العنوان هنا
تقدير موقف 31 يناير ، 2014

تونس تبدأ عهد جمهوريتها الثانية

الكلمات المفتاحية

وحدة تحليل السياسات

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

بعد مُضيّ ثلاث سنوات على ثورتها التي أطلقت شرارة الربيع العربي، وبعد تقلبات سياسية وأمنية كادت تطيح إنجازاتها وتوردها موارد شقيقتيها مصر وليبيا، نجحت تونس في إعلان ولادة جمهوريتها الثانية بسلام؛ إذ جرى تصديق الدستور الجديد في جلسة متأخرة عقدها المجلس التأسيسي يوم 26 يناير / كانون الثاني 2014، بأغلبية 200 صوت، مقابل 12، وامتناع 4 نوَّاب عن التصويت. وقد جرى تصديق مشروع الدستور الجديد في رزمة واحدة، من القراءة الأولى؛ وذلك بعد التصويت على مواده الـ 149 في الفترة بين 3 و23 من يناير / كانون الثاني، في جلساتٍ تميَّزت بالحدَّة بين ممثلي حركة النهضة والتيَّار المعارض بشأن عدد من القضايا المتعلِّقة بموقع الشريعة من الدستور، وعلمانية الدولة، ونظام الحكم فيها.

وجاء هذا الإنجاز الكبير بالتوازي مع نجاح الوزير الأول، مهدي جمعة، المكلَّف بتشكيل حكومة انتقالية مكوَّنة من مستقلين؛ لتحلَّ محلَّ الحكومة التي كانت تقودها حركة النهضة، في الإشراف على الانتخابات المقبلة، تنفيذًا لبنود خريطة الطريق التي جرى التوصل إليها برعاية الاتحاد العامّ التونسي للشغل الذي أدار الحوار الوطني في أوضاع أقلّ ما يُقال عنها إنّها كانت صعبةً وشائكةً.


إنقاذ المسار الدستوري

تجاوزت تونس، إذن، الأزمة السياسية التي كادت تطيح المسار الدستوري إثر اغتيال أعضاء في مجموعة "أنصار الشريعة" - وهي جماعة سلفية جهادية، تناصب حركة النهضة والتيارات العلمانية الدرجة نفسها من العداء - النائبَ والمعارض اليساري البارز محمد براهمي في 25 يوليو / تموز 2013، وقبْله الحقوقي اليساري شكري بلعيد في 6 فبراير / شباط 2013. وعلى الرَّغم من ذلك لم تُتَّهم حينئذٍ حكومة محمد الجبالي التي تضمُّ متدينين وعلمانيين، ومن خلالها حركة النهضة التي ينتمي إليها وكذلك الترويكا الحاكمة، بالمسؤولية السياسية عن ذلك فحسب، بل بالضلوع في عملية اغتيال هاتين الشخصيتين أيضًا.

ولم يشفعْ لحركة النهضة تنديدها الشديد بهذه الجرائم، وموقفها المعلن ضدّ استعمال العنف، في تبرئة ساحتها لدى المتطرفين من الطرف الآخر؛ إذ حاولت قوًى سياسية - بالتحالف مع رموز النظام القديم - استغلال هذه الأحداث من أجل الانقلاب على المجلس التأسيسي الذي تُمثِّل "النهضة" أكبر كتلة سياسية فيه.

وقد جرى انتخاب المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر / تشرين الأول 2011، وبناءً على نتائجه تشكَّل حِلفٌ ثلاثيٌّ عُرف باسم الترويكا لإدارة المرحلة الانتقالية وعملية صَوْغ الدستور، وضمَّ المجلس كلًّا من "حركة النهضة" ذات التوجه الإسلامي المعتدل التي ترأست الحكومة، وحزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" المُنتمي إلى التيَّار الوسطي العلماني الذي أسَّسه منصف المرزوقي وأصبح رئيسًا للجمهورية، وحزب "التكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" ذي التوجهّات الاجتماعية الديمقراطية بقيادة مصطفى بن جعفر الذي تولى رئاسة المجلس التأسيسي.

وكان مُقررًا أن يُنهيَ المجلس أعماله بعد سنة من تشكيله، إلَّا أنّ الصراع بين مختلف القوى السياسية، ومحاولة بعض اليمينيِّين واليساريِّين السير على خطى الثورة المضادة في مصر والانقلاب على العملية السياسية برمَّتها، مستفيدين من عمليات الاغتيال السياسي، حالَا دون تحقيق هدفه المتمثِّل بكتابة الدستور والانتقال السياسي.

وكادت العملية كلّها تفشل لولا "براغماتية" قيادة حركة النهضة، وصمود تحالف الترويكا، والدور المهمّ الذي اضطلع به "الاتحاد العامّ التونسي للشغل"، ومكوّنات المجتمع المدني التي تقدمت بمبادرة حوار وطني بين جميع القوى السياسية لحلِّ الأزمة، وإعادة الحياة إلى المجلس التأسيسي الذي علَّق أعمالَه رئيسه مصطفى بن جعفر، وقام عدد من أعضائه بتجميد عضويتهم فيه على إثر اغتيال النائب براهمي، حتى أمكن الانتهاء من صَوْغ الدستور الجديد، على نحوِ ما هو متَّفق عليه في إطار خريطة الطريق. ولا شك، أيضًا، في أنّ مؤسَّسات الدولة التونسية - بما فيها أجهزة الأمن - قد اضطلعت بمسؤوليَّتها، من المنظور التاريخي، على الرَّغم من ماضيها المناقض لماضي الترويكا.


نهج النهضة، نصر أم هزيمة؟

على الرَّغم من أنّ النهضة أكبر كتلة سياسية في المجلس التأسيسي، وعلى الرَّغم من أنها تمسك بزمام السلطة التنفيذية بتفويض انتخابي، فإنها اختارت تقديم تنازلات كبيرة لخصومها السياسيين؛ فخسرت، نتيجةً لذلك، بعض شعبيتها في قواعدها. فلقد طالبت "روابط حماية الثورة المحسوبة" على النهضة قيادات الحركة بالكفِّ عن تقديم التنازلات، وبالركون إلى الشرعية الانتخابية، ومحاسبة رموز المعارضة الذين يعـطلون أشـغال الدسـتور.

بيد أنّ قيادة النهضة قرَّرت أن يكون انتصارها لمنطق التوافق، بدلًا من منطق الغلبة، وللمصلحة العامَّة، بدلًا من الحسابات الحزبية الضيِّقة. وتمثَّلت البداية بوضع الشرعية الانتخابية جانبًا والقبول بمبادرة الحوار الوطني، ثمّ بالتزام رئيس حكومة الترويكا علي العريض باستقالة حكومته إثر تشكيل هيئة للانتخابات، وهو ما جرى مؤخرًا. ثمّ إنّ حركة النهضة قدَّمت في ما يخص بنود الدستور تنازلاتٍ أكبر ممَّا كانت ترجوه المعارضة؛ إذ تخلَّت عن مقترحها بشأن الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع، ووافقت على كلِّ الفصول التي تضمن الحقوق والحرِّيات، بما فيها حرِّية المرأة، وحرِّية التظاهر، وحريِّة العمل النقابي، وحرِّية الضمير وتجريم التكفير، ووافقت أيضًا على نظام رئاسي معدل، متراجعةً بذلك عن مقترحها الأصلي المتمثِّل باعتماد نظام حُكم برلماني، على الرّغم من أنها "حاربت" من أجل إرساء هذا المقترح في المجلس التأسيسي طوال سنتين.

لقد ترجم خصوم النهضة هذه التراجعات ضعفًا، عادِّين أنهم، بإجبارهم الحركةَ على التراجع والخضوع لكلّ شروطهم، حقّقوا نصرًا كبيرًا، ورأوا أنّ النهضة ما كانت لتذعن لذلك لولا إصرارُهم وقدرتُهم على الحشد في الشارع. كما أنّهم عدُّوا النزول عند مطالبهم تأثُّرًا بما جرى في مصر، سواء تعلَّق الأمر بإسقاط حُكم الإسلاميين أو تصنيف جماعة الإخوان جماعةً إرهابيةً. هذا فضلًا عن الضغط الذي تعرضت له الحركة عبر السفراء الأجانب - الأوروبيين تحديدًا - من أولئك الذين بعثوا برسائل تنبيه عبَّرت عن مخاوفهم من تدهور الوضع الأمني وتراجع تصنيف تونس الاقتصادي؛ ما جعل النهضة تذعن، من وجهة نظر خصومها.

لكنّ حركة النهضة لم ترَ الأمر كذلك؛ إذ علَّق زعيمها راشد الغنوشي على إقرار الدستور بأنّ "حركة النهضة على رغم كل ما قدمته من تنازلات هي في الطريق الصحيح وليست مهزومةً ما دامت تونس هي الرابح الأول من هذه التنازلات، فنحن إن خسرنا السلطة فإننا سنعود إليها ولكن إن خسرنا أمن تونس واستقرارها فستكون خسارة للجميع".

لا شكّ في أنّ حركة النهضة وفق هذا المنطق كانت الأكثر استفادة؛ فهي بظهورها بمظهر الحريص على المصلحة الوطنية الرَّحبة، بدلًا من المصالح الحزبية الضيِّقة، زادت من شعبيتها، وحوَّلت غضب قواعدها إلى رضًا. كما أنها، من جهة أخرى، سجَّلت بسلوكها هذا قطيعةً نهائيةً بينها وبين المجموعات السلفية، وقدَّمت نفسها للداخل والخارج، على حدٍّ سواء، نموذجًا للحزب الإسلامي المتسامح والمعتدل.


دروس من التجربة التونسية

لقد كانت طريق الوصول إلى الدستور التونسي الجديد شاقَّةً وطويلةً، لكنها على الرّغم من ذلك تُعدُّ تجربةً فريدةً يمكن أن نستخلص منها دروسًا في عالمٍ عربيٍّ أحوج ما يكون إلى التمعُّن فيها:

أولًا، الحوارُ والتوافقُ مُجتمعيْن– بدلًا من الغلبة والإقصاء – هما الركن الضامن لنجاح عملية التحول من دولة الاستبداد إلى دولة الديمقراطية؛ من أجل الوصول إلى حلول سياسية يرتضيها الجميع بعيدًا من العنف والإقصاء.

ثانيًا، كان لقوى المجتمع المدني دور بارز في إنجاح التجربة، وعلى وجه الخصوص ذلك الدور المتميِّز الذي اضطلع به الاتحاد العامّ التونسي للشغل في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، وتغليب لغة الحوار والاحتكام إلى الحلول السياسية الوُسطى.

ثالثًا، أدَّى الطرح التوافقي للتيَّار الإسلامي، المتمثّل بحزب النهضة وزعيمها راشد الغنوشي، دورًا بارزًا في تمكين هذا الإنجاز، ولقد جاء هذا الطرح نتيجةً للقراءة الموضوعية الواعية للتنوع الاجتماعي والفكري للمجتمع التونسي، وعليه جرى الاحتكام إلى حلول سياسية، في أُطُر توافقية، مع أكبر عدد ممكن من الأطراف السياسية والمجتمعية، بدلًا من الاستسلام لشعور عابر بالغلبة، واستمراء السلطة، والاندفاع نحو سياسة الإقصاء والتهميش التي كانت سببًا من أسباب فشل الإخوان المسلمين في مصر وانتصار الثورة المضادة.

رابعًا، كان لرفض الجيش التونسي الانحياز إلى أيِّ طرفٍ من أطراف الأزمة دورٌ مهمٌ في إنقاذ التجربة الدستورية التونسية، وهو سلوك مستمرٌّ منذ الاستقلال، بخلاف ما جرى في الجمهوريات العربية الأخرى التي لم يكن الجيش في حياتها السياسية طرفًا مهيمنًا فحسب، بل مدمِّرًا أيضًا. وخلال الأزمة السياسية الأخيرة حاولت بعض التيَّارات السياسية التونسية استنفار الجيش؛ أملًا في تكرار التجربة المصرية بالانقلاب على العملية السياسية، وإسقاط المجلس التأسيسي، لكنها فشلت. في السياق نفسه، يبدو أنّ النتائج المدمرة التي تمخَّضت عن تعطيل العملية الديمقراطية في مصر بسبب الانقلاب العسكري أدَّت وظيفةً مهمَّةً في إفشال سيناريو الثورة المضادة في تونس.

خامسًا، كان للدور الهامشي الذي أدّاه العامل الإقليمي والدولي، وعدم تدخّله تدخُّلًا سافرًا في المعادلة السياسية الداخلية التونسية أكبر الأثر في إنجاح الحوار الوطني وبدْء عهْد الجمهورية الثانية. إضافةً إلى ذلك، يبدو أنّ تحوُّل الكبرياء، المتمثِّل بأنّ تونس هي بلد الثورة الديمقراطية الأول، إلى جزء من الوطنية التونسية، شكَّل ضمانًا لِلَجْم القوى المتطرفة من الإسلاميين والعلمانيين على حدّ سواء. ولكن يبقى الضمان في تحوُّل ذلك الدستور الديمقراطي إلى مكوّن في الهوية الوطنية، شأنَ الاستقلال نفسِه.

قد يكون من المتعذّر تكرار التجربة التونسية حرفيًّا في دول الربيع العربي الأخرى؛ نظرًا إلى اختلاف الأوضاع السياسية والاجتماعية والتاريخية لكلّ بلد، علاوةً على اختلاف الواقع الجيوبولتيكي. وفي هذا السياق، تتميَّز التجربة التونسية مِن غيرها مِن الثورات العربية بأنّها أفرزت مسار بناء ديمقراطي حقيقي مبني على الحوار، على الرَّغم من التجاذبات والخلافات العميقة بين التيارات السياسية والفكرية والأيديولوجية المتباينة، وعلى الرَّغم من محاولات رموز النظام السَّابق استغلال هذه الخلافات؛ من أجل إجهاض التجربة الديمقراطية والرجوع إلى السلطة بالقوة، وعلى الرَّغم من العنف الذي تبنَّاه التيَّار السلفي الجهادي الذي جعل منه نقيضًا للثورة وأهدافها. لكن مازال ينتظر القوى الديمقراطية عملٌ كثيرٌ للحفاظ على المسار الديمقراطي؛ فلا مناصَ من بديل قائم على إنشاء تحالفات في ما بينها على المدى القريب.

على الرَّغم من خصوصية التجربة، يجب على الساعين إلى التحول الديمقراطي في الوطن العربي تعلُّم الكثير من هذا المسار الذي جرى في دولة عربية، تشترك مع البلدان العربية في كثير من الأوضاع والقواسم. لهذا يصحُّ القول إنّ تصديق الدستور التونسي الجديد يُمثِّل منعطفًا مُهمًّا في عملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، ويُمثّل، فضلًا عن ذلك، رسالةً مهمّةً بشأن سُبل شروط نجاح أيِّ عمليةِ انتقالٍ سياسيٍّ في إطار توافقي يعترف بجميع حقوق المواطنين المتساوية في تقرير مستقبل بلدهم.