الذكاء الاصطناعي وسوق العمل
تحليلات اقتصادية 29 يناير ، 2026

الذكاء الاصطناعي والتغييرات في هيكلية أسواق العمل في المنطقة العربية

غازي إبراهيم العساف

أستاذ الاقتصاد المشارك في أكاديمية جوعان بن جاسم للدراسات الدفاعية بدولة قطر، حيث شغل منصب العميد المساعد لشؤون البحث العلمي خلال الفترة (2021-2025). يحمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ويلز - سوانزي بالمملكة المتحدة، ويتمتع بخبرة أكاديمية وبحثية واستشارية تمتد لأكثر من خمسة عشر عاماً. عمل سابقاً عضواً في هيئة التوجيه بكلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية (2016-2021)، وأستاذاً مشاركاً للاقتصاد في الجامعة الأردنية منذ عام 2011، حيث تولى منصبي رئيس قسم اقتصاد الأعمال ومساعد العميد لشؤون الطلبة.

​​ تقدّم هذه الورقة تحليلًا معمّقًا للآثار المتوقعة لثورة الذكاء الاصطناعي في الهياكل التشغيلية لأسواق العمل في المنطقة العربية، مع تركيزٍ خاص على الأبعاد القطاعية والمهاراتية لهذا التحول الرقمي المتسارع. وتستند إلى مجموعة من التقارير وقواعد البيانات الدولية بشأن التغييرات المحتملة في أسواق العمل العالمية، فضلًا عن الأدبيات المتخصصة، حيث تحلل أبرز ما ورد في المصادر من تحولات متوقعة، وتُسقطها على السياق العربي خلال السنوات المقبلة، لا سيما في واقع يتسم بارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، التي تبلغ نحو 28.6% في المنطقة العربية مقارنةً بمتوسط عالمي يقارب 13%، إلى جانب تفاوت حادّ في مستويات الجاهزية الرقمية بين دول المنطقة.

وتشير عدة تقارير ودراسات إلى أنّ التحولات الهيكلية الناتجة من ثورة الذكاء الاصطناعي قد تشمل نحو 22% من الوظائف الحالية خلال الفترة 2025-2030، مع استحداث أكثر من 170 مليون وظيفة جديدة عالميًا مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة. ويُقدّر أن يضيف الذكاء الاصطناعي ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار أميركي سنويًا إلى الاقتصاد العالمي. ويكشف التحليل عن تفاوت لافت في مستويات الجاهزية الرقمية في الدول العربية؛ إذ تحتل الإمارات العربية المتحدة المرتبة 18 عالميًا، بينما تتراجع دول كالعراق إلى المرتبة 107، ما ينذر بتعميق الفجوات الاقتصادية داخل المنطقة ذاتها. وعلى صعيد الفرص، تقدّر مساهمة الذكاء الاصطناعي بنحو 320 مليار دولار في اقتصادات الشرق الأوسط بحلول عام 2030، منها 135 مليارًا للمملكة العربية السعودية و96 مليارًا للإمارات، كما يمكن أن يضيف ما بين 21 و35 مليار دولار سنويًا إلى الناتج غير النفطي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

في المقابل، يُظهر التحليل القطاعي تفاوتًا واضحًا في درجات التعرّض للأتمتة، حيث تُعدّ الخدمات المالية والأعمال المكتبية والإدارية من أكثر القطاعات عرضة للتحول، بينما تظل قطاعاتٌ كالرعاية الصحية والتعليم أقل تأثرًا؛ نظرًا إلى اعتمادها الكبير على التفاعل الإنساني. وتُعدّ فجوة المهارات من أبرز التحديات؛ إذ لا تتجاوز نسبة المواهب الرقمية في المنطقة 1.7%، ويعتبر 70% من الرؤساء التنفيذيين نقص المهارات الرقمية تهديدًا جوهريًا لأعمالهم. ويُتوقع أن يحتاج 59% من القوى العاملة العالمية إلى إعادة تأهيل بحلول عام 2030، مع بقاء أكثر من 120 مليون عامل في دائرة خطر البطالة.

وفي ضوء ما سبق، توصي الورقة بضرورة تبنّي استراتيجية متكاملة في المنطقة العربية تتضمن إصلاح منظومة التعليم، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتطوير أطر تنظيمية مرنة تُوازِن بين تشجيع الابتكار وحماية حقوق العمال.