* هذه ترجمة بتصرّف لمقال أولريتش يوهانز شنايدر بعنوان "Encyclopedic Writing"، نشر فصلًا ضمن كتاب جماعيّ عنوانه "Translation and Transfer of Knowledge in Encyclopedic Compilations 1680-1830"، بتحرير كلوريندا دوناتو، وهانز يورغن لوزيبرنك. صدر الكتاب عن دار نشر جامعة تورنتو الكندية عام 2021. التصرّف الذي أجراه المترجم يتعلق ببعض التوضيحات الضرورية، وإسقاط بعض الفقرات من الفصل حول مثال تفصيليّ مطوّل يحلّل تغطية موضوع في الجغرافيا الثقافية في موسوعة "القاموس العامّ" الألمانية، كانت ترجمتها ستثقل النصّ بلا ضرورة للقارئ العربي العامّ في هذه النسخة غير المعدّة للنشر الأكاديمي.
|
ترجمة: محمد زيدان
كاتب ومترجم من الأردن، صدرت له ترجمات لعدة كتب من بينها
إسرائيل: تاريخ القوة والمعرفة للمؤرخ إيلان بابيه،
وبيت المقدس في إستراتيجية النبي محمد لعبدالله معروف عمر،
وفلسطين: تاريخ شخصي لكارل صبّاغ.
|
صدرت الطبعة الثانية من الموسوعة البريطانية عام 1777، غير أنها أتت مختلفة عن الطبعة الأولى لعام 1768- اختلافًا في المحتوى وفي الشكل معًا. فالثانية تألفت من عشرة مجلدات من القطع الكبير، بينما كانت الأولى في ثلاثة مجلدات فقط. كان لافتًا أيضًا تراجع التفاوت في أحجام المقالات بين الأولى والثانية. فقد ضمّت الطبعة الأولى من الموسوعة البريطانية ثلاثين مقالًا من المطوّلات؛ بمعنى أنّ المقال المخصص لموضوع "الطب" (Medicine) قد أتى في 111 صفحة، وهذا حدّ هائل من الطول لمقال في موسوعة. غير أنّ الأمر اختلف تمامًا في الطبعة الثانية، فلم تعد ثمة مقالات عامّة مفرطة الطول، بل مقالات عديدة فرعية متشعبة عن موضوع عامّ، ثم جرى تعديل نظام "الإحالات البينية" (cross-reference) على هذا الأساس. فأصناف النباتات العديدة ضمن موضوع "علم النبات" (Botany) أو الحيوانات ضمن موضوع "علم الحيوان" (Zoology) ظهرت في مدخلات منفصلة، ولم تعد مندرجة ضمن مقال عامّ واحد مطوّل. وفي الطبعة الثانية صارت الإحالات أوضح وأضبط، وبالتالي أكثر فائدة. لم تخل المقالات رغم ذلك من بعض التباين في أطوالها، لكن النصوص المقاليّة المطوّلة اختفت تمامًا من الموسوعة البريطانية في القرن الثامن عشر، وانتفت من بعد ذلك الحاجة إلى الاعتماد عليها في الكتابة الموسوعية.
أطرح في هذا الفصل فكرة مفادها أن ممارسة الكتابة الموسوعية الحديثة بدأت في القرن الثامن عشر، وأنّ سمتها الأساسية تكمن في العناية بتحرير معلومات موجودة أصلًا. (ويعتقد الكاتب أنّ هذا ينطبق عمومًا على الكتابة الموسوعية اليوم أيضًا. إن إحدى المشكلات التي يكثر الحديث عنها في المقالات المنشورة على ويكيبيديا مثلًا هو طولها المفرط). ليست الكتابة الموسوعية معنية بتقديم معارف جديدة، بل إن غايتها تدوير المعارف المتوفرة على أفضل شكل ممكن، سواء كانت تلك المعارف متعلقة باكتشافات جديدة أو ابتكارات تقنية أو معلومات تاريخية من شتّى الأنواع. ولذلك كان تصميم المدخل الموسوعي وبناؤه الداخلي من أشدّ ما عنيَ به المؤلفون والمحررون. فكيف يمكن للمشتغل في الموسوعة اختيار المعلومات من مصادر مختلفة بأنجع طريقة ممكنة؟ هل ثمة حاجة لضوابط واضحة بشأن المصادر واستكشافها؟ إن الشروط الواقعة على إعادة كتابة معلومات متاحة أصلًا وضمان ملاءمتها في قالب المدخل الموسوعي لهي شروطٌ متعدّدة الأوجه.
يُفترض بالمدخل الموسوعي أن يقدّم المعرفة ضمن بنية محددة، أي مع عناية بالمضمون والشكل في آن معًا. ثمّ إنّه لا يمكن لأي مشروع موسوعي أن يسقط من اعتباره ضرورة الوصول إلى قاعدة واسعة من القرّاء. وابتداء من القرن الثامن عشر (أي حين بدأ وضع الموسوعات العامّة لعناية قواعد من القرّاء آخذة بالاتساع)، كان هدف الناشرين فتح الأبواب لسوقٍ من الكتب غير تلك التي اختصّت بتقديم مؤلّفات في ضروب متخصّصة من المعرفة موجّهة أصلًا لفئات من المختصّين من أهل العلم. لكن كيف يُمكن يا ترى تقديم كتابٍ مناسب لعامّة القرّاء، وعامّة القرّاء لهم اهتمامات شتّى وعاداتٌ في القراءة مختلفة؟ الشقّ الأوّل من المسألة هنا يتعلق بواجبٍ على المؤلفين والمحررين والناشرين في تقديم موسوعاتٍ تلتزم الصواب المعلوماتي، أمّا الشقّ الثاني فهو تقديم تلك المعلومات على نحو يلائم هذا الجمهور العامّ. هذا يعني أنّ غياب التصوّر الواضح عن القرّاء يعني الاصطدام بصعوبة بالغة عند الكتابة إليهم. ولعل في شهادات المحررين ممّن انخرطوا في مشاريع موسوعية كانَ مصيرها الفشل ما يدلّ على التحدّي الذي يفرضه سؤال التسويق (وهو تحدّ ما يزال قائمًا اليوم). إنّ إصدار موسوعة يعني استحضار القارئ في عمليّة الكتابة المعتمَدة لكلّ مقالاتها.
تتيح لنا الطبعات الأولى من "الموسوعة البريطانية" (Encyclopaedia Britiannica)- وهي أقدم موسوعة ما تزال حيّة حتى اليوم- تتيح لنا ملامسة المسألة الخاصّة بالكتابة الموسوعيّة وأشكلتها، واستبيان أنّ جلّ الأمر يتمحور حول القارئ والعناية بما يلائمه. وصحيحٌ أنّ الدقّة والموضوعية سمتان مركزيّتان في الكتابة الموسوعية، لكن كذا أيضًا الإيجاز والوضوح الضامن لتحقق الفهم. لقد رأى ديدرو (Diderot) أنّ قدرًا من السخرية لا يمكن تجاوزه لمّا تأتي مقالة في "علم التقنية" بعد مقالة في "علم اللاهوت" (لتقاربهما الأبجديّ في الموسوعة). وعلى هذا الترتيب الأبجدي في الموسوعات يعلّق دالامبير (d’Alembert) بالقول إنّه ترتيبٌ بحاجة إلى ترتيب. أمّا حين يأخذ الفلاسفة الفرنسيين بالمقارنة بين الكتابة الموسوعية والكتابة الفلسفية والعلمية، فإنّه لن يصعب عليهم الوقوف على ما في الأولى من قصور، لكنّه يفوتهم في الآن ذاته النظر إلى الطموح الأساسي الذي تصدّت له الموسوعات العامّة، ألا وهو توصيل المعرفة لعامّة القرّاء، وتنويرهم بالمعلومات والمعارف التي تعنيهم وعلى النحو الذي يسعهم استيعابه وفهمه. إنّ في النجاح التجاري والفكري العريض الذي حققته الموسوعات العامة ابتداء من القرن الثامن عشر دلالةً على أنّ القرّاء يحبّون هذا النوع من المصنّفات، وعلى أن الكتّاب والمحررين قد نجحوا في ابتكار طرقٍ لإشباع شيء من فضول جمهور واسعٍ من القرّاء.
يمكن التأريخ لبداية الكتابة الموسوعية من العام 1732، وذلك مع ظهور الموسوعة الألمانية "القاموس العامّ" (Universal Lexicon)، والتي نمت حتى تجاوزت ستة وثمانين مجلّدًا من القطع الكبير (الفوليو)، ففاقت في حجمها الموسوعة الفرنسية التي نشر منها المجلّد الأوّل عام 1751، أي في العام الذي ختم فيه ناشر "القاموس العامّ" من الأبجدية. وبالأرقام، فإن عدد المقالات في الموسوعة الألمانية بلغ زهاء 284،000 مقال، في مقابل 71،000 مقال في الفرنسية، وهو ما يجعلها أكبر موسوعة عرفها القرن الثامن عشر بلا منازع، بل كانت في الواقع الأولى من نوعها. المفارقة هنا هي أنّ ضخامة موسوعة "القاموس العامّ" الألمانية صعّبت لاحقًا إخضاعها لدراسات تفصيلية معمّقة وشاملة، والأدهى أنّ أرشيفها قد ضاع، فلم يعد في الإمكان معرفة أسماء من ساهموا في وضعها (والذين لا يمكن بحال أن يقلّ عددهم عن مئتي شخص)، ولا المشتركين فيها (الذين استقطبهم الناشر من أجل ضمان إطلاق مشروعه عام 1732).
ففي هذا العمل الذي يعدّ بحقّ أوّل موسوعة عامّة، سنجد عددًا من السمات الحديثة في صنعة النشر، من مثل إسقاط اسم المحرّر والتمويل القائم على الاشتراكات. وللمرّة الأولى توفّرَ للقارئ مصنّف واحد يجمع معلومات من حقول متنوعة (في العلم والتقنية والطب وفي التراجم والجغرافيا)، بدل أن تُعالج منفردة، كلّ موضوع في كتاب. كما حرصت موسوعة "القاموس العامّ" على إيلاء الاهتمام اللازم بالقرّاء، فانتهجت في ذلك مذهبًا غير معهود تلك الفترة، ليس في أسلوب المقالات وكتابتها وحسب، بل في مبادرة القائمين على الموسوعة إلى دعوة القرّاء إلى الكتابة فيها. وعلى هذا يمكن اعتبار هذه الموسوعة نموذجيّة على صعيد الكتابة الموسوعيّة، على الرغم من جوانب القصور التي لم تبلغ بالموسوعة مستوى الامتياز في نواحٍ أخرى. كما يصحّ القول إن هذه الموسوعة كانت الرائد الحقيقي في تقليد "قواميس المتأدّبين" (Konversationslexika) ، والذي كان شديد الارتباط بصنعة الموسوعات العامّة منذ القرن التاسع عشر وما بعده.
ولم يسبق موسوعة "القاموس العامّ" أيّ موسوعة أخرى تجمع صنوفًا متفرقة من المعارف من أجل وضعها في "قاموس عامّ" "كامل" (وكان هذا بالفعل وصفها في صفحة العنوان بالألمانية- vollstaendig والتي تعني "كامل" أو "محيط" بالألمانية). أمّا الموسوعات الناجحة الأخرى في ذلك العصر، مثل موسوعة "سايكلوبيديا" (نشرت أول مرة عام 1728، ثم أعيد تحريرها وترجمت من بعد ذلك)، أو الموسوعة الفرنسية (اعتبارًا من العام 1751)، فقد تعلّق اهتمامها بالمواضيع العلمية والتقنية، وتجنبت المعلومات المتصلة بالشؤون السياسية أو التاريخية أو التراجم والسير. سنجد مثلًا أن أفرام تشيمبرز، واضع موسوعة "سايكلوبيديا"، قد أهمل تمامًا التراجم والجغرافيا، وقد تبعه ديدرو في الموسوعة الفرنسية حين قرّر إسقاط التراجم وجلّ المقالات الجغرافية. أما من عني بتغطية تلك المساحة الشاسعة من المعارف غير العلمية وغير التقنية، فلم يكن إلا لويس موريري صاحب الموسوعة الناجحة التي أسماها "القاموس التاريخي"، وقد نشرت في مجلد واحد عام 1674، ثم أعيد نشره بأجزاء متعددة أوسع عبر أوروبا، إلى أن بلغ عشرة أجزاء من القطع الكبير في عام 1759.
ومثل قاموس موريري، اشتملت موسوعة "القاموس العامّ" الألمانية على مدخلات بيوغرافية بلغت زهاء 120,000 مدخل، وقد ضمت بذلك أكبر مجموعة من التراجم في القرن الثامن عشر، كما يعرف الكثير من الدارسين لتلك الفترة. كما سعى موسوعة "القاموس العامّ" إلى إدراج أكبر قدر من المعلومات عن المعمورة، وذلك في أكثر من 72,000 مقال عن القارات والأقطار والبلدات والقرى. ولم يخل العديد من تلك المقالات من قدر من الابتكار الطريف، وقد تجاوزت المصادر المنقولة عنها في الشكل وفي المحتوى معًا، فأسهمت في بلورة رؤية يمكن اعتبارها اليوم حديثة عن العالم، حيث الموضوعات لا تنفك عن سياق ورؤية ما- هي في هذه الحالة رؤية ذات مركزية جرمانية، وهي رؤية انعكست على تلك الموسوعة سلبًا وإيجابًا في آنِ معًا.
فيما تبقى من هذا الفصل خلاصاتٌ مستفادة من البحث والنظر في موسوعة "القاموس العامّ" على مدى عشر سنوات، وقد وزعت ملاحظاتي على ثلاثة أقسام: يُبيّن القسم الأول مدى العناية الاستثنائية التي أولاها مصنِّفو الموسوعة لقرائها. أمّا القسم الثاني فيعرض، من خلال استعراض نماذج من المدخلات الجغرافية، ما ينشأ من تناقض حتمي بين التوجّه لجمهور محدّد ضمن إقليم ما، وبين نقل المعارف المتصلة بثقافات أخرى. وفي الختام، يقدّم القسم الثالث جملةً من التأملات حول الآثار الثقافية المتصلة بالكتابة الموسوعية.