الكويت في صحيفة ذا تايمز البريطانية
دراسات 04 يونيو ، 2026

الكويت في صحيفة ذا تايمز البريطانية: الاستشراق وصناعة سرديات الهيمنة

مشاعل الشمري

​باحثة دكتوراه، تعد رسالتها في برنامج التأريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا. صدر لها كتاب "التطور التاريخي للاجتهاد الفقهي في أحكام المرأة في المذهب الحنفي من التأسيس إلى ابن عابدين" (2023). ​

ملخص

تبحث هذه الدراسة في كيفية تقديم صحيفة ذا تايمز The Times البريطانية صورة التحديث في الكويت، منطلقةً من افتراض أنها قدّمت سرديةً استشراقيةً عن الكويت؛ تبريرًا لسياسات بريطانيا الاستعمارية في الشرق الأوسط للجمهور البريطاني بعد ظهور النفط خلال خمسينيات القرن العشرين. وهذه السردية مبنية على تبسيط المجتمع الكويتي واختزاله في صورة مجتمع بدائي بسيط يعيش في صحراء مجهولة، ليس له تاريخ سياسي أو فكري أو رابط وطنية، ولم يعرف التحديث إلّا عن طريق الوجود البريطاني. وتهتمّ الدراسة بتحليل الخطاب الذي قدّمته هذه الصحيفة على امتداد عقد من الزمن، وتستكشف التصوّرات والصور النمطية التي أرادت الصحيفة ترسيخها عن الكويت لتبرير نفوذها، وأثر هذه التصوّرات الاستشراقية في هذا التمثيل. ومن الناحية المنهجية، تعود الدراسة إلى تاريخ الكويت لتفكيك هذه السردية التي تعدها الدراسة سردية "استعمارية" وتتعامل معها بهذا الوصف، ولا تتبنّى المقاربةَ الكلاسيكية في نقد الاستشراق، بل إنّها تنقدها، وتقترح منهجيةً أكثر تحررًا من التحيّزات الثقافية التي وقعت فيها تلك المقاربة الكلاسيكية بشأن الصور النمطية عن منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي.

 

* تتقدّم الباحثة بالشكر إلى الدكتور وليد حمارنة الذي أشرف على كتابة هذه الدراسة


مقدمة

​​ يشير إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق Orientalism إلى أنّ صورة الشرق لدى الغرب لم تتشكّل بطريقةٍ طبيعية، بل كانت نتاج جهود سياسية وثقافية للمؤسسة الاستشراقية الغربية، تسعى إلى بناء "شرق" يخدم أهدافها واحتياجاتها عبر التاريخ. وهكذا، بُنيَت السرديات التي تقدّم الشرق بوصفه ذا جوهر ثابت ومُطلق، على نحو هادفٍ وموجّهٍ إلى تعزيز الهيمنة الغربية؛ لأنّ العلاقة بين الشرق والغرب لطالما ارتبطت بمؤسّسات مادية واقتصادية مثل الجيوش والإدارات الاستعمارية. من هنا، ارتبط الاستشراق دائمًا بالهيمنة الاستعمارية والمساعي الإمبريالية من جانب الغرب[1]. وفي كتابه الثقافة والإمبريالية Culture and Imperialism، لا يقتصر سعيد على إبراز دور الإعلام الغربي والأكاديمية الغربية في خلق سرديات متحيّزة وغير دقيقة في الرأي العام الغربي تثير الرعب من الآخر غير الغربي، وتُستخدم لتبرير الحروب التي يشنّها الغرب عليه بوصفها وسائل دفاع مشروعة للحفاظ على الوجود الغربي وحضارته ونمط حياته وقيمه. فمنذ عام 1967، عمدت وسائل الإعلام الأميركية إلى تصوير العرب بأنّهم رعاة جِمال أو إرهابيون أو شيوخ نفط[2]؛ ما سهّل حشد غالبية الرأي العام الغربي لدعم السلطة الأميركية في أيّ عدوان تشنّه ضدّ أيّ بلد عربي.

حين تحدّث سعيد عن هذه الصورة الاختزالية للعرب، والتي تشمل مفردات الثقافة الخليجية غالبًا، كانت ملامح ومعالم ثقافة الحواضر الشمالية هي المقابل الثقافي الذي اختاره ليُعبّر عن الجانب الإيجابي والمعقّد للثقافة العربية. يُمكن فهم ذلك بوصفه أحد أشكال مواجهة التبسيط والاختزال بالتعقيد والتنوّع العربي. لكن سعيد نفسه حين انتقد مقالًا امتدح السعودية وحطَّ من شأن العراق إبان حرب الخليج من حيث المستوى المعرفي والثقافي، قال: "يمدح الكاتب السعودية المعاصرة، وهي أكثر هشاشة وأبعد عن الكتب والأفكار والثقافة ممّا كان عليه العراق في أيّ وقت مضى. وليس هدفي هو التقليل من شأن السعودية، فهي دولة مهمة، ولديها الكثير ممّا تقدمه. لكن هذا النوع من الكتابة يعكس الرغبة الفكرية في إرضاء السلطة علنًا، وإخبارها بما تريد سماعه"[3]. ثمّ سرد تاريخ العراق الذي يعود إلى السومريين، مرورًا ببغداد العباسية؛ فكأنّه يرى أنّ تاريخ العباسيين هو تاريخ الدولة العراقية الحديثة فحسب، وليس تاريخ العرب والمسلمين قبل تقسيم المنطقة إلى دول قومية حديثة. وبذلك، تجاهل أنّ ذلك التاريخ هو تاريخٌ مشترك للشعوب العربية والإسلامية جميعها، ومن بينها الشعب السعودي، واكتفى بالقول إنّ السعودية لديها الكثير ممّا تقدمه. وكذلك الأمر حين انتقد السرديات الإعلامية التي حيكت عن العراق، وصورة صدام حسين في الإعلام الأميركي؛ إذ سلّط الضوء على اختزال العراق في الدكتاتورية والتطرّف، من دون النظر إلى الأطراف الأخرى في الصراع، ومنها دول الخليج وسياساتها؛ فقد أشار إلى أنّ طبيعة الكويت، بوصفها دولة، لم تتعرّض إلى تحليلٍ كافٍ، ولم يسلَّط الضوء على جوانب سياساتها السلبية وغير الليبرالية[4].

من الممكن فهم النقد الذي وجّهه سعيد من حيث إنّه تفكيك أو اختزال للعرب بطرائق معينة، وأنّه جاء في سياق صراع سياسي معقّد، ولكن هل كان يمكن أن تُفكَّك سردية "الشيخ والجمل" من خلال تاريخ الصحراء نفسها أو الخليج مثلًا؟ ثم أليس اعتبار رمزية الشيخ البدوي أو الجمل أو الصحراء انتقاصًا من الإنسان العربي، وتسليمًا بارتباطها بالتخلف والرجعية؛ ومن ثمّ، تُفضي هذه الرمزية إلى قبول بهيمنة قيم الآخر عليه[5].

يؤدي هذا النمط من نقد الاستشراق، الذي يسعى إلى تقديم سرديات بديلة من سرديات الغرب استنادًا إلى استثناء الخليج من التميز الحضاري والتاريخي العربي، أو القبول بالأحكام القيمية الغربية الليبرالية عليه، أو اعتبار رمزية الصحراء والجمل في حدّ ذاتها مهينة لارتباطها بالتخلف الحضاري، إلى ما سمّاه عبد الله حبيب "الاستخلاج"[6]، الذي يرى أنّه يُمارَس من قِبل العرب غير الخليجيين تجاه الخليج والخليجيين، وهو آليّة خطابية تبقي الذات الخليجية في موضع الموضوع والتابع، لا الفاعل المعرفي، ثمّ إنه ينزع عنها فاعليتها في المشاركة المعرفية والتاريخية والفنية، ويفصلها عن بعدها التاريخي والحضاري والإنساني والمعرفي العربي في الحواضر الشمالية، ويحكم عليها بأن تبقى "أخرى"، بل وفية لهذه "الأخروية" على نحو مطلق. وهذا الفكر يكرس خطابًا استعماريًا في المقام الأول يُظهر دول الخليج بأنّها مجرد تجمعات بشرية ظهرت بظهور النفط، معتمدةً على معايير الآخر الغربي أو الحداثي نفسه.

بل إنّ بعض نقّاد الاستشراق البارزين، مثل هشام جعيط[7]، يُظهر في تحليلاته تحيّزاته واختزالاته للمنطقة على نحو صريح. فمثلًا؛ حين حاول تحليل جذور التخلّف وسُبل التنمية في المنطقة، قال: "إنّ البلدان النفطية الصرف – وأعني بها بالتخصيص العربية السعودية وإمارات الخليج – هي هامشية في حياة المجموعة العربية؛ بحيث إنّ ما أُتيح لها من ثروات هائلة تبدو كأنّها انتقام من القدر. هي بلدان متأخرة، وصمها عمقُ التأثير الديني، وهي قليلة التفتّح على نداء الحداثة؛ لأنّها لم تَعِش استعمارًا حقيقيًا، ولا تملك وسائل بشرية ولا قاعدة بيئية كافية لتحرير القوى المنتجة، ولن تظهر ما تقدمه لإفادة التنمية العامة للعالم العربي إلّا ضمن منظور مستقبل مدمج؛ حيث تقوم بدور المناطق النفطية"[8]. ولم يكتفِ جعيط بالتقليل من شأن التجربة التاريخية الخليجية، ومحو صفة الذات الفاعلة عن شعوب الخليج، بل إنه حمّل هذه الشعوب "ذَنْب" بقاء صورة الشرق المحتقر الداعر لدى الغرب، نتيجة تجوّل الطبقة المحظوظة من العرب بشهواتها في العالم الأجنبي على حدّ تعبيره[9]. وهكذا، يُمكن أن يُنتج نقد الاستشراق "استخلاجًا" تمارسه النخب الناقدة للاستشراق نفسها؛ تبقي الشرق في موضع اتهامٍ حتى من نفسه، لأنّ شعوبًا منه لا تطابق ثقافتها ما يراه الغرب تقدمًا وتحضرًا.

لذا تسعى هذه الدراسة إلى تعميق نقد الاستشراق من خلال تجاوز الاستخلاج، ولا سيما إنه عمل على تكريس موقع ثقافي لشعوب الخليج صنعه الاستعمار نفسه. والكشف عن اختزالية الصورة النمطية عن تاريخ الخليج بوصفه تاريخًا للنفط فحسب. ولا تقتصر الدراسة على ذلك؛ إذ تنطلق أيضًا من مساءلة محدودية بعض المقاربات العربية الناقدة للاستشراق، حين تنجح في تفكيك الصور الغربية عن "الشرق" بوجهٍ عام، لكنها تُبقي الخليج في موضع الاستثناء من التعقيد التاريخي والثقافي العربي، أو تتعامل معه من خلال معايير حداثية وقيمية مستعارة تجعل الصحراء والبداوة والرموز المرتبطة بهما علامات نقصٍ حضاري. وبهذا المعنى، قد ينقلب بعض نقد الاستشراق، من حيث لا يقصد، إلى ممارسةٍ أخرى من ممارسات "الاستخلاج"، لأنّه لا يكتفي بعدم تفكيك تهميش الخليج، بل قد يسهم في إعادة إنتاجه ضمن خطابٍ يبدو تحرريًا في ظاهره، في حين أنه يظلّ محكومًا في بنيته بمركزيات ثقافية تستبطن التراتب نفسه الذي ادّعت نقده.

ومن هنا، تضيء الدراسة بعض الأوجه من تاريخ الكويت المناقضة لهذه السرديات؛ لا بوصفها مجرّد مادة محلية تُستدعى لتصحيح "معلومة" تاريخية، بل بوصفها مدخلًا معرفيًا لإعادة النظر في أدوات النقد ذاتها، فهي تفترض أنّ التاريخ المحلي الخليجي قادرٌ على أن يكون أداة نقدية مزدوجة تفكّك السرديات الاستعمارية من جهة، وتسائل قصور بعض النقد العربي للاستشراق حين لم يرَ في الخليج إلّا هامشًا تاريخيًا أو موضوعًا سلبيًا للتمثيل من جهة أخرى.

تحلل الدراسة خطاب الصحافة البريطانية عن الكويت في الخمسينيات من القرن العشرين، من خلال مقارنة السرديات التاريخية التي قدّمتها صحيفة ذا تايمز The Times عن هذا البلد بالمصادر والمراجع المحلية التي تتناول تاريخه في الحقبة نفسها، وذلك على نحو يسمح بإبراز الفارق بين الكويت بوصفها موضوعًا للتمثيل الاستعماري، والكويت بوصفها ذاتًا تاريخية فاعلة تمتلك خبراتها الاجتماعية والسياسية والثقافية الخاصة. ومن ثمّ، لا تهدف إعادة قراءة تاريخ الكويت في ضوء خطاب هذه الصحيفة إلى تصحيح صورةٍ استعمارية عن بلدٍ خليجي فحسب، بل كذلك الإسهام في بناء نقدٍ أكثر اتساعًا وعدالةً للاستشراق، نقدٍ لا يحرّر "الشرق" على حساب الخليج، ولا يعيد دمج الخليج في التاريخ العربي الحديث بوصفه "ملحقًا" أو "استثناءً"، بل بوصفه أحد مواقع إنتاج المعنى والتاريخ والمعرفة.

اعتمدت الدراسة أرشيفَ صحيفة ذا تايمز الرقمي في حصر المقالات التي ذكرت الكويت بدايةً من مطلع خمسينيات القرن العشرين إلى أوائل ستينياته، واستخدمت منهج تحليل الخطاب النقدي أداة بحثية عابرة للتخصصات لتحليل المقالات التي حصرتها؛ وذلك عبر التحليل اللغوي للنص، وعلاقاته بالسياق والمنظومة الفكرية التي أنتجته. وركّزت الدراسة على المواضيع الكلية (Macro-topics) التي يمكن من خلالها تحديد الثيمات الرئيسة؛ أي المواضيع التي جرى التركيز عليها في النصوص[10]. ولاستخراج الثيمات وتشكيل تصوُّر عن السردية التي بَنتها الصحيفة عن الكويت في الخمسينيات، حُلِّلَت النصوص بنيويًا لتحديد عناصر الخطاب؛ أي الدافع وموضوع السرد واتجاهاته، من خلال رصد تكرار رموز ومواضيع ومفاهيم بعينها تكشف عن وجود سرد موجّه، لا اعتباطي، لخدمة قوى تسعى إلى إيصال أجنداتها إلى القراء البريطانيين عبر الصحيفة نفسها[11]. وقد استعانت الدراسة بتقنيات القص والفرز لاستخراج العبارات التي تشكّل تحولات في النصوص أو في نبرة الخطاب، أو تلك التي تخالف النمط التحريري الصحافي، ثم جعلتها في مجموعات ذات معنى مشترك للكشف عن التحيز والتهميش والتنميط والتغييب المقصود في سردية تاريخ الكويت التي بَنتها هذه الصحيفة[12].

أوّلًا: تشكّل السرد: تبسيط الآخر للتحكم في التمثيل

ارتبطت الصحافة البريطانية، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بطبقة رجال الأعمال والأثرياء الذين صنعوا ثروتهم من خلال الاستثمار في المستعمرات البريطانية، فكانت الصحافة تصوّر الإمبراطورية بأنّها تقود مهمة تمدين الشعوب البدائية بأسلوب تبسيطي يهمّش واقع الشعوب المستعمَرة سياسيًا واجتماعيًا، وروّجت للإمبريالية البريطانية بوصفها مهمة حضارية تهدف إلى تمدين العالم المتخلف، وكانت تروي قصص الاستعمار بوصفها نوعًا من المغامرات التي تتخللها بطولات فردية وجماعية وشجاعة؛ ما ساعد على خلق شعور بالفخر بتفوق بريطانيا[13]. لذلك، لم تعُد التغطيات الإخبارية في الصحافة البريطانية أداةً للسلطة السياسية فحسب، بل صارت أيضًا أداة لطبقة الأثرياء المرتبطين بصناعة النفط، وهي طبقة أصبح الخليج أحد أهم مراكزها.

قبل تفصيل اتجاهات الكتابة عن سردية التحديث في الكويت من خلال صحيفة ذا تايمز وتفكيكها، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الراوي والمُتلقي هما المستعمِر نفسه، وأنّ السرد كان بلغته. لذا، لم تكن الكويت بشعبها وتاريخها وحكامها سوى موضوع في كل ذلك، لا تُستنطق ولا يُسمع صوتها، وتُصوَّر بسماتِ أيّ شرقيٍّ في عالم الاستعمار. وكانت حتى صورة الحاكم تتغير بطريقة وظيفية، بحسب غاية السرد.

ولا يُظهر البحث في أرشيف هذه الصحيفة عن الكويت في الأربعينيات من القرن العشرين أكثر من مقالات تتحدث عن انتشار الكوليرا في الخليج[14]، أو إعلان لشركة نفط عن فرص نفط الكويت الاستثمارية[15]، أو افتتاح مكتب لبنك بريطاني في ميناء الكويت[16]، وإعلانات عديدة لوظائف متاحة في شركات النفط، أو أخبار تتعلّق بموظّفي الشركات أو المقيمية[17] البريطانية في الكويت. وبعد سنوات من تغييب السياق الاستعماري البريطاني في الكويت وتجاهله، بدأت الصحيفة في خمسينيات القرن العشرين تسرد قصة التحديث والحداثة في هذا البلد.

يمكن القول إن السبب الأهم الذي دفع الصحيفة إلى خلق سردية خاصة بالكويت وتحديثها، ودور بريطانيا البطولي فيها، بدلًا من الاقتصار على نقل أخبار من هنا وهناك بين الحين والآخر، هو أزمة النفط بين إيران وبريطانيا عام 1951؛ إذ أمّمت الحكومة الإيرانية بقيادة محمد مصدق (1882-1967) صناعة النفط؛ ما أدّى إلى قطع العلاقات بين البلدين[18]. ومن ثمّ، ترتّب على هذا القرار اضطراب كبير في الاقتصاد البريطاني، وأثّر في اقتصاد أوروبا بسبب الاعتماد الكبير على النفط الإيراني، وهو ما جعل بريطانيا تلجأ إلى تعويض هذا النقص من خلال نفط الكويت ودول الخليج الأخرى[19]، وقد أتاح ذلك مجالًا لنقاشات واسعة في بريطانيا عن دورها في الخليج وكيفية إدارتها شؤون النفط وعلاقتها بالدول المحمية وشعوبها. فنشرت الصحيفة مقالًا مطولًا تعترض من خلاله آراءٌ ومواقف، في داخل بريطانيا، على استغلال الشعوب باتفاقيات نفط غير عادلة، وتطالبها بتغيير سياساتها في البلدان الخليجية، ومن ضمنها الكويت، ودعم اقتصادها وتقدّمها[20]. وهكذا، أصبح من الضروري "خلق قصة" عن دور بريطانيا في التحديث في هذا البلد.

ترتبط دوافع خلق قصة تحديث الكويت في هذه الصحيفة، بعد سنوات من الصمت تجاهها، بسياسات بريطانيا الداخلية، عبر التبسيط والاختزال وبتر الأحداث التي لا تدعم حججها بشأن ضرورة استمرار فَرْض هيمنتها على الكويت؛ مثل تاريخ النضال السياسي الكويتي، والحسّ الوطني، والمطالبة بالإصلاح والتحديث والتنوع الثقافي، في مقابل تصدير صورة البدوي البسيط، وتغييب ثقافة أهل الحضر والبحر والإصلاحيين والمثقفين ورجال الدين، وتعددية الكويت الثقافية. فلم يكن دافع انطلاق السرد فضولًا معرفيًا أو رغبةً في التعريف بالكويت، بل كان الدافع هو الخوف على مصالح بريطانيا من الخطر الروسي، ومآلات الصراع العربي - الصهيوني، ومن انطلاق حركات تحرر في هذا البلد ضدّ الوجود البريطاني؛ ما يهدّد مصالح بريطانيا وشركات نفطها. ومن ثمّ، فإنّ الأمر يتجاوز تبرير السياسة الاستعمارية في المنطقة.

في عام 1950، ذكرت هذه الصحيفة خبر وفاة الشيخ أحمد الجابر الصباح (1885-1950) الذي وصفته بالدهاء والحكمة، لأنّه قاد بلده إلى التحوّل من بلد عربي تقليدي إلى بلدٍ متطورٍ صناعيًا بفضل النفط والوصاية البريطانية، بتعبيرها، إضافةً إلى توظيف 18000 من أصل 150000 كويتي، نتيجةً لهذا التحديث، في قطاع النفط[21]. ولم تكن الكويت في ذلك الوقت بلدًا متطورًا صناعيًا بالقدر الذي وصفته الصحيفة. فبعد عدّة أشهر، نشر كاتب عربي مقالًا يردُّ فيه على كاتب بريطاني يعظّم من شأن ثروات الكويت الطبيعية، ويبين أهميتها بالنسبة إلى الاقتصاد البريطاني، ويصفها بطريقة تظهرها بأنّها "لقمة سائغة" من دون أيّ معرقلات وطنية كبيرة، وقد توجّه هذا الكاتب إلى هذه الصحيفة بخطاب تحذيري مفاده أنّ الكويتيين، على الرغم من تصويرهم ضمنيًا بمنزلة "مورد اقتصادي"، وأنهم ليسوا فاعلين سياسيين في الصحافة البريطانية، فإنهم في نهاية المطاف جزء من النسيج القومي العربي الذي تتصاعد فيه روح المقاومة والكرامة في أعقاب نكبة عام 1948. فالتناقض الصارخ الذي يرسمه الكاتب بين ضخامة الثروة النفطية الكويتية وغياب أبسط مقومات البنية التحتية، ومنها المطار مثلًا[22]، ليس ملاحظة اقتصادية، بل هو تلميح ضمني إلى أنّ استنزاف الثروات العربية المتعمّد لن يظل من دون ردّ فعلٍ شعبي. وكان المنطق الكامن في النص هو أنّ من أيقظته النكبة في عام 1948 لن يقبل أن تستغلّه بريطانيا مرة أخرى، وأنه يصرّ على التمييز بين الشعوب العربية والحكومات، في محاولة لإثبات فاعلية للناس تُغيِّبها الصحيفة عمدًا[23].

ثمّ نشرت الصحيفة مقالًا تحليليًا بعد التأميم بنحو شهر يحاجّ بأنّ ظهور النفط في مجتمعات بدائية مثل الكويت ودول الخليج وأميركا الجنوبية، يختلف كلّيًّا عن ظهوره في بلد متقدّم مثل الولايات المتحدة، فقد يخلق ذلك إشكالات في المستقبل في الدول التي يصفها الكاتب بالبدائية والنامية، بسبب تطوّر صناعة النفط وتخلّف الصناعات الأخرى؛ ما يؤدي إلى اضطراب شعبي كما حصل في إيران، وهي الأكثر رقيًّا في دول الخليج بالنسبة إلى كاتب المقال، لأنّها ذات تاريخ وحضارة وزهو قومي على حدّ تعبيره، بينما نفى كل هذه الأوصاف عن الكويت وسائر الدول العربية[24].

من خلال المقالَين المذكورَين، يتّضح أنّ الكاتب العربي حاول إقناع النخب بأنّ الشعب الكويتي ذو كرامة وطنية، وأنّ أفراده ليسوا تجّارَ نفطٍ شرقيين فحسب، كما صوّرهم البريطانيون آنذاك، حتى إن انتموا إلى مجتمعات تقليدية. وقد رجّح المقال الثاني احتمالية ظهور حسّ وطني ورغبة في التحرر لدى الكويتيين في المستقبل، ولم يذكر حينئذ وجود هذا الحسّ إلى جانب نشاطات تحررية وسياسية عند الكويتيين أساسًا، أو ربما لم يرغب في الاعتراف بذلك. ومن ثمّ، يبيّن هذا المثال كيفية عمل الصحيفة على محو الذات الفاعلة السياسية للكويتيين، وتبسيط أهلها في أعين القراء؛ ما يسهّل تحكّمها في قوة التمثيل المتعلق بتشكيل صورة الكويت.

غير أنّ أهمية هذا المثال لا تقتصر على كشف آليات التمثيل الاستعماري البريطاني، بل تمتد أيضًا إلى إظهار أنّ الردّ على هذا التمثيل لا يخرج دائمًا من منطقه خروجًا كاملًا. فالكاتب العربي، على الرغم من محاولته إثبات كرامة الكويتيين وفاعليتهم، ظلّ يتحرك داخل أفق دفاعي يفرضه الخطاب الاستعماري نفسه؛ إذ تصبح مهمةُ الردّ إثباتَ أنّ الكويتيّين ليسوا موضوعًا للنهب أو "كتلة بشرية" خاملة، من دون أن يتحوّل تاريخهم المحلي ذاته إلى مصدر مستقل للمعنى والتحليل. وهنا، يحضر الخليج بوصفه ذاتًا تنتج سرديتها الخاصة، وموضوعًا ينبغي تحسين صورته أو ردّ الإهانة عنه ضمن الشروط التي فرضها خطاب الآخر.

ومن هذا المنظور، قد تقع بعض الخطابات العربية المضادة للاستعمار، هي الأخرى، في "فخّ الاستخلاج"؛ ليس لأنها تتبنى الخطاب الاستعماري على نحو صريح، بل لأنها تبقى أسيرة منطقه التراتبي في تمثيل الخليج. فهي لا تفكك دائمًا الافتراض الكامن في صورة "البدوي" و"الصحراء" و"النفط"، بل قد تكتفي بتقديم الخليج بوصفه حالة لا تستحق الاحترام إلّا عندما تُثبت هذه المنطقة امتلاكها مظاهرَ الحداثة السياسية أو البنية التحتية أو الحسّ القومي الذي تعترف به النخب العربية الأخرى. وفي هذه الحال، لا يُستعاد الخليج من موقع "الآخر" استعادةً كاملة، بل يُعاد دمجه بطريقة مشروطة، بحيث يظلّ مطالبًا دائمًا بأن يبرهن على أنّه ليس كما صوّرته السرديات الاستعمارية.

ولذلك، تؤدّي العودة إلى التاريخ المحلي الكويتي في هذه الدراسة وظيفة نقدية أوسع، فهي محاولة لتفكيك السردية البريطانية عن الكويت والكشف عن قصور بعض الردود العربية التي لم تستطع التحرر كليًّا من منطق الاختزال نفسه. فحين يُقرأ تاريخ الكويت الاجتماعي والسياسي من داخله؛ بما فيه من تعددية، وشبكات أهلية، ومطالبات مبكرة بالمشاركة، ومبادرات تعليمية وصحية وخيرية سبقت السردية النفطية والاستعمارية، يغدو الخليج أكثر من مثالٍ يُستدعى للردّ على الغرب؛ إذ يظهر بوصفه موقعًا منتجًا للتاريخ والمعنى، وليس مادةً هامشيةً في خطاب الآخرين فحسب.

ثمّ إن دراسة تاريخ المجتمع الكويتي المحلي قبل ظهور النفط تبيّن أنّه كان مجتمعًا متنوعًا ومعقدًا، وأنّ فئاته الاجتماعية كانت مشتبكة سياسيًا منذ نشأة الكويت. وقد جادل عبد الرحمن الإبراهيم، في تحليله هذا المجتمع، قبل عقد الخمسينيات، بأنّ الدراسات التاريخية لطالما عملت على تحليله على أساس انقسامه إلى فئتَين سياسيتَين، هما فئة الشيوخ وفئة التجار، في حين أنها تجاهلت الفئات الأخرى التي كانت فاعلة بين هاتَين القوتَين، وقد سمّاها "القوى المرجّحة"[25]، وهي ليست كتلةً متجانسةً، بل فئات اجتماعية لديها هويات معقدة؛ إمّا قائمة على أساس أنماط المعيشة، مثل البدو وأهل البحر وأهل القرى، أو على أساس إثني، مثل العرب والعجم. ومع هذه الهويات الكبرى تتداخل هويات أخرى؛ مثل الشيعة العرب الذين يرتبطون مع العجم بالطائفة ويختلفون بالإثنية، أو العجم السنة الذين يشتركون مع العجم الشيعة بالإثنية ويختلفون بالطائفة. ويُمكن تقسيم هذه الفئات نفسها، أيضًا، على أساس المهن، من تجار وغواصين وحرفيين وعلماء دين وغيرهم. لذلك، تتداخل هذه الفئات وتتباين في آنٍ واحدٍ؛ إذ كانت تتفاعل مع القضايا الوطنية منذ نشأة الكويت لتأكيد تمثيلها سياسيًا، وإثبات وجودها بين ثقلَي الشيوخ والتجار[26].

لم ينشأ هذا الوعي السياسي المبكّر بأهمية المشاركة السياسية عند الفئات المركزية والمهمشة أثناء ظهور النفط، أو بسبب التحديث والدخول في عصر الحداثة، أو بسبب تأثير البريطانيين، أو غير ذلك من التفسيرات التي تتجنب الاعتراف بالنشأة الطبيعية لقيمٍ ديمقراطيةٍ في الكويت، بل إنه بدأ منذ أن اختار الكويتيّون الشيخ صباح الأول بن جابر الصباح (1700-1762) في القرن الثامن عشر لحكمهم، على أن يكون الحكم شوريًّا، إذ كان الأمر تحالفًا بين الشيخ وطبقة التجار، وكان الشعب في كل مرة يشعر بأنّ السلطة تنحو منحًى استبداديًا يدافع عن مكتسباته الطبيعية في المشاركة السياسية[27]، فقد حرص الكويتيّون على الحفاظ على إرث الشورى طوال عدّة عقود قبل ظهور النفط؛ مثل أحداث المجلس التشريعي في عام 1938، حين دعت الكتلة الوطنية التي قادها عبد الله الصقر (1910-1974)، بمساعدة عبد اللطيف الغانم (1912-1988) وخالد العدساني (1911-1982)، إلى تشكيل مجلس تشريعي، وذلك بعد نضال طويل لاستعادة دور الشعب في صناعة القرار وإجراء إصلاحات وتحديثات، بعد أن سعى البريطانيون إلى تشكيل مجلس استشاري مبنيّ على التعيين فحسب. وخاض الشعب الكويتي خلال عامَين عمليات انتخابية انتهت بالفشل في عام 1939 بسبب عدّة عوامل؛ من بينها التدخل البريطاني[28].

لا يكشف هذا الحدث في حد ذاته - وهو حدثٌ وقع قبل أكثر من عقد من الزمن من بدء صحيفة ذا تايمز نسج سرديتها الخاصة عن الكويت - عن دور القوى المرجحة فحسب؛ إذ أسهمت فئات العجم والبدو وأهل القرى في زيادة الضغط على السلطة ودعم المعارضة، وفي التثقيف بشأن مطالب الشعب العادلة المتعلقة بوسائل تعبير شتى، وفي تبيان مدى انحياز فئة التجار إلى المطالب الشعبية ورغبتها في الحفاظ على تشاركية السلطة، بل إنه يظهر كذلك قِدَم وعي الكويتيين بأنفسهم بوصفهم شعبًا ذا طموحات وطنية وحقوق سياسية، فضلًا عن وعيهم بأهمية حرية التعبير والتعددية الثقافية في مجتمع الكويت[29].

فالتبسيط والاختزال اللذان مارستهما صحيفة ذا تايمز في تمثيل الكويت جعلَا فكرة إدخال البطل الأبيض الغربي في القصة مفهومًا ومنطقيًا ومؤثرًا.

وفي مقال طويل كتبه مراسل خاص للصحيفة، وُصِفَت الكويت بأنّها "الدولة الصغيرة والمسالمة والمزدهرة الخاضعة للحماية البريطانية، أكبر حقل نفطي فردي في العالم"[30]. وبعد أن أسهب المقال في ذكر إحصائيات عن النفط وإنتاجه، ذكر صفاتٍ أخرى تميّز الكويت في نظره، منها أنّه لا توجد فيها "اضطرابات عمّالية، ولا دعوات إلى التأميم كما يجري في بعض الدول المنتجة للنفط"[31]. وهكذا، تُختزل الكويت في فضاء نفطي غير مسيّس تغيب عنه القوى المقاومة للسياسات الاستعمارية.

ثم يخلق الكاتب بعد ذلك زمانَين، يمتد أحدهما بين الحاضر والمستقبل، والآخر بين حاضر الكويت وزمنها القديم، فيقول إن شيخ الكويت يحاول أن ينقل الكويت من "منطقة فقيرة ومتخلّفة تعتمد على صناعة السفن وصيد اللؤلؤ إلى دولة حديثة متقدّمة ستكون مركزًا تجاريًا مهمًّا في خليج فارس"[32]. ويضيف أنّ حاضر الكويت يعكس "مزيجًا مذهلًا بين القديم والحديث؛ إذ يمكن رؤية البدو في ملابسهم التقليدية وهم يقودون سيارات أميركية ضخمة بسرعة جنونية"[33]، لكن هذه السيارات نفسها يقودها الناس في "شوارع صحراوية أو طرق بنتها شركة النفط. ينطلقون من قرى لم تتغيّر كثيرًا منذ ألف أو خمسة آلاف عام، لكنّ سكانها يمتلكون الآن أجهزة راديو، إلى مدينة نفط الأحمدي"[34]. وهكذا، يبدو البلد بالنسبة إلى الكاتب عالقًا بين حاضرَين متناقضَين وزمانَين منفصلَين، وكان لا بد من التذكير بين سطر وآخر بدور شركة النفط وبريطانيا في ذلك.

يبرز في سرد الصحيفة ثلاثة فاعلين في تحديث الكويت: بريطانيا، وشركة النفط، والأسرة الحاكمة. وتتغيّر سمات أفراد الأسرة الحاكمة، وهم العنصر الكويتي الوحيد المذكور، بحسب أهداف السرد وحاجة الراوي. وفي المقال الأخير، يُصوَّر الشيخ عبد الله السالم الصباح (1895-1965) بأنّه رجل ذو ذوق متواضع، لكنّه يكاد يصبح واحدًا من أغنى الرجال في العالم، وأنّ لديه يختًا فيه حمّامات من الذهب، وأنه مهووس بالسيارات الفارهة، ويبذّر أموال الشعب، ولا يشاركه إلّا في القليل منها. وأحيانًا يصوَّر كيف يدفع أحد أفراد الأسرة الحاكمة شعبه نحو الحداثة؛ فتوضَع صورة فهد السالم (1909-1959) وابنه، احتفاء برغبته في دراسة أساليب الأمن الداخلي البريطاني، للاستدلال على أنّ عملية نقل الحضارة من بريطانيا إلى الكويت لا يمكن أن تكون من دون إرادة الأسرة الحاكمة[35].

وقد ذكر أحد تقارير شركة النفط، وهي تقارير كانت تنافح عن صمودها بعد تأميم نفط إيران، إنجازاتها في الكويت ودورها فيه. وتكثيف فكرة رجعية حكّام إيران، يُظهر الكاتب أنّ وجود حاكم مستنير مهتم برفاهية شعبه أسهم في تحديث الكويت وازدهارها؛ يقول: "اقتصاد الكويت مزدهر، وتوضّح نشاطاتها التجارية المتنوعة فائدة الخدمات التي نقدّمها فيها. والشيخ عبد الله السالم الصباح، الذي يحكم البلد بحكمة مستنيرة، يهتم برفاهية شعبه حقًّا"[36]. وفي الحالات التي يُذكر فيها دور الحاكم في التحديث، لا يُغفل إشراك التأثير البريطاني في هذا الإنجاز، جنبًا إلى جنب مع إنجازات شركة النفط في الكويت. فمثلًا، يرد في كلام مراسل هذه الشركة الخاص في الكويت، الذي وصل إليه خبرٌ عن زيارة سكرتير مجلس الدولة لشؤون التجارة في بريطانيا، ما يأتي: "شاهد الوزير ووفده بعض المدارس الحكومية الرائعة التي أقامها الحاكم لتعزيز سياسته المتمثّلة في التعليم المجاني للجميع، وقد صمّمها في أغلب الأحيان مهندسون معماريون بريطانيون وفقًا للنمط الذي اشتهر عن مهرجان بريطانيا[37]. وبعد الظهر، كان في ميناء النفط في مدينة الأحمدي النفطية، الذي أنشأته شركة نفط الكويت، والذي أصبح الآن مرفأ النفط الأكثر ازدحامًا في العالم"[38].

ثانيًا: اتجاهات السرد

بعد أن توقفت الدراسة عند دوافع القصة التي اخترعتها صحيفة ذا تايمز عن الكويت، ونزعها فاعلية الشعب الكويتي وكيف أنها همشت تاريخها واختزلت وجودها، سنبيّن كيفية سرقة الاستعمار قصةَ التحديث في الكويت، والثيمات التي اتجهت إليها في متابعتها لكلّ ما يتعلق بهذه الدولة.

1. التحديث في مواجهة التأميم

بعد عامين من تأميم النفط في إيران، كتبت ذا تايمز مقالًا ضمن سلسلة "اجتماعات الشركة" التي تعرض فيها آخر إنجازات شركات النفط البريطانية في البلدان المستعمَرة، ذكرت فيه آخر تطوّرات النفط والتحديث في الكويت، وقد جاء في مطلعه: "شهد إنتاج النفط زيادة كبيرة في الكويت؛ ما ساعد على تعويض خسارة النفط الإيراني في الأسواق العالمية"[39]. وبعد تأكيد فاعلية الشركة في هذا التطوّر، وأنّ خدماتها محلّ تقدير بسبب قوّة الروابط بينهم وبين الحاكم، يسرد المقال أنواعًا من التحديث: "إنّ مستقبل هذه الدولة هو الازدهار، فالعديد من مشاريع الأشغال العامة، مثل تطوير الموانئ وتحلية المياه والمدارس والمستشفيات والطرق، جارية فعلًا، فضلًا عن مشاريع أخرى قيد الدراسة"[40].

ويستمر هذا النمط من الكتابة عن الكويت في عدة مقالات على مرّ الأعوام، بدءًا من تأكيد أنّ الكويت تعوّض الخسارة في إيران. ويجري الحديث أحيانًا عن إبراز أنّ إنتاجها للنفط تجاوز ما تنتجه[41]، وعن وجود علاقات قوية ومتينة مع الحاكم وبعض الإنجازات التحديثية مثل بناء المدارس ومحطات التحلية والمستشفيات وغير ذلك. وتُبالغ بعض المقالات في هذه الإنجازات التحديثية؛ إذ يذكر أحدها، مثلًا، أنّ "استثناء إيران المحزن لا يؤدي إلّا إلى تعزيز التنمية في البلدان الأخرى. وفيما يتعلّق بإيران، تكفي الإشارة إلى أنّ صورتها الاقتصادية تتعارض على نحو حادٍّ مع صورة جيرانها"[42].

وفي جميع المقالات التي تتناول الكويت بوصفه مثالًا كلاسيكيًا – كما تصفها تقارير الشركة – على قدرة النفط على تحديث البلدان المنتِجة له، لا يغفل الكتّاب تصوير النفط بوصفه أداةَ تنميةٍ، على أن يوجد طرف ثالث غير الشعب والحاكم، وهو شركة النفط نفسها. ولا تذكر هذه المقالات مشاريع بعينها، بل يحشد أصحابها عبارات غير دقيقة مثل تطوير التعليم والمجال الصحي ومشاريع الإرواء وغيرها، لتصوير التأميم رديفًا للتخلّف والتراجع الاقتصادي.

2. أنسنة دور بريطانيا في التحديث

في أحد أعداد الصحيفة، نُشِرَت مجموعة صور، وقد ظهر في الصورة الأولى منها مشهد لحصاد البنجر السكري في مقاطعة سوفولك الإنكليزية، وهي تظهر الآلات الحديثة والحصاد الوفير وعمل الفلاحين الدؤوب، وفي الصورة الثانية تكريم مؤسسي مسرح ذا أولد فيك The Old Vic، ثم صورة أخرى لاعتقال ثوار كينيين من انتفاضة ماو ماو، وقد صُوِّروا على أنهم مشتبه فيهم، وأنهم مطلوبون للحكومة الكينية. وكان بجوارها صورة لناقلة نفط مهيبة تحوي أطنانًا من نفط الكويت[43]. لم تكن هذه الصور عن الكويت أو كينيا، بل كانت موجّهة إلى الجمهور البريطاني لتصف عظمة بريطانيا؛ فالحصاد الوفير وازدهار الفن مدفوع بنفط الكويت وخيرات كينيا. وفي حين لا يقول الخبر هذا بطريقة صريحة، فإن رصف الصور لتتشكّل قصة عنوانها: "حصاد البنجر السكري في سوفولك"، يبيّن كيف أطّرت الصحيفة على نحو مستمر طوال الخمسينيات في مقالات كثيرة كل التطوّرات في الكويت ضمن سردية تقدّم بريطانيا.

وفي مقال آخر، يرد خبر عن إنتاج شركة نفط الكويت فيلمًا عنوانه "حصاد الصحراء"، وقد جعل الكاتب النفط هو الفاعل في الفيلم؛ النفط الذي اكتشفته بريطانيا من تحت الرمال التي لم تغب عن عنوان الفيلم نفسه، والذي تظهر فيه الكويت بأنها بلدٌ لم يكن فيه إلّا القذارة والمرض[44]. وعلى الرغم من أنّه يذكر أنّها كانت مركزًا تجاريًا، فإنّه يؤكد أنّ المدينة العربية القديمة شهدت أيضًا تغييرًا مذهلًا في إثر ظهور النفط[45]. أمّا المدينة التي بُنيت للموظفين، فهي - كما يسهب النص في وصفها - أكثر تقدمًا من مدينة الكويت. ويعزّز هذا المقال فكرةً، ترددت على نحو مكثفٍ، عن التفوّق الثقافي الغربي على الكويت، وطبيعة العلاقات التي تربط بريطانيا بالكويت؛ ما يجعلها المسؤولة عن تطويره وتحديثه وتنميته. وفي خبرٍ نُشر عن زيارة روجر ماكينز (1904-1996)، نائب سكرتير الدولة في وزارة الخارجية البريطانية، لدول الخليج، ومن ضمنها الكويت، في 8 شباط/ فبراير 1952، تُذكَر العبارة التي تتردّد في سياق الحديث عن الكويت أو الخليج في الصحيفة: "لا يمكن معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الناشئة عن زيادة إنتاج النفط بسرعة، والزيادة الكبيرة الناتجة في إيرادات بعض الدول، وافتقارها الحالي إلى التنمية، إلّا على أساس دولي. وإنّ بريطانيا تتمتّع بمكانة، خاصة في الخليج الفارسي، بسبب مسؤولياتها تجاه الإمارات المحمية"[46].

وقد غيَّب هذا النمط من كتابة الأخبار المتعلّقة بالتحديث الشعبَ الكويتي كليًّا، وجعل كل نجاح أو تطوير في الكويت يبدو نجاحًا بريطانيًا. لذلك، لا يمكن أن يرى القارئ إلّا دور بريطانيا الإنساني في مقابل ما تمنحه الكويت من نفطٍ أسهم في نهضتها بعد الحرب العالمية الثانية. ويبدو السؤال الملحّ بعد هذا التحليل هو: ألا تكون هذه فعلًا هي قصة التحديث في الكويت؟ للإجابة عن هذا السؤال، تُسلّط الدراسة فيما يلي الضوء على عدّة محاور تحديثية ادّعت الصحيفة، على نحو متكرّر، أنّها دخلت الكويت عن طريق بريطانيا أو شركة النفط البريطانية.

أ. قصة التعليم

تختلف مسألة التعليم وبناء المدارس كما تناولتها الصحيفة، وقد وردت هذه المسألة بوصفها مظهرًا من مظاهر تحديث بريطانيا للكويت، عن قصة نشأة هذا المجال في المصادر الكويتية عمومًا، فقد كان التعليم في الكويت قبل عام 1911 – مثل أيّ تعليم ما قبل حداثي في العالم العربي – عبارة عن حلقات علمٍ حول علماء الدين أو في الكتاتيب. ولكن، في نهاية القرن التاسع عشر، وبسبب طبيعة البلد التجارية، لم تعُد كتاتيب الكويت تقتصر على القراءة والكتابة والقرآن، بل صارت تشتمل أيضًا على مادة الحساب التي درّسها محاسب الأحساء علي بن عمار[47].

ومن خلال تبرعات الكويتيّين، في عام 1911، أُنشئت أوّل مدرسة نظامية، وقد سُميَّت المدرسة المباركية، نتيجةً لعمل الأهالي وعلماء الدين والتجار ورغبتهم هم فحسب. وفي عام 1921، طلب حاكم الكويت آنذاك الشيخ أحمد الجابر الصباح من الشيخ يوسف بن عيسى القناعي (1879-1973) تطوير منهج المدرسة المباركية. وقد حظيت هذه المدرسة باستقلال كبير جعل القائمين عليها يرفضون هذه التغييرات. لذلك، أُنشئت مدرسة أخرى برعايةٍ أهليةٍ أيضًا وبدعمٍ من الحاكم، وهي المدرسة الأحمدية[48].

ومع ازدياد عدد الطلاب والمدارس، تقدّم عدد من تجار الكويت بطلب للشيخ أحمد الجابر الصباح بتخصيص ميزانية للتعليم، فوافق الشيخ عليه بعد أن اشترط أن يكون بموافقة التجار. وأدى هذا التعاون بين السلطة والنخب والتجار إلى تأسيس أوّل مجلس معارف من خلال انتخاب عام 1936، وجرى إصدار قانون للمعارف نظَّم التعليم من حيث الابتعاث إلى الخارج وإنشاء المدارس واستقدام بعثات تعليمية من فلسطين ومصر ولبنان للتدريس، وجرى كل ذلك بعملية ديمقراطية تعاونية[49]. ولم تقتصر مدارس الكويت على التعليم، بل كانت تمارس نشاطات نضالية؛ منها ثانوية الشويخ التي نظمت مظاهرات لدعم ثورة الجزائر، والترحيب بجميلة بوحيرد (1935-)، وكانت تدعو إلى الحراك الشعبي، وخرَّجت أجيالًا من المناضلين القوميين[50].

كان الموقف البريطاني معاكسًا لِما أظهرته سردية الصحيفة؛ إذ سعى الوكيل البريطاني إلى منع الاستعانة بالبعثة العلمية العربية من فلسطين. لكنّ مجلس المعارف المنتخب قاوم هذه المساعي عبر عرقلة التأشيرات وغيرها. ولمّا جاءت البعثة، نجح الوكيل في استبدال ذو الكفل عبد اللطيف (1914-2011)، وهو أحد المعلمين الفلسطينيين المرشّحين للتدريس في الكويت، بذريعة أنّ نشاط المرشّح الأول المعادي للبريطانيين، وجرى توظيف جابر حديد وخميس نجم ومحمد المغربي وأحمد شهاب الدين[51].

وفي الأربعينيات، تجلّى تدخل البريطانيين في ممارسة ضغوط لإقالة عبد اللطيف الشملان، مدير المعارف، بعد اتهامه بالاتصال بدولة أجنبية؛ لأنّه طلب من طه حسين، وقد كان حينذاك مستشارًا فنيًا لوزارة المعارف العمومية المصرية، أن تدعم حكومة مصر التعليم في الكويت. وقد أزعج ذلك السلطات البريطانية التي بقيت تتخوّف من تأثير التعليم العربي في الكويت إلى حقبة الخمسينيات[52]. وكتبت ذا تايمز نفسها عن هذا مقالًا حذّر من ازدياد أعداد المعلمين العرب، ولا سيما المصريون والفلسطينيون، بحجة أنّهم عملاء يروّجون لكراهية الغرب، والأفكار القومية التي تدعم جمال عبد الناصر (1918-1970)، وينظّمون المظاهرات في البلدان التي يعملون فيها، ومن ضمنها الكويت[53]. وفي نهاية الخمسينيات، لم تعُد الصحيفة تذكر التعليم في الكويت بوصفه إنجازًا، بل أصبح بالنسبة إليهم مشكلة؛ إذ نشرت مقالًا يعرض ما عدّه مشكلة عدم تأثّر الشباب الكويتيين الذين تبتعثهم شركات النفط البريطانية للدراسة في الغرب بالأفكار الغربية، كما كان يحدث مع الشباب الهنود الذين تأثروا بقيم الغرب نتيجة الابتعاث، إضافةً إلى استمرار ظهور ميول يسارية قومية لديهم. وَيَصِلُ كاتب المقال إلى حلّ يتمثّل في أن تتدخّل بريطانيا في شؤون التعليم في تلك البلدان لاستبعاد المعلمين المصريين والفلسطينيين، فيقول في هذا الشأن: "أؤيّد اقتراح اللورد لامبتون بأن تستخدم حكومة صاحبة الجلالة كل نفوذها لتشجيع وتمويل الشباب من الدول العربية الذين يزورون بلدنا بوصفهم طلابًا. لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي بينما يواصل عبد الناصر تسلّله مع المعلمين المصريين إلى البلدان التي يخطّط لاجتياحها. أقترح تكوين معلمين ذوي معرفة بمشكلات الشرق الأوسط، يتمّ انتدابهم للعمل في الدول العربية الصديقة. من المؤكّد أنّ هناك العديد من الضباط الذين يجري تسريحهم الآن من القوّات والذين – بعد التدريب الأولي – سيكونون معلمين مثاليين لهذا الغرض. ويمكن أن يكون لهؤلاء المعلمين المنظّمين المتفانين كثير من الإضافات لتغيير مسار التاريخ في الشرق الأوسط"[54].

كان التدخل البريطاني في التعليم بالكويت تدخلًا استعماريًا، يهدف إلى استخدام التعليم أداةً للهيمنة. وهكذا، سرقت سردية ذا تايمز التعليم في الكويت، وجعلتها جزءًا من إنجازات بريطانيا في دول العالم الثالث، وعدّت نشاطات الطلاب الكويتيين تهديدًا لمصالحها وتنفيذًا لأجندة عبد الناصر، بل إنها نزعت فاعليتهم الذاتية في هذا النشاط لتبرر مساعيها للتدخل في التعليم، ومحاولتها استلاب الكويت ثقافيًا، واستخدام التعليم لمواجهة حركات التحرر في الكويت.

ب. قصة التحديث الصحي

وفي المجال الصحي، كان الحديث العابر في الصحيفة عن بناء المستشفيات يحجُب قصة أخرى عن التحديث الأهلي واستخدام الاستعمار المجال الصحي في التبشير، ففي عام 1904، تقدّم الشيخ مبارك الصباح (1837-1915) بطلبٍ إلى المعتمد لتعيين طبيب، فجاء طبيب من الهند، وأُسكن بدار الاعتماد في الكويت، وقُدمت له كل التسهيلات الممكنة[55]. وقد تعاقب الأطباء على العمل في هذا المستوصف حتى عام 1921، ثم تغيَّر موقع المستوصف الطبي من دار الاعتماد إلى بيت الشيخ عبد الله السالم الصباح في الفترة 1925-1929[56]، وكان الأطباء طوال هذه المدة يسكنون في بيوت تجار الكويت الذين كانوا يعرضونها عليهم من دون مقابل.

وفي عام 1913، أسّس فرحان بن فهد الخالد (1878-1914)، الذي جاء بفكرة مستوصف إسلامي يُعنى به طبيب وصيدلي مُسلِمان لمداواة الفقراء مجانًا، الجمعية الخيرية الإسلامية؛ نوعًا من مقاومة العمل الإرسالي. وقد تبرّع الكويتيّون للمشروع، وخصّصوا له أيضًا مبنًى يحوي مكتبة، وعيّنوا فيه طبيبًا وصيدليًّا مسلمَين تركيَّين، وتطوّع معهما شباب كويتيون للمساعدة؛ ومنهم مساعد بن عبد العزيز الكليب، وعبد الحميد الصانع[57]. واستمرّ عمل هذا المستوصف، الذي سمّاه طبيب مستشفى الإرسالية "مستشفى المعارضة"، حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، ونُقِلت ممتلكاته ومعدّاته بعد ذلك إلى مستشفى الإرسالية.

يُعد عبد الإله القناعي (1809-1964) أوّل صيدلي في الكويت، وقد تدرّب في المستوصف البريطاني الخيري. وبعد إغلاق المستوصف أثناء الحرب العالمية الأولى، أنشأ دكّانه الخاص، واستمر في توفير الرعاية الصحّية حتى الأربعينيات[58]. وكانت توجد أيضًا صيدلية عبد اللطيف بن إبراهيم الدهيم (1889-1949)، التي بناها في عام 1927، وأطلق عليها اسم الصيدلية الإسلامية الوطنية، وكان يستورد الأدوية من الهند والعراق (البصرة وبغداد)، ويقدّم الاستشارات بنفسه[59]، ثم افتُتِحت في عام 1935 صيدلية وانيس، وهو صيدلي عراقي أرمني، وصيدلية الأهالي لخالد بن عبد اللطيف الدهيم، في عام 1949، وصيدلية المخزن الأهلي لخالد سليمان المشعان، في عام 1939، والمذخر الكويتي لمحمد ناصر الهاجري، في عام 1950[60]. وانتشرت الصيدليات في الكويت في الخمسينيات أكثر من أيّ وقت مضى.

ونشأت الخدمات الصحية الحكومية زمنَ نشأة دائرة البلدية في عام 1930؛ إذ كانت تتولى مسؤولية نظافة المدينة والصرف الصحي والطب الوقائي من خلال حملات التطعيم، والتراخيص الطبية، وتوفير العمالة الطبية، ودفع تكاليف علاج المرضى المُعدمين والفقراء في المستشفى الأميركي، وتوفير ملجأ للمصابين بالأمراض العقلية[61].

وبمجيء المجلس التشريعي، عام 1938، نشأت دائرة الصحة، بحسب قانون الصحة الذي وضعه المجلس التشريعي، ومُوِّلَ من الضرائب، وكان من أهم نتائجه إنشاء المستوصف الحكومي في عام 1939، الذي قدّم الرعاية الصحية المجانية، وعمل فيه عدد من الأطباء العرب تحت إشراف محمد العتيبي[62]. وفي عام 1944، افتُتح مستوصف النساء بجوار المستوصف الحكومي، وكان الطبيب الرئيس فيه صلاح الدين أبو الذهب، ومعه عدّة قابلات منهنّ فاطمة العريس وصبيحة العريس، وممرضات منهنّ عائشة الجماع وفاطمة الجماع وفاطمة عبد الكريم وسعيدة اللنقاوي وفاطمة الكندري، فضلًا عن ممرضات وطبيبات عربيات أخريات[63].

أمّا المستشفى الأميري، فهو "قصة وطنية" بدأت بمقترح قدّمه الدكتور يحيى الحديدي في عام 1940[64]، وقد تبرّع بأرض المستشفى حمد عبد الله الصقر (1871-1930)، واشترت الحكومة الأرض المجاورة له كذلك، وأشرف على بنائه وتجهيزه عبد الله السدحان، إلى أن توقف العمل فيه في نهاية الحرب العالمية الثانية. وبعد انتهاء الحرب، أشرف على إكماله خليفة عبد الله البحوه وعبد الله الفرحان، حتى افتُتح في عام 1949، وأصبح واحدًا من أكبر المستشفيات في المنطقة وأكثرها تطورًا، وعمل فيه العديد من الأطباء الكويتيين الذين عادوا من البعثات العلمية إلى مصر ولبنان ولندن، وأطباء عرب وأجانب[65]. وقبله، كان المستشفى الأكبر في الكويت هو مستشفى الإرسالية الأميركية؛ إذ نشطت الإرساليات التبشيرية في الخليج عن طريق خدمات التعليم والصحة، وكانت خدماتها محلّ تقدير عند بعض شيوخ الخليج وأهله. وفي عام 1910، استدعى الشيخ مبارك الصباح الإرسالية الأميركية، ونقلها على حسابه إلى الكويت بعد أن عالجه أطباؤها في عربستان، وعقد معهم اتفاقًا أوليًّا مع أفرادها على أن يقدموا خدماتهم في الكويت، وقد وفّر لهم مكانًا مناسبًا لذلك[66]، إلّا أنّ عمل الإرسالية نفسه لم يكن ممكنًا في هذا البلد بسبب المقاومة الاجتماعية. وقد ذكر الدكتور آرثر بينيت في تقريره ما يأتي: "كنّا في الماضي ندعو من أجل أن تُفتح لنا أبواب الكويت، وها هي قد فُتحت لنا على مصراعيها، واستُجيبت دعواتنا. فالآن يمكننا، بوصفنا إرسالية وكنيسة تتمتّع بالكياسة والحكمة، أن ندخل ونمتلك الأرض من أجل المسيح"[67]. ولكن، لم يبدأ العمل الجادّ في بناء المستشفى حتى عام 1913. وعندما اشتد الخلاف بين الشيخ مبارك والدكتور ستانلي ماليري (1876-1852)، الذي استقر في الكويت بسبب بطء إنجاز المستشفى، أمر بزيادة الأرض لتتّسع لمنازل الأطباء. واستمر البناء على يد عمّال كويتيين وإيرانيين تحت إشراف القس كالفري والدكتور ماليري، واكتمل في عام 1914[68]. وبمرور الوقت، تطوّر عمل المستشفى، وكان يحصل على تمويل من حاكم الكويت، قبل النفط وبعده، إضافةً إلى التبرعات التي كان يحصل عليها أعضاء البعثة من الولايات المتحدة.

لقد أسهم مفهوم جمع التبرعات، إلى حدّ بعيد، في ترسيخ صور نمطية عن الكويت في الولايات المتحدة. وكان أعضاء الإرسالية يُساءَلون دائمًا عن جدوى هذه التبرعات إن لم يدخل إلى المسيحية شخص واحد. لذلك، كان الأطباء يكتبون مقالات تميل إلى المبالغة في تصوير بدائية الكويتيّين وهمجيّتهم وتعصبهم لتفسير مشقّة عملهم، وحثِّ الناس على الاستمرار في التبرعات[69]. ولم تَبْنِ بريطانيا، في هذا الشأن، أيّ مستشفى في الكويت. ومع ذلك، كانت الصحيفة تعدّ بناء المستشفيات إنجازات بريطانية في هذا البلد.

ج. توفير الماء

كان العطش في الكويت أحد أهمّ المواضيع التي ركّزت عليها صحيفة ذا تايمز، وهو أمر مفهوم في سياق تركيزها على صحراوية الكويت وبداوتها. وكانت شركات النفط تنشر أيّ طلبات لبناء محطات تقطير تصل إليها من الكويت، حتى إن بقيت طلبات فحسب، ومن دون أن تُنفَّذ[70]. وكانت تربط الماء، إلى حدّ بعيد، بالنفط، أو تُصوّر خدمات الماء على أنّها في مقابل النفط[71]. ولم يقتصر الأمر على تصوير الماء على أنه منجز بريطاني يُقدَّم إلى الكويت، بل استُخدم كذلك سياسيًا في نقل أخبار اتفاقية ماء شط العرب التي كان ستُعقد بين العراق والكويت؛ إذ نشرت هذه الصحيفة مقالًا عن تأجيل المشروع بعد أن كانت قد أبدت اهتمامًا واضحًا به في مقالاتٍ أخرى، وذكرت في نهاية المقال ما يأتي: "إنّ تأجيل مشروع إمداد المياه العذبة عبر خط أنابيب من العراق هو تعبير عن الشعور المتأصّل بالشك لدى معظم الكويتيين تجاه جيرانهم الشماليين، وهو يؤكد، عمومًا، روح الاستقلال التي تتميّز بها الكويت"[72].

يبدو ذكر هذا الخبر مفهومًا في سياق دراسة توجّهات الصحيفة في نهاية الخمسينيات، لأنّها كانت تواجه المدَّين الناصري والقومي في الكويت على نحو أو آخر؛ فقللّت من شأن أيّ روابط بين الكويت والوطن العربي، وحاولت إبرازها إقليمًا مستقلًا، وهو ما جعلها تُظهره – بعد سنوات من تصوير توفير الماء بوصفه خدمة بريطانية للكويت – على أنه أحد أنواع قوّة الحاكم واستقلاليته. وفي أحد المقالات، تنفي الصحيفة وجود انقلاب في الكويت، وقد جاء فيه ما يأتي: "قبل بضع سنوات، كان على الكويت استيراد مياهها كلها بواسطة السفن الشراعية من شط العرب، لكنّها تمتلك الآن مصنعًا خاصًّا بها لتقطير مياه البحر، وتعمل على بناء مدارس ومستشفيات خاصة بها بسرعة بمساعدة فنيين غربيين"[73]. ولكن الحقيقة أنّ شعب الكويت كافح لتوفير الماء خلال عقودٍ طويلة، فقد كانت الكويت تعتمد على الآبار طوال تاريخها. وفي مطلع القرن العشرين حدثت أزمة حادة في الكويت نتيجة نقص المياه؛ نظرًا إلى تراجع مياه الآبار واشتداد ملوحتها في عام 1906[74]. وعلى الرغم من أنّ الكويت كانت تحت الحماية البريطانية، كان البحارة الكويتيون أنفسُهم مَن وفّروا الماء للكويتيّين، فقد عمل النوخذة محمد اليعقوب على نقل الماء من شط العرب إلى الكويت بسفينته في عام 1909. ومن ثمّ، توافر للكويتيين مصدر آخر من الماء. وهكذا، فُتح مجالٌ لتجارة نقل الماء. وفي إثر ذلك، اشترى الشيخ مبارك الصباح باخرة من الهند وبدأت تنقل الماء إلى الكويت من شط العرب في عام 1912[75].

لم يقتصر توفير الماء على الحاكم، بل كان للكويتيّين أوقافٌ كثيرة؛ منها الجمعية الخيرية العربية التي تأسست في عام 1913، وكانت توزع المياه مجانًا على الفقراء عن طريق شط العرب، وقد جعل تجار الكويت وأثرياؤها أوقافًا كثيرة خاصة بالماء. وهذه التجارة ألهمت صناع السفن الكويتيين أن يُنشِئوا نوعًا خاصًّا من السفن لجلب الماء سميت "أبوام الماي"[76]، التي أشرفت بلدية الكويت على تنظيمها ومتابعة صحتها في الثلاثينيات. وبسبب ما واجهه الكويتيون من صعوبات في عملية نقل المياه، بدؤوا يفكّرون في حلول؛ من ضمنها مشروع الشيخ أحمد الجابر الصباح في عام 1938 لحفر آبار جديدة، إذ طلب من المقيمية أن تجلب له خبراء على حساب حكومة الكويت. وبعد مماطلة وشدّ وجذب، أرسل المعتمد البريطاني رسالة إلى الشيخ الجابر يخبره فيها بأنّ الإجراءات ستستغرق وقتًا طويلًا[77].

وفي عام 1942، عانت الكويت أزمةَ مياه جديدة، فعملت شركة النفط الكويتية التي كانت تبحث عن حلول لتوفير الماء لموظفيها وعمالها، على التواصل مع المعتمد والشيخ أحمد وعرض نتائجها عليهما، وهي تتمثّل في حاجة الكويت إلى سدود لتخزين مياه الأمطار. وقد كانت في الكويت سدود من قبل، ومن ثمّ عمل الشيخ أحمد على إصلاحها[78]. وهكذا، بقيت الكويت تكافح لتوفير المياه، حتى بنى الشيخ عبد الله السالم محطةَ التقطير، في عام 1950، التي بدأت في العمل وتوفير المياه في عام 1953[79].

وفيما يتعلّق باتفاقية شط العرب بين الكويت والعراق، التي أولتها صحيفة ذا تايمز أهميةً كبرى، يذكر أحمد الخطيب (1927-2022) في مذكراته أنّ حكومة الكويت فاوضت العراق على اتفاقية سُمّيت اتفاقية أم قصر، وهي أن يُمدَّ أنبوب يجلب الماء من شط العرب إلى الكويت بمقدار مئة مليون غالون يوميًّا مقابل تأجير ميناء للعراق بدينار واحد سنويًّا. وقد كلّف الشيخ عبد الله السالم يوسف بن عيسى القناعي بعرض الاتفاقية على عددٍ من وجهاء الكويت، فوافقوا عليها بالأغلبية، ثم عُرِضَت على المجلس الأعلى، فرُفِضت؛ وهكذا، كان قرار التوسّع في إنشاء محطات التقطير. أمّا سبب ذلك الرفض، فقد كان، بحسب المحضر الذي اطّلع عليه الخطيب ووثّقه، يتمثّل في أنّ تكلفة محطات التقطير تساوي تقريبًا نصف تكلفة مدّ أنبوب، بل إنها أسرع إنجازًا[80]. ومع ذلك، قد يرجع إيقاف الشيخ عبد الله السالم للاتفاقية إلى تخوّفاته من أطماع الحكومة العراقية في ضمّ الكويت إلى العراق فعلًا، ومن المرجّح أنّ الشيخ السالم كانت له شكوك في حال الاعتماد على العراق، وهي شكوك أثارها البريطانيون في مرحلة سابقة. الجدير بالذكر أنّ البريطانيين كانوا يريدون إتمام المعاهدة في عام 1956 بُغية ربط الكويت بالعراق وإبعادها عن تأثير مصر، وأنهم حاولوا التأثير في قرار الشيخ السالم إلى حدّ بعيد، وعدّوا رفضه نتيجةً للتأثير المصري[81]. ولذا، أرى أنّ اهتمام الصحيفة بمشروع ماء شط العرب كان مدفوعًا بمصالح سياسية بريطانية.

د. مواجهة المدّ القومي

بدت صحيفة ذا تايمز كأنّها تخوض حربًا ضدّ إذاعة صوت العرب المصرية في نهاية الخمسينيات، في إثر اندلاع ثورات في بعض بلدان المشرق العربي على الأنظمة التي كانت حليفة للقوى الغربية، حتى إنّها أيّدت اقتراح رئيس الولايات المتحدة آنذاك دوايت أيزنهاور (1890-1969) المتمثّل في أن تراقب الأمم المتحدة إذاعات مصر لمنعها من بثّ ما تراه محرضًا على العنف ضدّ هذه الأنظمة وضدّ الغرب[82]. وقد عرضت الصحيفةُ بعض النصوص التي اختارتها من بثّ إذاعتَي صوت العرب وصوت القاهرة، لتوثّق ما اعتبرته لغةً تحريضيةً ضدّ أنظمة الأردن والعراق ولبنان والغرب وإسرائيل، ودعمًا لمقترح أيزنهاور لإسكات صوت إذاعة صوت العرب[83].

وانسجامًا مع هذا التوجّه، كانت الصحيفة تظهر أيّ خطاب قومي أو تحرري في الكويت، أو غيرها، بأنّه تهديد لمصالح بريطانيا، وأنّه قادم من جهات خارج مستعمراتها ومحمياتها، لا من داخلها، وذلك لإقناع البريطانيين بأنه لا توجد أصوات تحررية تعارض وجودها داخل هذه المستعمرات والمحميات. لذا، ظلّت تتّهم إذاعة صوت العرب بوصفها طرفًا دخيلًا على المجتمع الكويتي ولا تمثّله[84]، ثمّ إنها فسّرته بأنه متعلّق بتأثير ما سمّته أذرُع ناصر الإعلامية في الكويت؛ من جانب المعلمين المصريين والفلسطينيين[85].

توجّهت الصحيفة في تقاريرها إلى تفسير الحركات الوطنية في الكويت بأنّها تأييد لمصر أو لعبد الناصر، بدلًا من عدّها نشاطات تعبيرية عن الهوية العربية وتجلّيات لحِسّ الانتماء الوطني والقومي للكويتيين. يظهر ذلك في نقل الأحداث بطريقةٍ تركّز على دعم الحركات الشعبية لمصر، وهو ما قد يُظهر الوضع بأنّه تبعية لسياسات نظام مصر أو تأييد للأجندة المصرية. فعلى سبيل المثال، نقلت الصحيفة خبرًا يقول: "أصيب عدة أشخاص بجروح الليلة الماضية عندما فرّقت قوّات الأمن نحو مئتَي متظاهر مؤيّد لمصر. وفي وقت سابق، احتشد نحو أربعة آلاف شخص في تجمع جرى خلاله إلقاء خطابات لدعم تحركات مصر في قناة السويس، وجرى تمرير قرار يدعو مواطني الكويت إلى الانضمام إلى الدول العربية الأخرى في إضراب في عام يوم الخميس. ولم يَجرِ الإبلاغ عن أيّ حوادث اليوم، ولكن عُزِّزَت قوّات الأمن في جميع أنحاء المدينة، واتُّخذت إجراءات لحماية منشآت النفط في الأحمدي، التي تبعد عشرين ميلًا عن الكويت"[86].

يعكس هذا النقل تركيز الصحيفة على الجوانب التي تربط الأحداث بالمصالح المصرية ودعم الحركات المرتبطة بها، من دون النظر إلى دوافع الانتماء الوطني بالنسبة إلى الكويتيين أو سياق الأحداث العربية الشاملة، مع تغييبها الاعتداءات التي مورِسَت ضدّ المحتّجين. ويتجاهل هذا النوع من التقارير عناصر أخرى تشكّل السياق الأوسع، مثل التأثيرات الداخلية التي شكّلت دوافع الدعم الوطني في الكويت لحركات مصر؛ أي إنّها لم تقرأ الإضراب الذي حصل في الكويت بوصفه احتجاجًا على العقوبات التي فُرِضَت على مصر نتيجةً لتأميم قناة السويس، وهو شعور تضامنيّ بين عرب وعرب، بل هو بين كويتيين وشعوب أخرى لا تمتّ لهم بصلة، لتختزله بهذا الأسلوب بأنه مجرد وسيلة من وسائل عبد الناصر للضغط على بريطانيا والغرب، أو هو بمنزلة "ناقوس خطر" ضدّ مصالحهم في الخليج[87].

يحذّر مقال آخر من خطر إذاعة صوت العرب على بريطانيا في الخليج، فيرى كاتبه أنّ من العبارات التي تنبئ بخطر الإذاعة قول المذيع: "هذا الخليج الذي يسمّونه فارسيًّا، هو عربي الماضي والحاضر والمستقبل"[88]. ولأنّ الصحيفة تُطلق على الخليج اسم "الخليج الفارسي"، فإنها عدّت تعريب الخليج في إذاعة صوت العرب خطرًا محدقًا بالمصالح البريطانية في الخليج "الفارسي"، كما تُطلق عليه.

ومع ذلك، لم ترَ هذه الصحيفة فكرة الوحدة مع بلدان عربية في حدّ ذاتها تهديدًا، بل دعمت وحدة الكويت مع الاتحاد الهاشمي العربي (العراق والأردن) من قبلُ، وروّجت لذلك. ولكن، بعد تكثيفها الخطابي ضدّ مصر وإذاعة صوت العرب، بدأت تركز على دور مصر في رفض شيخ الكويت الانضمام إلى حلف بغداد؛ إذ جاء في أحد مقالاتها: "حاكم الكويت قد لا يكون مقتنعًا، وفي كل الأحوال، لديه مشكلات في الداخل؛ إذ إنّ النفوذ المصري قوي في المدارس، ويُنسب إلى أخيه ميول موالية لمصر"[89]. وكانت المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى الصحيفة هي أن تؤدي توجهات الحركة القومية في الكويت إلى ضَم الكويت إلى الجمهورية العربية المتحدة، وهو أمر ضدّ مصالح الغرب، التي يقف معها العراق والأردن، القريبان من الغرب آنذاك، على نحو ما جاء في أحد المقالات: "في مكان مثل الكويت، لا يُمكن أن يتحمّل الغرب ثورة؛ فمن شأنها أن تؤدي إلى انضمام الكويت إلى الجمهورية العربية المتحدة. لذا، يجب أن تُقابَل بإجراءات مثل تلك التي اتُّخِذت فعلًا في لبنان والأردن"[90].

يُبنى جزء أساسي من الصورة التي رسمتها صحيفة ذا تايمز عن الحراك القومي الكويتي على تصوير المناضلين في صورة إرهابيين غاضبين يشكّلون خطرًا على الرعايا الأجانب في الكويت؛ وذلك حتى مع تأكيد حاكم الكويت آنذاك التزامه بتوفير الحماية والأمن للرعايا أثناء الإضراب والاحتجاجات التي تأجّجت أثناء أزمة السويس[91]، إلى حدٍّ جعل الصحيفة تنقل، أثناء تغطيتها الأحداث، خبرًا غريبًا عن نقل الطعام لعائلات الموظفين في شركة النفط عبر طائرة من مومباي إلى حين إجلائهم[92].

لم تكن الصحيفة تذكر من يقف ضدّ توجهاتها من الكويتيين، لأنّ الكويت بالنسبة إليها كانت تعني السلطة في أغلب الوقت، وهي تؤكّد دائمًا متانة علاقاتها بها. وحتى عندما نقلت خبر مقاطعة السلطة للشركات الإسرائيلية والشركات الأجنبية التي تتعامل مع إسرائيل، فإنها نقلته بحيادية، وغيّبت دور النخب الوطنية فيه[93]. لذلك، كانت تسمّيهم "مؤيّدي ناصر". ويفسّر ذلك سبب تأكيدها ملاحقة السلطة للمناضلين الكويتيين، وكانت ترسّخ فكرة قوّة السلطة وقدرتها على إحداث تغييرات سياسية تعزّز قوّتها أمام المدّ القومي. ذكرت الصحيفة في أحد مقالاتها ما يأتي: "ألقى مدير الشرطة السابق [جاسم القطامي (1927-2012)]، الذي استقال في أزمة السويس، خطابًا مؤيدًا لناصر. وقد اعتُقِلَ ووُضِعَ قيد الإقامة الجبرية هو وأربعة آخرون، بعضهم من مسؤولي الحكومة. وفي 4 شباط/ فبراير، أصدر حاكم الكويت قرارًا بحلّ عدد كبير من الأندية السياسية"[94].

لقد حُلَّت الأندية السياسية فعلًا، وحورِبَت إلى حدّ بعيد. ومن جهة أخرى، نشرت الصحيفة أخبارًا عن أنّ ذوي العلاقة بهذه الأندية هم رجال ونساء من مصر وسورية والأردن ولبنان يتداولون مناشير تحريضية[95]، أو أنهم مجموعة شيوعيين من العراق تسلّلوا بطريقةٍ ما عن طريق البصرة لإحداث ثورة شيوعية مسلّحة في الكويت[96]؛ أي إنّها لم تُرد الاعتراف، على نحو أو آخر، بأنّ الشعب الكويتي كان لديه موقف تحرري ضدّ سياساتها، أو بوجود شيوعيين أو قوميين في كويتيين وحراك عمالي في البلاد. ومن ثمّ، تقدّم صورة المخربين الناصريين أو الشيوعيين المسلّحين الذين يريدون أن يشعلوا ثورة شيوعية في الكويت، بحسب الصحيفة، تبريرًا لدور الحامي الأيديولوجي البريطاني، مع كلّ الضخّ الإعلامي عن حاجة الكويت إلى الحماية البريطانية. ظهر هذا جليًّا في نقل الصحيفة أخبار ثورة 1958 في العراق، فقد جاء في خبر زيارة قام بها وزير الخارجية البريطاني إلى الكويت، بعد ثورة العراق، ولقائه حاكمَ الكويت ما يأتي: "لم يَجرِ الإفصاح عن أيّ تفاصيل عن المحادثات التي أجراها الشيخ عبد الله مع وزير الخارجية البريطاني، ولكن من المرجّح أنّها تناولت الوضع في الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق بعد الثورة. وتتطلّع الكويت – التي لديها نزاع حدودي مع العراق – إلى المملكة المتحدة للحصول على الدعم، وكانت – مثل دول الجوار الأخرى للعراق – قلقةً في الأشهر الأخيرة من الوضع غير المستقر الذي ساد في المنطقة"[97]. كل هذا والصحيفة نفسها تقول بأنّ الحكومة لم تُفصح عن مجريات اللقاء.

ولم تبرّر الصحيفة في تحليلاتها وأسلوب نقلها للأخبار والأحداث المتعلقة بالكويت السياسات الاستعمارية فحسب، بل طالبت الحكومة البريطانية، إلى حدّ بعيد، وغير مباشر، باستمرار مراقبتها للكويت، وحثّتها على ذلك أيضًا، جاء فيها: "لا يزال الوضع يتطلّب المراقبة الدقيقة؛ ليس من جانب الكويت فحسب، بل من جانب بريطانيا، أيضًا، بوصفها قوّة حماية لها. ومن المتوقع أن توفّر زيارة الشيخ عبد الله المبارك الصباح [1914-1991]، نائب حاكم الكويت، إلى لندن هذا الأسبوع فرصةً لتبادل الآراء على نحو مفيد"[98].

ثالثًا: الفكر القومي والنضال التحرري في السردية الكويتية

عكست سردية صحيفة ذا تايمز المتعلقة بالأفكار والنضال في الكويت أنّ الحسّ القومي والتحرري في هذا البلد دخيل عليه؛ أي إنّها بلد بلا ذاكرة، ولا هوية جامعة، أو طموحات وطنية، وأنّ الاحتجاجات والإضرابات كانت من أشخاص من خارج الكويت أو مخربين إرهابيين. والأهم من ذلك هو تصوير الكويت بلدًا صغيرًا انفتح فجأةً على العالم والثقافات والأفكار بسبب النفط فحسب. ولكنّ الحقيقة أنّ العروبة في الكويت لم تكن محددًا هوياتيًا جديدًا عليها.

وحتى في فترة الحرب العالمية الأولى، كانت الكويت تتبع الدولة العثمانية اسميًّا، وإن كان الشيخ مبارك الصباح قد وقّع معاهدة حماية سرية مع البريطانيين في عام 1899[99]. أمّا معاهدة الحماية المعلنة والرسمية، فلم تُوقَّع حتى عام 1916. لذلك، لم يكن للبريطانيين دورٌ في الكويت في زمن نشأتها المبكرة وصياغتها لهويتها الوطنية. وبالنظر إلى أنّ الكويت ذات طبيعة تجارية، فإنها طالما كانت مدينة متعددة الثقافات؛ فهي لم تنفتح على العالم العربي والإسلامي بتأثير التعليم والإعلام، فقد كان التجار الكويتيون يجوبون الخليج والمحيط الهندي وشواطئ أفريقيا خلال قرون عديدة، وقد أدّت مدينتَا مومباي والبصرة دورًا كبيرًا في حياة التجار الكويتيين من الناحية الثقافية، وشكّل هؤلاء المجتمعَ المدني والتحديث في الكويت. ومن هذه الأسر التجارية أُسرة الإبراهيم التجارية، وهي من أكبر الأُسر وأثراها آنذاك، وقد كان أبناؤها يدرسون في مومباي، وكان لهم عمقٌ تجاري فيها، ولطالما كانت مؤيّدة للخلافة العثمانية، إضافةً إلى أنها ارتبطت بالنخب الإصلاحية الإسلامية في مطلع القرن العشرين إلى حدّ بعيد[100]. أمّا علاقات الكويت بالبصرة، فإنها لم تقتصر على العلاقات التجارية، بل شملت المجال السياسي أيضًا، وتحديدًا في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وذلك حين ارتبطت النخب الكويتية والبصرية بحركات الإصلاح العثمانية التي تبنّت خطابًا قوميًا عربيًا مطالبًا بالحكم الذاتي بالنسبة إلى الولايات العربية التي أيّدها الشيخ مبارك الصباح[101].

وفي عام 1913، أسّس طالب النقيب (1871-1929) جمعية الإصلاح في البصرة؛ وهي جمعية دعت إلى الحكم الذاتي للبصرة في معظم المجالات، باستثناء السياسة الخارجية والدفاع. وقد تحالف النقيب مع تيّار اللامركزية في القاهرة، وطلب الدعم من الحكّام المجاورين، ومنهم حكّام الكويت. واستعملت جمعية الإصلاح خطابًا إسلاميًا لنقد حكومة الاتحاد والترقي بسبب انحيازها إلى القومية التركية وعلمانيتها، ودانت تأثرها بالغرب. وقد دعمها التجار الكويتيون، وتبنَّوا آراءً مماثلة، وساندوا مشاريع النقيب السياسية، ومنهم عائلة آل خالد التي أدّت دورًا رئيسًا في المشاريع الثقافية، وناصرت الحداثة الإسلامية والرابطة العثمانية، وكان هؤلاء من أوائل الذين اشتركوا في الدوريات العربية في الكويت، مثل المنار والمؤيد، وهي دوريات لم يكن علماء الدين المحافظون يحبّذونها. وكانت ديوانية العائلة، وهي صالة تقليدية للرجال، بمنزلة منتدى للمثقفين الكويتيين الناشئين، ومزارًا للمثقفين من خارج الكويت[102].

مهّد اتصال النخب السياسية والاجتماعية بحركات الإصلاح التي ظهرت في العالم العربي، مطلعَ القرن العشرين، لعلاقة خاصة ربطت الكويت بحركة التجديد الإسلامي. وبعد افتتاح مدرسة المباركية في عام 1911، طلب مجلس إدارة المدرسة من جاسم الإبراهيم (1866-1956) أن يدعوَ محمد رشيد رضا (1865-1935) إلى أن يزور الكويت لِيُسهم في تأسيس المناهج وتطوير الكادر التعليمي. وفعلًا، زار رضا الكويت، وألقى فيها محاضرة أتاحت مجالًا لتمايز تيّارين في الكويت؛ هما التيّار المحافظ التقليدي الوهابي، والتيّار الإسلامي النهضوي[103].

وفي الفترة 1910-1927، قدم إلى الكويت عدد من النهضويين الذين دعوا إلى الانفتاح والتحديث في المجتمع الإسلامي، مثل حافظ وهبة (1889-1967)، وعبد العزيز الثعالبي (1874-1944)، ومحمد الشنقيطي، وقد أسهموا في التدريس بالمباركية التي كان لعبد العزيز الرشيد (1887-1938) دورٌ كبير في ربطها بالعالم الإسلامي، وأصدر عدة جرائد إصلاحية، منها التوحيد والحق والكويت والعراقي ومجلة الكويت، وقد كتب في هذه المجلة نهضويون من العرب مثل شكيب أرسلان (1869-1946)، ومحمد الألوسي، وعبد القادر المغربي (1867-1956)، ومحمد رشيد رضا[104].

أسهم ظهور الصحافة الكويتية في تواصل النخب الكويتية مع التيّارات السياسية الأممية في العالم العربي، سواء كانت إسلامية أو قومية، ونذكر خصوصًا مجلة البعثة التي صدرت عن بيت الكويت عام 1946 في القاهرة للطلاب الكويتيين، ومجلة الكاظمة التي صدرت في عام 1948؛ ما جعل تلك النخب في طليعة النخب التي عبّرت عن احتجاجها على السياسات الاستعمارية، وحثّت على النضال ضدّ الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وتشكّلت أوّل لجنة دعمٍ عربية في الكويت، وهي "لجنة أكتوبر"، لمناصرة الشعب الفلسطيني في نضاله ضدّ العصابات الصهيونية قبل النكبة، ثم أُسّست لجنة شباب الكويت ردًّا على قرار تقسيم فلسطين، وأرسل هؤلاء برقيات احتجاجية إلى مجلس العموم البريطاني، وعصبة الأمم المتحدة، ووزير المستعمرات البريطاني، والمقيم السياسي في الكويت[105]. وفي الوقت نفسه، نشأت الأندية السياسية والثقافية منذ عام 1924، حين تأسّس النادي الأدبي الذي كان يرأسه الشيخ عبد الله الجابر (1900-1996). وبعد أن أُغلق هذا النادي لأسباب سياسة، ظهر نادي كتلة الشباب الوطني ذو التوجه العروبي في نهاية الثلاثينيات، وقد انتهى بانتهاء الحركة الإصلاحية في عام 1939[106].

ناضل الشباب الكويتيون القوميون، في إثر ذلك، لتأسيس نوادٍ سياسية وتجمّعات، بعد أن منعتها السلطة وحاربها البريطانيون؛ مثل النادي الأهلي، والنادي الثقافي القومي[107]. واستمر الشباب الكويتي في إجراء مبادرات سياسية في اتّجاهين. كان الاتجاه الأوّل هو مساندة قضايا الأمّة العربية، والثاني هو الإصلاح الداخلي ومناهضة التدخّل البريطاني. وفيما يخصُّ مواجهة الشباب القوميين والسلطة في عام 1956 دعمًا لقرار تأميم السويس، يقدّم أحد المشاركين في تنظيمها رواية مختلفة كليًّا؛ إذ بدأ الحدث بدعوة لمهرجان خطابي شعبي تحوّل إلى مظاهرات واضطرابات نتيجةً لهجوم الشرطة الكويتية على التجمّع[108]. ومن قبيل الردّ على الهجوم، دعا الشباب الكويتيون الشعب والمقيمين إلى التظاهر والإضراب، ووجدت الدعوة تجاوبًا كبيرًا، ترتّبت عليه حملة أجرتها السلطة، أدّت إلى مقتل شخصين وإصابة عدد كبير من المتظاهرين[109]. ومن نتائج ذلك جَمْعُ تجارٍ كويتيّين كثيرين تبرعاتٍ للضحايا[110].

وشهدت نهاية الأربعينيات والخمسينيات حراكًا فكريًا وسياسيًا كبيرًا في الكويت؛ إذ كان عدّة تيّارات (تيّار إسلامي، وتيّار قومي، وآخر إقليمي) تقدّم القضايا الداخلية على القضايا فوق الوطنية transnational)). ووُلدت من هذه التيّارات الأممية أحزاب وجماعات قومية وإسلامية عدة؛ مثل جماعة الإخوان المسلمين، وحركة القوميين العرب، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب التحرير. أمّا التوجّهات الماركسية، فكانت وليدة بيئة عمّالية متعددة الثقافات في شركة النفط بالكويت، وقد خاضت صراعًا طويلًا مع الشركة[111] نتيجةً للإضرابات العديدة التي خاضها العمّال الكويتيون، وأهمّها الإضراب الذي تزامن مع تأميم نفط إيران، وقاده عاشور عيسى عاشور وفهد عطية ومجبل السعران وسعود الفارس. وقد اتُّهِم هؤلاء بأنهم شيوعيون، واعتُقلوا، وفُصلوا من أعمالهم[112].

أدّى العمّال الكويتيون، مثل غيرهم من فئات المجتمع الكويتي، دورًا كبيرًا بارزًا في النضال ضدّ الاستعمار من خلال دعم الثورة الجزائرية بالتبرّعات، ودعم مصر ضدّ العدوان الثلاثي، وامتنعوا عن تحميل البواخر الفرنسية والبريطانية، ونظّموا مسيرات لوقف تصدير النفط[113]، وقد ترتّب على ذلك تأسيس العصبة الديمقراطية الكويتية، في عام 1954، التي مثّلت تطلّعات العمّال التحررية، واللجنة الوطنية لأنصار السلام التي كانت تُصدر منشورات ضدّ التدخّل الأجنبي[114]، وتشكَّل على إثرها أوّل اتحاد عمّالي كويتي شارك في مؤتمرات العمّال العالمية. وفي نهاية المطاف، حُورب كلّ ذلك من جانب السلطة والبريطانيين، وكذلك القوميين العرب، بسبب الخلاف بين القوميين والماركسيين.

لا يمكن تناول كلّ تاريخ الحراك الفكري ونضال النخب المثقفة السياسي في الكويت في هذه الدراسة، لكنّ الصحيفة صوّرت هذا البلد على أنّه بلا تاريخ فكري ولا شعور قومي، وأنّ مجموعة من المتسلّلين من الخارج تلاعبوا به لضرب مصالحه. ومن ناحية أخرى، غيّبت أصوات المناضلين الكويتيين، بل إنها شكّكت في وجودهم. وحتى عندما اعترفت بهم، صوَّرتهم بأنهم إرهابيون. غير أن دراسة تاريخ الكويت الفكري والسياسي تكشف أنّ الشعب الكويتي لطالما تطلّع إلى الأفكار التحررية، وصاغ هويته بمعزل عن تأثير الاستعمار، ولم يكن انفتاحه على العالم العربي والإسلامي وليد ظهور النفط.

رابعًا: التمثيلات الثانوية ودلالتها الاستعمارية

لا يمكن أن يكون بناء السردية الاستعمارية عن الكويت في صحيفة ذا تايمز غير مقصود، لأنّ مراسليها كانوا داخل الكويت، وكانوا ينقلون ما يعيشونه ويواجهونه. فعلى سبيل المثال، استهلّ أحد المراسلين من داخل الكويت مقالًا له في الصحيفة[115] بوصف الكويت مركزًا تجاريًا بسيطًا، أصبح فجأةً خامس دولة منتجة للنفط في العالم. ليس هذا الاختزال والتبسيط للكويت وتاريخها ومجتمعها مدفوعَين بالجهل أو عدم تفاعل المراسل مع البلد ومواطنيه، بل هو سردٌ موجَّه إلى مصالح الاستعمار؛ إذ يقول الكاتب بعد ذلك: "إذا لم تكن الكويت، وفقًا للمعايير العربية، مجتمعًا فقيرًا، حتى قبل أن تظهر بها ثروة النفط الوفيرة، فإنّ المواطن الكويتي، الذي لا يقبل بالصورة التي يُمثَّل من خلالها بأنّه بدوي معدم عثر على كيس من الذهب في الصحراء، سوف ينتبه إلى سوء الفهم لدى الزائر الأجنبي ويصحّحه برفق"[116]. تجاهلت الصحيفة كذلك رفض هذا التنميط. لذا، يضيف النص التصريح، من خلال سردٍ اختزالي واستعلائي، ما يأتي: "كانت البلدة مجتمعًا من التجار وصنّاع السفن الشراعية وبائعي اللؤلؤ والبحارة، الذين كانت أعمالهم تُكسبهم ما يكفي للحفاظ على حياة مستقرة في أرض صحراوية. ومع ذلك، لم تكن إلّا مدينة عربية قديمة لا أكثر؛ فهي أميّة وراكدة ثقافيًا وماديًا، ومجتمعها محدود، إضافةً إلى نقص كبير من الكهرباء والمياه، وأفكار جامدة المحافظة المعتادة"[117]. وفي حين امتلك المراسلون والصحيفة معًا القدرة على التواصل مع الكويتيين أنفسهم، وفهم اختلاف المعايير الثقافية والسياسية كذلك، اختاروا عدم تغيير سياستهم في تصوير الشعب والدولة والثقافة. وفي مقال تحليلي آخر لتوجّهات الحراك الكويتي الإصلاحي في الخمسينيات، كان الكاتب قادرًا، إلى حدٍّ ما، على توضيح وجهات نظر الإصلاحيين وتفهّم مشروعية مطالبهم، ولكنّه خلص إلى ضرورة تعزيز النفوذ البريطاني لردِّ "موجة العنف" في الخليج على حدّ تعبيره، ودعم بعض الإصلاحات للحفاظ على مصالح بريطانيا النفطية[118].

لذلك، استمرّت الصحيفة، على امتداد حقبة الخمسينيات، في تكريس عدّة صور عن الكويت والكويتيين بطرائق لا تخرج كثيرًا عن التصوير الاستعماري للشرق، ومن ذلك قولها إنّ هذا البلد هو بلد الجراد. فقد ركّزت الصحيفة على تتبع أخبار الجراد، والذي إن شكّل فعلًا أزمةً في الكويت، فإنّ الصحيفة صوّرته على أنه مشكلة أخرى، يقع على عاتق بريطانيا حلّها، و جزءًا من "مهمتها الحضارية" في المنطقة[119].

ولم تقف الصحيفة عند حدّ التشكيك في الهوية الوطنية بالنسبة إلى الإصلاحيين، بل كانت تعمد إلى الفصل بين كل شيء في الكويت؛ فالحداثة هي حداثة نفطية بريطانية، والحركة الاحتجاجية جاءت من الخارج، وسياسات بريطانيا الاستعمارية مبرّرة لأنّ الشعب والسلطة يُعدّان من "المستوطنين"؛ كما جاء في أحد مقالاتها: "تاريخيًا، لم يكن لدى الكويت الكثير لتقدّمه. استقرّ مستوطنوها الأوائل، وهم مجموعة من المغامرين، في موقع البلدة الحالي في بداية القرن الثامن عشر. ولكي يستمرّوا في البقاء على قيد الحياة في هذه البقعة القاحلة، كان لا بد من شحن المياه في سفن شراعية من مصبّ نهرَي دجلة والفرات، على بعد نحو ثمانين ميلًا شمالًا، وهي ممارسة استمرّت حتى قبل عامَين من بدء تشغيل مصنع التقطير. وسرعان ما وجد المستوطنون مهنتهم بوصفهم بحارة وبُناة قوارب وتجار. [...] ومع نموّ المستوطنة الجديدة، كانت ثمة حاجة إلى نوعٍ من الحماية المنظمة لأُسر الرجال وممتلكاتهم في البحر، وكانت آل صباح، وهي عائلة مقاتلة مشهورة، الخيار الأمثل"[120].

الشكل (1)
خبر عن التعليم في الكويت في صحيفة ذا تايمز عام 1953


المصدر:

 “Building for the Future,” The Times, 11/9/1953, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sTa


الشكل (1) مثال آخر على الدلالة على عدم دقة تمثيل الصحيفة للكويتيين؛ إذ تعتمد الصورة النمطية عن زيّ الشرقيين الذي يرتديه المعلم والطلاب، وهي لا تمثّل الزيّ الكويتي الحقيقي. هذا فضلًا عن أن نمط الصف والتعليم نمط غربي. ومن ثم، يمارس الوصفُ عمليةَ بترٍ لتاريخ التحديث، ليجعل النفط منطلقها، والبريطاني بانيها، وليصوّر المشروع بأنه إسهام للشركة في تقدّم الكويت. والحقيقة هي أنّ الشركة عبارة عن مقاول يُدفع له مقابل أعمال بناءٍ، ولم تؤدِّ عملها بحسب الوثائق، وقد أنهى الشيخ فهد الصباح (1945-1990) مناقصتها التي نصّت على بناء مدرسة وروضة. وفضلًا عن ذلك، غُيِّبَ اسم شركة سهيل الكويتية التي شاركتها في المناقصة[121].

الشكل (2)

خبر عن المدارس في الكويت في صحيفة ذا تايمز عام 1955


المصدر:

“Invisible Exports to,” The Times, 5/5/1955, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sCz


يعتمد الشكل (2)، أيضًا، على رسمٍ تخيلي، ويلاحظ فيه أنّ نمط الأزياء والعمارة غربي. ولم يذكر الخبر أنّ أموالًا كويتية موّلت المشروع، لكنّ الجدير بالذكر أنّ هذه الشركة تعرّضت لضغوط شديدة من جانب التجار الكويتيين بسبب استنزافها ميزانية التعليم، وإسرافها، وبطء خدماتها. وكانت هذه الشركة، وغيرها، ترفض استعمال العمالة الكويتية وشراء مواد البناء من الكويت. وحينما اعترض تجار الكويت على ذلك، أذعنت الشركة في نهاية الأمر لاحتجاجهم[122]. وما يميّز إعلانات الشركة أنّها كانت تصرّح بجعل تحديثات الكويت جزءًا من سردية رخاء بريطانيا.

خاتمة

تظهر هذه الدراسة أنّ نمط التغطية الصحافية للكويت لم يكن اعتباطيًا، بل كان في أغلب الأحيان سردًا يخدم أفكارًا مركزية ومصالح محددة، توحي للقارئ أنّ الكويت هي أحد مكتشفات بريطانيا في الصحراء، وأنها - بفضل هذه الأخيرة - بدأت تخطو خطواتها نحو التقدم والتحديث، اللذين بدآ مع ظهور النفط، وشكّلا لحظة دخول الكويت التاريخ. ومن ثمّ، يجري تهميش منهجي للسرديات الكويتية عن كفاح الشعب الكويتي من أجل التعليم والصحة وتوفير الماء وغير ذلك.

غيّبت الصحيفة، إلى حدّ بعيد، صوت الشعب الكويتي. ويظنّ من يتصفّحها أنّ الشعب خلال الخمسينيات كان يعيش "خارج التاريخ" في أقاصي الصحراء، بلا فاعلية تاريخية، أو تاريخ نضالي وحقوقي، ومن دون تاريخ سابق للنفط. تخدم هذه الصورة بريطانيا لدى القارئ البريطاني إلى حدّ بعيد؛ إذ كان يُبرَّر الوجود البريطاني في الكويت من خلال تصدير سردية مفادها أن الموارد النفطية التي يحصل عليها من الكويت تعود بالفائدة على الطرفين؛ بحيث تحافظ بريطانيا على نهضتها، وتدخل الكويت عصر الحداثة والتحديث.

غير أن الضرر الأكبر الذي تحدثه هذه السردية الاستعمارية لا يتمثل في تحجيم صورة الكويت في نظر القارئ البريطاني وحده، بل في إنتاج تصورات أُعيد توظيفها، بوعي أو من دون وعيٍ، داخل الخطاب العربي نفسه ضدّ الخليج، بل وتسربت إلى نقاد الاستشراق أنفسهم في نقدهم للاستعمار. ومن ثمّ، تصبح هذه النظرة "الاستخلاجية" امتدادًا للمشروع الاستعماري في المنطقة، من دون إلغاء عوامل أخرى وسياقات تاريخية داخلية. ومن خلال مقارنة نقد التغطية الاستعمارية للكويت بتاريخ الكويت نفسه، نستنتج أنّ "الاستخلاج" لا يُلغي الفاعلية التاريخية بالنسبة إلى الشعوب الخليجية فحسب، بل يُعطّل الأداة الأجدر في نقد الاستشراق المرتبط برموز ثقافته، إذ لا يمكن توظيف التاريخ المحلي العربي في نقد الاستشراق ونزع الاستعمار عن الرواية العربية مع تغييب جزء مهم من هذا التاريخ، أُعيد تأطيره بالمنطق الاستعماري نفسه في الفكر النقدي العربي.

حاولت هذه الدراسة وضع "لبنة أولى" بشأن إعادة النظر في تاريخ الخليج بوصفه حقلًا مهمشًا في فهم التاريخ العربي المعاصر والفكر النقدي العربي، وهي تدعو إلى التفكير في إمكانية رصد ظاهرة "الاستخلاج" في حقول أكاديمية أخرى، وإن كان الاستعمار هو التفسير الوحيد لبروز هذه الظاهرة، وإن كانت بلدان خليجية أخرى، مثل الإمارات والبحرين وعُمان، تكشف عن أنماط مشابهة في الأرشيفات الاستعمارية وامتداداتها النقدية. ومن ثمّ، يمكن أن تُسهم الدراسةُ في تجذير نقد الاستشراق في سياقه المحلي، فلا يُعيد هو نفسه إنتاج ما يدّعي نقده أو توليد هرمية بين الشعوب الشرقية تطابق ما فعله المستعمر بين الشرق والغرب.​

المراجع​

1. العربية

الإبراهيم، عبد الرحمن. "أغفلتهم المصادر وأنصفتهم المحاضر: القُوى المرَجِّحة في الكويت خلال حراك مجلس 1938". أسطور. مج 7، العدد 14 (تمّوز/ يوليو 2021).

بيننجز، جيريت ج. "رسائل أعضاء الإرسالية التبشيرية الأمريكية في الخليج: التقرير الأول استئناف العمل في الكويت". ترجمة تركي بن فهد بن عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود. دارة الملك عبد العزيز. مج 33، العدد 3 (2007).

الجار الله، خالد فهد. تاريخ الخدمات الصحية في الكويت: من النشأة حتى الاستقلال. الكويت: مركز البحوث والدراسات الكويتية، 1996.

جاسم، إياد ناظم. "بريطانيا - إيران الأزمة حول اتفاقيات النفط 1933-1951". مجلة كلية التربية – جامعة الإسكندرية. مج 23، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر 2013).

الجاسم، نجاة عبد القادر. "التعليم في الكويت 1939-1943: في ضوء تقريري أدريان فالنس". مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية. العدد 66 (1992).

الجريد، عايد عتيق. "أزمة المياه في دولة الكويت خلال النصف الأول من القرن العشرين". عالم الفكر. مج 44، العدد 1 (أيلول/ سبتمبر 2015).

جعيط، هشام. الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي. ط 3. بيروت: دار الطليعة، 2008.

الحاتم، عبد الله خالد. من هنا بدأت الكويت. دمشق: المطبعة العمومية، 1962.

الخطيب، أحمد. الكويت من الإمارة إلى الدولة: ذكريات العمل الوطني والقومي. إشراف غانم النجار. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2007.

عمامو، حياة. "هشام جعيط والمستشرقون". أسطور. مج 8، العدد 17 (تشرين الأول/ أكتوبر 2022).

المديرس، فلاح عبد الله. المجتمع المدني والحركة الإصلاحية في الكويت. الكويت: دار قرطاس، 2000.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. التوجهات الماركسية الكويتية. الكويت: دار قرطاس، 2003.

النجدي، عبد الله بن أحمد. "تأمين المياه العذبة لمدينة الكويت 1907-1953م". حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية. العدد 42 (2022).

2. الإنكليزية

Al-Rashoud, Talal. “Modern Education and Arab Nationalism in Kuwait, 1911-1961.” PhD. Thesis. SOAS, University of London. London. 2016.

Curran, James & Jean Seaton. Power without Responsibility: Press, Broadcasting and the Internet in Britain. 7th ed. London: Routledge, 2009.

Goffman, Laura Frances. “A Jar of Shaykhs’ Teeth: Medicine, Politics, and the Fragments of History in Kuwait.” International Journal of Middle East Studies. vol. 53, no. 4 (2021).

Huckin, Thomas, Jennifer Andrus & Jennifer Clary-Lemon. “Critical Discourse Analysis and Rhetoric and Composition.” College Composition and Communication. vol. 64, no. 1 (September 2012).

Ryan, Gery W. & H. Russell Bernard. “Techniques to Identify Themes.” Field Methods. vol. 15, no. 1 (2003).

Said, Edward. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. Culture and Imperialism. New York: Vintage Books, 1994.

Whitton, John B. “Radio Propaganda—A Modest Proposal.” American Journal of International Law. vol. 52, no. 4 (1958).

Wodak, Ruth & Michael Meyer. Methods of Critical Discourse Studies. 3rd ed. Los Angeles: SAGE, 2016.



[1] Edward Said, Orientalism (New York: Pantheon Books, 1978).

[2] Edward Said, Culture and Imperialism (New York: Vintage Books, 1994), p. 36.

[3] Ibid., p. 297.

[4] Ibid., p. 296.

[5] تتوجّه الباحثة بالشكر إلى الباحث المتعاون في وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية، بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عبد الرحمن الباكر، لأنّه ألهمها بفكرة المنهج حين قال ناقدًا نقاد الاستشراق: "وكأنّ العرب غير الخليجيين يقولون، من خلال نقدهم الصور الاستشراقية المرتبطة بالجزيرة العربية والخليج، إنّ هذه الصور النمطية ليست ’نحن‘ استنكافًا منها".

[6] عبد الله حبيب، "لن نبدأ من حيث ابتدأت سينما الآخرين"، الخليج، الملحق الثقافي، العدد 5669، 21/11/1994، ص 21.

[7] حياة عمامو، "هشام جعيط والمستشرقون"، أسطور، مج 8، العدد 17 (تشرين الأول/ أكتوبر 2022)، ص 7-21.

[8] هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، ط 3 (بيروت: دار الطليعة، 2008)، ص 191-192.

[9] المرجع نفسه، ص 192.

[10] Thomas, Huckin, Jennifer Andrus & Jennifer Clary-Lemon, “Critical Discourse Analysis and Rhetoric and Composition,” College Composition and Communication, vol. 64, no. 1 (September 2012), pp. 107-129.

[11] Ruth Wodak & Michael Meyer, Methods of Critical Discourse Studies, 3rd ed. (Los Angeles: SAGE, 2016).

[12] Grey W. Ryan & H. Russell Bernard, “Techniques to Identify Themes,” Field Methods, vol. 15, no. 1 (2003), pp. 85-109.

[13] James Curran & Jean Seaton, Power Without Responsibility: Press, Broadcasting and the Internet in Britain, 7th ed. (London: Routledge, 2009).

[14] “Cholera in Persian Gulf,” The Times, 6/11/1947, accessed on 10/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2t5T

[15] “Shell ‘Prospects’,” The Times, 15/7/1947, accessed on 10/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2siq

[16] “Imperial Bank of Iran Present and Post-War Problems Sir Henry Mcmahon’s Review,” The Times, 13/8/1943, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sz1

[17] المقيمية هي بمنزلة مكتب ارتباط يكون مسؤولًا عن شؤون بريطانيا في البلد الذي تؤسَّس فيه، ويرأسها مسؤول بريطاني تُعيّنه حكومة الهند البريطانية أو وزارة الخارجية البريطانية.

[18] إياد ناظم جاسم، "بريطانيا - إيران الأزمة حول اتفاقيات النفط 1933-1951"، مجلة كلية التربية – جامعة الإسكندرية، مج 23، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر 2013)، ص 159-189.

[19] “Persian Oil,” The Times, 20/8/1952, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sPC

[20] Richard Stokes, “Persian Oil Dispute Unofficial Approach Suggested,” The Times, 27/9/1952, accessed on 27/2/2023, at: https://acr.ps/hBy2t6d

[21] H. T. K., “Shaikh of Kuwait,” The Times, 3/2/1950, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2siK

[22] يذكر عبد الله خالد الحاتم (1916-1995) أنّه كان في الكويت مطارٌ، في عام 1927، لاستقبال الوفود وتزويد الطائرات بالوقود، بينما كُتِب مقال ذا تايمز في عام 1950. عبد الله خالد الحاتم، من هنا بدأت الكويت (دمشق: المطبعة العمومية، 1962)، ص 273.

[23] E. Bustani, “Britain and Tribe Arabs,” The Times, 30/8/1950, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2szl

[24] “Oil Politics,” The Times, 30/4/1951, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sxp

[25] عبد الرحمن الإبراهيم، "أغفلتهم المصادر وأنصفتهم المحاضر: القُوى المرَجِّحة في الكويت خلال حراك مجلس 1938"، أسطور، مج 7، العدد 14 (تمّوز/ يوليو 2021)، ص 73.

[26] المرجع نفسه، ص 74.

[27] المرجع نفسه، ص 75.

[28] المرجع نفسه، ص 79.

[29] المرجع نفسه، ص 80.

[30] “Oil Output in Middle East Kuwait’s Advantage Over Persia,” The Times, 3/4/1951, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sPW

[31] Ibid.

[32] Ibid.

[33] Ibid.

[34] Ibid.

[35] “Shaikh Fahad al Salim al Subah of Kuwait and His Son on Arrival at London Airport,” The Times, 19/7/1955, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2t6x

[36] “British Bank of Iran and the Middle East Increased Demand for Services,” The Times, 3/7/1951, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sj4

[37] مهرجان بريطانيا هو نمط عمراني يُستمد من كرنفالات بريطانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية.

[38] “Mr. Low at Kuwait: New Oil Port Inspected,” The Times, 9/1/1956, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2szF

[39] “The British Bank of Iran and the Middle East Reasons for Withdrawal from Iman Change of Name Lord Kennet’s Statement,” The Times, 17/7/1952, accessed on: 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sQg

[40] “New Oil Agreement with Kuwait Big Increase in Ruler’s Share of Profit,” The Times, 4/12/1951, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2t6R

[41] Ibid.

[42] “New Economy of the Middle East Development of Oil Wealth,” The Times, 13/10/1952, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sjo

[43] “Sugar ‘Beet Harvest’ in Suffolk,” The Times, 1/11/1952, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2szZ

[44] “Film About Kuwait,” The Times, 28/8/1952, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sQA

[45] Ibid.

[46] “Sir Roger Makins: Visit to Persian Gulf Countries,” The Times, 8/2/1952, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2t7b

[47] نجاة عبد القادر الجاسم، "التعليم في الكويت 1939-1943: في ضوء تقريري أدريان فالنس"، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد 66 (1992)، ص 59-89.

[48] المرجع نفسه، ص 61.

[49] المرجع نفسه، ص 62.

[50] المرجع نفسه، ص 154.

[51] المرجع نفسه، ص 64.

[52] أحمد الخطيب، الكويت من الإمارة إلى الدولة: ذكريات العمل الوطني والقومي، إشراف غانم النجار (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص 52.

[53] “Egyptian Teachers as Agents: 10-Fold Increase in Numbers,” The Times, 25/11/1958, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sjI

[54] “How the Arabs are Taught Ways to Promote Understanding,” The Times, 7/4/1958, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sAj

[55] خالد فهد الجار الله، تاريخ الخدمات الصحية في الكويت: من النشأة حتى الاستقلال (الكويت: مركز البحوث والدراسات الكويتية، 1996)، ص 57.

[56] المرجع نفسه، ص 58.

[57] المرجع نفسه، ص 99.

[58] Laura Frances Goffman, “A Jar of Shaykhs’ Teeth: Medicine, Politics, and the Fragments of History in Kuwait,” International Journal of Middle East Studies, vol. 53, no. 4 (2021), pp. 589-603.

[59] الجار الله، ص 157.

[60] المرجع نفسه، ص 158-159.

[61] المرجع نفسه، ص 174.

[62] المرجع نفسه، ص 180.

[63] المرجع نفسه، ص 182-183.

[64] "برنامج صفحات من تاريخ الكويت لقاء مع الدكتور يحيى سعيد الحديدي الجزء الأول"، يوتيوب، الرومي فاميلي، 15/11/2018، شوهد في 25/4/2025، في: https://acr.ps/hBy2sQU

[65] الجار الله، ص 186.

[66] جيريت ج. بيننجز، "رسائل أعضاء الإرسالية التبشيرية الأمريكية في الخليج: التقرير الأول استئناف العمل في الكويت"، ترجمة تركي بن فهد بن عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود، دارة الملك عبد العزيز، مج 33، العدد 3 (2007)، ص 206-209.

[67] المرجع نفسه، ص 214.

[68] الجار الله، ص 110.

[69]Evening Star, 18/3/1948, accessed on 25/4/2025, at: https://acr.ps/hBy2t7v

[70] “Order from Persian Gulf,” The Times, 17/9/1952, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sk2

[71] “Progress in Taking Salt Our of Water Distillation and Electrical Sieving,” The Times, 21/3/1957, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sAD

[72] “Kuwait Water Project Sieved,” The Times, 24/1/1956, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sRe

[73] “Ruler of Kuwait in Full Control: Deposition Denied,” The Times, 13/10/1953, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2t7P

[74] عايد عتيق الجريد، "أزمة المياه في دولة الكويت خلال النصف الأول من القرن العشرين"، عالم الفكر، مج 44، العدد 1 (أيلول/ سبتمبر 2015)، ص 257.

[75] المرجع نفسه، ص 276.

[76] المرجع نفسه، ص 277.

[77] المرجع نفسه، ص 273.

[78] المرجع نفسه، ص 274.

[79] عبد الله بن أحمد النجدي، "تأمين المياه العذبة لمدينة الكويت 1907-1953م"، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، العدد 42 (2022)، ص 9-142.

[80] الخطيب، ص 185-186.

[81] “Bahrain Saving Telegram,” FO 1016/515, 31/1/1956, accessed on 3/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2skm

[82] للاطّلاع على مقترح أيزنهاور وكيف أنه عدّ الخطاب التحرري للعرب بروباغندا مُعادية، ينظر:

John B. Whitton, “Radio Propaganda—A Modest Proposal,” American Journal of International Law, vol. 52, no. 4 (1958), pp. 739-745.

[83] “Arab Broadcasts That Threaten Security Virulent Propaganda Shown by Monitoring Reports,” The Times, 15/8/1958, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sAX

[84] “Cairo Regains Lost Prestige in the Arab World,” The Times, 18/1/1956, accessed 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sRy

[85] “Egyptian Teachers as Agents.”

[86] “Demonstrations in Kuwait,” The Times, 16/8/1956, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2t89

[87] “Me. Seiepilov’s Allegations of Bias Violation of Rights of Many Sovereign States,” The Times, 17/8/1956, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2skG

[88] “Egypt’s Delating Tactics on Suez Agreement: Need for Ango-U.S. Coordination of Policy,” The Times, 10/4/1957, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sBh

[89] “Uniting the Arab Kingdoms,” The Times, 18/6/1958, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sRS

[90] “Middle East Crisis,” The Times, 31/7/1958, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2t8t

[91] “Gaza Escape Route Choked with Arab Refugees Flight on Foot, on Donkey, and by Sea,” The Times, 3/11/1956, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sl0

[92] “Kuwait Police Chief Resigns Protest Over Egypt,” The Times, 5/11/1956, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sBB

[93] “Arab Boycott of Israel,” The Times, 2/11/1957, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sSc

[94] “Kuwait Reshuffle After Arrest of Nasserites,” The Times, 11/2/1959, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2t8N

[95] “Kuwait Police Arrest 71 Communists,” The Times, 23/11/1959, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2slk

[96] “Communist Gun-Running to Kuwait Iraqis’ Attempt to Aid Rising Arrests Reported Plot ‘Nipped in Bud’,” The Times, 30/5/1959, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sBV

[97] “Kuwait Leader’s London Visit,” The Times, 15/10/1959, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sSw

[98] “Iraq and Her Neighbors,” The Times, 17/10/1959, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2t97

[99] Talal Al-Rashoud, “Modern Education and Arab Nationalism in Kuwait, 1911-1961,” PhD. Thesis, SOAS, University of London, London, 2016, p. 46.

[100] Ibid., p. 50.

[101] Ibid., p. 54.

[102] Ibid.

[103] Ibid., p. 57.

[104] فلاح عبد الله المديرس، المجتمع المدني والحركة الإصلاحية في الكويت (الكويت: دار قرطاس، 2000)، ص 11.

[105] المرجع نفسه، ص 13.

[106] المرجع نفسه، ص 14-15.

[107] الخطيب، ص 121-122.

[108] المرجع نفسه، ص 138.

[109] المرجع نفسه، ص 139.

[110] المرجع نفسه، ص 143.

[111] فلاح عبد الله المديرس، التوجهات الماركسية الكويتية (الكويت: دار قرطاس، 2003)، ص 15.

[112] المرجع نفسه، ص 17.

[113] المرجع نفسه، ص 18.

[114] المرجع نفسه، ص 19-20.

[115] “Communist Gun-Running to Kuwait Iraqis’ Attempt to Aid Rising Arrests Reported Plot ‘Nipped in Bud’.”

[116] Ibid.

[117] Ibid.

[118] “Embarrassments in the Persian Gulf,” The Times, 24/5/1957, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2slE

[119] “Desert Locust Plague Middle East Crops in Danger,” The Times, 14/5/1952, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sCf

[120] “New In Brief,” The Times, 6/8/1957, accessed on 27/11/2023, at: https://acr.ps/hBy2sSQ

[121] “Building and Civil Engineering Contractors,” FO 371/109864, accessed on 25/4/2025, at: https://acr.ps/hBy2t9r

[122] “Current Criticism of Development,” FO 371/109860, accessed on 25/4/2025, at: https://acr.ps/hBy2slY