في أوجه الصلة بين الصحافة والعمل الموسوعي
مقالات 12 مارس ، 2026

في أوجه الصلة بين الصحافة والعمل الموسوعي

الكلمات المفتاحية

محمد زيدان

كاتب ومترجم من الأردن، صدرت له ترجمات لعدة كتب من بينها إسرائيل: تاريخ القوة والمعرفة للمؤرخ إيلان بابيه، وبيت المقدس في إستراتيجية النبي محمد لعبدالله معروف عمر، وفلسطين: تاريخ شخصي لكارل صبّاغ.

​​"في أزمنة الانحطاط، يكثر الحديث عن القيم العظيمة"

(برتولت بريخت)


​​ يقال إن الإمبراطورية البريطانية، حين دخلت القرن العشرين، لم تكن هويّتها الثقافيّة الوطنية تقتات على شيء مثلما كانت تقتات على صحيفة التايمز، وعلى الموسوعة البريطانية بريتانيكا. فقبل عام 1900 لم يكن معجم أكسفورد التاريخي قد صدر كاملًا، ولم تتأسس هيئة الإذاعة البريطانية، ولم تنطلق سلسلة التاريخ الشهيرة من كامبردج بعد.

تأسّست التايمز اللندنية عام 1769، وكان صاحبها الأوّل، جون والتر John Walter، بائعَ كتب في الأصل، وقد بلغت صحيفته فيما بعد من المكانة في عالم الإمبراطورية البريطانية درجةً جعلت مؤرخين يجيزون لأنفسهم تشبيه تأثيرها بتأثير الكتاب المقدّس؛ قاصدين في ذلك أنّ حتى من لم يقرأوا الصحيفة أو يتفقوا معها كانوا شديدي الوعي بأهميتها ووزنها.[1] وكان الساسة أنفسهم، وسواهم، مدركين لذلك؛ فقد شبّه الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن قوّةَ التايمز بقوّة نهر المسيسيبي، ووصفها في زمانه بأنها "إحدى أعظم القوى في العالم".

في نهاية القرن التاسع عشر، ورغم عظم تلك المكانة المعنويّة التي حازتها التايمز، اصطدمت الصحيفة بأزمة مالية مريرة ومربكة، سببها ملابسات مزمنة متعددة لا يتسع المجال لسردها. لكن، وباعتبار هذين العاملين معًا؛ أي ثبات رأسمال هذه الصحيفة الرمزي، وتعثّر أدائها وتراجع أرباحها، سيُكتب تاريخٌ جديدٌ لها، تصبح فيه الصحيفة اللندنية قرينًا لمشروع إنجليزي عظيم آخر، هو الموسوعة البريطانية، وذلك في توءمةٍ عبقرية لن يكون عرّابها إلا رجل أميركي، يُدعى هوراس هوبر Horace Evertte Hooper، له فضلٌ غامر على الصحافة وعلى الصنعة الموسوعية.

تبدأ القصّة عام 1898، حين دخل مكتبَ المدير العام للصحيفة، تشارلز موبيرلي بيل، رجلان قادمان من الولايات المتحدة، خصيصًا لزيارة الصحيفة، وهما جيمس كلارك، رجل أعمال ناجح، وشريكه هوراس هوبر. كان الموعد قد رُتّب بين الثلاثة بوسيلة ناشرٍ إنجليزي، هو المالك لحقوق الطبعة التاسعة الشهيرة من الموسوعة البريطانية، التي لم تكن هي الأخرى، رغم شهرتها بين الناس، قد حققت من المبيعات ما يجعلها مشروعًا ذا جدوى كبيرة لأصحابها.

كان العرض الذي طرحه الرجلان على التايمز بسيطًا ومغريًا. فبعد أن تحصّلا على حقوق إعادة طبع "التاسعة"[2] من صاحب الموسوعة، ولعلمهما بالظروف العسيرة التي تمر بها الصحيفة، قرّرا أن يبحثنا عقدَ شراكة مع التايمز البريطانية، بهدف طباعة نسخة جديدة من الطبعة التاسعة بالتعاون مع الصحيفة وبالاستفادة من سمعتها ومن مساحة الإعلان في صفحاتها، على أن تُباع النسخة بسعر مخفّض وبنظام أقساط مريح للمشتركين في الصحيفة، التي لن تتحمل تكاليف كبيرة، وفقًا للاتفاق، بل ستحصل على أجور الإعلانات ونسبة من إيرادات المبيعات عن كلّ نسخة.

كان الوعدٌ كبيرًا ومغريًا، و"كل وعد يحمل ريبة"[3]، خاصّة أنّ الطبعة التاسعة كانت قد صدرت وبدأ بريقها يخفت، كما أنّ الناس، بحسب موبيرلي بيل، أي عامّة الناس، ليسوا معنيين في تقديره باقتناء موسوعة هي في الواقع قديمة (صدر آخر مجلد منها قبل عقد من الزمن)، وهو ما اعترض عليه هوبر بعبارة شهيرة محفوظة عنه، وتروى في تواريخ الموسوعة البريطانية: "إن لم يكن ثمّة جمهور مهتم بالموسوعة، فسنخلق نحن جمهورًا يهتمّ بها"[4].

بعد أسبوع من التفكير والتشاور، وافقت إدارة التايمز على المقترح، فتأسس بذلك تحالف غير تقليدي وغير مسبوق، ليس في حقل الصحافة وصنعة الموسوعات فحسب، بل في قطاع النشر وفي مجال الدعاية والتسويق؛ وقد غيّر هذا التحالف، أو قل "الثورة"، مسار الموسوعة البريطانية، مفتتحًا "حقبة أميركيّة"، ستبدّل مصائرها، وتعيد توجيه مسار تطوّرها بوصفها مؤسسة، لتغدو مشروعًا أميركيًا بامتياز.

في 23 آذار/مارس 1898، وبعد أسبوع واحد فقط من إتمام كافة التفاصيل التعاقدية بين الطرفين، نُشر في صحيفة التايمز إعلان طويل بصياغة جريئة لم تعتدها الصحيفة المحافظة، يدعو القرّاء إلى الحصول على نسخة من الطبعة التاسعة الأثيرة من الموسوعة البريطانية مقابل 14 جنيهًا بالتقسيط، أو بسعر أقل قليلًا عند الدفع نقدًا كاملًا. أمّا الإغراء الأكبر في الإعلان، فهو الوعد بالحصول على الموسوعة مقدّمًا، بعد دفع جنيه واحد، ثم إتمام الأقساط الباقية بعد الاستلام، وقد كانت تلك أوّل مرة يستخدم فيها نظام التقسيط هذا في قطاع النّشر.

يذكر تاريخ الموسوعة البريطانية من صاغوا تلك الإعلانات عن الموسوعة البريطانية في التايمز. أحدُهم كان يدعى هنري هاكستون، وهو الذي كتب الإعلان الأول، الذي جاء فيه:

"الموسوعة البريطانية ليست عونًا لتنشيط الذاكرة وحسب أو للنظر السريع إليها عندما تبرز الحاجة.. الموسوعة البريطانية ليست أعظم عمل مرجعيّ فقط.. بل إنّها مكتبة قائمة بذاتها، وكنز من الأطروحات الرائعة في شتى المواضيع، حتى العويص منها والغريب، وبلغة قريبة من الجميع، وبعيدة كلّ البعد عن التقعّر والتعقيد".[5]

أمّا الدهاء التسويقي الجديد الذي ظهر لأوّل مرّة على صفحات التايمز، بتوجيه دقيق ومثابر من هوراس نفسه، هو إيهام القرّاء بأنّ ذلك العرض مطروح لفترة محدودة وحسب، وأنّ هذا يعني ضرورة اغتنام الفرصة والاشتراك مع الصحيفة للحصول على الطبعة قبل فوات الأوان، مع منح الأولوية لمن يبادر بالدفع. كما اقترح هوراس الإعلان إلى جانب ذلك عن توفّر نسخ فخمة من تلك الطبعة التاسعة القديمة، بورق فاخر وتجليد ممتاز، بفرق في السعر طبعًا، وذلك ليضمن مخاطبة كافة طبقات المجتمع البريطاني آنذاك.

ستخصص الصحيفة على مدى أسابيع بطولها مساحة فسيحة للحديث عن الموسوعة والترويج لها على صفحاتها. ولم يقتصر ذلك على الإعلانات المباشرة، بل ظهر أيضًا على شكل مراجعات موجزة احتفائية تبشّر بالموسوعة وتسعى لإقناع جمهور القرّاء بجدوى امتلاكها، بدعوى أنّها "دليل على التعلّم وعلى الذوق الرفيع"، وأنّها رمز أو شرط لانتساب الإنسان (وأسرته) إلى عالم المعرفة الحديثة. ففي إحدى المواد سيقرأ من يطالع الصحيفة وصوفًا للموسوعة من قبل كتّاب يرون أنّ "امتلاك الموسوعة البريطانية يعني أنّ صاحبها حائزٌ على ملَكة تمييز الأدب العظيم عمّا سواه"، كما قال فيها آخر إنّها "كتبت بأقلام أولئك العلماء الممتلئين معرفة وعلمًا، الذين يروون فيها الحكاية المذهلة للقرن التاسع عشر.. وهم أفضل من فهموا تاريخ التطور المشهود في الفنون والعلوم والصناعة لأنه تاريخ هم أسهموا في صناعته.. إنهم الرجال الذين حاربوا الجهالة وجلبوا التنوير لجيلهم، وها هم يحكون لنا في الموسوعة عن ذلك الضياء وكيف انتشر".[6]

وخلال الفترة آذار/ مارس-آب/ أغسطس 1898، نشرت التايمز أيضًا مقاطع مختارة بعناية من مداخل الموسوعة في مختلف المجالات، بما في ذلك علوم الأحياء والتاريخ والأديان والسياسة وغيرها؛ وذلك لتقديم لمحة للقرّاء عن محتواها. وكانت الطبعة التاسعة تُعرَف في بريطانيا بـ "طبعة العلماء"، ثم عُرِفت بعد التحالف مع هوبر باسم "طبعة التايمز".

وقد فاقت مبيعات الطبعة التاسعة في الولايات المتحدة ما حققته في بريطانيا. لكن المهمّ هنا أنّ جزءًا من نجاح الموسوعة البريطانية، في أواخر القرن التاسع عشر، كان مرهونًا بتحالفها مع الصحافة، وتحديدًا مع التايمز اللندنية[7]، التي كانت واعية بقيمتها الرمزيّة والثقافية في المجال العمومي وفي مخيال الناس، وهو وعي تلاقى مع إدراك الأميركيين، ملّاك حقوق الموسوعة الجدد، للفرصة الكامنة في هذه "العلامة التجارية".

ولذا فإنّه قد يصحّ القول إن الموسوعة البريطانية، قد اشتقّت نجاحها- في لحظة معيّنة من تاريخها- ليس من محتواها العلمي فحسب أو من علاقاتها مع النخب من الأكاديميين وكبار المؤلفين، بل أيضًا، وربما بشكل حاسم، من تلك العلاقة التي انتسجت بدهاء وبعد نظر استراتيجي بين الموسوعة وقطاع الصحافة السائدة، وهو ما تدلّ عليه عبارة لا تخلو من التندّر والعتب، انتشرت في تلك الفترة الباكرة في أوساط الصحافيين في بريطانيا، تقول "إنّ التايمز في ظهر الموسوعة [البريطانية]، والموسوعة في ظهر التايمز".[8]

لكنّ بيان الصلة التكاملية الوثيقة بين "الموسوعة" و"الصحافة" لا يقتصر على سرد حكاية هذا التحالف بين التايمز البريطانية وبريتانيكا، وذلك لأنّ تاريخ الموسوعة هو، من وجه ما، تاريخ العمل الصحافي؛ فالعديد من الموسوعيين كانوا صحفيين، والموسوعات كانت تصنع على عينٍ تراعي جمهور الصحافة مثلما تراعي الصحافيين وتتوجّس انتقاداتهم أو تتوخى إطراءهم. فالطبعة الأولى والثانية من الموسوعة البريطانية حرّرها رجال اشتغلوا في الصحافة كتابة وتحريرًا، وهو الحاصل في موسوعات أخرى من القرن الثامن عشر والتاسع عشر، مثل موسوعة جونسون الجديدة Johnson’s New Universal Cyclopaedia، التي صدرت في الربع الأخير من القرنين التاسع عشر، وساهم فيها أكثر من ألفي محرر صحفي، كتبوا عن مدنهم وبلداتهم التي ينتمون إليها لصالح حقل الجغرافيا الأميركية في الموسوعة.[9] أما الطبعة الحادية عشرة من الموسوعة البريطانية، والتي عرفت باسم "ملكة الموسوعات"، فقد واجهت انتقادات واسعة حين صدرت عام 1911، ولم يكن ذلك إلا بسبب توسّعها في الاعتماد على مساهمات الصحافيين.[10]

ولا يزال الاتصال الحيوي بين النشاط الموسوعي والعمل الصحافي قائمًا، وليس أدلّ على ذلك من التغطية الحثيثة التي تنالها موسوعة ويكيبيديا (بنسختها الإنجليزية، وفي الإعلام الناطق بالإنكليزية أساسًا، وتحديدًا في الولايات المتحدة)، وهو نشاط تتابعه الموسوعة نفسها وتؤرّخ له بانتظام منذ العام 2006، عبر مؤشر خاص لكافة الإحالات في الصحافة السائدة على الموسوعة[11]، وهو ما يمكن بسط الكلام فيه في مقال لاحق.

ويستفاد من ذلك ضرورة إدراك أهمية بناء علاقة متينة مع القطاع الصحافي في أي مشروع موسوعي ناشئ، وضرورة النظر إلى الصحافة بوصفها رافعًا للعمل الموسوعي والثقافة الموسوعية معًا، واعتبارها شريكًا أساسيًا لتعزيز حضور الموسوعة وأثرها في المجال العمومي. كما ينبغي في المقابل التفكير فيما يمكن أن يجنيه الصحافي والعمل الصحافي من موسوعة متكاملة ورصينة، يمكن الوثوق بها والتعويل عليها في سياقنا العربيّ الصعب، في مستقبل مأمول قريبٍ ما.

*نشرت نسخة من هذه المادة في موقع ميغازين/شبكة ألتراصوت


​​

[1] Denis Boyles, Everything Explained That is Explainable: On the Creation of the Encyclopaedia Britannica's Celebrated Eleventh Edition, 1910-1911 (New York: Knopf, 2016) ePub, p. 75

[2] بلغت شهرة الطبعة التاسعة والطبعة الحادية عشرة من الموسوعة البريطانية حدًا كان يكفي المتحدث أو الكاتب أن يقول "التاسعة" أو "الحادية عشرة"، ليفهم المخاطب بأن المقصود هو تلك الطبعة من الموسوعة. وقد ضرب الصحافي الأميركي هانز كونينغ مثالًا على ذلك في مقال شهير له وطويل جدًا (زهاء 8000 كلمة) صدر عام 1981 في مجلة "نيويوركر"، وكان عنوانه "الطبعة الحادية عشرة"، معتبرًا أنّه لا يمكن لأحد أن يخطئ في الإحالة أو يغفل عن ارتباط الموسوعة البريطانية بهذين الرقمين، 9 و11.

[3] التقط الروائي والباحث الفلسطيني عباد يحيى في رواية رام الله شيئًا من روح العالم مطلع القرن العشرين، حيث رأى الراوي أن العالم دخل القرن العشرين، وهو "قرن كل شيء"، وهو أيضًا القرن الذي "كلّه وعود"، لكنّ "كلّ وعد يحمل ريبة" (ينظر: عباد يحيى، "رام الله"، منشورات المتوسط (2021)، ص.335، 336). وهذه الإشارة تنسحب بطبيعة الحال في نقاش تاريخ الموسوعة البريطانية، خاصة طبعتها الحادية عشرة، وانهيار الوعد الذي بشّرت به وانكسار ما حملته من تفاؤل وانطفاء ما جلبته من أنوار، وذلك لما اندلعت الحرب العالمية الأولى. وقد فصّل هانز كونينغ ذلك في مقاله على نحو صحفي بديع، كما عبّر عنه عباد يحيى أدبيًا، وإن في سياق جغرافي مختلف، في العتبة الرابعة من رواية رام الله، وفي فصول أخرى منها.

[4] “we’ll create a public that will want it”.
يمكن القراءة عن تفاصيل ذلك اللقاء بين هوبر وكلارك، ومدير تحرير التايمز في كتاب وضعه الصحافي الأميركي هيرمان كوغان عن تاريخ الموسوعة البريطانية. انظر الهامش رقم ٥

[5] Herman Kogan, The Great EB: The Story of the Encyclopaedia Britannica, (Chicago: The University of Chicago Press, 1958), p. 82

[6] Ibid. p. 83

[7] ومع صحف بريطانية أخرى، من بينها "الديلي ميرور".

[8] Boyles, p. 163

[9] Jeff Loveland, The European Encyclopaedia, (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), p. 256

[10] ibid

[11] Omer Benjakob, Stephen Harrison, “Press Coverage of Wikipedia’s First Two Decades”, in Wikipedia @20: Stories of an Incomplete Revolution”, ed. Joseph Raegle and Jackie Koerner (Cambridge/London: The MIT Press 2020), epub. P. 35​