الحرب على إيران 2026
مقالات 08 مارس ، 2026

مهران كامرافا

يرأس وحدة الدراسات الإيرانية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهو أستاذ في جامعة جورجتاون، قطر. نشر عددًا من الدراسات المحكّمة والكتب بما في ذلك كتابيه الصادرين حديثًا: تاريخ موجز للثورة (2020) وداخل الدولة العربية (2018).

​​​في 28 شباط/ فبراير 2026، وبعد أشهر من التوتر والتكهنات، شنَّت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية هجومًا مشتركًا على إيران. بدأت الهجمات بقصف المجمع الذي يقطنه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، وهجمات واسعة النطاق في طهران وبقية أنحاء البلاد. وجاء الردّ الإيراني في غضون ساعة؛ إذ أُطلقت صواريخ إيرانية في اتجاه تل أبيب وحيفا وأهداف إسرائيلية أخرى. وسرعان ما بدأ استهداف القواعد العسكرية الأميركية في الدول المجاورة، لا سيما في البحرين وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة، بالصواريخ الإيرانية، كما وعدت طهران مرارًا وتكرارًا.

هذه هي المرّة الثانية التي تشنّ فيها الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا على إيران في أقل من عام. كانت المرة الأولى، في حزيران/ يونيو 2025، فيما عُرف بحرب الاثني عشر يومًا، واقتصر ردُّ إيران على إسرائيل، مع هجوم وحيد على المقر الإقليمي للقيادة المركزية الأميركية، الكائن في قاعدة العديد في قطر. أمّا هذه المرة، فكان رد إيران سريعًا وشرسًا كما يبدو، ومفاجئًا في نطاقه الجغرافي؛ إذ امتد من الكويت شمالًا إلى عُمان جنوبًا. واستُهدفت قاعدة للبحرية الأميركية في البحرين، وفندق في المنامة قيل إنّ عسكريين أميركيين كانوا يستخدمونه، إضافة إلى مطارَي الكويت ودبي الدوليين، وفندق برج العرب الشهير، وميناء جبل علي، ومواقع متعددة أخرى في أبو ظبي، وبالطبع المقر المتقدم للقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في قاعدة العديد. وتعرّضت إيران، في الوقت ذاته، لقصف من الولايات المتحدة وإسرائيل على هواهما، لأنّ سلاحها الجوي لا وجود له، ودفاعاتها الجوية ليست أفضل حالًا. ولا تزال الحرب مستمرة بلا نهاية تلوح في الأفق. يقصف الأميركيون والإسرائيليون إيران ليلًا ونهارًا، وتطلق إيران الصواريخ على إسرائيل وعلى السفن البحرية الأميركية. أمّا بقية المنطقة، فتراقب الوضع بقلق، وتعترض بين الحين والآخر طائرات إيرانية مسيرة وصواريخ.

قلّةٌ هم الذين يمكن أن يدّعوا أنّ الحرب فاجأتهم. فعلى مدى أشهر، والحكومة الإيرانية تقول إنّها تتوقعها. أمّا دونالد ترمب الذي لا يتردد أبدًا في التباهي، فقد هدّد مرارًا بأنه إذا لم تستجب إيران لمطالبه، التي كانت تتبدَّل من مؤتمر صحفي إلى آخر، فإنّ القوة العسكرية الأميركية كلّها ستُسخَّر ضدها. ولطالما كانت نيات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واضحة على مدى سنوات، لا سيما خلال حرب الاثني عشر يومًا، حين لم يسعَ لإلحاق هزيمة عسكرية بإيران فحسب، بل لبثّ الفوضى والتفتت في أرجاء البلاد أيضًا. في تلك الحرب، ركّزت إحدى أشدّ حملات القصف الإسرائيلية على سجن طهران المركزي؛ إذ أَمِل نتنياهو أن يعيث السجناء الهاربون فسادًا ويتسببوا في انهيار الجمهورية الإسلامية. وحين انتهت الحرب، لم تنته مهمة إسرائيل. ذلك أنّ شيئًا أقلّ من إسقاط الجمهورية الإسلامية ما كان لينهيها. ومن هنا جاء الهجوم الحالي.

أولًا: ردّ إيران على الحرب

على غرار حرب الاثني عشر يومًا، تنظر الجمهورية الإسلامية إلى الحرب الحالية على أنّها تهديد وجودي. ولذلك تنظر إلى التصعيد على أنّه خيار ناجع يضمن استهداف أكبر عددٍ ممكن من الأصول الأميركية والإضرار بها، إن لم يكن تدميرها كليًا، في أكبر عددٍ ممكن من المواقع حول إيران. وهذا ما يُفسر شنّ هجمات متكررة على أهداف ومواقع ذات صلة بالولايات المتحدة في منطقة الخليج، لا سيما في الإمارات والبحرين والكويت وقطر.

ثمَّة دافعٌ إضافي وراء الهجمات الإيرانية يعود إلى تركيبة قادة الحرس الثوري؛ إذ يقوده الآن جيلٌ من الضباط أصغر وأكثر راديكالية، متلهف لأن يثبت لإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج العربية خطأ الافتراض أنّ إيران ضعيفة عسكريًا. ويرى هؤلاء أنّ مجرّد صدّ الهجمات المتزامنة التي تشنّها قوتان نوويتان، هما إسرائيل والولايات المتحدة، يُعدُّ نصرًا في حدِّ ذاته. أمّا إلحاق الخسائر بهذين المهاجمين فهو دليلٌ على مزيد من القوة.

يبدو أنّ استراتيجية إيران العسكرية خلال الحرب تطورت بسرعة. فبعد أن انشغلت في البداية بالدفاع عن النفس، تحوّلت خلال أيام إلى إحداث دمار واسع عابر لحدود عدد من البلدان، كي توزّع ألمها على أكبر عدد ممكن من حلفاء واشنطن. ولم تمض أيام قليلة على اندلاع الحرب حتى بدأت إيران باستهداف منشآت النفط والغاز في السعودية وقطر التي يُفترض أنّها صديقتها من قبل، بهدف عرقلة التجارة العالمية والاقتصاد الدولي. ولقد صُدَّت هجمات إيران الخفيفة هذه المرّة. لكن ضربة ناجحة واحدة يمكن أن تُخلّف عواقب وخيمة على الصعيد العالمي.

يسهل إشعال الحروب، غير أنّه يصعب إخمادها. ولطالما كانت استراتيجية إسرائيل واضحة، وهي تغيير النظام، وتفكيك ترسانة إيران الصاروخية، وبثّ الفتنة والفوضى في أرجاء البلاد، وتشجيع مختلف الجماعات الإثنية على المطالبة بالحكم الذاتي. أمّا الولايات المتحدة، فيبدو أنّها لا تمتلك استراتيجية واضحة أو غاية قصوى تتعدّى خوض الحرب مع إيران. لكن ما تبتغيه من إعلانٍ للنصر ومغادرة للمسرح، ليسا متاحين الآن.

ثانيًا: حياة الجمهورية الإسلامية

يتوقف مسار الحرب ونتائجها إلى حدّ بعيد على الكيفية التي ستردِّ بها إيران، أو بكلام أدق، على مدى قدرتها على الردّ. فعلى مدى السنوات السبع والأربعين الماضية، أثبتت الجمهورية الإسلامية أنّها عدو نفسها الألدّ. وما كان يومًا نظامًا استبداديًا هجينًا قويًا، يسمح للعامة بمظهر من مظاهر المشاركة السياسية من خلال الانتخابات والاقتراع مع قمع أي نوع من المعارضة، أصبح في السنوات الأخيرة نظامًا تسلطيًا خالصًا. وعلى سبيل المثال، فقد نُظر إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2021 على نطاق واسع على أنّها "مدبَّرة" لتحقيق نتيجة بعينها، ألا وهي انتخاب رجل الدين إبراهيم رئيسي، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه خليفة محتمل لخامنئي. وحينما أعقب وفاة رئيسي، في حادث تحطم مروحية عام 2024، الانتخاب المفاجئ للإصلاحي مسعود بزشكيان، أمضى الرئيس الجديد معظم وقته متذمّرًا من عجزه في نظام سياسي يراه الشعب متعفنًا حتى النخاع.

في الوقت ذاته، تحوّلت الاحتجاجات الشعبية التي سبق أن كانت سمةً منتظمة في المشهد السياسي للبلاد، لتصبح أكثر تواترًا على نحو متزايد. وازدادت أيضًا حدةً وعنفًا؛ ما أسفر عن ارتفاعٍ شديد ومتزايدٍ في أعداد الضحايا والمعتقلين. ففي الجولة الأخيرة من الاحتجاجات التي امتدت على مدى أسبوعٍ في كانون الأول/ ديسمبر وكانون الثاني/ يناير 2026، أفادت التقارير أن السلطات قتلت أكثر من 7000 متظاهر، واعتقلت المئات. أمّا هتاف "الموت للدكتاتور" الذي كان نادرًا سماعه حتى في أشد الاحتجاجات المناهضة للحكومة، فبات الآن شعارًا شائعًا حتى بين المارة في شوارع طهران وغيرها من المدن.

ما إن انتهت حملة القمع الأخيرة، حتى انكبّ عمال النظافة على غسل بقع الدماء التي صبغت الأسفلت باللون الأحمر. لكن أيدي الجمهورية الإسلامية ستظل ملطخةً بدماء مواطنيها إلى الأبد. يبقى أن نرى كم من هؤلاء المواطنين سيهرعون إلى نجدة النظام في هذه الحرب، ومتى سينفد نهائيًا مخزونه المتناقص من التأييد الشعبي.

من جانبه، ترك خامنئي وراءه أمةً شديدة الاستقطاب. يهدف نظام الجمهورية الإسلامية الثيوقراطي الفريد إلى غرس الطاعة والولاء الدينيَين لسلطة دينية عليا، هي ولاية الفقيه، المنصب الذي شغله خامنئي مدة لا تقل عن سبعة وثلاثين عامًا. لكن خامنئي ظل طوال هذه المدة أشبه ببقية من الماضي، رافضًا بعناد مجاراة روح العصر أو مواكبة تطور الثورة. وفي حين تلاشت ذكرى الثورة وشعاراتها الأولى، ظل يستخدمها هاديًا في خطاباته وفتاويه حتى نهايته المريرة. لقد تغير المجتمع الإيراني، وأصبح أكثر شبابًا، وأقل محافظةً وتمسكًا بالتقاليد، وأكثر انسجامًا مع التوجهات السائدة في العالم، أمّا أفكار خامنئي فشاخت، وانغمست أكثر فأكثر في النزعة المحافظة الأيديولوجية والدينية. وحين طالبت النساء بحرية ارتداء ما يشأن، أصرّ على استمرارهن في ارتداء الحجاب. وحين دعا أقرب مساعديه إلى الإصلاح والاعتدال، وصفهم بالخونة. ومع ازدياد ترابط العالم وتداخله، تمسّك بسياسات أبقت إيران معزولة وهامشية. وحين قُتل، بكى بعض الإيرانيين، لكنّ كثيرين رقصوا فرحًا. ولا تزال الأغلبية الساحقة قلقة، تشعر بالارتياح لرحيل دكتاتور، لكنها تخشى أن يحلّ محلّه دكتاتور آخر.

ذلك - الدكتاتور الآخر- قد يكون حقًّا ما ينتظر الإيرانيين. أحد السيناريوهات المرجحة هو ظهور مثل هذا الزعيم من رماد ما تبقى من الجمهورية الإسلامية. ذلك أنه ليس هناك نقص في الرجال داخل الدولة العميقة للجمهورية، مع الصلات والخبرة اللازمة للتشبث بمفاصل السلطة في منعطف حاسم مثل هذا. سيناريو آخر، ينطوي على دكتاتورية أيضًا، هو أن تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بتنصيب زعماء المعارضة الخارجية التي يقف على رأسها بصورة متزايدة نجل الشاه السابق، رضا بهلوي، البالغ من العمر 64 عامًا، بوصفهم ورثةً لإيران جديدة مزعومة. كان أنصار بهلوي، بتحريض إسرائيلي، هم من رقصوا بالأعلام الإسرائيلية في شوارع تورنتو ولوس أنجلوس عند انتشار نبأ اغتيال خامنئي. وأثبت ثوار النوادي الليلية هؤلاء أنهم لا يقلّون تعصبًا، حتى في النقاش، عن نظرائهم في المعسكر الخامنئي. يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي سلاحهم المفضل وينكبّون على تشويه سمعة المعارضين، وقمع أيّ خطاب نقدي، واتهام كل من لا ينتمي إلى صفوفهم بأنه عميل للجمهورية الإسلامية. لقد خلّف تعصب خامنئي طوال حياته إرثًا من الاستقطاب في المجتمع المنقسم الذي تركه وراءه. ومن غير المرجّح أن يختلف خلفاؤه عنه كثيرًا، بغضّ النظر عن أصولهم أو خلفياتهم، في ازدرائهم للآخرين ممَّن يخالفونهم الرأي.

ثالثًا: حكم التاريخ

لم تمضِ سوى أيام قليلة على اندلاع الحرب، لذلك يستحيل التنبؤ بمسار الأحداث في إيران والمنطقة الأوسع. إن كان ثمَّة يقين، فهو أنّ كثيرًا من الخطر لا يزال أمامنا. لكن الاتكاء إلى بعض الدروس التاريخية أمرٌ مفيد. فالتاريخ حافل بأمثلة لقوى عظمى هاجمت قوى أصغر منها وغزتها، وغالبًا ما كان ذلك على الرغم من إدراك المخاطر والعواقب المحتملة. وسواء أكانت الولايات المتحدة في فيتنام، أو الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، أو الولايات المتحدة في العراق، أو روسيا في أوكرانيا، فقد أحدثت هجمات القوى العظمى على الدوام أضرارًا جسيمة ودمارًا هائلًا في البشر والممتلكات، مُزهقةً الأرواح ومُؤججةً العداوة لأجيال مقبلة. لكنّها لم تُفض، لا سيما في الحالات المذكورة هنا، إلى ذلك النوع من النصر الذي تصوّره المعتدون. وينطبق فشل جورج بوش الابن في إعلان "إنجاز المهمة" على أمثلة لا حصر لها قبل ذلك وبعده. ولن يكون الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران استثناءً.

يمكن، على الرغم من ذلك، أن نستخلص بعض الدروس المهمة. بدايةً، أنّ القانون الدولي بات جثّة. وإن لم يكن قد مات تمامًا إلى الآن، فهو بلا شك على أجهزة الإنعاش. ففي السنوات القليلة الماضية فحسب، شهدنا فظائع الإبادة الجماعية في غزة التي راحت دولٌ نصّبت نفسها حصونًا لسيادة القانون، كألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، تهلل لها وتدعمها بنشاط، في الوقت الذي تستنكر انتهاك روسيا للقانون الدولي في غزوها لأوكرانيا. إن الجرائم المرتكبة ضد إيران اليوم أقل فظاعة كثيرًا من الإبادة الجماعية التي ارتُكبت في حق الفلسطينيين، لكنّ الهتَّافين لا يزالون متحمسين ومنافقين كما كانوا من قبل.

من الدروس اللافتة بالقدر ذاته تدهور مكانة الولايات المتحدة عالميًا. فالإمبراطوريات تحكم بالقوة العسكرية وتوق الآخرين إلى أن يصبحوا مثلها. وهذه الظاهرة الأخيرة، أو ما يُعرف اليوم بـ "القوة الناعمة"، تتعدّى كثيرًا استهلاك المنتجات الثقافية. والقوة الناعمة الأميركية والأوروبية تكمن في ما هو أكثر من التماس المنتجات والعلامات التجارية المنتجة في أراضيها. ومن أهم عناصر "القوة الناعمة" السلطة الأخلاقية، والتزام ما يُعتبر خيرًا عامًا وتجنب الشر. وبخلاف ذلك، يسبق التدهور الإمبراطوري، في الأعم الأغلب، تراجع القيم التي كانت تُشكّل ركيزة النظام. عندها فحسب، يأتي التدهور المؤسسي والتقهقر العسكري. ولا يزال الجدال دائرًا إذا ما كانت الإمبراطورية الأميركية في طور الانحدار، لكن سياسة ترمب الخارجية، والترمبية عمومًا، تبذل قصارى جهدها لدفع هذا الانحدار، وربما لتسريعه.

سوف يذكر المؤرخون هذه الحرب الأخيرة بوصفها نقطة تحوّل كبرى في التاريخ السياسي لإيران وإسرائيل والشرق الأوسط والولايات المتحدة. وبعد عقود من الآن، سوف تُكتب الكتب والمقالات عن الأسلوب الذي انتهجته إدارة ترمب في كشفها مجددًا عن طموحات الولايات المتحدة الإمبراطورية في عشرينيات القرن الحالي، وكيف هاجمت هي وإسرائيل دولة تُطلق على نفسها اسم الجمهورية الإسلامية في شهر رمضان، وكيف انتُزعت مرّة أخرى منطقة لطالما مزقتها الحروب والصراعات من حافة الاستقرار وزُجَّت في الفوضى. إنّ ما يحدث اليوم هو بالفعل لحظة تاريخية. وكما هو حال التاريخ في كثير من الأحيان، فإنه يُكتب الآن بالمآسي والدماء.