العنوان هنا
تقييم حالة 31 أغسطس ، 2020

الاتفاق الإماراتي – الإسرائيلي: خلفياته وحيثياته

أسامة أبو ارشيد

يعمل أسامة أبو ارشيد باحثًا غير مقيم مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهو حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسيّة والفلسفة من جامعة لفبرة / بريطانيا، ويقيم حاليا في واشنطن في الولايات المتحدة. نشر العشرات من المقالات والدارسات باللغتين العربية والإنكليزية، كما شارك في تأليف كتابين باللغة العربية عن حركة حماس والمعاهدة الأردنية الإسرائيلية. شارك في العديد من المؤتمرات الأكاديمية، وله كتاب باللغة الإنجليزية في مرحلة الإعداد للطباعة عنوانه: "جدلية الديني والسياسي في فكر وممارسة حركة حماس" وسيصدر عن Cambridge Scholars Publishing.

مقدمة

أعلن البيت الأبيض أن الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل اتفقتا على "تطبيعٍ كامل للعلاقات" بينهما، وذلك في 13 آب/ أغسطس 2020، خلال اتصال ضم، إضافة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد. ووصف البيان المشترك الاتفاق بـ "الاختراق الدبلوماسي التاريخي" الذي سيعمل على تعزيز السلام في منطقة الشرق الأوسط. ويرى مسؤولون أميركيون أن مراسم التوقيع في البيت الأبيض يُفترض أن تجري في أيلول/ سبتمبر 2020. كما أكد هؤلاء المسؤولون أن دولًا عربية أخرى قد تلحق بالإمارات خلال الشهور القليلة المقبلة، في خطوة يبدو أن المقصود منها تعزيز وضع ترامب أميركيًا؛ خصوصًا أنه يواجه انتخابات رئاسية صعبة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. ويدور الحديث تحديدًا حول مملكة البحرين وسلطنة عُمان والسودان، مع غموض بخصوص المملكة العربية السعودية.

حاولت الإمارات تبرير هذه الخطوة بالسعي للحفاظ على فرص حل القضية الفلسطينية على أساس الدولتين، من خلال "إيقاف" إسرائيل مخططها القاضي بضم أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية، غير أنّ نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين أكدوا أن الاتفاق مع دولة الإمارات لا يتضمن تنازلًا عن مخطط الضم، بقدر ما هو "تعليق" مؤقت له في سبيل تحقيق اختراقات دبلوماسية عربية أهم في هذه المرحلة. وهو الأمر نفسه الذي أكده السفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، بل هذا ما ينص عليه الإعلان المشترك بين الإمارات وإسرائيل. وسيكون الاتفاق الإماراتي – الإسرائيلي، في حال توقيعه، أول اتفاق سلام عربي - إسرائيلي خلال 26 عامًا، بعد المعاهدة الأردنية – الإسرائيلية في عام 1994، وقبل ذلك اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في عام 1978. وفي حين رحّبت دول عربية مثل مصر والبحرين وعُمان بالاتفاق، دانته السلطة الفلسطينية واعتبرته "خيانة"، وهو الوصف نفسه الذي استخدمته إيران.

المجالات التي يشملها الاتفاق

يشدد الإعلان المشترك الذي سيسمى "اتفاق أبراهام"[1] بعد توقيعه، على موافقة نتنياهو وبن زايد على إجراء "تطبيع كامل للعلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة"[2]. وبحسب الإعلان نفسه، فإن وفودًا عن الطرفين ستجتمع في الأسابيع المقبلة لتوقيع اتفاقات ثنائية في مجالات "الاستثمار والسياحة ورحلات الطيران المباشرة والأمن والاتصالات والتكنولوجيا والطاقة والرعاية الصحية والثقافة والبيئة وتبادل السفارات، ومجالات أخرى ذات منفعة مشتركة". كما ينص الاتفاق على أن الطرفين سيقومان "فورًا بتوسيع التعاون وتسريعه في ما يتعلق بعلاج لفيروس كورونا وتطوير لقاح له"[3]. وذكر تقرير أعدته صحيفة جيروزليم بوست الإسرائيلية، أن الإمارات ستستثمر في الجهود الإسرائيلية لتطوير هذا اللقاح، وستستثمر مباشرة أيضًا في الاقتصاد الإسرائيلي[4]. إضافة إلى ذلك، ينص الاتفاق على أنه، وبحسب "رؤية السلام" التي طرحها ترامب في خطته في كانون الثاني/ يناير 2020، سيكون بمقدور "المسلمين الذين يأتون بسلام، زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، ويجب أن تبقى الأماكن المقدسة الأخرى في القدس مفتوحة للمصلين المسالمين من جميع الأديان"[5]. وينص الاتفاق أيضًا، على أن السفر سيكون مباشرة من مطار أبوظبي إلى تل أبيب[6] .

أما في ما يتعلق بموضوع ضم إسرائيل أجزاء واسعة من الضفة الغربية، بحسب خطة ترامب، الذي كان ينبغي الشروع فيه في مطلع تموز/ يوليو 2020، فيشير الإعلان المشترك بين إسرائيل والإمارات إلى أنه "نتيجة لهذا الاختراق الدبلوماسي، وبناءً على طلب الرئيس ترامب، وبدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، ستُعلّق إسرائيل إعلان السيادة على المناطق المحددة في رؤية الرئيس للسلام وستركّز جهودها الآن على توسيع العلاقات مع الدول الأخرى في العالم العربي والإسلامي". ويزعم نص الإعلان المشترك أن "إقامة علاقات مباشرة بين اثنين من أكثر المجتمعات دينامية وأكثر الاقتصادات تقدمًا في الشرق الأوسط، ستؤدي إلى إحداث تحوّل في المنطقة من خلال تحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز الابتكار التكنولوجي وإقامة علاقات أوثق بين الناس"[7].

ملاحظات على الإعلان المشترك

يمكن إجمال أهم الملاحظات هنا في ست نقاط مركزية:

  1. إهمال "حل الدولتين": يؤكد الإعلان أن الطرفين سيواصلان "جهودهما للتوصل إلى حل عادل وشامل ودائم للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني"، من دون تحديد طبيعة ذلك "الحل العادل والشامل". ولم يفت نتنياهو الإشارة إلى هذه النقطة عندما قال: "من كان يحلم يومًا بوجود اتفاق سلام مع دولة عربية من دون عودتنا إلى حدود عام 1967"[8]. ويتناقض الصمت الإماراتي هنا مع الموقف الرسمي المعلن الذي يفترض أنه قائم على أرضية "مبادرة السلام العربية" التي أقرّها مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة (قمة بيروت في عام 2002).
  2. "تبني رؤية ترامب للسلام" مرجعيةً لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي: جاء في الإعلان أن الولايات المتحدة وإسرائيل "ممتنتان لحضور دولة الإمارات العربية المتحدة حفل الاستقبال في البيت الأبيض في 28 كانون الثاني/ يناير 2020، حيث قدّم فيه الرئيس ترامب رؤيته للسلام، وتُعربان عن تقديرهما البيانات ذات الصلة الصادرة عن دولة الإمارات"[9]. وكان ترامب قد أعلن في الثامن والعشرين من كانون الثاني/ يناير خطة "السلام من أجل الازدهار: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي"[10] التي رهنت قيام دولة فلسطينية بجملة من الشروط على الفلسطينيين تلبيتها أولًا في السنوات الأربع المقبلة، إضافة إلى أنها تفرض عليهم تنازلات جوهرية في قضايا الصراع المركزية، مثل السيادة والأرض والحدود والقدس واللاجئين والأمن والمياه والمستوطنات وطبيعة التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية العتيدة المفترضة. ورفض الفلسطينيون الخطة جرّاء ما سبق.
كما أن اقتصار الإعلان المشترك على الحديث عن القدس بالسماح فحسب بزيارة المسلمين "المسالمين" لها، يعني قبول الإمارات، ضمنيًا، بالاعتراف الأميركي أن القدس عاصمة لإسرائيل، وهذا ما تؤكده خطة ترامب للسلام التي يستند إليها الإعلان مرجعيةً له.
  1. "السلام مقابل السلام": إذا كانت قرارات الشرعية الدولية منذ عام 1967 قد قامت على قاعدة "الأرض مقابل السلام" في السياق الفلسطيني/ العربي - الإسرائيلي، فإن هذا الإعلان المشترك أهمل تلك القاعدة كليًا، على نحوٍ يتناقض، مرة أخرى، مع التزامات الإمارات بموجب "مبادرة السلام العربية". ويقول نتنياهو إن "هذه هي أول اتفاقية سلام بين إسرائيل ودولة عربية منذ 26 سنة، وهي تختلف عن سابقاتها من حيث اعتمادها مبدأين: السلام مقابل السلام، والسلام من منطلق القوة". وأضاف: "بموجب هذه العقيدة، لا يُطلَب من إسرائيل الانسحاب من أي أراضٍ، وتحصد الدولتان سويًا ثمار السلام الكامل والعلني والمفتوح في مجالات الاستثمار والتجارة والسياحة والطاقة والصحة والزراعة والبيئة كلها، وفي مجالات أخرى بما فيها الأمن"[11].
  2. السياق الإقليمي للسلام: لا يُخفي الإعلان المشترك استناده إلى المقاربة التي تبنّتها إدارة ترامب منذ شهورها الأولى في الحكم؛ إذ كانت قد اعتبرت أن تحقيق سلام فلسطيني – إسرائيلي لن يتم إلّا عبر مقاربة إقليمية[12]، على أساس أن ذلك سيخدم أجندة أوسع للولايات المتحدة في المنطقة، وتحديدًا احتواء التمدد الإيراني فيها ومحاربة التطرف والإرهاب. وبحسب هذه المقاربة، سعت إدارة ترامب لأن تقدم حافزًا في اتجاهين: الأول، إلى إسرائيل، يمكن أن يتحقق عبر اعتراف بها، وتقارب بينها وبين بعض الدول الخليجية، أو ما يسمى "محور الاعتدال العربي"؛ والثاني، إلى دول الخليج و"محور الاعتدال العربي" الذي يريد انخراطًا أميركيًا أكبر في الإقليم، وتحديدًا في مكافحة الإرهاب ومحاصرة النفوذ الإيراني المتعاظم في بعض دول المنطقة، كما في العراق وسورية ولبنان واليمن.
بناء على ما سبق، يشير الإعلان المشترك بوضوح تام إلى أن تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل سيعزّز الترابط بين اثنين من أكثر الشركاء الأميركيين موثوقية وقدرة. وهكذا، ستتمكن الولايات المتحدة، بمساعدة الطرفين، من "إطلاق أجندة استراتيجية للشرق الأوسط لتوسيع التعاون الدبلوماسي والتجاري والأمني". ويشدد الإعلان على أن الدول الثلاث تشترك في نظرتها إلى التهديدات والفرص في المنطقة[13]. أما عن نوعية هذه التهديدات والفرص، فألمح إليها ترامب في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد أن أصدر البيت الأبيض الإعلان المشترك، حيث أشار إلى الخطاب الذي ألقاه في العاصمة السعودية (الرياض) في أيار/ مايو 2017، في القمة العربية/ الإسلامية - الأميركية، وقال فيه إن مشكلات الشرق الأوسط لا يمكن أن تُحلّ إلّا عندما يتوافق أتباع الديانات المختلفة على محاربة "التطرف الإسلامي"، وإيجاد فرص اقتصادية للجميع[14]. وكان ترامب قد شدد في خطابه ذاك على أنه سيقوم بجهد أكبر في احتواء إيران وعزلها وفي تعزيز منظومة الأمن الخليجية عبر مبيعات الأسلحة. ولم يتردد ترامب في تلك الفترة في المجاهرة برغبته في إدماج إسرائيل ضمن معادلة المنطقة الأمنية، حيث أعلن: إن "ما حدث مع إيران قرّب أجزاء كثيرة من الشرق الأوسط إلى إسرائيل"[15]. ويرى المبعوث الأميركي إلى إيران، الذي استقال مؤخرًا، برايان هوك، أن الاتفاق الإماراتي – الإسرائيلي يمثل "كابوسًا لإيران"[16].
  1. السلام العربي مع إسرائيل غير مرهون بحل القضية الفلسطينية: يرتبط بالنقطة السابقة أن من الافتراضات التي قامت عليها مقاربة إدارة ترامب للصراع العربي – الإسرائيلي، يتمثل في أن إقامة علاقات دبلوماسية بين دول عربية وإسرائيل، لا ينبغي أن تخضع لمسار التفاوض الفلسطيني – الإسرائيلي، كما تطالب القيادة الفلسطينية. وعوضًا من ذلك، كثيرًا ما تحدّث ترامب ومستشاره جاريد كوشنر، المكلف بالإشراف على ملف السلام في الشرق الأوسط، عن ضرورة أن يسعى العرب والإسرائيليون لإقامة شراكات اقتصادية وأخرى أمنية، للتصدّي لإيران و"القوى الأصولية المتطرفة" في المنطقة[17].
يبدو أن الاتفاق الإماراتي – الإسرائيلي سيكون المسمار الأول في نعش التضامن العربي مع الفلسطينيين سياسيًا، هذا التضامن الهشّ أصلًا. ويشير نتنياهو إلى هذا المعطى، بقوله: إن الوضع الجديد يتعارض كلّيًا "مع الاعتقاد الذي كان يقول حتى قبل أيام معدودة، بعدم وجود أي دولة عربية توافق على إقامة سلام رسمي ومفتوح مع إسرائيل قبل حل النزاع مع الفلسطينيين"[18]. ولم يتردد مساعد وزير الخارجية الإماراتي للشؤون الخارجية والثقافية والدبلوماسية العامة، عمر غباش، هو الآخر، في تأكيد ذلك في سياق ردّه على الانتقادات الفلسطينية للاتفاق، حيث قال إن "الإمارات دولة مستقلة وليس الفلسطينيون من يحدد لها طبيعة علاقتها بإسرائيل"[19]. ومن الواضح أنه سيكون لهذه السابقة الإماراتية تداعياتها، خصوصًا مع تأكيد مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، أن دولًا عربية أخرى ستلحق بالإمارات، واعتبر كوشنر أن التطبيع بين السعودية وإسرائيل "أمر حتمي"[20].
  1. مخطط الضم لا يزال على الطاولة: بعيدًا عن أن جوهر القضية الفلسطينية هو الاحتلال، وليس مخطط الضم الإسرائيلي، الذي هو مجرد عارض له، فإن زعم محمد بن زايد أنه "تم الاتفاق على إيقاف ضم إسرائيل الأراضي الفلسطينية"[21]، غير صحيح، فالإعلان المشترك ينص على "تعليق" suspend، لا "إيقاف".

كان من المفترض أن تُطلق حكومة نتنياهو إجراءات ضم ما نسبته 30 في المئة من أراضي الضفة، تشمل المستوطنات اليهودية وغور الأردن، بحسب الخرائط الإطارية لخطة ترامب للسلام، في مطلع تموز/ يوليو 2020، إلّا أن الرفض الفلسطيني والعربي والدولي لها، والخلافات الإسرائيلية - الإسرائيلية بشأن كيفية المُضيّ في تنفيذها، وانتقال تلك الخلافات إلى الإدارة الأميركية ومعارضة الديمقراطيين في الكونغرس، إضافة إلى التحديات الداخلية التي يواجهها ترامب ونتنياهو، دفعت إلى تأجيل القرار، في ظل غموض في شأن إمكان حدوثه أصلًا، خصوصًا أن الانتخابات الأميركية ستجرى بعد شهور قليلة فحسب. ولا يُخفي المرشح الديمقراطي، جو بايدن، معارضته هذه الإجراءات. بمعنى أن تعليق قرار الضم سابق على الاتفاق مع الإمارات، وإن كان روعي هنا من أجل تحقيقه، خصوصًا بعد المقالة التي نشرها السفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، في 12 حزيران/ يونيو 2020، في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، حيث حضّ إسرائيل على عدم المضي في عملية الضم حتى لا تضرّ بفرص التقدم في العلاقات العربية – الإسرائيلية[22].

واستنادًا إلى ترامب، فإن خطة الضم الإسرائيلية ليست على الطاولة في الوقت الحالي، وإن كان قال إنه لا يستطيع الحديث عما إذا كانت إسرائيل ستُنفّذها مستقبلًا أم لا[23]. ويقول فريدمان، إن تجميد ضم أراضي الضفة الغربية يعني وقفه مؤقتًا، وإن ذلك التجميد لن يدوم[24]. ويرى كوشنر ومسؤولون أميركيون آخرون، أن من الأفضل لإسرائيل أن تركز على بناء العلاقات مع دول خليجية وتعزيزها في هذه المرحلة، وألّا تغامر بفرص التطبيع القائمة معها[25]. أما نتنياهو فيصرّ على أنه لم يطرأ أي تغيير على خطة ضمّ أراضٍ من الضفة، لكن ذلك لا يمكن أن يتم من دون التنسيق مع الولايات المتحدة[26].

دوافع أطراف الإعلان المشترك

1. دوافع ترامب

يبحث ترامب عن أي إنجاز رئاسي، لأنه يواجه انتخابات صعبة وحاسمة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وتشير نتائج استطلاعات الرأي إلى أنه متأخر جدًا عن منافسه، بايدن، نتيجة فشله في التعامل مع جائحة كورونا، وما ترتب عن ذلك من انهيار اقتصادي وارتفاع في نسب البطالة. وعلى الرغم من أن هذا الإنجاز يُعدّ مهمًا في حقل السياسة الخارجية، خصوصًا إذا تبعت دول عربية أخرى خطى الإمارات في التطبيع مع إسرائيل، فإنه على الأرجح لن يؤثر كثيرًا في الرأي العام الأميركي المهتم أكثر بأوضاعه الداخلية.

ويأمل ترامب أن يساهم هذا الاتفاق في تنفيس غضب أنصار إسرائيل في قاعدته الانتخابية بسبب تعثّر مخطط الضم في الضفة الغربية.

2. دوافع نتنياهو

يطمح نتنياهو إلى أن يقدّم هذا الاتفاق طوقَ نجاة له من تعثّر مخطط الضم الذي تعهّد به لناخبي حزب الليكود في أيلول/ سبتمبر 2019[27]، وأعاد تأكيده في اتفاق تشكيل "حكومة الوحدة الائتلافية الطارئة" التناوبية، في نيسان/ أبريل الماضي، مع حزب "أزرق أبيض"[28]. ومع ذلك، يصرّ نتنياهو على أنّ مشروع الضم لا يزال قائمًا، وجرى تأجيله فحسب من أجل تحقيق اختراقات دبلوماسية عربية في هذه المرحلة.

يأتي هذا الاتفاق أيضًا في وقت تراجعت شعبية نتنياهو بشكل كبير جرّاء عودة انتشار وباء كورونا في إسرائيل وارتفاع مستويات البطالة، إضافة إلى أنه يواجه محاكمة بتهم فساد. ومع ذلك، قد لا يكون هذا الاتفاق كافيًا لإنقاذه من الخلافات التي تعصف بائتلافه الحكومي.

3. دوافع بن زايد

يراهن بن زايد على أن هذا الاتفاق سيعزّز وضع الإمارات وصورتها في الولايات المتحدة، سواء بقي ترامب في الرئاسة أم جاء بايدن، استنادًا إلى مقولة إن الطريق عربيًا إلى واشنطن يمر عبر القدس. وتحاول أبوظبي تجنّب ربطها بالسعودية ووليّ عهدها، محمد بن سلمان المغضوب عليه من الديمقراطيين والجمهوريين، في حال وصل بايدن إلى الرئاسة[29].

كما تفتح هذه الاتفاقية الباب أمام الإمارات لشراء معدات عسكرية تشترط الولايات المتحدة في بيعها لدولة عربية أن تكون مرتبطة باتفاق سلام مع إسرائيل[30]. ومع ذلك، فإنه في حال مضت إسرائيل في قرار ضم أراضٍ من الضفة الغربية، أو في حال بقي الأفق مسدودًا أمام إحراز تقدم في المسار الفلسطيني – الإسرائيلي، فإنها ستفقد ذريعة أنها فعلت ذلك من أجل حماية الموقف الفلسطيني.

خلاصة

لا شك في أن الخاسر الأكبر في هذا الاتفاق هم الفلسطينيون، حيث لا يبدو أن أحدًا من العرب يعبأ بمناشداتهم واعتراضاتهم على التسابق نحو التطبيع مع إسرائيل على حساب حقوقهم. وبهذا، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام لحظة فارقة في تاريخ مشروعهم الوطني؛ إذ هي أول مرة تتجرأ فيها دولة عربية على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون أن تربط ذلك بالتقدم في المسار الفلسطيني، أو تُلقي بالًا لاعتراضاتهم، ولو من باب ذر الرماد في العيون.

والخاسر الثاني هو المقاربة الأمنية العربية الجمعية، حيث يُمأسس هذا الاتفاق دمج إسرائيل في هذه المقاربة ضد خصوم إقليميين لبعض الأنظمة العربية، وتحديدًا ضدّ إيران وتركيا و"الإسلام السياسي". والمشكلة، أنه من غير الوارد أن تخوض إسرائيل حروب طرف آخر نيابة عنه، وبهذا، ستكون إسرائيل شريكًا في المغنم فحسب، في حين لن تتحمل شيئًا من المغرم.


[1] “Remarks by President Trump in Press Briefing,” The White House, 13/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/2EKBUr6

[2] “Joint Statement of the United States, the State of Israel, and the United Arab Emirates,” The White House, 13/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/3hT7YaM

[3] Ibid.

[4] Lahav Harkov & Omri Nahmias, “Israel, UAE Reach Historic Peace Deal: ‘We Can Make a Wonderful Future’,” The Jerusalem Post, 14/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/2Dh3FY4

[5] “Joint Statement.”

[6] “President Donald J. Trump Has Secured a Historic Deal Between Israel and the United Arab Emirates to Advance Peace and Prosperity in the Region,” The White House, 13/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/2D9BAlc

[7] “Joint Statement.”

[8] Anne Gearan & Steve Hendrix, “Trump Announces Historic Peace Agreement Between Israel and United Arab Emirates,” The Washington Post, 13/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://wapo.st/2QPLnQV

[9] “Joint Statement.”

[10] “A Vision to Improve the Lives of the Palestinian and Israeli People,” The White House, 28/1/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/32HkSTf

[11] "التطبيع الإماراتي الإسرائيلي ... فتح خطوط الهاتف ورئيس الموساد بطريقه لأبوظبي و4 دول عربية على الدرب"، الجزيرة، 16/8/2020، شوهد في 30/8/2020، في: https://bit.ly/34GzcxQ

[12] Ian Fisher & Ben Hubbard, “Trump’s Shift to ‘Outside-In’ Strategy for Mideast Peace Is a Long Shot,” The New York Times, 14/2/2017, accessed on 30/8/2020, at: https://nyti.ms/3gKcLdk

[13] “Joint Statement.”

[14] “Remarks by President Trump in Press Briefing.”

[15] Steve Holland & Jeff Mason, “Trump Says Concerns About Iran Driving Israel, Arab States Closer,” Reuters, 22/5/2017, accessed on 30/8/2020, at: https://reut.rs/3hTahus

[16] Maha El Dahan, Jeffrey Heller & Steve Holland, “Israel, UAE to normalize Relations in Shift in Mideast Politics; West Bank Annexations on Hold,” Reuters, 13/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://reut.rs/3gHCnaE

[17] James Carafano, “Israel-UAE Agreement Shows Trump’s Middle East Policy Succeeding,” Fox News, 14/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://fxn.ws/3jotULx

[18] "التطبيع الإماراتي الإسرائيلي".

[19] المرجع نفسه.

[20] “Kushner Says Israel-Saudi Arabia Normalization is an ‘Inevitability’,” The Times of Israel, 15/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/3jmXuAQ

[21] Twitter, Mohamed bin Zayed, 13/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/34LCGiH

[22] Yousef Al Otaiba, “Annexation will be a Serious Setback for Better Relations with the Arab world,” y net news. com, 12/6/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/2QDrLz6

[23] “Remarks by President Trump in Press Briefing”.

[24] Ibid.

[25] Harkov & Nahmias.

[26] Barak Ravid, “Netanyahu Says He's ‘Still Committed’ to Annexations Despite UAE Deal,” AXIOS, 13/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/3jlKbAK

[27] “Israel PM Netanyahu Vows to Annex Occupied Jordan Valley,” BBC News, 10/9/2019, accessed on 30/8/2020, at: https://bbc.in/2QEsEHS

[28] “Unity Government Deal Guarantees Vote on West Bank Annexation,” The Times of Israel, 20/4/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://bit.ly/32HyUE8

[29] Aaron David Miller, “Opinion: In Trumpian Times, Israel and a Gulf State Find Common Ground,” CNN, 14/8/2020, accessed on 30/8/2020, at: https://cnn.it/32AMd9z

[30] Ibid.