عرض المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، يوم الجمعة 13 شباط/ فبراير 2026، نتائج الدورة التاسعة لاستطلاع "المؤشر العربي 2025" الذي نفّذه في 15 بلدًا عربيًا، منها سورية التي يُنفّذ فيها أول مرة مثل هذا النوع من الاستطلاعات منذ سقوط نظام بشار الأسد. ويهدف الاستطلاع إلى الوقوف على اتجاهات الرأي العام العربي نحو مجموعة من الموضوعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد شمل المسح الميداني 40130 من المستجيبين والمستجيبات، أُجريت معهم مقابلات شخصية مباشرة ضمن عيّناتٍ ممثّلة للبلدان التي ينتمون إليها، بهامش خطأ يراوح بين ± 2 و3%. ويُعدّ المؤشر في دورته التاسعة أضخم مسحٍ للرأي العام في المنطقة العربية، من حيث حجم العيّنة ومحاوره وعدد البلدان التي يغطيها. وقد شارك في تنفيذه 1000 من الباحثين والباحثات، واستغرق ذلك أكثر من 413 ألف ساعة، وقطع الباحثون الميدانيون خلال عملهم أكثر من مليون كيلومتر من أجل الوصول إلى المناطق التي ظهرت في العيّنة في أرجاء الوطن العربي.
جاء العرض التقديمي لنتائج "استطلاع المؤشر" في فعالية عقدها المركز العربي في فندق "جفينور روتانا" في بيروت، بحضور عدد كبير من الشخصيات السياسية، إضافة إلى أكاديميين وباحثين لبنانيين، وأساتذة جامعيين، ومهتمين بالشأن اللبناني.
بدايةً، تحدث الدكتور ناصر ياسين، مدير المركز العربي في بيروت، فأشار إلى أنّ "نتائج استطلاع المؤشر العربي ليست وجهة نظر، بل هي كنز من البيانات تعكس اتجاهات الرأي العام العربي"، وستكون مادة نقاش وتباحث، حيث يزمع المركز تحويل مقره في بيروت "إلى فضاء فكري يجمع المتخصصين والخبراء والباحثين لدراسة القضايا التي تهمّ لبنان والمنطقة من أجل إنتاج المعرفة حولها، والتأثير في السيرورات والتدخلات المرتبطة بإعادة بناء الدولة وتطوير المجتمع والاقتصاد والبيئة".
ثم عرض الدكتور محمد المصري، المدير التنفيذي للمركز العربي، ومنسق "مشروع المؤشر العربي"، نتائج استطلاع الرأي، معتبرًا أنّ "المؤشر" هو توثيق لمحطة معرفية فارقة في مسيرة المركز العربي؛ حيث توّجت 12 عامًا من العمل التراكمي. فمن الناحية المنهجية، يُصنّف "المؤشر" أضخم مسح اجتماعي واستطلاع للرأي في المنطقة العربية؛ إذ شمل 15 مجتمعًا عربيًا (من موريتانيا غربًا إلى الخليج شرقًا). وقد حقق المركز إنجازًا بحثيًا لافتًا بتنفيذ الاستطلاع في قطاع غزة والضفة الغربية تزامنًا مع ظروف الحرب، إضافة إلى كونه أول مؤسسة بحثية مستقلة تُجري استطلاعًا شاملًا في الداخل السوري يتناول قضايا اقتصادية وسياسية وهوياتية.
تشخيص الواقع: البلاد تسير في "الاتجاه الخاطئ"
كشفت نتائج "استطلاع المؤشر العربي"، كما عرضها الدكتور المصري، لوحة معقدة وقاتمة للأوضاع في لبنان، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والسياسية مع تداعيات العدوان الإسرائيلي، لتشكل مشهدًا من عدم الاستقرار العميق. فقد أبرزت النتائج حجم الإحباط الشعبي الذي يتخبط فيه اللبنانيون، حينما أعرب 58% منهم عن أنّ بلادهم تسير في الاتجاه الخاطئ نتيجة حزمة من الأسباب المتداخلة، تصدّرتها الأوضاع الاقتصادية المتردية، وحالة الحرب (2024) التي عاشها لبنان، إضافة إلى التخبّط السياسي وفشل النظام في أداء مسؤولياته، وسوء الإدارة العامة. في المقابل، رأى 39% من المستجيبين أنّ الأمور في لبنان تسير في "الاتجاه الصحيح"، بانتهاء الحرب، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتشكيل حكومة جديدة.
الأمن والاقتصاد: تقييم قاسٍ
لم تكن أرقام التقييم الأمني والاقتصادي أقلّ حدة؛ إذ وصف 85% من اللبنانيين مستوى الأمن في بلادهم بأنه "سيئ أو سيئ جدًّا"، بينما قيّم 86% منهم الوضع الاقتصادي بأنه "سلبي". أمّا سياسيًا، فقد رأى 77% منهم أنّ الوضع السياسي سلبي.
المعاناة المعيشية: كفاف وعوز
تكشف بيانات "المؤشر العربي" عن واقع معيشي مرير للأسر اللبنانية؛ إذ أفاد 22% فقط أنهم يعيشون في حالة "وفر" (دخل يكفي الاحتياجات ويسمح بالادخار)، بينما يرزح 50% تحت "مستوى الكفاف"، حيث يغطي الدخل الاحتياجات من دون ادخار، في حين أفاد 22% أنهم يعيشون في حالة "عوز وحاجة"، وأنهم يعتمدون على الاستدانة (36%)، أو معونات الأقارب (15%)، أو بيع الممتلكات الشخصية كالعقارات والذهب والأثاث (15%)، بينما يلجأ 12% إلى العمل الإضافي.
الفساد: إجماع مزمن
لا يزال الفساد المالي والإداري يمثّل العقبة الكبرى أمام بناء الدولة في نظر المواطنين اللبنانيين؛ فقد أجمع 97% منهم على أنّ الفساد منتشر في البلاد بدرجات متفاوتة. وتؤكد البيانات التاريخية للمؤشر منذ عام 2011 أنّ هذه التصوّرات لم تتغيّر جوهريًا، وهو ما يعكس شعورًا شعبيًا بـ "تجذّر" الفساد في مفاصل الدولة. وأظهرت نتائج المؤشر أيضًا تباينًا حادًّا في مستويات ثقة اللبنانيين بمؤسسات دولتهم. فبينما تحافظ المؤسسة العسكرية (الجيش) وجهاز الأمن العام على مستويات ثقة مرتفعة، تعاني السلطات الثلاث (التنفيذية، والتشريعية، والقضائية) تآكلًا شديدًا في الشرعية الشعبية. فقد حاز المجلس النيابي أقل نسبة ثقة (بلغت 36%)، في حين رأى 46% من اللبنانيين أنّ الدولة لا تطبّق القانون بالتساوي على الإطلاق، بينما يعتقد 41% أنها تطبقه بمحاباة وتمييز لمصلحة فئات معيّنة، وهو ما يعكس أزمة عميقة في مفهوم المواطنة وشرعية الدولة.
الديمقراطية: تأييد وإحباط
على الرغم من الأزمات التي يمرّ بها لبنان، لا يزال اللبنانيون متمسكين بالخيار الديمقراطي نموذجًا للحكم؛ حيث اعتبره 85% منهم ضمانة للحريات والمساواة والعدل. واعتبر 79% منهم أنّ النظام الديمقراطي هو الأفضل للبنان، ورفضت الأغلبية أنظمة الحكم السلطوية أو تلك القائمة على حكم الحزب الواحد. ومع ذلك، برزت مفارقات لافتة، حيث أيّد 51% من المستجيبين نظامًا سياسيًا يتولّى فيه العسكريون الحكم، وهو ما قد يفسَّر بأنه بحث عن "الاستقرار" في ظلّ فشل القوى المدنية، وأفاد 55% منهم أنهم لا يقبلون وصول حزب سياسي، لا يتّفقون معه، إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع؛ ما يشير إلى أزمة في قبول الآخر السياسي.
من ناحية أخرى، قيّم المواطنون اللبنانيون مستوى الديمقراطية الفعلي في لبنان بـ 5.8 على سلم مقياس 10 درجات، وقدرتهم على انتقاد الحكومة بـ 6.6 درجات؛ وهذا يوحي بأن الديمقراطية اللبنانية "في منتصف الطريق".
العزوف السياسي: "لامبالاة"
على الرغم من اهتمام اللبنانيين العالي بالشأن العام (67%)، فإن المشاركة السياسية والمدنية تظلّ محدودة جدًّا؛ إذ لا تتجاوز نسبة الانتساب إلى المنظمات المدنية 2%، والأحزاب السياسية (10%). ويعزو "المؤشر العربي" هذا "العزوف السياسي"، أو "اللامبالاة"، إلى فقدان الاقتناع بإمكانية إحداث تغيير حقيقي في ظل بنية النظام الحالي.
تداعيات الحرب الإسرائيلية
أفرد "المؤشر" حيّزًا كبيرًا لنتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان؛ إذ أكّد 84% من اللبنانيين أنّ الحرب شكّلت ضغطًا نفسيًا هائلًا عليهم. وبرز شعور جماعي بالتوتر والقلق (91%)، والغضب تجاه إسرائيل (99%)، وخيبة أمل في الموقف العربي (91%). وعلى صعيد النزوح، ذكر 76% من سكان المناطق المستهدفة بالحرب والقصف الإسرائيلي (جنوب لبنان، والضاحية الجنوبية) أنهم اضطروا إلى النزوح بسبب تدمير المنازل المحيطة بهم (54%) أو تهديدات مباشرة من الجيش الإسرائيلي (16%). وفي لفتة تضامنية، عبّر 88% من النازحين عن شعورهم بأنّ المناطق التي لجؤوا إليها رحبت بهم، بينما وصف 87% من المضيفين تجربة استضافة النازحين بأنها إيجابية.
أمّا سياسيًا، فقد انقسم اللبنانيون إزاء نتائج الحرب؛ إذ رأى 59% منهم أنها تمثّل "هزيمة"، في مقابل 38% اعتبروها "انتصارًا". وفي هذا الصدد، أفاد 56% أنّ نظرتهم إلى الجيش اللبناني أصبحت أكثر إيجابية بعد الحرب، بينما أشار 66% إلى أنّ نظرتهم إلى حزب الله لم تتغيّر.
القضية الفلسطينية والموقف من إسرائيل
تظلّ القضية الفلسطينية "حجر الزاوية" في الوجدان اللبناني؛ إذ اعتبر 67% من اللبنانيين أنها قضية العرب جميعًا، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم. وسجّل "استطلاع المؤشر العربي" رفضًا كاسحًا (89%) لاعتراف لبنان بإسرائيل، وهو موقف نابع من "الطبيعة الاستعمارية والتوسعية" لإسرائيل، بعيدًا عن التفسيرات الدينية أو الثقافية.
الولايات المتحدة: نظرة سلبية
شهدت نظرة اللبنانيين إلى الولايات المتحدة الأميركية تحولًا سلبيًا حادًّا، مقارنةً ببيانات ما قبل عشر سنوات. فاليوم، يعبّر 67% عن مشاعر سلبية تجاه واشنطن، وعزا 52% منهم ذلك إلى سياستها الخارجية المنحازة، وليس إلى اختلاف قيمي أو ثقافي. ويرى اللبنانيون أنّ سياسات إسرائيل (97%) والولايات المتحدة (88%) هي المصدر الأكبر لتهديد أمن المنطقة واستقرارها. وأشار 72% إلى أنّ واشنطن تحاول فرض إرادتها على العالم، في حين رأى 66% أنها تغذّي النزاعات الطائفية في المنطقة. واللافت للانتباه هو تراجع الولايات المتحدة بصفتها وجهةً مفضلة للهجرة أو العلاج أو السياحة، بنسبة تراوح بين 30% و37%، مقارنةً بما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
الفضاء الرقمي: إدمان وعدم ثقة
يُعدّ لبنان من أكثر الدول العربية استخدامًا للفضاء الرقمي، بحسب نتائج "استطلاع المؤشر العربي"؛ فقد أفاد 89% من المستجيبين أنهم يستخدمون الإنترنت يوميًا، واعتبر 44% منهم أنّ الشبكة العنكبوتية هي مصدرهم الأول للأخبار السياسية. وعلى الرغم من ذلك يبدي اللبنانيون حذرًا رقميًا؛ إذ لا يثق 65% بالمعلومات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي. ويعتقد 41% أنّ نشاطهم مراقب، وتوزعت أصابع الاتهام بين الشركات المالكة (43%) والحكومات (35%).
تضع نتائج "المؤشر العربي 2024-2025" المسؤولين وصناع القرار في لبنان أمام حقائق لا يمكن التستر عليها أو إغفالها: لبنان يعيش أزمة ثقة بنيوية، واقتصادًا منهارًا، وقلقًا أمنيًا مزمنًا، لكنه في الوقت ذاته يمتلك مجتمعًا متمسكًا بالديمقراطية قيمةً، ومنحازًا على نحوٍ مبدئي إلى قضايا محيطه العربي، وفي مقدمها القضية الفلسطينية.