروج عنه تبريرًا مسبقًا. وهكذا، انتهى الأمر بقائد أصبح يمثّل، في آنٍ واحد، مركز ثقل النظام والعقبة الرئيسة أمام قدرته على التكيّف.

ثالثًا: الاستثناء الذي أثبت القاعدة

على الصعيد الخارجي، كان أقرب ما وصل إليه خامنئي من الحسم قبوله بفكرة التفاوض على اتفاق نووي مع الولايات المتحدة. وقد شكّل ذلك خطوةً خارج منطقة راحته، وربما شعر بالارتياح عندما جاء انسحاب ترمب من الاتفاق، في عام 2018، ليؤكد، من وجهة نظره، صحّة نظرته إلى العالم. وشكّلت خطة العمل الشاملة المشتركة استثناءً في الطريقة التي اعتادت الأطراف المختلفة إدارة علاقاتها في ما بينها، ولعلّ ذلك ما يفسّر نجاحها. غير أنّ هذا الاستثناء تبيّن أنه الاستثناء الذي أثبت القاعدة.

تطلّب الاتفاق النووي الإيراني اصطفافًا استثنائيًا للقوى. فقد احتاجت إيران إلى الخروج من المأزق الاقتصادي الذي فرضته عليها العقوبات الأميركية، في حين أقرّت إدارة باراك أوباما آنذاك بأنّ عقوباتها الاقتصادية على إيران لن تنجح في وضع حدّ لبرنامج تخصيب اليورانيوم. وبناء عليه، كان في استطاعة كل طرف أن يلحق الضرر بالآخر، من دون القدرة على تحقيق أهدافهما عبر الإكراه أو التحدّي وحدهما. وبعد إعادة انتخاب أوباما، أصبح في إمكانه اعتماد مقاربة جديدة. وفي الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي جرت في حزيران/ يونيو 2013، فاز روحاني متعهّدًا بإعادة تفعيل العجلة الدبلوماسية وحلّ المسألة النووية نهائيًا، وكان حينها يشغل موقعًا فريدًا داخل النظام؛ إذ كانت تربطه علاقات وثيقة بالمؤسسة الأمنية والتيار الإصلاحي. وفي أيلول/ سبتمبر 2013، ألقى خامنئي خطابًا وصف فيه استعداد إيران للتفاوض بـ "المرونة البطولية"، وهي عبارة صيغت لحماية هذا المسعى من انتقادات المتشدّدين الذين كانوا ينظرون إلى أيّ تواصل مع الولايات المتحدة بوصفه فعلًا يرقى إلى الخيانة[9].

كشف الاتفاق عن وجود مسار بنّاء على نحو متزايد. فقد مثّل بالنسبة إلى الشعب الإيراني، الذي احتفل بتوقيعه في الشوارع، تعهّدًا بإعادة ربط البلاد بالعالم. لكن ذلك كان، تحديدًا، بمنزلة كابوس لخامنئي والمتشدّدين. فانفتاح إيران على العالم من دون ضوابط يعني أنّ الشعب، الذي بات يعيش في عالم ما بعد الثورة، سيبتعد أكثر فأكثر عن سيطرتهم. أما على المدى البعيد، فإنّ إقامة علاقة طبيعية ومتكاملة مع الولايات المتحدة كانت تمثّل، في نظرهم، سيناريو ميخائيل غورباتشوف؛ وهو انفتاحٌ، ما إن يبدأ، حتى يصبح من المتعذّر السيطرة عليه[10].

انسحب ترمب من الاتفاق النووي في عام 2018، وأعاد فرض العقوبات على نحوٍ أشدّ. ومنحت طهران الاتحاد الأوروبي مهلة عام واحد لإنقاذ الاتفاق وضمان استمرار العمل بالحوافز الاقتصادية التي حصلت عليها إيران مقابل تقليص برنامجها النووي. غير أنّ الاتحاد الأوروبي فشل فشلًا ذريعًا، وأظهر أنه لا يتمتّع باستقلالية استراتيجية في المجال المالي. صحيحٌ أنّ الاتفاق بقي ساريًا من الناحية النظرية، إلا أنّ العقوبات الأميركية القاسية حالت دون التدفقات المالية. لذلك، لجأت طهران إلى استراتيجية قديمة للضغط على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فتوقّفت تدريجيًا عن الالتزام بالاتفاق، ووسّعت أنشطتها المتعلّقة بتخصيب اليورانيوم. أما في الداخل الإيراني، فقد أُلقي اللوم على الرئيس روحاني والإصلاحيين الذين دافعوا عن خطة العمل الشاملة المشتركة، بوصفهم المسؤولين عن المأزق الذي وصلت إليه البلاد. وهكذا، انتهى الاستثناء، وعادت القاعدة لتفرض نفسها من جديد.

رابعًا: العمق الاستراتيجي وانهياره

اعتمدت إيران استراتيجية بناء عمق استراتيجي عبر شبكات تعمل بالوكالة، مثل حزب الله في لبنان، والقوات الحليفة في سورية والعراق، والحوثيين في اليمن، بهدف ردع إسرائيل والتعويض عن القصور في القدرات العسكرية التقليدية. لكن من الواضح أنّ هذه الاستراتيجية باءت بالفشل مع شنّ إسرائيل والولايات المتحدة هجومًا على المنشآت النووية الإيرانية في حزيران/ يونيو 2025. وقد تأكّد هذا الفشل في الردع والعمق الاستراتيجي مع الحرب غير الشرعية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط/ فبراير 2026.

وينطوي هذا الفشل على أبعاد متعدّدة. فقد ارتكزت قوة إيران تاريخيًا على أدوات الفاعل الأضعف؛ أي تكتيكات حرب العصابات القائمة على ممارسة الضغط غير المتكافئ ومنع العدو من بسط سيطرته على الأراضي. غير أنّ التدخّل في سورية شكّل خروجًا عن هذا المبدأ. فالاحتفاظ بالأراضي هو الظرف الذي تكون فيه مجموعات حرب العصابات في أشدّ حالات ضعفها؛ إذ تصبح مكشوفةً أمام القوات النظامية من دون أن تمتلك، في المقابل، مزايا هذه القوات. وهكذا، تحوّلت سورية إلى فشل استراتيجي ووصمة عار أخلاقية، نتيجة نشر ميليشيات ذات طابع مذهبي قوّضت أيّ شرعية كان موقع إيران الإقليمي يدّعي امتلاكها في السابق.

والأهم من ذلك أنّ هذه الاستراتيجية استندت إلى افتراض بشأن العقلانية الإسرائيلية والأميركية، تبيّن لاحقًا أنه افتراض خاطئ. فقد افترضت طهران أنّ الولايات المتحدة ستدرك أنّ الحرب ستكون باهظة التكلفة على جميع المستويات، وأنّ نتائجها لن تكون محسومة سلفًا، ومن ثم فهي لا تستحقّ المخاطرة. واعتقدت كذلك أنّ ضبط النفس الذي أبدته خلال عملية القصف وتبادل الصواريخ والمسيّرات مع إسرائيل في عام 2024، ثم خلال حرب الاثني عشر يومًا في حزيران/ يونيو 2025، يُظهر أنها طرف مسؤول لا يسعى إلى تصعيد النزاع المتأجّج. لكنّ واشنطن وتل أبيب فسّرتا هذا السلوك بوصفه علامة ضعف وعجز عن الردّ بقوة.

نادرًا ما تردّدت إسرائيل في اللجوء إلى استخدام القوة عندما شعرت بالتهديد أو رأت أنّ مصالحها مهدّدة على المستوى الاستراتيجي. وقد بات واضحًا، عبر تاريخ احتلال الأراضي الفلسطينية، أنّ النخبة السياسية الإسرائيلية تُفضّل العمليات العسكرية القصيرة الأمد التي تُسهم في إرجاء الاستحقاقات والقرارات السياسية الصعبة وتأجيل تنفيذها. ومنذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، انتقلت إسرائيل إلى موقع الهجوم، وهي واثقة بأنّ عملياتها العسكرية تحظى بغطاء ودعم سياسي واقتصادي ولوجستي كامل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. غير أنّ التعويل على إدراك الجميع لحماقة المخاطرة بحرب إقليمية لا ينجح إلا إذا كان الطرف الآخر يعتقد أنه عاجز عن تحمّل تكلفتها، أو أنّ هناك أصلًا ثمنًا سيُدفَع. أما الإبادة الجماعية المستمرّة التي ترتكبها إسرائيل في غزة، وسط إفلات شبه تام من العقاب، فتشير إلى أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يعتقد أنّ إسرائيل ستُحاسَب على أيّ من مغامراتها العسكرية[11].

غالبًا ما يسود اعتقاد مؤداه أنّ الدول التي تنافس الولايات المتحدة أو تعاديها ستدخل في تحالفات في ما بينها. صحيحٌ أنّ روسيا وإيران والصين تمتلك أسبابًا تدفعها إلى التقاطع في الرؤية بشأن الهيمنة الأميركية، إلا أنّ ذلك لا يرقى إلى مستوى التحالف. ومع أنّ الصين تشتري بعض النفط من إيران، وإن بكميات ضئيلة مقارنةً بحجم تبادلاتها الاقتصادية مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، فإنها لم تُبدِ حتى الآن استعدادًا لتوظيف نفوذها السياسي لمساعدة إيران ضمن الردود المتبادلة بينها وبين الولايات المتحدة. وفي ظلّ هذه الظروف، لا يُعدّ الغموض النووي على النمط الإسرائيلي ميزة، بل يشكّل عبئًا أكثر منه أداة ردع. فالنزاع الشامل الذي تخوضه إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك الحرب الدائرة حاليًا، يمثّل، إلى حدٍّ ما، مأزقًا أسهمت إيران نفسها في صنعه، ولا يبدو أنّ الصين معنيّة بالاستثمار في حلّه. ولهذه الأسباب، لعلّ الجمهورية الإسلامية لم تبلغ يومًا هذا المستوى من العزلة الدولية منذ حربها مع العراق.

خامسًا: الخوف من الشعب أكثر من العدو

يُروى أنّ فريدريك وليام الثالث، ملك بروسيا، رفض خطة تقضي بتسليح شعبه لمقاومة جيش نابليون الذي غزا مملكته، خشية أن يؤدّي ذلك إلى تمرّد ضدّ حكمه الاستبدادي[12]. وعلى نحوٍ مماثل، بدأت النخبة السياسية والعسكرية في إيران تدرك أنّ إساءة معاملة شعبها تُحدث ثغرات في الداخل، استغلّتها إسرائيل لصالحها.

ولا يُعدّ نمط الاغتراب الداخلي أمرًا جديدًا، بل إنّ الجديد يتمثّل في تسارع وتيرته. فقد شهدت إيران تصاعدًا مطّردًا في وتيرة الاحتجاجات وعدد المشاركين فيها، بدءًا من الاحتجاجات اليومية الناجمة عن اختلالات في منظومة الحكم، وصولًا إلى الاحتجاجات ذات الدوافع السياسية المباشرة، كما حدث في أعوام 1999 و2009 و2017 و2018 و2019 و2022. وكانت كل موجة احتجاجية أوسع نطاقًا وأكثر راديكالية، وموجّهة على نحو أكثر وضوحًا إلى النظام نفسه بدلًا من التركيز على مظالم محدّدة. وقد بلغ الاتجاه المقلق المتمثّل في تصاعد استخدام العنف ضدّ المتظاهرين مستويات غير مسبوقة في كانون الثاني/ يناير 2026، حين قُتل أكثر من سبعة آلاف شخص[13]. ويشكّل ذلك إضفاءً كاملًا للطابع العسكري على كيفية تعامل الدولة مع الاحتجاجات الجماهيرية. ومع أنّ هذا الاتجاه كان قائمًا بالفعل، فإنه يصعب عدم قراءة هذا الحدث في ضوء حرب حزيران/ يونيو 2025، التي كانت تراهن فيها إسرائيل والولايات المتحدة على أن تؤدي الضربات العسكرية إلى إشعال موجة اضطرابات واسعة تعجز الجمهورية الإسلامية عن التعافي منها، لكن ذلك لم يحدث. ومع تصاعد الاحتجاجات بسرعة في كانون الثاني/ يناير، بدا أنّ طهران أرادت استعراض قوتها الردعية في الداخل بوصفها بديلًا من الردع المتعثّر في الخارج أو مكمّلًا له. وبغضّ النظر عن تصوّر السلطة للتهديد ودوافعها، فقد ساهمت هذه الجريمة الكبيرة في حقّ المواطنين في تعميق الهوّة القائمة أصلًا بين أغلبية المجتمع الإيراني والدولة.

كانت الجمهورية الإسلامية تعاني أزمة شرعية في نظر مواطنيها بلغت مستويات غير مسبوقة. غير أنّ أحداث كانون الثاني/ يناير ذهبت أبعد من ذلك؛ إذ ساهمت في تقويض سلطة النظام نفسها. وبصيغة قد تبدو تبسيطية إلى حدٍّ ما، يمكن النظر إلى جوهر أيّ دولة بوصفه علاقة بين العنف والسلطة والشرعية. فالدولة لا تستطيع الاستمرار في الاعتماد على القوة وحدها، كما حاجّ ماكس فيبر؛ إذ عندما تتحوّل القوة إلى أداة الحكم الوحيدة، تتبدّد السلطة نفسها، كما أوضحت حنة أرندت[14]. ومن هذا المنطلق، يمكن اكتساب الشرعية عبر توفير الخدمات الأساسية للمجتمع والمواطنين، ومنحهم أملًا بالمستقبل، لكن القليل فقط من ذلك بقي قائمًا في ظلّ عقوبات ترمب وقيادة خامنئي المتخبّطة. فالحكم لا يكتسب معنًى حقيقيًا إلا حين تكون الشرعية هدفًا تسعى الدولة إلى تحقيقه.

وبلغة السياسة الانتخابية، كان خامنئي يشدّد على أنّ ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات دليل على الدعم الشعبي للجمهورية الإسلامية. غير أنّ المتشدّدين داخل التيار المحافظ يدركون محدودية شعبيتهم بين الناخبين. لذلك، عملوا على استبعاد جميع المرشحين المنافسين عبر مجلس صيانة الدستور، بما يضمن لهم الأغلبية التي يحتاجون إليها، ولو على حساب نسبة المشاركة التي يزعمون أنها تضفي الشرعية على النظام. وقد شكّلت انتخابات عام 2021، التي شهدت أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، النتيجة المنطقية لهذه الاستراتيجية. حتى إنّ بعض المحافظين طرحوا فكرة إلغاء الانتخابات الرئاسية المباشرة، واستبدالها بنظام برلماني يُختار فيه رئيس الوزراء من هيئة تشريعية أُفرغت مسبقًا من أيّ صوت معارض.

ويقتضي الأمر هنا التمييز بين مسألتين أساسيتين، وهو تمييز اضطرت الجمهورية الإسلامية نفسها إلى الإقرار به. فعندما شنّت إسرائيل عملياتها العسكرية بين عامي 2024 و2025، كان الالتفاف الشعبي حول العَلم نابعًا من فكرة الأمة الإيرانية والدولة التي تحكمها وتدافع عنها، لا من الجمهورية الإسلامية بوصفها مشروعًا أيديولوجيًا. وقد أدرك النظام ذلك، ولذلك ركّز على استحضار الأمة الإيرانية والتأكيد عليها بدلًا من استحضار قضية الثورة. وشكّل ذلك تأكيدًا إضافيًا على أنّ القومية تُعدّ من بين أكثر المشاريع نجاحًا التي أنجزتها الدولة خلال المئة عام الأخيرة من التاريخ الإيراني. بعبارة أخرى، تدرك النخبة السياسية في الجمهورية الإسلامية جيدًا أنّ المجتمع الإيراني تجاوز الثورة ووعودها البالية التي لم تتحقّق، وأنّ أيّ عملية تعبئة تتطلّب استحضار الشعور بالانتماء الوطني.

أما الركيزة الأساسية الأخرى لحكم الدولة فهي السلطة، التي تمثّل الحدّ الأدنى اللازم لاستمرار الدولة؛ أي قدرتها على حمل المواطنين على الانصياع لها حتى خلافًا لرغباتهم، انطلاقًا من افتراض أنّ الدولة تعرف ما الأفضل لهم، وأنها ستوفّر، في المقابل، الحدّ الأدنى من الأمن للسكان. غير أنّ هذه الركيزة تعرّضت لتقويض كبير في كانون الثاني/ يناير 2026، أو أصبحت، في الحدّ الأدنى، موضع شك.

سادسًا: ليست نهاية، بل بداية تآكل؟

يبقى من الأوهام الراسخة الاعتقاد بأنّ السياسيين كانوا سيتّخذون قرارات أفضل لو كانوا أكثر اطّلاعًا فحسب. وفي هذا السياق، أشارت المؤرخة الأميركية باربرا توكمان إلى أنّ المشكلة لا تكمن، في أغلب الأحيان، في نقص البصيرة أو غياب المعرفة، بل في امتلاك الشجاعة للمخاطرة بالحياة السياسية ورأس المال السياسي؛ أي الشجاعة على التوقّف عن اجترار السياسات السابقة والمضيّ في اتجاه آخر[15].

وإذا كان الكابوس الذي يؤرّق كل ثوري هو الثورة المضادة، وكان الكابوس الثاني هو التدخّل الأجنبي الداعم لها، فإنّ المتشدّدين في إيران عملوا بعناية، من خلال أفعالهم وتقاعسهم على حد سواء، على صناعة مزيج مدمّر من الاثنين. وقد شكّل العداء المتصلّب لدى المؤسسة الدينية المتشدّدة تجاه تحمّل التكلفة الداخلية التي يتطلّبها أيّ انفتاح حقيقي العقبة الأكبر أمام قدرة إيران على المناورة ضمن المشهد الجيوسياسي وإدارة مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. وهم يدركون طبيعة المشكلات القائمة، حتى تلك المرتبطة مباشرةً بمَواطن ضعفهم. لذلك، لا تكمن المشكلة في الجهل، بل في غياب الشجاعة السياسية والاستعداد لتحمّل تكلفة سياسية من أجل رسم مسار يؤتي ثماره على المدى البعيد.

تميل الأنظمة التي أصابها الخلل إلى الاستمرار فترةً أطول مما يرغب كثيرون في الاعتراف به. ومن المبالغة الادّعاء بأنّ ما يجري يمثّل، وفق منطق حتمي، بداية النهاية. لكن حتى إن لم يكن الأمر نهايةً فعلية، فهو على الأقل سلسلة من المحاولات المتكرّرة التي تُنهك المجتمع الإيراني وتؤدي إلى اهتراء الدولة.

وتتقاطع الأزمات المتشابكة، الاقتصادية والسلم المجتمعي والسياسة الخارجية وخطر الحرب، مع تفكّك النخبة السياسية على نحو متزايد. ويكمن السؤال في إذا ما كان لا يزال هناك عدد كافٍ من الناس، على الجانب الآخر من الانقسام، أي داخل المجتمع، مستعدّين للإصغاء إلى المسؤولين الرسميين وتصديق ادّعاءاتهم بأنهم قادرون، هذه المرّة، على تحسين الأوضاع. وبالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، لم تعد المعادلة التبسيطية للسياسة الداخلية، أي الإصلاحيين في مواجهة المتشدّدين، تلقى صدى لديهم. فلم ينجح أيّ من الطرفين في تقديم رؤية أفضل لإيران وتنفيذها. صحيحٌ أنّ من صُنّفوا بوصفهم إصلاحيين كانوا يمتلكون، على الأقل، تصوّرًا لكيفية المضيّ قدمًا، غير أنّ المتشدّدين كانوا يعرقلون كل خطوة يقومون بها. أما المتشدّدون التقليديون، على وجه الخصوص، فقد شكّلت عرقلة عمل الإصلاحيين هدفهم الأساسي والعامل الذي حافظ على تماسكهم.

وتكمن الأهمية في كيفية حدوث التغيير ومدى عمقه. صحيحٌ أنّ كثيرًا من الإيرانيين باتوا ينظرون إلى مفهوم الإصلاح نظرة سلبية، إلا أنّ الحقيقة تبقى أنّ التغيير، إذا جاء نتيجة ضغط داخلي، سيكون أقلّ حدّة وأقلّ دموية أيضًا. أما إذا تحقق عبر حرب مفتعلة من الخارج، فستكون النتيجة النهائية أكثر فوضوية، ومن غير المرجّح أن تفضي إلى الاستقرار. وقد يكون المتشدّدون، في سعيهم الحثيث لمنع الاحتمال الأول، إنما يمهّدون فعليًا لوقوع الاحتمال الثاني. ولعلّ هذه هي المفارقة الأشدّ قسوة في سردية لا تخلو أصلًا من المفارقات.

ملاحظة ختامية

يكتسب النقاش المطروح في هذه الورقة، من نواحٍ عديدة، دلالة جديدة في ظلّ القمع العنيف للاحتجاجات في كانون الثاني/ يناير 2026، والحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل في شباط/ فبراير 2026. وقد يفضي هذان الحدثان إلى عواقب وخيمة وبعيدة المدى. فالحدث الأول يوحي بأنّ شيئًا ما قد انكسر، وفي حين يُعدّ إصلاحه مهمّة شاقة في حدّ ذاتها، فإنّ الحرب التي أعقبته قد تجعل هذا التحدّي غير ذي جدوى. وعلى أيّ حال، يُشكّل اغتيال خامنئي نهاية أطول مرحلة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. صحيحٌ أنّ وفاته كانت ستشكّل نهاية فصل من التاريخ، لكن "استشهاده" سيضفي، من دون شك، مزيدًا من البطولة على إرثه في نظر أنصاره. أما استبداله بابنه مجتبى، فيرتبط إلى حدّ بعيد بظروف الحرب؛ أي إنه يمثّل نوعًا من الاستمرارية في الحكم، ولكن بصيغة مختلفة، إن صحّ التعبير. وستكون التداعيات الطويلة الأمد كبيرة جدًا إذا استمرّت الجمهورية الإسلامية. فمن خلال هذا الخيار، سيبدو منصب المرشد الأعلى أقرب إلى نظام ملكي، وهي ظاهرة ستجد الجمهورية الإسلامية صعوبة في تبريرها.

ومن الواضح أنّ ترمب يبدّل موقفه يوميًا بشأن مبرّرات الحرب وأهدافها؛ فقد بدأ الحرب أولًا، ثم شرع في البحث عن استراتيجية لها. أما إسرائيل، فتبدو أهدافها أكثر وضوحًا: تدمير الدولة الإيرانية بوصفها كيانًا قادرًا على العمل[16]. وكل يوم تتعرّض فيه إيران لقصف مكثّف، وما يرافقه من تدمير للأرواح والممتلكات والبنية التحتية، سيدفعها أكثر نحو تلك الهاوية.

وإذا نجت الجمهورية الإسلامية من هذه الحرب، فستدخل فصلًا جديدًا وأكثر قتامة في تاريخها. أما إذا أدّت الحرب إلى تدميرها، من دون وجود قوة قادرة على تولّي زمام السلطة، فإنّ البلاد ستواجه خطر الدخول في مرحلة طويلة لا يبقى فيها أيّ أساس متين يمكن البناء عليه. وليس واضحًا إذا ما كان سينبثق نظام سياسي جديد من بين هذا الركام والفوضى. غير أنّ البلاد قد تختبر مجددًا، في غياب المصالحة المجتمعية والسلم، أنّ الثورات تلتهم أبناءها، وأنّ الحروب تلتهم ما تُخلّفه الثورات وراءها.


المراجع​

Arendt, Hannah. On Violence. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1970.

Arjomand, Saïd Amir. After Khomeini: Iran Under His Successors. Oxford: Oxford University Press, 2009.

________. Sociology of Shiʿite Islam: Collected Essays. Leiden/ Boston: Brill, 2016.

Brumberg, Daniel & Farideh Farhi (eds.). Power and Change in Iran: Politics of Contention and Conciliation. Bloomington: Indiana University Press, 2016.

Chubin, Shahram. Iran’s National Security Policy: Capabilities, Intentions, and Impact. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 1994.

Clark, Christopher. Iron Kingdom: The Rise and Downfall of Prussia, 1600-1947. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2006.

“Israel has Committed Genocide in the Gaza Strip, UN Commission Finds.” Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR). 16/9/2025. at: https://acr.ps/1L9B9jZ

Kamrava, Mehran. “Iran’s Domestic Politics One Year into the Raisi Presidency.” The Muslim World. vol. 113, no. 1-2 (2023).

Lawrence, Michael et al. “Global Polycrisis: The Causal Mechanisms of Crisis Entanglement.” Global Sustainability. vol. 7, no. e5 (2024).

Lim, Kevjn. “National Security Decision-Making in Iran.” Comparative Strategy. vol. 34, no. 2 (2015).

Moslem, Mehdi. Factional Politics in Post-Khomeini Iran. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2002.

Paret, Peter. Yorck and the Era of Prussian Reform, 1807-1815. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1966.

Parsi, Rouzbeh. “Iran in the Shadow of the 2009 Presidential Elections.” Occasional Paper. no. 90. European Union Institute for Security Studies (April 2011). at: https://acr.ps/1L9BalC

_________ (ed.) Iran: A Revolutionary Republic in Transition. Paris: European Union Institute for Security Studies, 2012. at: https://acr.ps/1L9B9Oy

Shakibi, Zhand. Khatami and Gorbachev: Politics of Change in the Islamic Republic of Iran and the USSR. London: Bloomsbury Publishing, 2010.

Tuchman, Barbara W. The March of Folly: From Troy to Vietnam. New York: Knopf, 1984.

Weber, Max. Economy and Society: A New Translation. Keith Tribe (ed. & trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press, 2019.



[1] هي حركة سياسية شعبوية محافظة ظهرت في الولايات المتحدة في عام 2009 ضمن التيار اليميني للحزب الجمهوري، واتسمت بمعارضتها لارتفاع الضرائب وتوسّع دور الحكومة الفدرالية، وتبنّت خطابًا قوميًا محافظًا مهّد لاحقًا لصعود التيار الترمبي في السياسة الأميركية. (المترجمة)

[2] Adam Tooze, “Welcome to the World of the Polycrisis,” Financial Times, 28/10/2022, accessed on 25/5/2026, at: https://acr.ps/1L9B9iT; Michael Lawrence et al., “Global Polycrisis: The Causal Mechanisms of Crisis Entanglement,” Global Sustainability, vol. 7, no. e5 (2024).

[3] عن موازنة الخميني المتعمّدة بين التيارات، ينظر:

Mehdi Moslem, Factional Politics in Post-Khomeini Iran (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2002), p. 4; Daniel Brumberg & Farideh Farhi (eds.), Power and Change in Iran: Politics of Contention and Conciliation (Bloomington: Indiana University Press, 2016).

[4] "بیانات در دیدار جمعی از دانشجویان استان کرمان [تصريحات بعد اجتماع مع الطلاب في محافظة كرمان]"، الموقع الرسمي لقائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي، 9/5/2005، شوهد في 25/5/2026، في: https://acr.ps/1L9BadU (بالفارسية)

[5] Saïd Amir Arjomand, Sociology of Shiʿite Islam: Collected Essays (Leiden/ Boston: Brill, 2016); Rouzbeh Parsi (ed.), Iran: A Revolutionary Republic in Transition (Paris: European Union Institute for Security Studies, 2012), accessed on 25/5/2026, at: https://acr.ps/1L9B9Oy

[6] Kevjn Lim, “National Security Decision-Making in Iran,” Comparative Strategy, vol. 34, no. 2 (2015), p. 151; Shahram Chubin, Iran’s National Security Policy: Capabilities, Intentions, and Impact (Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 1994), p. 67.

[7] Saïd Amir Arjomand, After Khomeini: Iran Under His Successors (New York: Oxford University Press, 2009); Rouzbeh Parsi, “Iran in the Shadow of the 2009 Presidential Elections,” Occasional Paper, no. 90, European Union Institute for Security Studies (April 2011), accessed on 25/5/2026, at: https://acr.ps/1L9BalC

[8] Mehran Kamrava, “Iran’s Domestic Politics One Year into the Raisi Presidency,” The Muslim World, vol. 113, no. 1-2 (2023), pp. 3-5.

[9] Ali Khamenei, “Leader’s Speech in Meeting with Commanders of Islamic Revolutionary Guards Corps,” The Official Website of Ayatollah Khamenei, 17/9/2013, accessed on 25/5/2026, https://acr.ps/hBxMvI4

[10] Jafar Hassankhani, “The Gorbachev Moment: Analysis of the Latest Move of the Radical Reformists,” Tasnim News Agency, 19/8/2025, accessed on 25/5/2026 https://acr.ps/1L9B9JH;

ينظر أيضًا:

Zhand Shakibi, Khatami and Gorbachev: Politics of Change in the Islamic Republic of Iran and the USSR (London: Bloomsbury Publishing, 2010).

[11] “Israel has Committed Genocide in the Gaza Strip, UN Commission Finds,” Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR), 16/9/2025, accessed on 25/5/2026, at: https://acr.ps/1L9B9jZ; Omer Bartov, “I’m a Genocide Scholar. I Know it When I See it,” The New York Times, 15/7/2025, accessed on 25/5/2026, at: https://acr.ps/1L9Baky

[12] Peter Paret, Yorck and the Era of Prussian Reform, 1807-1815 (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1966), pp. 155-57.

[13] “The Crimson Winter: A 50 Day Record of Iran’s 2025–2026 Nationwide Protests,” Human Rights Activists News Agency (HRANA), 23/2/2026, accessed on 25/5/2026, at: https://acr.ps/1L9B9GX

[14] Max Weber, Economy and Society: A New Translation, Keith Tribe (ed. & trans.) (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2019 [1922]), pp. 338-39; Hannah Arendt, On Violence (New York: Harcourt, Brace & World, 1969), pp. 43-56.

[15] Barbara W. Tuchman, The March of Folly: From Troy to Vietnam (New York: Knopf, 1984).

[16] Rouzbeh Parsi, “Here’s What the Iranian Regime Is Thinking,” The Times of India, 3/3/2026, accessed on 25/5/2026, at: https://acr.ps/1L9B9XO