تقديم
كثيرًا ما استمدّت الموسوعات قيمتها من قيمة من أسهموا في تحريرها والكتابة فيها. وينطبق ذلك على أشهر موسوعتين في الثقافة الغربية - وهما
الموسوعة الفرنسية، والموسوعة البريطانية بريتانيكا - ارتبطتا تاريخيًا بأسماء وازنة وشهيرة من كبار الفلاسفة والعلماء والمفكرين ورجال الدولة. ولم يكن لتلك الأسماء، من أمثال فولتير ومونتسكيو وجان جاك روسو ودنيس ديدرو، في حالة
الموسوعة الفرنسية، أو وولتر سكوت وألبرت أينشتاين وسيغموند فرويد وليون تروتسكي، في حالة
بريتانيكا، أثرٌ في الترويج للموسوعتين بين القراء فحسب، بل كان لتوقيع مداخلهم بأسمائهم، وإبراز ذلك في المواد الإعلانية والمقالات الصحافية والأحاديث المتداولة في المعاهد العلمية والصالونات الأدبية، دورٌ حاسم في اجتذاب مزيد من الأشخاص إلى الكتابة والإسهام في هاتين الموسوعتين، وفي غيرهما. غير أنّ الموسوعيين، بوصفهم جماعة، لم يكونوا دائمًا متجانسين؛ فقد توزّعوا على امتداد تاريخ العمل الموسوعي الحديث، بين فئات وطبقات مختلفة. وكان من بينهم، في حالات كثيرة، كتبة مغمورون وباحثون متحمسون ينتمون إلى خلفيات تعليمية ومهنية واجتماعية متنوّعة، إلى جانب آخرين اتخذوا من التأليف الموسوعي فرصة للعمل والكسب، من دون ارتباطٍ واعٍ برسالة الموسوعة وقيمها.
وقد تناولت الأدبيات الغربية الموسوعيين بوصفهم جماعة، ولعل من أبرز الدراسات في هذا المجال ما وضعه الأستاذ البريطاني فرانك كافكر Frank Kafker، في كتابه
جماعة الموسوعيين: سيرة جماعية لمؤلفي الموسوعة الفرنسيةThe Encyclopists as a Group: a Collective Biography of the Encyclopedie، الصادر عام 1996، وقد درس فيه سيَر 140 من المؤلفين الذين أسهموا في الموسوعة خلال القرن الثامن عشر، منطلِقًا من افتراض وجود قدرٍ كبير من التنوّع بينهم، وساعيًا إلى مراجعة الصور النمطية عن جماعة الموسوعيين، التي تفترض أنهم كانوا دائمًا أصحاب رسالة، أو أنهم كانوا يشتركون بالقدر ذاته في تبنّي قيم التنوير والحرية، ورفض الاستبداد الديني والسياسي، والدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي.
ومع ذلك، على الرغم من هذا التباين، كان لوجود طليعة من التنويريين المثابرين في
الموسوعة الفرنسية تحديدًا، من أمثال ديدرو، وجون دالامبير، وبارون دي هولباخ، ولويس دي جوكور وغيرهم، وما حظوا به من اهتمام في الصحافة والأدبيات التي تناولت الموسوعة وتاريخها، أثرٌ في ترسيخ سمعة تلك الموسوعة بوصفها فضاءً للنقد المؤسسي، والعناية بعقلنة الثقافة، وقلقلة البداهات السلبية الراسخة في المجتمع.
وفي سياق دراسة تاريخ الموسوعات الأوروبية، ظلّ الاهتمام بالعاملين في حقل التأليف الموسوعي ملمحًا ثابتًا أسهم في تعميق فهم الموسوعات، وما تضمّنته، والمسارات التي سلكتها، وما آلت إليه أيضًا. فقد قدّم الباحث الأميركي جيف لفلاند، إسهامًا أساسيًا في هذا المجال، ولكن على نطاق أوسع تاريخيًا، من خلال كتابه المهمّ عن تاريخ الموسوعات الأوروبية من منتصف القرن السابع عشر وحتى القرن الحادي والعشرين، الصادر عام 2019 عن جامعة كامبردج. وقد أفرد لفلاند فيه فصلًا كاملًا للتأليف الموسوعي[1]، تناول المنخرطين في هذا العمل، وأبرز فئاتهم وخلفياتهم، ومختلف الطرائق التي اتّبعتها الموسوعات الأوروبية، على امتداد تاريخها، في الإشارة إلى أسماء المؤلفين والمساهمين أو حجبها وإسقاطها، وأسباب ميل بعض الموسوعات إلى الاستعانة بفئات دون غيرها من الكتّاب والمحررين، فضلًا عن دور فئات مهنيّة بعينها، مثل الصحافيين، في النهوض بالعمل الموسوعي في مراحل معيّنة من القرنَين التاسع عشر والعشرين، والسياقات التي فرضت تبنّي تلك الخيارات أو التراجع عنها، وهذا ما تسعى هذه الترجمة إلى عرضه وإثارة النقاش حوله.
ويتناول هذا المقطع المترجم من الفصل السابع من كتاب لفلاند جماعةً واسعةً من المتعلّمين، جمع بينها انخراطها في إعداد الموسوعات العامّة في أوروبا، جمعًا وتأليفًا. ويأتي مفهوم التأليف هنا بمعنى واسع عند الحديث عن الموسوعات وتتبّع تاريخها المديد في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية منذ منتصف القرن السابع عشر تقريبًا إلى يومنا هذا؛ إذ إنه يشمل من جمعوا موادّ المداخل الموسوعية من مصادرها، كما يشمل المحررين والمراجعين، لكنّه يشير بصورة أساسية أيضًا إلى من يتولى كتابة المدخل الموسوعي الأصلي ونشره باسمه، فيصبح مسؤولًا عنه، بل مصدرًا لموثوقيته ورواجه، ورواج الموسوعة التي يتضمّنها.
لهذه السعة في نطاق ما يستوعبه مفهوم التأليف الموسوعي بعدٌ تاريخي تناوله مؤلف الكتاب وسلّط الضوء عليه. يعود ذلك إلى أنّ محرّري الموسوعات كانوا عادةً مؤلّفيها أيضًا، وأنّ للمحرر والمؤلف في الموسوعة دورًا مشتركًا يتمثل في جمع المادة الموسوعية وتوضيبها وإعادة عرضها بما يلائم الموسوعة، وهو ما يجعل الموسوعة العامّة الجيدة، بحكم طبيعتها، عملًا تشاركيًا بالضرورة. ويزداد مفهوم التأليف الموسوعي، كما يتصوّره لفلاند، تعقيدًا بالنظر إلى مسألة الرقابة؛ فالرقيب، في حالات عديدة عبر تاريخ الموسوعات الأوروبية، لم يقتصر دوره على قبول بعض المداخل أو التحفّظ عليها، بل كان كثيرًا ما يوجّه إلى إعادة صياغتها، وربما تولّى بعضهم إعادة كتابتها بأنفسهم.
تقوم فكرة هذا المقطع على مقاربة مفهوم التأليف الموسوعي Authorship في هذه السعة التي يتيحها، كما يسعى إلى استعراض الفئات المتعددة التي انخرطت في تأليف الموسوعات وإعدادها، وإثبات أنّ الموسوعة، في سياقها الأوروبي والغربي، كانت ظاهرة امتدت إلى المجتمع بأسره. فينظر القسم الأول من هذا النص في هويّات الموسوعيين من حيث منزلتهم ومكانتهم في المجتمع، ثم يستعرض مرجعياتهم المهنية التي انتموا إليها فعلًا أو تلك التي حاولوا إخفاءها، ومن ذلك ما فعلته جماعة من الصحافيين في الموسوعة الإسبانية
إسبازا Espasa في مطلع القرن العشرين، متأثِّرين بالانتقادات التي وُجِّهت إلى
الموسوعة البريطانية بريتانيكا، إثر صدور طبعتها الحادية عشرة الشهيرة، التي أسهم فيها عدد كبير من الصحافيين، بل ترأّس تحريرها محرر جريدة
التايمز The Times الشهير هيو تشيزم Hugh Chisholm[2]. ويخصص الفصل حيّزًا لمناقشة إسهامات رجال الدين في العمل الموسوعي، في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، ثم يختتم بتناول الاهتمام المتزايد، خلال القرن العشرين، باستقطاب العاملين في المكتبات والأرشيفات، والاستفادة منهم في تأليف الموسوعات وتحريرها.
من ألّف الموسوعات؟
كانت الإشارة إلى هويّة المساهمين في الموسوعات [الأوروبية] تجري بطرائق متنوّعة. فالمؤلف الذي ينسب إلى نفسه مسؤولية العمل على مجلد أو مجلدين من موسوعة كاملة كان يسجّل اسمه على صفحة العنوان، وربما فعل ذلك أيضًا عددٌ قليل من المؤلفين الذين اشتركوا في إنجاز العمل نفسه. وظهرت أسماء المؤلفين في مقدّمات بعض الموسوعات، سواء اشتملت المقدّمة على قائمة بالمداخل التي ألّفوها، أو اكتفت بذكر الحقول التي أسهموا فيها. وتتمثل المشكلة هنا في أنّ مقدّمة الموسوعة لم تكن تُكتَب إلّا بعد الفراغ من إعدادها[3]، ما يعني أنّ مؤلّف مدخل أو مجموعة من المداخل لم يكن يُعرَف إلّا بأثر رجعي، لا عند صدور العدد الذي يتضمن إسهاماته، وإن كانت أسماء بعض المؤلفين تظهر في المنشورات الدعائية للموسوعة. أمّا في القرن التاسع عشر، مثلًا، فأصبحت قوائم المساهمين تظهر في صدر الموسوعة أو في نهايتها، بدلًا من إدراجها ضمن المقدّمة. وإلى جانب هذه القوائم، أو بدلًا منها أحيانًا، اعتمدت بعض الموسوعات الإشارة إلى مؤلفيها على النحو الذي كان متَّبَعًا في
الموسوعة الفرنسيةEncyclopédie (1751-1772)، وذلك من خلال "توقيعات" تشير إلى مؤلف كل مدخل؛ فقد يكون التوقيع اسمه الكامل، أو أحرفًا ترمز إليه، أو أرقامًا تحيل إلى فهرس مفتاحي. وقد أفضى استخدام التوقيعات الرمزية إلى إضفاء قدرٍ من الغموض على هوية المؤلفين، وكان ذلك مقصودًا في بعض الحالات. فعلى سبيل المثال، في
الموسوعة الألمانية الأولى
Deutsche Encyclopädie (1778-1807)، لم يُنشَر الفهرس المفتاحي لهذه الرموز إلّا عام 1790، وهو ما أبقى مؤلّفي الموسوعة مجهولين مدة اثنَي عشر عامًا. أما في الطبعة الحادية عشرة من
بريتانيكا (1910-1911)، فقد اختار أحد المؤلفين التوقيع بالرمز X، ولا تزال هويّته الحقيقية لغزًا حتى اليوم[4].
وليس هذا كلّ ما في الأمر، فالتوقيعات اختلفت في دلالاتها، وإن كان أوّلها وأشدّها وضوحًا، هو نسبة ما يرد في المدخل إلى مؤلِّف بعينه، واعتباره المسؤول عنه. ولذلك، حين نقمت الحكومة على
الموسوعة الفرنسية عام 1759، أُدينت الموسوعة برمّتها، غير أنّ المساهمين فيها خشوا أيضًا التعرّض للملاحقة بسبب المداخل التي حملت أسماءَهم، فتوقّف بعضهم عن الكتابة، أو قرّر مواصلة التأليف فيها مع التخلّي عن نسبة مداخلهم إليهم. وتتمثل المفارقة في أنّ الإشكالات القانونية أرغمت
معجم تريفو Dictionnaire de Trévoux (1704)، الذي عُرِف بإخفاء هويات مؤلّفيه، على التراجع عن نظام التعمية على أسماء المؤلفين، خشية أن يُفهَم ذلك بوصفه وسيلة للتهرّب من مساءلة السلطة أو مناهضتها.
صحيح أنّ وسم المداخل بتوقيعات تشير إلى مؤلِّفيها كان يحدّد مسؤولية كلّ مؤلِّف عن مدخله، غير أنّ ذلك لم يكن يتحقق دائمًا. فقد كانت بعض التوقيعات خاطئة، كما كانت توضع أحيانًا على مقالات منقولة من مصادر أخرى، وكأنّ المساهم في هذه الحالة كان حريصًا على الإشارة إلى جهده في عملية النسخ، أو لعلّ التوقيع كان يعني أنّ المحرر أقرّ المادة المنقولة وتحقّق منها فحسب، من دون أن يكون هو واضعها في الأصل.
إلى جانب تحديد هوية مؤلِّفي المداخل في الموسوعة، كانت للتوقيعات قيمة رمزية أيضًا. ومن ذلك ما قام به لويس دي جوكور Louis de Jaucourt[5]، الذي واظب على تأليف مداخل موقَّعة باسمه لمصلحة الموسوعة الفرنسية، حتى بعد صدور الأمر بمنعها، تعبيرًا عن دعمه للمشروع وإيمانه بضرورة استمراره. ومن الأمثلة الأخرى ما جرى عام 1845، حين اشتمل ملحق الموسوعة الفرنسية Dictionnaire de la conversation، على مدخل عن "المدافع" Canon، موقَّع باسم لويس نابليون بونابرت، الذي أصبح لاحقًا حاكم فرنسا، نابليون الثالث. وبعيدًا عن محتوى المدخل، كان نشْره موقَّعًا باسم بونابرت وسيلةً للتعبير عن موقف سياسي؛ إذ إن بونابرت كان آنذاك في السجن بتهمة محاولة الإطاحة بالحكومة. ولمّا انتُخب بونابرت على رأس السلطة عام 1848، اغتنم القائمون على الموسوعة الفرصة؛ لإظهار أنّهم كانوا من داعمي الزعيم الجديد حتى وهو في سجنه، مستنِدين في ذلك إلى نشر مقاله موقَّعًا باسمه.
ثم إنّ التوقيعات أتاحت قدرًا من الإحساس بامتلاك أصحابها مداخلهم ملكية فكرية، حتى قبل أن تُسَنّ القوانين المنظِّمة لذلك. ففي
الموسوعة الفرنسية، جمع جون دالامبير Jean le Rond d'Alembert عددًا من المداخل التي ألّفها، وأعاد نشرها في كتاب مختارات صدر في هولندا عام 1759 بعنوان
Mélanges. وقد أثار ذلك استياء دنيس ديدرو Denis Diderot وناشري الموسوعة، الذين اعتبروا فعل دالامبير مخالفًا لأعراف الملكية الأدبية. واللافت ما أجازه دالامبير لنفسه كان قد رفضه للآخرين قبل سنوات قليلة من نشر كتابه؛ إذ إنه عارض إصدار طبعة منقّحة ومختصرة من
الموسوعة الفرنسية، معتبِرًا أنها تهدّد الموسوعة الأصلية، وأنّ جمع المحرر مقالاته، ومقالاتٍ مختارة لغيره، يُعدّ تعدّيًا على الملكية التأليفية للموسوعة.
ولئن كان الإفصاح عن هوية واضعي المداخل الموسوعية ينطوي على مغزى وغاية، فإن الأمر ذاته ينطبق على إخفاء تلك الهوية والتعمية عليها، وهو ما تكرّر كثيرًا في تاريخ العمل الموسوعي. ففي موسوعتَي
لكسيكونتكنيكوم Lexicon Technicum (1704)، وسايكلوبيدياCyclopaedia (1728)، اعتمد المحرران على مساعدين وكتبة ظلّت هوياتهم مجهولة. وسارت موسوعاتٌ عديدة على هذا النهج في إدارة العمل، فخلت صفحاتها من أيّ أسماء، سواء على أغلفة مجلداتها أو في صفحاتها الداخلية. وربما كان عدم ذكر الأسماء راجعًا، أصلًا، إلى غياب مؤلِّف بالمعنى المتعارَف عليه، أو إلى كون القائمين على التأليف من أشخاص مجهولين لا يُعتدّ بهم. وقد جرت العادة في ألمانيا وغيرها خلال القرن الثامن عشر على تجنّب ذكر مؤلِّفي الموسوعات، والاكتفاء بذكر الشخصية الراعية للعمل، التي تكون عادةً من أعيان المجتمع المعروفين، وهو ما حدث في عددٍ من الموسوعات المهمة[6].
إلّا أنّ دور الموسوعيين المجهّلين برز بوضوح في خضمّ التنافس الذي حصل، في سبعينيات القرن التاسع عشر، بين
الموسوعة الأميركية American Cyclopaedia، وموسوعة جونسون الشاملة الجديدة
Johnson’s New Universal Cyclopaedia. فقد ادّعت الموسوعة الأميركية، على صفحة غلاف مجلدها السادس، أنّ الفلكيّ الشهير ريتشارد بروكتر Richard Proctor أعدّ المدخل العامّ عن القمر، إلى جانب مداخل أخرى. غير أن بروكتر أقرّ، بعد فترة من الجدل، بأنه لا يتحمّل مسؤولية ما ورد في المادة المنشورة في الموسوعة. وقد زعم في البداية أن إضافات أُدخِلت على المقالة بعد مراجعته تجارب الطباعة. ثم غيّر تعليله لاحقًا، الأمر الذي عزّز الشكوك في أنه لم يكن مؤلِّفها الحقيقي. وفي المقابل، زعم القائمون على
الموسوعة الأميركية أن محررهم السابق، بعد انتقاله إلى الموسوعة المنافسة، كان مسؤولًا عن "معظم" مواد
موسوعة جونسون، على الرغم من كثرة التوقيعات الواردة فيها. ومثل هذه الدعاوى والاتهامات كثيرٌ في تاريخ الموسوعات الأوروبية.
لم تكن التعمية على أسماء المؤلِّفين أمرًا مطلقًا بالضرورة. ففي بعض الموسوعات، جرت العادة على الإشارة إلى المؤلِّفين بوصفهم جماعة؛ كجماعة من العلماء أو من أعيان النبلاء من المجتمع. ونجد ذلك مثلًا في
موسوعة الدكتور هاريس للفنون والعلوم (1744)، وفي
الموسوعة الألمانية الأولى (1778-1807)، وفي موسوعة ألمانيّة أخرى صدرت في القرن التاسع عشر بعنوان
Allgemeines deutsches Conversations-Lexicon . وربما كانت هذه التوقيعات الجماعية دقيقة في بعض الحالات، غير أنّها لم تكن كذلك دائمًا؛ ولعل أشهر مثال على ذلك هو الطبعتان الأولى (1771)، والثانية (1778-1783) من
بريتانيكا، اللتان ادعى أصحاب الموسوعة أنّهما من وضع "فئة من سادة المجتمع"، مع أنّ من تولّى العمل على محتواهما وتحريره كان محررًا واحدًا متواضع المكانة.
من زاوية أخرى، وجد محررو الموسوعات فائدة تحريرية كبيرة في إخفاء هوية مؤلِّفي بعض المداخل. ففي منتصف القرن العشرين، مثلًا، حُذفت أسماء مؤلِّفي عدد من المداخل في
بريتانيكا، لكي لا تكون تلك الأسماء دليلًا على قِدَم المداخل وانتهاء صلاحيتها، وللتستّر على حقيقة أنّها تعود إلى طبعات مبكرة جدًا من الموسوعة. أما في
معجم تريفو في القرن الثامن عشر، فكان الأمر أكثر تعقيدًا نوعًا ما؛ إذ كانت طبعته الأولى (1704) نسخة معدّلة من طبعة عام 1701 لموسوعة أخرى عُرِفت باسم
معجم فوريتيير Furetière’s Dictionaire . وقد أجرى التعديل جماعة من اليسوعيين الباريسيين وأنصارهم، فأخفوا هويّاتهم خشية أن يُتَّهموا بالانتحال والسرقة الأدبية، وحرصًا على ألّا يتحمّلوا المسؤولية عن أيّ ملامح بروتستانتية بقيت في مادة الموسوعة الجديدة، ورغبةً كذلك في إظهار استقلالية متخيَّلة عن المؤسسات التي كانت تجاهر بانتمائها إلى اليسوعية وعن منشوراتها. غير أنّ جهودهم باءت بالفشل في الواقع، وظلّ
معجم تريفو معروفًا بأنه من وضع يسوعيين، وهي السمعة التي لازمته في جميع طبعاته خلال منتصف القرن الثامن عشر.
وبرز في القرن التاسع عشر مسوّغ آخر لحجب أسماء مؤلّفي الموسوعات، ومن ذلك ما حدث في الموسوعة الألمانية Konversations- Lexika، التي اعتمدت منذ مطلع القرن منهجية تحريرية تحتفظ بموجبها إدارة التحرير بحقّ تعديل المساهمات وفق ما تراه ملائمًا لأغراضها، وقد دفع ذلك الموسوعة إلى تقليل اعتمادها على الكتّاب البارزين، تجنّبًا لتأخّر العمل بسبب الجدال معهم حول التعديلات المطلوبة، حتى أصبح من النادر أن تظهر المداخل في الموسوعة بوصفها أعمالًا أنجزها أفراد بعينهم. وفي تلك الفترة، تخلّت الموسوعة عن تقليد التوقيعات الذي أرسته
الموسوعة الفرنسية، وتبنّت بدلًا منه نظامًا أقدم للتعريف بالمؤلِّفين، يقوم على إدراج أسمائهم إلى جانب الحقول المعرفية التي أسهموا فيها في الموسوعة. وقبل عام 1850، لم يكن في الموسوعة سوى عدد قليل من المداخل المذيّلة بتوقيعات رمزيّة يُفترَض أنها تشير إلى أصحابها، ولم تكن الموسوعة توفّر دائمًا فهرسًا يعرّف بهذه الرموز. وعلى أيّ حال، توقّف العمل بهذه التوقيعات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فلم تعد الموسوعة تضمّ سوى مداخل مجهولة المؤلِّف، وقوائم بالمساهمين من دون ربطهم بمداخل بعينها.
كان للتخلص من التوقيعات في المداخل مزيّتان جليّتان: تتمثل الأولى في منح المحررين قدرًا أكبر من حرية التصرّف في المداخل وتعديلها، بما يتيح إنجاز عمل ذي هويّة تحريرية متجانسة، وتجنّب المشكلات التي قد تنشأ عن نشر المدخل باسم صاحبه بعد إجراء تعديلات واسعة عليه. حصل ذلك، مثلًا، في
الموسوعة الإيطالية[7]Enciclopedia italiana، حين استاءت مجموعة من المساهمين فيها من التدخلات التحريرية في مداخلهم، وبلغ بهم الأمر إلى طلب حذف أسمائهم منها. ولمواجهة هذه المعضلة المحتملة، قرّر محرّر
موسوعة يفردون[8]Yverdon Encyclopédie، إلزام أحد المساهمين بتوقيع عقد يتيح لإدارة التحرير إجراء ما تراه من تعديلات لازمة على أيّ مدخل ينجزه. أما المزيّة الثانية، فتتمثل في أنّ المداخل التي لا تحمل توقيعًا قد تبدو أكثر موضوعية في نظر القرّاء، وتجعل المعرفة الواردة فيها غير مرتبطة بشخص بعينه أو بوجهة نظر يمثّلها، وقد يسعى إلى إبرازها لعلمه بأنّ المدخل سيحمل اسمه. غير أن هذا التوجّه لم يكن محلّ اتفاق؛ فقد اعترض عليه، بطبيعة الحال، بعض المحررين، ومنهم محررو
الموسوعة الكبيرة Grande Encyclopédie، الذين رأوا أن نشر المداخل بأسماء مؤلِّفيها هو السبيل الوحيد لحثّهم على التعامل مع آرائهم الشخصية بمسؤولية واتّزان، ودفعهم إلى تقديم معرفة تتجاوز جمع ما هو معروف ومكتوب سلفًا.
طبقات المؤلّفين الموسوعيين
شارك في تأليف الموسوعات الأوروبية كتّاب من أصناف شتّى، فكان من بينهم الحرفيون والفلاسفة والمخترعون والعلماء والأدباء. فقد أسهم الروائي وولتر سكوت Walter Scott في موسوعة إدنبرة (1808-1830)، وأسهم فلاديمير لينين Vladimir Lenin في الطبعة السابعة (1910-1948) من الموسوعة الروسية
Enciklopedičeskij slovar. وحظيت
بريتانيكا بإسهامات عدد من المشاهير، من بينهم عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين Albert Einstein، والصناعي الأميركي هنري فورد Henry Ford، اللذان أسهما في الطبعة الثالثة عشرة من الموسوعة عام 1926. وخلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حرص محررو أهم الموسوعات باللغة الإنكليزية على استقطاب المشاهير من المفكرين للإسهام فيها، وتذييل المداخل بأسمائهم، بهدف تعزيز موثوقيتها، وزيادة رواجها بين القرّاء، وتشجيع آخرين على الكتابة فيها. ففي
سايكلوبيديا الجديدة NewCyclopaedia (1819-1820)، التي اشتملت على مداخل وضعها عالم الموسيقى تشارلز بيرني Charles Burney، وعالم الكيمياء همفري ديفيHumphry Davy، أشار المحرر إلى أنّ في موسوعته مساهمين "تميّزوا في فروعٍ من العلم كرّسوا لها أنفسهم، لم ينزلوا عند طلبنا بأن يسهموا في الكتابة فحسب، بل رضوا بأن يوقّعوا مداخلهم بأسمائهم كي تُعرَف بها". في المقابل، نجد محرر
موسوعة يفردون، التي سبق ذكرها، وقد ساءه ما آلت إليه حال الموسوعات التي أصبح بيعها ورواجها مرهونَين بنوع الأسماء "الكبيرة" Grand noms، التي تكتب فيها، لا بجودة ما يُكتَب.
أمّا في فرنسا، فلم يحظ المساهمون في الموسوعات بمكانة تضاهي تلك التي حظي بها مساهمو الموسوعة المنهجية Encyclopédie méthodique (1782-1832)، التي نجحت في استكتاب طائفة كبيرة من الأسماء البارزة في مجتمع المعرفة الفرنسي، ومن بينهم أعضاء بارزون في الأكاديمية الملكية للعلوم Académie Royale des Sciences، والأكاديمية الفرنسية Académie Française. وقد حدّ هذا الحضور اللافت للمشاهير من سطوتهم على العمل الموسوعي، إذ اضطر بعض المحررين إلى تقديم مسوّغات عند رغبتهم في استكتاب متخصصين غير مشهورين، حتى وإن كانوا ذوي كفاءة عالية في حقولهم.
تغيّر الأمر قليلًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فلم يعد محرّرو الموسوعات الفرنسية والألمانية يصرّون على استقطاب العلماء والمفكرين المشاهير. وقد امتد هذا التوجّه إلى موسوعات مثل موسوعة
Allgemeine Encyclopädie (1818-1889)، التي كانت تُعدّ الأرفع مكانة بين الأكاديميين الألمان، حتى إن أحدّ النقّاد عاب عليها اعتمادها على "العوامّ من النسّاخ" Ordinärer Tagschreiber، بدلًا من الحرص على استكتاب مشاهير الأكاديميين. ومع ذلك، حرصت الموسوعة آنذاك على التعبير عن اعتزازها بمجموعة من المساهمين الملتزمين بالعمل فيها. في المقابل، يعبّر هيرمان يوليوس مايرHerrmann Julius Meyer، رئيس الدائرة الموسوعية في المعهد الببليوغرافي Bibliographisches Institut في منتصف القرن التاسع عشر، عن ضيقه من التعامل مع الكتّاب المشاهير، الذين كانوا، في نظره، يتقاضون مكافآت لا تتناسب بالضرورة مع ما يقدّمونه من عمل.
والواقع أنّ غالبية من أسهموا في تأليف الموسوعات كانوا بعيدين كلّ البعد عن الشهرة، وكانوا ينخرطون في الكتابة الموسوعية لدوافع متنوّعة؛ فمنهم من كتب وأسهم في الموسوعات بدافعٍ ذاتي، ومن هؤلاء جوكور، الذي انضمّ إلى فريق
الموسوعة الفرنسية منذ منتصف القرن الثامن عشر، مدفوعًا بشغفه بالكتابة ونشر المعرفة، على الرغم من أنّه أقدم على ذلك بعد أن ضاعت موسوعته الخاصّة وغرقت في البحر. لقد كتب جوكور زهاء 17 ألف مدخل في
الموسوعة الفرنسية، ثم واصل الإسهام في موسوعات أخرى، وكان رجلًا ميسورًا من النبلاء، فلم يكن يسعى إلى المال، على الرغم من أنّه تلقّى مكافآت مالية وهدايا من الكتب مقابل عمله. وكان الإسهام في الموسوعة، إلى جانب ما قد يجنيه المرء من عائد مادي، وسيلة لبناء السمعة، والتعبير عن موقف ما، وإظهار اهتمام المؤلف بشؤون أمّته انطلاقًا من حسّ وطني.
من الضروري أيضًا الاعتراف بأن غالبية المؤلِّفين الموسوعيين كانوا يسعون إلى تأمين مصدر دخل أو وظيفة، سواء من خلال البحث أو جمع المواد الموسوعية وتحريرها. وكان المؤلِّف الرئيس في الموسوعة أو المحرر يتقاضى أجرًا معتبرًا في العادة، بخلاف صغار الموسوعيين، الذين كانوا يعملون جميعًا بأجور زهيدة. ونشير هنا إلى رواية لإيميل زولا Émile Zola، عنوانها
أمنية امرأة ميتة Le Vœu d'unemorte (1866)، يُلمح فيها إلى تجربةٍ خاضها في شبابه في الكتابة في
قاموس لاروس الموسوعي الكبير Grand Dictionnaire، ويذكر بعض ظروف العمل الموسوعي القاسية، فيقول: "تعرّف دانيال، عبر صديقه جورج، إلى رجل يعمل في صناعة النشر، وقبل به مساهمًا في مشروع قاموس موسوعي كان يعمل عليه نحو ثلاثين شابًا [...] كانوا ينهمكون في جمع المواد، ومقابلتها وتحريرها، طوال عشر ساعات كل يوم، مقابل ثمانين أو مئة فرنك شهريًا [...] لم يكن المحرر المسؤول يقرأ شيئًا ممّا يكتبون، لكنّ العمل كلّه يُنسَب إليه".
والواقع، على أيّ حال، لا يبتعد كثيرًا عمّا صوّره زولا في روايته، فتاريخ الموسوعات الأوروبية هو أيضًا تاريخ أولئك الموسوعيين الذين أنجزوا أعمالًا شاقّة مقابل أجور زهيدة. ففي
الموسوعة الأميركية، مثلًا، في سبعينيات القرن التاسع عشر، قرّر الناشر الاستغناء عن المساهمين المتخصصين، والاستعاضة عنهم بمساهمين شبان لا يتقاضون سوى "أجور متواضعة". أما في الموسوعة الإسبانية
إسبازا (1908-1930)، فكان بعض المساهمين يتقاضون 20 بيزيتا عن الصفحة الواحدة، وهو ما كان يعادل تقريبًا سعر المجلد الواحد من الموسوعة آنذاك، في حين كان بقية أفراد الفريق من صغار الكتّاب يتقاضون 30 بيزيتا أسبوعيًا، مقابل تأليف صفحتين يوميًا. وكان أجرهم زهيدًا إلى حدّ أنّهم عُرِفوا بلقبٍ يجمع بين بؤس حالهم والموقع الذي كانوا يشغلونه في الموسوعة: "الكتّاب المحكوم عليهم بالموت جوعًا في الطابق العلويّ".
وإن كان الموسوعيون في الغالب قد افتقروا إلى المكانة والتقدير في بيئة العمل، فإن هوياتهم وانتماءاتهم تكشف عن أنماط لافتة، وتحديدًا فيما يتعلق بخلفياتهم المهنية.
فإذا نظرنا إلى جماعة الموسوعيين من ناحية انتمائهم إلى مهنٍ بعينها، أمكننا تلمّس ثلاث خلفيات رئيسة على الأقل، تتمثل الأولى في أنّ كثيرًا منهم كانوا من رجال الكنيسة ورجال دين، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ هذه الفئة كانت تحظى بقدرٍ من التعليم والتفرّغ يتيحان لها الانخراط في نشاطات الكتابة والعناية بها. ومن هؤلاء، مثلًا، فينتشنزو كورونيلي Vincenzo Coronelli، صاحب موسوعة
المكتبة العالمية Biblioteca Universal ، التي صدرت مطلع القرن الثامن عشر (1701-1706)، وكان رجل دين بارزًا من الفرنسيسكان، وجون هاريس John Harris، صاحب
موسوعة المعجم التقني Lexicon Technicum الصادرة عام 1704، وقد كان من الأنجليكان. أمّا في
الموسوعة الألمانية الأولى، فكان خُمس الكتّاب الذين ثبتت إسهاماتهم فيها من رجال الدين.
وقد يُقال، في هذا السياق، إن الموسوعة الأشهر في القرن الثامن عشر، أي
الموسوعة الفرنسية، كانت مناهضة للدين، ويغفل كثيرون عن حقيقة أن
معجم تريفو، وهو أعرق الموسوعات الفرنسية في ذلك الوقت، قبل ظهور موسوعة
لاروس، كان، في معظم تاريخه، من وضع جماعة من اليسوعيين. وقد يغفل البعضُ أيضًا أنّ البندكتيين الفرنسيين كانوا، طوال القرن الثامن عشر، من أرباب العمل الموسوعي، بل إنّ مجموعة منهم عكفت، على مدى عقد كامل، في دير سان جيرمان دي بري Saint-Germain-des-Prés، على إعداد معجم موسوعي كبير، لكنّه لم يُنشَر.
ظلّ لرجال الدين دورهم في العمل الموسوعي وفي إنتاج المعرفة ونشرها عمومًا طوال القرن التاسع عشر، ولا سيما في الدول الكاثوليكية، حيث اعتنوا عناية كبيرة بالكتابة في الموسوعات على اختلافها. ففي موسوعة
إسبازا في إسبانيا، شكّل رجال الدين نحو ربع المساهمين، أما محرر
الموسوعة الإيطالية (1929-1939)، فقد أتاح لهم مجالًا واسعًا للتحكّم في المداخل ذات الصلة بالشأن الديني. وكان رجال الدين في بداية مسيرة الموسوعة لا يشكّلون سوى 4 في المئة من إجمالي المساهمين، لكن نسبتهم سرعان ما تغيّرت عقب توقيع "اتفاقية لاتيران" Treaty Lateran بين الحكومة الإيطالية والفاتيكان عام 1929، وتزايد نفوذهم في الموسوعة.
يمثّل الصحافيون الفئة الثانية الأكثر حضورًا في الموسوعات والعمل الموسوعي، وقد عاب بعضهم ذلك وعدّوه مثلبة. كان هارفي آينبايندر[9] Harvey Einbinder من بين من التقطوا هذه الملاحظة في نقده لأعمال
الموسوعة البريطانية، إذ ذكر أنّ محرري الطبعة التاسعة "كانوا من العلماء، ثم حرّر الطبعة الحادية عشرة صحافي ذو طموح علمي. أمّا ما تلا ذلك من الطبعات فقام عليها صحافيون فحسب". وربما كان ذلك صحيحًا في سياق محدود من تاريخ
بريتانيكا، غير أنّ التاريخ العام لهذه الموسوعة، ولسواها من الموسوعات، يكشف عن صورة مغايرة لما ذهب إليه آينبايندر. فالطبعتان الأولى والثانية من
بريتانيكا (1771، ثم 1778-1783)، حررهما كتّاب لهم باع في الصحافة، وينطبق ذلك على موسوعات أخرى في تلك الفترة من القرن الثامن عشر، منها
موسوعة فوريتيير وموسوعة يفردون إضافة إلى
موسوعة التاريخ الشامل للفنون والعلومUniversal History of Arts and Sciences (1745). ولم تجد الموسوعات حرجًا في الاستعانة بالصحافيين، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر وما تلاه، بل إنّ
موسوعة جونسون العامة الجديدة Johnson’s New Universal Cyclopaedia (1877-1875)، أعلنت بفخر أنّ مداخل قسم الجغرافيا الأميركية فيها كانت ثمرة إسهامات نحو ألفَي محرر صحافي، كتبوا عن مدنهم وبلداتهم. أما في موسوعة
إسبازا، في مطلع القرن العشرين، فلم يكن من بين المساهمين الذين بلغ عددهم 700 سوى 13 كاتبًا عرّفوا أنفسهم بأنهم صحافيون، لكن العدد كان أكبر من ذلك حتمًا، إذ فضّل بعضهم إبراز انتماء مهني يُعدّ أرفع مكانة من الصحافة. وفي تلك الفترة، في مطلع القرن العشرين، صدرت الطبعة الحادية عشرة من
بريتانيكا، وبدأت الانتقادات تُوجَّه إليها؛ بسبب توسّع إدارة تحريرها في الاعتماد على الصحافيين بدلًا من الأكاديميين المتخصصين في حقولهم.
لحضور الصحافيين في الموسوعات أسبابٌ مفهومة، منها أنّ الكتابة للصحف والمجلات، والتأليف الموسوعي العامّ، كلاهما نشاطٌ يُنظَر إليه باعتباره أدنى منزلةً من التأليف العلمي الصرف، ومن كان من الكتّاب يعمل في الصحافة لن يمانع في الإسهام في الموسوعات العامة. أمّا السبب الآخر الجليّ، فهو أنّ الكتابتين الصحافية والموسوعية تتطلبان مهارات متشابهة، ذلك أنّ الصحافي والمؤلِّف الموسوعي يجمعان المادّة المعلوماتية من مصادرها، ثم يلخّصانها ويعرضانها بلغةٍ تتوخّى إفادة عموم القرّاء. وكلا النشاطَين مقتَرن بموعد نهائي للتسليم، خاصة في حالة الموسوعات التي كانت تُنشَر في نشرات أسبوعية قبل جمعها في مجلّدات.
أمّا الفئة الثالثة المعروفة بين الموسوعيين فكانت فئة المعلّمين وأساتذة المعاهد والجامعات. وقد ظهر حضورهم في موسوعات مبكّرة، منها موسوعة
Lexicon Rational، التي صدرت عام 1692، وحررها الأستاذ إتيان شوفان Etienne Chauvin، وهو معلّم ورجل دين بروتستانتي، وموسوعة
Allgemeins Lexicon الصادرة عام 1721، والتي حرّرها يوهان ثيودور جابلونسكي Johann Theodor Jablonski، وهو عالم ومربٍّ بروسي، أوكِلت إليه مهمة تعليم فريدريك فيلهلم الأول، الذي أصبح لاحقًا ملك بروسيا. وينطبق ذلك أيضًا على الطبعة الثالثة من
بريتانيكا (1797)، التي شكّل الأساتذة خُمس المساهمين في كتابة مداخلها. لكنّ أشهر المعلّمين الموسوعيين في تاريخ الموسوعات الأوروبية كان بيير لاروس Pierre Larousse، الذي حرّر
القاموس الجديد Nouveau Dictionnaire الصادر عام 1856، والمعجم الكبير
Grand Dictionnaire (1866-1876)، وغيرهما من الأعمال المرجعية، وقد أفاد في إعدادها وتسويقها من تجاربه الواسعة وصِلاته المتينة في مجال التربية والتعليم.
لقد كان لمعلّمي المدارس وأساتذة الجامعات حضورٌ بارز في قوائم المساهمين في الموسوعات طوال القرن التاسع عشر. فنصف الكتّاب في موسوعة
Allgemeine Encyclopädie كانوا أساتذة جامعات، ونحو 30 في المئة ممّن أسهموا في
الموسوعة الفرنسية الكبيرة Grande Encyclopédie (1885-1902) كانوا كذلك. ومنذ عام 1925، كانت غالبية المستكتبين في
الموسوعة الإيطالية من أساتذة الجامعات. وقد ذكرنا آنفًا أنّ موسوعة
بريتانيكا واجهت انتقادات في الولايات المتحدة بسبب اعتمادها الواسع على الصحافيين في مرحلة من مراحل تاريخها، وهو ما دفعها لاحقًا إلى إعادة التأكيد على هويتها الأكاديمية، وبلغ ذلك ذروته في طبعتها الجديدة لعام 2002، حيث مثّل أساتذة الجامعات ثلثَي المساهمين فيها على الأقل، أمّا البقية فكانوا شخصيات بارزة يعملون في المتاحف والمعاهد الأكاديمية وغيرها من المؤسسات التعليمية.
تزايد إقبال العاملين في المكتبات ودوائر الأرشيف وموظفي الجامعات على الكتابة في الموسوعات خلال القرن العشرين، وبأعداد كبيرة؛ وربما يعود ذلك إلى تيسّر الوصول إلى الكتب والمصادر والسجلّات، وتنامي قدرة هذه الفئات من المتعلّمين على التمييز النقدي بين الموسوعات والاختيار بينها. وقد حظي العاملون في المكتبات بعناية خاصة في هذا المجال؛ وكانت
موسوعة كولير Collier’s Encyclopedia الصادرة عام 1949، رائدة في هذا الصدد؛ ففي عام 1946، توجَّه رئيس الشركة المالكة للموسوعة إلى "جمعية المكتبات الأميركية" American Library Association، طالبًا عونها في وضع خطة الموسوعة وبنائها. واستجابت الجمعية لطلبه، فكانت النتيجة
موسوعة كولير. واستمر هذا النهج في طبعتها الثانية، التي صدرت عام 1962، وأشرف على تحريرها المكتبي لويس شورز Louis Shores. وقد قيل حينها إنّ الاعتماد على شورز كان بهدف المساعدة في ترويج الموسوعة في المكتبات، غير أنّ الرجل كان مسؤولًا بالفعل عن أعمال التحرير فيها، ومن المؤكّد أن حضوره لم يكن شكليًا على الإطلاق.
[1] اخترنا في هذه المقالة ترجمة المقطع المعني من كتاب لفلاند:Jeff Loveland,
The European Encyclopedia: From 1650 to the Twenty-First Century (Cambridge, Cambridge University Press, 2019).
[2] للمزيد عن
بريتانيكا وتاريخها وتاريخ الطبعة الحادية عشرة منها ينظر المدخل الموسوعي عنها في: محمد زيدان، "الموسوعة البريطانية (بريتانيكا)"،
الموسوعة العربية، 24/4/2026، شوهد في 28/8/2026، في:
https://acr.ps/hBy2tav
[3] يعود ذلك إلى أنّ عددًا من الموسوعات المبكّرة، مثل
بريتانيكا، كان يُنشر في أعداد منفصلة، ثم تجمع وتؤلّف في طبعة كاملة ضمن مجموعة مجلّدات، فيكتب المحرر العام خطبة الموسوعة لو شئت Preface، أو تصديرها، والذي كان يشتمل على معلومات عن سير العمل على الموسوعة وأبرز من كتبوا فيها. ينظر: المرجع نفسه. (المترجم)
[4] استخدم التوقيع بالرمز X في نهاية المدخل عن "المرأة" Woman في الطبعة الحادية عشرة من
الموسوعة البريطانية، وأحد المداخل المطوّلة في مجلدها رقم28 . (المترجم)
[5] كان لويس دي جوكور (1704-1780) من أبرز المساهمين في الموسوعة الفرنسية، وأكثرهم شهرة بعد دنيس ديدروDenis Diderot وجون دالامبير Jean le Rond d'Alembert، وبلغ مجموع إسهاماته فيها نحو 17 ألف مدخل في فنون وحقول مختلفة، في الطبّ أساسًا، لأنه كان طبيبًا، وفي العلوم الطبيعية والتاريخ والسياسة والأدب. (المترجم)
[6] من بين هذه الموسوعات:
Reales Staats- Zeitungsund Conversations-Lexicon (1704);
Curieuses Natur- Kunst- Gewerck und Handlungs- Lexicon (1712).
اكتفى ناشروها بذكر اسم معلّم مرموق وصاحب شأن يدعى هوبنر Hübner، على الرغم من أنّه لم يكتب سوى مقدمة العملين، وساد تصوّر بأنه هو من ألّفهما. ثمة موسوعات أخرى عمدت إلى هذا الأسلوب، منها
الموسوعة البريطانية
BritishEncyclopaedia عام 1809، وموسوعة معجم الفنون والعلوم
Dictionary of Arts and Sciences عام 1807. (نقل المترجم هذه المعلومات إلى الهامش لغرض تحريري فحسب)
[7] صدرت في الفترة 1929-1939.
[8] صدرت في القرن الثامن عشر، في الفترة1770 -1780.
[9] عالم فيزياء وكاتب أميركي، عُرف خصوصًا بنقده لموسوعة
بريتانيكا في كتاب له بعنوان
أسطورة بريتانيكا
The Myth of Britannica، صدر عام 1964، وهو مراجعة منهجية لبعض مداخل الموسوعة العلمية، والتي بيّن فيها آينبايندر أخطاء كثيرة ومعلومات قديمة، وضعفًا في عمليات المراجعة، ما اعتبره تدليسًا بإعادة تدوير المداخل من دون العناية بتحديث معلوماتها عبر مختلف الطبعات. (المترجم)