العنوان هنا
تقدير موقف 10 مارس ، 2015

خطاب نتنياهو في الكونغرس: هل يؤذن بافتراق وشيك مع الولايات المتحدة؟

الكلمات المفتاحية

وحدة الدراسات السياسية

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

مضى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدمًا في تحديه للرئيس الأميركي باراك أوباما، وخاطب جلسةً مشتركةً لمجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، داعيًا إلى رفض اتفاق يسعى البيت الأبيض للتوصل إليه مع إيران حول برنامجها النووي. وكان رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب الأميركي جون بينر قد وجّه دعوةً إلى نتنياهو مطلع العام الجاري لمخاطبة الكونغرس حول مخاطر اتفاقٍ محتملٍ مع إيران. وقد قبل نتنياهو الدعوة من دون التشاور مع البيت الأبيض، وهو ما عُدَّ إهانة للرئيس.

وكما كان متوقعًا، أثار خطاب نتنياهو في الكونغرس عاصفةً من الجدل السياسي في واشنطن، ليس بشأن مقاربة الإدارة الأميركية للملف النووي الإيراني والخلاف مع إسرائيل حولها فحسب، بل تعداه إلى الحديث عن طبيعة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية ومستقبلها. وكان لافتًا أنه بالتوازي مع رفض أوباما أو أعضاء إدارته مقابلة نتنياهو على خلفية أن زيارته تأتي قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية، قاطع نحو ستين عضوًا ديمقراطيًا في الكونغرس، من ضمنهم يهود، الخطاب، وهو تطور غير مسبوقٍ في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الكونغرس الأميركي يُعَدّ أكثر جهات السلطة الأميركية تأييدًا وانحيازًا لإسرائيل.


التطمينات لا تخفي أزمة العلاقة

لم تفلح جميع عبارات المجاملة التي استدعاها الطرفان الإسرائيلي والأميركي في إخفاء حقيقة التوتر في العلاقة بينهما؛ فقد بدأ نتنياهو خطابه بالإشادة بالعلاقة الوثيقة التي تربط بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي بقيت "دومًا فوق السياسة، وينبغي أن تبقى دومًا فوق السياسة". ولم ينس نتنياهو أن ينوّه بما قدّمه أوباما لإسرائيل من مساعدات "معلنة وغير معلنة" على مدى السنوات الست المنصرمة من رئاسته[1]. وردّ أوباما على ذلك بالتذكير بأنّ علاقة الطرفين "غير قابلة للكسر"، كما دعا الكونغرس الى الاستمرار في دعم إسرائيل، وتقديم المساعدات اللازمة لتمكينها من حماية نفسها[2]. غير أنّ التصريحات عن متانة العلاقة وعرى التحالف الذي لا ينفصم، حولتها تصرفات نتنياهو إلى عبارات جوفاء؛ ففي خطابه أمام الكونغرس بذل نتنياهو جهده في تفنيذ ذرائع إدارة أوباما في سعيها للتوصل إلى اتفاقٍ مع إيران حول برنامجها النووي، ومن ثمّ نسف جهدها في هذا السياق. كما رفض نتنياهو دعوةً من أعضاء الحزب الديمقراطي في الكونغرس للاجتماع بهم على انفراد كمخرجٍ من حرج تهديد بعضهم بمقاطعة كلمته، وهو ما أدى فعلًا إلى مقاطعة العديد منهم للكلمة احتجاجًا على الإهانة التي ألحقها برئيسهم[3].

أما الإدارة الأميركية، فقد انطلق موقفها من اقتناعٍ مفاده أنّ شعور أي رئيس حكومة إسرائيلي أنّ بإمكانه تحدي الإدارة الأميركية في قلب عاصمتها وعلى منصة الكونغرس، يشير إلى خللٍ كبيرٍ في العلاقة بين الطرفين. فإسرائيل، ومهما كانت أواصر تحالفها القوي مع واشنطن، تبقى دولة أجنبية، ولا ينبغي لحزب أميركي أن يستقوي بها على حزب أميركي آخر. وهذا هو ما عبّرت عنه مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس بقولها، تعليقًا على قبول نتنياهو دعوة بينر، بأنّ هذه الزيارة "هدامة لنسيج العلاقات بين البلدين"، وأضافت بأنّ دعوة بينر لنتنياهو قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية "أضفى نوعًا من الحزبية" على علاقة يريدها أوباما "من دون شك قوية، وغير قابلة للتغيير، بغض النظر عن الأجواء السياسية في البلدين"[4].

لكنّ هذا المنطق يعدّ دليلًا بحد ذاته على طبيعة الخلل في العلاقة الأميركية - الإسرائيلية؛ فهناك دلالات كثيرة لاضطرار الرئيس للدفاع عن سياسةٍ يتبناها في وجه انتقادات زعيم دولة أجنبية يطلقها من قلب عاصمته، وبدعم حزب المعارضة. فإسرائيل وزعماؤها يتعاملون مع الولايات المتحدة كأنها فضاء مفتوح لهم من دون ضوابط.


نتنياهو - أوباما: علاقة صعبة

منذ وصوله إلى البيت الأبيض مطلع عام 2009، تميّزت العلاقة بين أوباما ونتنياهو بالتوتر والتنافر، وقد زادها سوءًا تصرفات نتنياهو التي وصلت إلى توجيه إهانات بالغة لأوباما من دون خشية من أي تداعيات، ومنها:

أفشل نتنياهو بشكل واضح جهد الوساطة الأميركية في المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، بما في ذلك جولات كيري الأخيرة، عبر الإصرار على تكثيف الاستيطان. ولم يعد أوباما يثق به. ومع ذلك، لم يقم الأخير بأي خطوة تتضمن نوعًا من التعبير عن عدم الرضى، فضلًا عن الضغط على إسرائيل بصورة فعلية.أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إسرائيل في آذار/ مارس 2010، فاجأته حكومة نتنياهو بالإعلان عن عطاء لبناء 1600 وحدة سكنية في القدس الشرقية؛ ما اعتبرته الولايات المتحدة، حينئذٍ، إهانة لنائب الرئيس الذي كان في زيارة لدفع عجلة المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية قدمًا وللضغط على إسرائيل لتجميد بناء المستوطنات[5].ألقى نتنياهو خطابًا في الكونغرس، في أيار/ مايو 2011، بدعوة من قيادة الحزب الجمهوري، وتحدى فيه الرئيس أوباما وطرح لاءات كثيرة تعارض إدارته[6]. وقد كان الفارق بين خطابي 2011 و2015، هو أنّ أوباما التقى نتنياهو في المرة السابقة، في حين رفض مقابلته هذه المرة بحجة عدم التأثير في نتائج الانتخابات الإسرائيلية القادمة، كما أنّ أعضاء الحزب الديمقراطي كلهم حضروا خطاب نتنياهو عام 2011، في حين قاطع خطابه هذه المرة نحو ستين عضوًا، كما أسلفنا.كسر نتنياهو الأعراف الدبلوماسية أثناء الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة عام 2012، وذلك عندما تدخل لمصلحة المرشح الجمهوري ميت رومني ضد أوباما[7].لم تكتف حكومة نتنياهو خلال العام الماضي بإفشال جهد وزير الخارجية جون كيري لإحياء عملية السلام والتوصل إلى اتفاق إطار فلسطيني - إسرائيلي في موعد أقصاه نيسان/ أبريل 2014. بل تهجّم المسؤولون الإسرائيليون أيضًا على الوزير الأميركي شخصيًا، واتهموه بأنّ همّه يتركّز على الحصول على جائزة نوبل للسلام على حساب إسرائيل[8].

ومع ذلك كله، لم يقم أوباما بممارسة أي ضغط على حكومة نتنياهو ولم يتخذ أي خطوة ضدها. والجديد في الحالة الأخيرة، أن نتنياهو قام بخطوة سافرة للضغط على إدارة أوباما وإحراجها علنًا في عقر دارها. وبناء عليه، لم تكن الإهانة الأخيرة التي وجهها نتنياهو لأوباما، والتي وصفها مسؤول رفيع في البيت الأبيض بأنها "بصقة في وجهنا على رؤوس الأشهاد"[9]، إلا حلقة في سلسة طويلة لم تبلغ مداها بعد. فما دامت نسقية العلاقات الأميركية - الإسرائيلية على حالها، وما دامت إسرائيل غير عابئة بأي ردّ أميركي محتمل على إهاناتها المتكررة، فإنّ حكومة نتنياهو لا تشعر بأي داعٍ لتغيير سلوكها؛ فهذه الحكومة، يبدو أنها ما زالت تراهن على الحماية التي يوفرها لها أصدقاؤها في الكونغرس، واللوبي الإسرائيلي، واليمين الأميركي المستعد دائمًا للتدخل لحمايتها من تداعيات أي تطاول على رئيس الولايات المتحدة أو حتى تهديد مباشر لمصالح الولايات المتحدة.


أضرار مستقبلية

ثمة من يرى أنّ على نتنياهو ألا يغالي في الرهان على ثقل حلفاء إسرائيل في واشنطن؛ فالمسؤول ذاته الذي وصف قبول نتنياهو لدعوة بينر بـ "البصقة في وجهنا"، ذكّره بأنه بقي لأوباما في البيت الأبيض نحو عام ونصف العام، وبأنه "سيكون هنالك ثمن". وحسب السفير الأميركي الأسبق في إسرائيل مارتن إنديك، فإنّ الشرخ في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية لم يكن يومًا بهذا الاتساع، مذكرًا بالصدام الذي وقع عام 1956 بين إدارة الرئيس دوايت أيزنهاور وإسرائيل على خلفية العدوان الثلاثي على مصر[10].

وقد وصفت زعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي كلمة نتنياهو أمام الكونغرس بأنها "إهانة لذكاء الولايات المتحدة"، وأضافت بأنها "حزنت من تطاول (نتنياهو) على مستوى معرفتنا بالتهديد الذي تمثله إيران"[11]. وأظهر استطلاع للرأي العام الأميركي، أجري منتصف شباط/ فبراير الماضي، أنّ أكثر من 63% من الأميركيين يعارضون أن يلقي نتنياهو خطابًا في الكونغرس. كما أظهر الاستطلاع الذي أجرته شبكة "سي أن أن" ومركز "أو آر سي"، أنّ 66% من الرأي العام الأميركي يريد أن تكون الولايات المتحدة محايدة في "الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني"، وإن كان 29% من المستطلعة آراؤهم يؤيدون إسرائيل مقابل 2% لمصلحة الفلسطينيين[12].

أما على الصعيد الإسرائيلي، فقد اعتبر العديد من المراقبين والسياسيين أنّ خطاب نتنياهو في الكونغرس أضرّ التحالف الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة، وأنّ سعي نتنياهو لكسب مزيدٍ من الأصوات قبل الانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة في 17 آذار/ مارس الجاري، يكاد يودي بالعلاقات الوثيقة التي طالما ربطت إسرائيل بحليفتها واشنطن. وقالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني ورئيسة ائتلاف "الاتحاد الصهيوني" الوسطي إنّ "إسرائيل دولة قوية حليفة للولايات المتحدة أو على الأقل كانت هكذا إلى أن قرر نتنياهو أن يدمر كل هذا من أجل حاجاته السياسية ... نحن بحاجة إلى إصلاح هذه العلاقة.[13]" والحقيقة أنّ العلاقة الإسرائيلية - الأميركية ليست مهدّدة، بل إن ما هو عرضة للتهديد: علاقة نتنياهو بالإدارة الأميركية، واهتزاز وضعه الانتخابي نتيجة لذلك.


خلاصة

من الواضح أنّ العلاقات الأميركية - الإسرائيلية تمرّ بمرحلةٍ غير مسبوقة من التوتر، ولكن ينبغي أيضًا عدم الذهاب بعيدًا في الحديث عن انتهاء التحالف الوثيق الذي يجمعهما. فعلى الرغم من تلميحات صدرت عن البيت الأبيض بأنّ إدارة أوباما قد تعاقب إسرائيل عبر رفع الحصانة القانونية عنها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة[14]، فإنّ الواقع يكذب هذه النيات. ففي الوقت الذي كانت فيه مستشارة الأمن القومي سوزان رايس تندّد بقبول نتنياهو لدعوة إلقاء خطابٍ في الكونغرس، كان كيري يقدّم مرافعةً دفاعيةً عن إسرائيل في "مجلس حقوق الإنسان" في جنيف، متهمًا المجلس بـ "الهوس" بما وصفه "مزاعم" ارتكابها انتهاكات لحقوق الإنسان[15].

وعلى الرغم من أنّ البيت الأبيض قرّر عدم إيفاد مسؤولين "رفيعين جدًا" مثل نائب الرئيس الذي اعتاد أن يحضر مؤتمر اللوبي الإسرائيلي "إيباك" في واشنطن، فإنه أوفد سوزان رايس وكذلك السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة سمانثا باور، ليؤكدا مرة أخرى على عمق العلاقات الخاصة التي تربط بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا يعني أنه على الرغم من الضرر الكبير الذي ألحقه نتنياهو بالعلاقة مع إدارة أوباما، فإنه لا ينبغي المراهنة على حصول افتراق في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية في المدى القريب.

 


[1] “Transcript of Netanyahu’s Speech to Congress,” The New York Times, March 3, 2015, at: http://nyti.ms/182XMrR

[2] “Remarks by the President Before Meeting with Secretary of Defense Carter,” The White House, Office of the Press Secretary, March 3, 2015, at: http://1.usa.gov/1BEZawz

[3] Victor Morton, “Benjamin Netanyahu rejects Senate Democrats’ invitation to meet privately,” The Washington Times, February 24, 2015, at: http://bit.ly/1AUSw03

[4] Rachel Brody, “Views You Can Use: Netanyahu's 'Destructive' Visit,” The U.S News and World Report, February 25, 2015, at: http://bit.ly/194tSEL

[5] Adam Entous and Mohammed Assadi, “Biden scolds Israel over settlement plan,” Reuters, March 10, 2010, at: http://reut.rs/1A7zeUX

[6] Akiva Eldar, “Netanyahu has declared himself ready to challenge Obama,” Haartez, May 25, 2011, at: http://bit.ly/1C1rKds

[7] Joel Brinkley, “Netanyahu burns bridges with Obama,” SFGate, November 16, 2012, at: http://bit.ly/1x8d3xK

[8] Ido Ben-Porat and Ari Yashar, “'Kerry Wants A Nobel At The Expense of Bereaved Israelis,'” Israel National News, April 10, 2014, at: http://bit.ly/1Gx40ik

[9] Barak Ravid, “Obama to Netanyahu: Stop pushing Congress toward new sanctions on Iran,” Haaretz, January 23, 15, at: http://bit.ly/15wsok5

[10] Robin Wright, “Netanyahu and Obama: The Two Realities,” The New Yorker, March 3, 2015, at: http://nyr.kr/1FUNXqI

[11] “Pelosi Statement on Prime Minister Netanyahu’s Address to Congress,” Nancy Pelosi Democratic Leader, March 3, 2015, at: http://1.usa.gov/1Ef5hIp

[12] Alexandra Jaffe, “CNN/ORC poll: Majority of Americans oppose Netanyahu invite,” CNN, February 17, 2015, at: http://cnn.it/1vXJIeh

[13] دان وليامز، "نتنياهو يرفض الانتقادات ويقول إن الاتفاق النووي المزمع مع إيران مليء بالعيوب"، رويترز، 4/3/2015، على: http://bit.ly/194tvKe

[14] Jeffrey Goldberg, “Obama to Israel -- Time Is Running Out,” Bloomberg View, March 2, 2014, at: http://bv.ms/1gLcH8d

[15] "كيري يقرّع مجلس حقوق الإنسان لـ "تركيزه" على إسرائيل"، الجزيرة نت، 3/3/2015، انظر: http://bit.ly/1FyOSNL