مقدمة
دخل الشرق الأوسط الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، في 28 فبراير/ شباط 2026، وهو محكوم بنموذج ردع غير مباشر تشكَّل عبر عقود من الضربات المحدودة، والحروب بالوكالة، والتوازنات الرمادية التي تسمح للأطراف بفرض التكلفة من دون الانزلاق السريع إلى حرب مفتوحة. وقد وفّر هذا النموذج، رغم هشاشته، حدًا أدنى من القدرة على ضبط التصعيد؛ لأن كل طرف كان يدرك أن تجاوز حدود معيّنة سيستدعي ردًا عالي التكلفة. غير أن هذه الحرب كشفت أن هذا النموذج دخل مرحلة استنزاف بنيوي، وأن القواعد التي نظّمت الصراع في العقدين الماضيين فقدت كثيرًا من فاعليتها؛ فقد انتقل النقاش الأميركي نفسه سريعًا من سؤال العمليات العسكرية إلى سؤال أعمق مفاده: هل أعادت الحرب تشكيل مستقبل الإقليم؟ ويتفرع منه السؤال التالي: كيف يمكن إدارة اليوم التالي لها؟
تكمن أهمية هذه الحرب في أنها لم تُعد توزيع القوة بين واشنطن وطهران فحسب، وإنما أعادت أيضًا توزيع الأدوار بين الدولة، والوكيل، والحليف، والدولة الوسيطة. فالولايات المتحدة الأميركية احتفظت بتفوقها العسكري، لكنها واجهت حدود قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى استقرار سياسي. في حين تلقّت إيران ضربات قاسية في بنيتها القيادية والعسكرية، لكنّها واصلت رفع تكلفة الحرب على خصومها عبر الطاقة، والممرات البحرية، والشبكات الإقليمية. أما الفاعلون المسلحون المتصلون بإيران، فقد دخلوا مرحلة إعادة تموضع أكثر مرونة وأقل مركزية. وفي الوقت نفسه، وجدت الدول العربية الوسيطة نفسها داخل قلب الارتدادات الأمنية والاقتصادية والسياسية للصراع، رغم أنها ليست طرفًا رئيسًا فيه. وتشير تحليلات أميركية حديثة إلى أن الإقليم خرج من الحرب أكثر سيولة، وأكثر عرضة لإعادة تشكيل طويلة الأمد في ترتيبات الأمن والاقتصاد والاصطفاف السياسي.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن هذه الحرب لم تؤدِّ إلى حسم إقليمي نهائي لصالح الولايات المتحدة، ولم تُفضِ إلى انهيار كامل لشبكات النفوذ الإيرانية في الوقت نفسه؛ ذلك أن ما حدث كان أقرب إلى فتح مرحلة انتقالية يتراجع فيها الردع التقليدي لمصلحة أنماط أكثر مرونة من إعادة التموضع، وتتسع فيها الفجوة بين النجاح العسكري الأميركي والقدرة على إنتاج نظام إقليمي مستقر، في حين تتحمل الدول العربية الوسيطة جزءًا متزايدًا من تكلفة هذا التحول. ومن ثم، لا يقع التحول الأهم في الحرب في نتائج المعارك فحسب، وإنما في بنية الإقليم نفسها: في كيفية تعريف القوة، ومنطق عمل الوكلاء، وموقع الدول العربية التي تحاول حماية استقرارها تحت ضغط صراع يفوق قدرتها على التحكم في مساراته.
أولًا: حدود القوة الأميركية بين التفوق العسكري والعجز عن إنتاج الاستقرار
أظهرت الحرب أن الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، لا تزال الطرف الأكثر قدرة على فرض الضرر العسكري التقليدي على إيران. غير أن هذا التفوق لم يتحول تلقائيًا إلى استقرار سياسي، أو إلى قدرة واضحة على فرض ترتيب إقليمي جديد. فإيران لم تسعَ إلى مضاهاة الولايات المتحدة في مجال القوة التقليدية، وإنما اتجهت إلى تعميم تكلفة الحرب خارج المسرح العسكري المباشر. وبرز ذلك في الهجمات على حلفاء واشنطن في الخليج، وتهديد صورته باعتباره منطقة آمنة للاستثمار والإمداد، والضغط على منشآت الطاقة، واستنزاف المخزونات الأميركية من أدوات الاعتراض والدفاع. وبناء عليه، تتضح حدود مفهوم النصر العسكري عندما يُقاس بعدد الضربات أو مستوى التدمير فحسب، لأن الطرف الأضعف تقليديًا استطاع استخدام الاقتصاد السياسي للحرب وسيلةَ ردع معاكسة. وبذلك، انتقلت المعادلة من سؤال: من يملك قدرة التدمير الأكبر؟ إلى سؤال: من يملك قدرة أعلى على توزيع التكلفة وإطالة عدم اليقين؟
وتبرز أهمية مضيق هرمز، في هذا السياق، بوصفه مركزًا لردع غير متماثل. فإيران لم تكن تحتاج إلى إغلاقه على نحو كامل حتى تنتج أثرًا استراتيجيًا؛ إذ كان يكفيها رفع مستوى المخاطر وتهديد حركة الملاحة والتأمين البحري، كي تنتقل التكلفة إلى الاقتصاد العالمي، وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، وأسواق الطاقة. وهذا ما جعل الحرب أقرب إلى صراع على بيئة الإقليم الاقتصادية منه إلى مجرد مواجهة عسكرية محدودة. وعندما تُستخدم الطاقة والممرات البحرية ورقة ضغط، تصبح الحرب أداةً لتفكيك الثقة الإقليمية وإرباك حسابات الحماية الدولية، بما يفرض على واشنطن أعباءً تتجاوز إدارة المعركة إلى إدارة سلسلة ممتدة من التداعيات الاقتصادية والدبلوماسية.
ومن ثم، تظهر الفجوة بين النصر العسكري والترتيب السياسي. فالقدرة على ضرب مراكز القيادة، وتدمير البنية الصاروخية، وإضعاف الدفاعات، لا تنتج آليًا سلامًا مستدامًا أو نظامًا إقليميًا جديدًا. وقد قدّمت التجربة الأميركية في الشرق الأوسط مرارًا أمثلة على هذه الفجوة؛ إذ يمكن أن تُضعف القوة الجوية والعسكرية خصمًا وتُربك منظومته، لكنها تحتاج إلى تصور سياسي لما بعد الحرب حتى يتحول الإنجاز الميداني إلى استقرار. ويعكس النقاش الأميركي الراهن هذا التردد بوضوح: أكان الهدف دفع إيران إلى تسوية جديدة، أم إعادة صياغة ردع طويل الأمد، أم إنهاك قدرتها على التأثير الإقليمي من دون انخراط في مشروع إعادة بناء سياسي؟ وقد جعل هذا الغموض في الهدف الاستراتيجي النتيجة العسكرية، مهما كانت مؤثرة، ناقصةً من منظور بناء النظام الإقليمي.
يمكن قراءة هذا المحور من زاوية أوسع تتعلق ببنية القوة الأميركية نفسها. فواشنطن لا تزال قادرة على الحسم التكتيكي، لكنها تواجه تراجعًا في القدرة على هندسة البيئات السياسية التي تعقب الحروب. ويبدو أن هذا التراجع لا يرتبط بإيران وحدها، وإنما بنمط أوسع في العلاقة بين القوة العسكرية الأميركية والنتائج السياسية في الإقليم. لذلك، كشفت الحرب حدود نموذجٍ يقوم على أن الضربات الكثيفة قادرة وحدها على إعادة ترتيب المنطقة. ويتمثل ما كشفته الحالة الإيرانية في أن الطرف المتفوق عسكريًا يستطيع تقليص قدرة خصمه المباشرة، لكنه يحتاج إلى أدوات سياسية واقتصادية وتحالفية أكثر مرونةً حتى يترجم ذلك إلى استقرار. وبهذا المعنى، احتفظت الولايات المتحدة بالتفوق، في حين بقيت قدرتها على إنتاج نظامٍ إقليمي قابلٍ للحياة موضع اختبار.
ثانيًا: من الوكالة إلى إعادة التموضع: تحولات محور المقاومة بعد الحرب
يتمثل الخطأ التحليلي الأكبر في قراءة شبكات النفوذ الإيرانية في التعامل معها بوصفها كتلة واحدة أو منظومة موحدة الحركة والوظيفة. فقد أظهرت هذه الحرب أن ما يُسمى عادة بـ "محور المقاومة" لا ينهار دفعة واحدة تحت الضغط، ولا يواصل عمله بالصيغة نفسها بعد التعرض لهزة استراتيجية؛ إذ إن ما يحدث في هذه الحالة هو انتقال من نموذج وكالة أكثر مركزية إلى نموذج إعادة تموضع أكثر مرونة وتوزعًا. فقبل الحرب، كان يُنظر إلى هذه الشبكات بوصفها ذراعًا إقليمية لإيران تُدار عبر تدرّج محسوب في التصعيد. أما بعد الحرب، فقد ظهرت مؤشرات على إعادة توزيع الصلاحيات، وارتفاع هامش المبادرة الميدانية، وازدياد اللامركزية العملياتية، خاصة في العراق. وتشير تقارير حديثة إلى أن إيران منحت قادتها الميدانيين في العراق هامشًا أوسع للتحكم في الميليشيات، بما يسمح لبعضها بالتحرك من دون موافقة مباشرة من طهران، وهو تطور مهم لأنه يعكس انتقالًا من المركزية الصلبة إلى التوجيه المرن تحت ضغط الحرب.
ويفيد هذا التحول في أن الحرب لم تدفع الشبكة إلى التفكك التلقائي، وإنما إلى إعادة تشكيل طريقة عملها. ويمكن تمييز ثلاثة أنماط داخل هذا المجال. يتمثل النمط الأول في فاعلين شديدي الاندماج العقائدي والأمني مع إيران، كما في بعض فصائل العراق ولبنان، حيث تقوم العلاقة على رابطة أيديولوجية وتنظيمية عميقة تسمح باستمرار التنسيق حتى في ظل تعرّض المركز لضغط شديد. في حين يضم النمط الثاني فاعلين يستخدمون العلاقة مع إيران ضمن أجندات محلية أوسع، حيث تكون طهران مصدر دعم وحماية وتوازن، من دون أن تذوب كل الاعتبارات المحلية داخل الإرادة الإيرانية. أما النمط الثالث، فيشمل شبكات هجينة تتحرك بين المحلي والإقليمي بحسب الظرف، وتستطيع إعادة تعريف أولوياتها بين العمل العسكري، والسياسي، والاجتماعي، والمؤسسي. ويسمح هذا التفريق بقراءة أكثر دقة لمسارات ما بعد الحرب، لأن آثار الضربات لا تتوزع بالتساوي على بنية غير متجانسة.
في الحالة العراقية، تبدو هذه الدينامية أكثر وضوحًا، فبعض الفصائل المرتبطة بإيران موجودة أصلًا داخل بنية الدولة الأمنية والمالية، أو متصلة بقوى سياسية نافذة، أو مستفيدة من شرعيات سابقة مرتبطة بالحشد ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش". لذلك، لا يساوي إضعاف هذه الفصائل عسكريًا تصفيتها سياسيًا أو اجتماعيًا. وقد تُفضي الضغوط الخارجية إلى نتيجة معاكسة، حيث تميل هذه الشبكات إلى مزيد من التوطين المؤسسي أو الاندماج الأعمق في هياكل الدولة، بما يجعل السيطرة عليها أكثر تعقيدًا. وقد يجعل رفع هامش المبادرة الميدانية أمام القادة المحليين الشبكةَ أقل انضباطًا، لكنه يجعلها أيضًا أكثر قدرة على التكيف مع الضغط، وأصعب على الخصوم من حيث الردع والاستهداف والاحتواء.
ويتصل بذلك سؤال الشرعية بعد الحرب، فشرعية هذه الشبكات لم تعد تُشتق من خطاب مقاومة الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، وإنما من قدرتها على البقاء، وتقديم نفسها بوصفها فاعلًا محليًا يصعب تجاوزه، أو وسيطًا أمنيًا داخل بيئة متفككة، أو جزءًا من توازنات حكم قائمة. وفي حالات عديدة، تُنتج الحرب نوعًا من "الشرعية الوظيفية" التي تقوم على القدرة على الاستمرار وتقديم الحماية والخدمات والتمثيل المحلي، حتى عندما تتراجع القدرة على تحقيق نصر إقليمي كبير. لذلك، تبدو لغة "الانهيار" أو "البقاء" غير كافية لفهم ما جرى. والأدق هو الحديث عن تحول وظيفي: شبكات قد تتراجع فيها قدرة الردع العابر للحدود، وتتقدم فيها الأدوار المحلية والمؤسسية والمرنة.
تكتسب هذه النقطة أهمية إضافية لأن بعض التحليلات الأميركية ركّزت بدرجة كبيرة على الأذى العسكري الذي أصاب إيران، في حين تكشف القراءة السوسيولوجية الأعمق أن الشبكات العابرة للدولة لا تتحرك بمنطق الجيوش النظامية؛ فهي تستطيع تقليص ظهورها، أو التحول إلى أنماط أقل صخبًا، أو إعادة تعريف علاقتها بالمجتمعات والدولة المحلية. وعندما يحدث ذلك، يصبح السؤال الحقيقي متعلقًا بكيفية تحوّل الشبكة من أداة ردع إيرانية صريحة إلى منظومة نفوذ أكثر تنوعًا في مصادر الشرعية والعمل. وهذا ما يمنح هذه الورقة بعدها الفكري الأهم، ألا وهو أن الحرب لم تُنهِ محور النفوذ الإيراني، لكنها دفعت أجزاءً منه إلى إعادة التموضع بين المحلي والإقليمي، وبين العسكري والمؤسسي، وبين المركزية والمرونة.
ثالثًا: مضيق هرمز: الحرب باعتبارها أداة لإعادة تعريف النظام الإقليمي
لم تؤثّر الحرب الأخيرة في التوازن العسكري بين الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل زعزعت أيضًا الثقة التي استندت إليها ترتيبات الخليج الأمنية والاقتصادية. وتشير تحليلات أميركية حديثة إلى أن الحرب هزّت الاقتصاد الإقليمي، ورفعت منسوب القلق حول أمن الاستثمار، والتأمين، وسلاسل التوريد، وأعادت إبراز الأهمية الجيوسياسية القصوى للممرات البحرية في الخليج. وتكشف هذه التطورات أن الحرب لا تعيد توزيع القوة العسكرية فحسب، بل تعيد أيضًا تعريف كيفية اشتغال النظام الإقليمي اقتصاديًا وأمنيًا.
يمثّل مضيق هرمز النقطة الأكثر حساسية في هذا التحول، فهو ليس مجرد معبر بحري استراتيجي، وإنما آلية ضغط على البنية الاقتصادية للإقليم إجمالًا. وعندما تستخدمه إيران ورقة ردع، فإنها تضغط على نموذج الخليج بوصفه فضاءً للاستقرار والانسياب التجاري، لا على البحرية الأميركية وحدها. ومع ارتفاع المخاطر، ترتفع تكلفة التأمين، وتتسع هوامش عدم اليقين، وتدخل الأسواق في وضع دفاعي، وتصبح الدول المستوردة للطاقة أكثر قلقًا من امتداد الأزمة.
بذلك، تنتقل الحرب من المجال الأمني إلى المجال البنيوي الأوسع، حيث يتداخل الأمن البحري مع التدفقات النفطية وصورة الإقليم في الاقتصاد العالمي. وهذا ما يفسّر اهتمام مراكز الفكر الأميركية بقراءة الحرب عبر معادلات الطاقة والأمن البحري بقدر قراءتها عبر المعارك المباشرة.
تبرز فكرة "تعميم الحرب إقليميًا" بوصفها أداة تفاوض واستنزاف. فبعض التحليلات في واشنطن ترى أن إيران سعت إلى توسيع نطاق التهديد ليشمل الخليج والأردن وتركيا وقبرص من أجل خلق إدراك مؤداه أن الحرب تتجاوز المسرح الإيراني - الأميركي المباشر، وأن استمرارها يهدد استقرار شبكة أوسع من الحلفاء والمصالح. ولا تقوم هذه الاستراتيجية على إطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيّرة فحسب، وإنما على هندسة بيئة إدراكية جديدة مفادها أنه كلما بدا أن الحرب قابلة للانتشار، ارتفع الضغط على الخصوم للبحث عن وقف إطلاق نار أو تسوية مؤقتة أو ترتيبات كبح متبادل. ومن ثم، تصبح الحرب أداةً لصناعة شروط التفاوض، لا مجرد وسيلة لتبادل الضربات.
ينبغي فهم هذا التطور ضمن تحول أوسع في معنى الردع. ففي السابق، كان الردع يُقرأ غالبًا ضمن ثنائية الضربة والرد. أما في الحرب الأخيرة، فقد ظهر ردع موزّع عبر مجالات متعددة: الطاقة، والشحن، والحلفاء، والأسواق، والرأي العام، والضغط على بنية الثقة. ويجعل هذا التحول النظام الإقليمي أقل قابلية للضبط بالوسائل العسكرية التقليدية، ويفرض على الدول الخليجية إعادة التفكير في تصورات الحماية، ودرجة الاعتماد على الولايات المتحدة، وكيفية إدارة العلاقة مع إيران ضمن بيئة لم تعد تسمح بالثقة المطلقة أو بالاطمئنان إلى أن التفوق الأميركي سيمنع انتقال التكلفة إليها. وبناء عليه، تتشكل معضلة جديدة يمكن إيجازها في أن الأمن الإقليمي بات يحتاج إلى إدارة التهديدات الموزعة بقدر حاجته إلى ردع الهجمات المباشرة.
أعادت الحرب تعريف النظام الإقليمي من زاوية الاقتصاد السياسي كذلك. فالمسألة لم تعد محصورةً في الاصطفاف العسكري، وإنما اتسعت لتشمل من يتحمل تكلفة الخطر، ومن يملك أدوات تخفيفها، ومن يستطيع تأمين الاستمرارية الاقتصادية في بيئة يسهل فيها تعطيل التدفقات ورفع المخاطر. ومن ثم، لم يعد الخليج مجرد ساحة دعم أو تمويل أو حليف أمني، وإنما أصبح أحد المراكز التي تُختبر فيها قدرة الإقليم على امتصاص الصدمة. وهذا يعزز حجة الورقة المتمثلة في أن الحرب أعادت تشكيل القواعد العميقة للإقليم، لا خرائط الاشتباك العسكري فحسب.
رابعًا: الدول العربية الوسيطة: الأردن نموذجًا لإدارة تكلفة الانتقال
تكشف الدول العربية الوسيطة، وفي مقدّمتها الأردن، الوجه العملي الأوضح لتحولات الإقليم بعد الحرب. فإذا كانت الحرب قد أعادت تشكيل العلاقة بين القوة الأميركية وشبكات النفوذ الإيرانية والخليج، فإن ارتداداتها الأثقل تظهر في الدول التي لا تقود الحرب، لكنها تتعرض لمخاطرها المركّبة. والأردن مثال دالّ على ذلك، لأن موقعه الاستراتيجي وتحالفه مع الولايات المتحدة، إلى جانب حساسيته الداخلية والإقليمية، كل ذلك جعله في قلب معادلة مزدوجة: التعاون الأمني الضروري من جهة، وتجنب الانزلاق السياسي والاجتماعي الداخلي من جهة أخرى. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الأردن تعرّض خلال الحرب لأكثر من 200 طائرة مسيّرة وصاروخ أُطلقت في اتجاه أصول أميركية وإسرائيلية، في وقت كان يواجه فيه تاريخًا سابقًا من التهديدات الإيرانية، ومحاولات التهريب عبر الحدود السورية، ومؤامرات داخلية مرتبطة بشبكات مدعومة من طهران.
من ثم، لا يكفي وصف الأردن بأنه "يحاول التوازن"، لكنّ الأدق هو تحليل هذا التوازن على ثلاثة مستويات متداخلة. المستوى الأول أمني، ويتعلق بالتعاون مع واشنطن وحماية المجال الحيوي للدولة ومنع تحوله إلى ممر حرّ للتهديدات الإقليمية. وفي هذا المستوى، لا يملك الأردن ترف الحياد الكامل، لأن أمنه القومي يرتبط مباشرة بمنع اختراق أجوائه وحدوده ومنشآته ومجاله الأمني. والمستوى الثاني سياسي، ويتعلق بمنع التورط في اصطفاف كامل يفاقم الضغوط الداخلية، خاصة في ظل حساسية الرأي العام تجاه الحرب، وتسارع التوتر في العلاقة مع إسرائيل. أما المستوى الثالث، فهو اقتصادي - اجتماعي، ويتعلق باحتواء أثر اضطراب التجارة والطاقة والقلق الإقليمي في اقتصاد هشّ نسبيًا، وفي المزاج العام الداخلي. ويسمح هذا التفكيك بفهم الدولة الوسيطة بوصفها فاعلًا يمارس حيادًا وظيفيًا انتقائيًا متمثّلًا في انخراط أمني بقدر الضرورة، وتحفّظ سياسي بقدر الحاجة إلى حماية التماسك الداخلي.
تنبع أصالة حالة الأردن من أن تكلفة الحرب بالنسبة إليه ليست عسكرية فحسب؛ إذ إنه يجد نفسه مطالبًا بإثبات موثوقيته الأمنية للحليف الأميركي، وفي الوقت نفسه بإدارة بيئة داخلية لا تسمح بتحويل هذا التعاون إلى اصطفاف سياسي كامل. ويضيف استمرار التدهور في العلاقة مع إسرائيل طبقةً أخرى من التعقيد، لأن جزءًا من الضغوط الداخلية والخارجية عليه يمرّ عبر هذا المسار. وبذلك، يتحول من دولة تسعى إلى تجنّب الحرب إلى دولة تعمل على منع تفكك توازنها الداخلي في ظل حرب مفتوحة. وهذا ما يجعل الدول الوسيطة جزءًا من بنية الصراع، حتى عندما لا تكون طرفًا رئيسًا في اتخاذ القرار العسكري.
تفيد هذه القراءة بأن الحرب تنقل عبئها إلى الدول الوسيطة على نحو غير متكافئ، ففي حين تمتلك القوى الكبرى هامش مناورة أوسع، فإنها تجد نفسها مضطرة إلى استيعاب الصدمات الناجمة عن الصراع: صدمات الأمن، والاقتصاد، والاصطفاف، والرأي العام. وبناء عليه، تبدو سياساتها أقل تعبيرًا عن حياد سلبي، وأكثر تعبيرًا عن إدارة نشطة للتكلفة. وهذا يعني أن الترتيب الإقليمي الجديد، إذا تشكّل، لن يتحدد بما تفعله واشنطن وطهران فحسب، وإنما أيضًا بقدرة الدول الوسيطة على الحفاظ على استقرارها ومنع ارتدادات الحرب من التحول إلى أزمات داخلية مفتوحة.
يمكن هنا إدخال مقارنة بسيطة مع تركيا لتوسيع المنظور من دون تشتيت نطاق الورقة؛ فبعض التحليلات الأميركية تشير إلى أن أنقرة تنظر بقلق إلى "اليوم التالي" أكثر من اهتمامها بمجرى الحرب المباشر، بسبب مخاطر اضطراب الطاقة والتجارة، وتداعيات أمنية أوسع، واحتمالات أن يؤدي ما بعد الحرب إلى إعادة ترتيب إقليمي لا ينسجم مع مصالحها. وتُبرز هذه المقارنة أن الدول الوسطية لا تشترك في السياسات نفسها، لكنها تشترك في هاجس واحد هو الخوف من أن تعيد الحرب رسم الإقليم بطريقة تجعلها تتحمل التكلفة من دون أن تملك القدرة على توجيه المسار. وهذا تحديدًا ما يمنح محور الدول الوسيطة قيمةً تفسيرية، لأنه يربط التحول البنيوي في الإقليم بالمفاعيل العملية على دول تسعى إلى النجاة، لا إلى الهيمنة.
خامسًا: ما فوق الإقليم: كيف أعادت الحرب وصل الشرق الأوسط بالتنافس الدولي؟
لا يكتمل فهم الحرب بوصفها لحظة إعادة تشكيل إقليمي من دون إدراج البعد العالمي للصراع. فإيران لم تدخل الحرب وهي معزولة دوليًا، ولم تخضها الولايات المتحدة ضمن بيئة دولية محايدة. وقد أبرزت تحليلات مجلس العلاقات الخارجية أن الحرب كشفت أنماطًا من التعاون السلطوي بين الصين وروسيا وإيران ووسّعتها، سواء عبر التكنولوجيا، أو التجارة، أو شبكات الالتفاف على العقوبات، أو الدعم الدبلوماسي، أو أشكال متنوعة من الإسناد السياسي والاقتصادي. وتعني هذه الدينامية أن صمود إيران وإعادة تكيّفها لا يرتبطان فقط بأدواتها الداخلية والإقليمية، وإنما أيضًا ببيئة دولية تسمح لها بتخفيف أثر الضغط الغربي وامتصاص بعض تكاليف المواجهة.
وتكشف هذه الحقيقة أن النظام الإقليمي الجديد لا يتشكّل داخل الشرق الأوسط وحده. فالحرب أصبحت اختبارًا لكيفية تشابك الإقليم مع التنافس الدولي على النفوذ والمعايير ومسارات التجارة والطاقة. وعندما تستفيد إيران من شبكة دعم أو تفاهمات أو مساحات مناورة توفّرها قوى كبرى منافسة لواشنطن، تتحول الحرب من نزاع إقليمي إلى عقدة ضمن إعادة ترتيب أوسع للنظام الدولي. وهذا يرفع قيمة الشرق الأوسط مجددًا بوصفه ساحة مركزية للتنافس، لا منطقة هامشية قابلة للإدارة عن بعد، ويفسّر السبب وراء نظر بعض مراكز الفكر الأميركية إلى الحرب بوصفها ملفًا يكشف موقع الصين وروسيا وأوروبا من مستقبل النظام العالمي بقدر ما يكشف موقع إيران من النظام الإقليمي.
ويضيف هذا البعد الدولي أيضًا عنصرًا مهمًا إلى فرضية الورقة. فإذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إلحاق ضرر عسكري جسيم بإيران، فإن البيئة الدولية تجعل تحويل ذلك إلى احتواء طويل الأمد أكثر صعوبة. فالعقوبات تُخفَّف عبر شبكات الالتفاف، والعزلة تُكسر عبر الشراكات السياسية والاقتصادية، والضغوط الاستراتيجية تُمتص عبر تعدد القنوات الدولية. وفي المقابل، تستطيع واشنطن استخدام الحرب أيضًا لإعادة ترميم بعض تحالفاتها وتأكيد دورها الأمني، لكنّ هذا المسار يظل محكومًا بمدى قدرتها على الجمع بين القوة العسكرية والتصور السياسي والاقتصادي الطويل المدى. ومن ثم، تصبح الحرب مرآةً لعلاقة الشرق الأوسط بالتنافس الدولي، لا ملفًا إقليميًا مغلقًا داخل حدوده الجغرافية.
خاتمة:
يتجاوز ما تكشفه هذه الحرب سؤال المنتصر والمهزوم إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة الإقليم الذي يخرج من هذه المواجهة. فالردع غير المباشر الذي حكم الشرق الأوسط طوال سنوات فقد كثيرًا من قدرته على ضبط التصعيد. والتفوق العسكري الأميركي حافظ على فاعليته في تدمير القدرات وإضعاف البنية العسكرية الإيرانية، لكنه لم ينتج حتى الآن إطارًا سياسيًا مستقرًا لما بعد الحرب. أما شبكات النفوذ الإيرانية، فقد دخلت مرحلة تحوّل وظيفي يختلط فيها التراجع العسكري النسبي بمرونة تنظيمية أعلى، ولامركزية أكبر، وقدرة أوسع على إعادة التموضع محليًا وإقليميًا. وفي الوقت نفسه، تحولت الدول العربية الوسيطة إلى ساحات اختبار لتكلفة الانتقال الإقليمي، حيث أصبح مطلوبًا منها حماية أمنها الداخلي وإدارة حساسياتها السياسية وامتصاص ارتدادات الاقتصاد والحرب في وقت واحد.
يتجه الشرق الأوسط نحو مرحلة إعادة تموضع مفتوحة أكثر من توجّهه نحو نظام مستقر جديد. فالقواعد القديمة تآكلت، والقواعد البديلة لم تتبلور بعد. وقد أبطلت الحرب عددًا من المسلّمات الأساسية التي مفادها أن الضربات المحدودة تكفي لضبط الخصوم، وأن التفوق العسكري يكفي لإنتاج الاستقرار، وأن شبكات الوكلاء تنكسر تلقائيًا إذا تعرّض المركز للضغط، وأن الدول الوسيطة تستطيع الاكتفاء بسياسة الانتظار.
النتيجة هي إقليم أكثر سيولة، وأكثر ارتباطًا بالتنافس الدولي، حيث تتنافس الدول والوكلاء والقوى الكبرى على تعريف قواعد المرحلة التالية. هذا هو المعنى الأعمق لعبارة "من الردع إلى إعادة التموضع"؛ فنحن أمام شرق أوسط تُعاد فيه صياغة الأدوار والوظائف ومصادر القوة، أكثر مما تُعاد فيه كتابة خرائط النفوذ القديمة فحسب.