تحليل سياسات 25 مايو ، 2015

روسيا وتركيا، علاقات متطورة وطموحات متنافسة في المنطقة العربية

الكلمات المفتاحية

عماد يوسف قدورة

حاصل على شهادة الماجستير في الدراسات الاستراتيجية عام 1993. يعمل مديرًا لقسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ وعمل باحثاً ومحررًا أول في عدة مراكز عربية، منها: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي (1998-2012)، والمركز العلمي للدراسات السياسية (1996-1997)، ومركز دراسات الشرق الأوسط في عمّان (1994-1996). نشر له العديد من الكتب والدراسات المحكّمة، منها: تركيا: إستراتيجية طموحة وسياسة مقيَّدة: مقاربة جيوبولتيكية (2015)؛ و"الديمقراطية المحافظة ومستقبل العلمانية التركية" (كانون الأول/ ديسمبر 2014)؛ "تركيا حتى 2023: حراك داخلي نشط وانكفاء خارجي مؤقت" (خريف 2014)؛ و"محورية الجغرافيا والتحكُّم في البوابة الشرقية للغرب: أوكرانيا بورةً للصراع" (تموز/ يوليو 2014)؛ و"النموذج التركي: بين قبوله والخشية منه" (بالإنكليزية، خريف 2010)؛ ونحو أمن عربي للبحر الأحمر (1998)؛ ومستقبل السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط (1996)؛ والانعكاسات السياسية لاتفاق الحكم الذاتي الفلسطيني (1995)؛ ورسالة الماجستير بعنوان: الدور الإقليمي الاستراتيجي لتركيا (بالإنكليزية، 1993). قام بتحرير أكثر من أربعين كتابًا عربيًا أكاديميًا ومترجماً، ونحو أربعمئة دراسة محكّمة. وتتركز خبرته في مجالات البحث وإدارة النشر والتحرير.

مقدمة

تشهد العلاقات الثنائية الروسية – التركية في الفترة الحالية ذروة التطور؛ فعلى الرغم من إرث النزاع والمواجهة والتنافس على النفوذ منذ قرون، شكّلت الظروف الاقتصادية والمتغيرات السياسية التي شهدتها الدولتان في بداية القرن الحالي فرصةً لإعادة النظر في طبيعة علاقاتهما السابقة. فبوصفهما دولتين كبيرتين متجاورتين، وتتبنيان إستراتيجية جديدة لاستعادة الدور الفاعل على الساحة الدولية وإحياء المكانة التاريخية، فقد تطلب صعودهما، وبخاصة الاقتصادي، ضرورة تعزيز التعاون بينهما بسبب وفرة المصالح المتبادلة وتنوّعها.

وبالفعل، تسارع انفتاح علاقات الدولتين تجاه بعضهما بعضًا حتى توصلا إلى تأسيس "مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى" في عام 2012، ثمّ كرّست القمة الروسية – التركية التي عقدت في كانون الأول/ ديسمبر 2014 شراكتهما في مجالات إستراتيجية عديدة، ومنها تطوير القدرات الفضائية التركية، وبناء مفاعلها النووي الأول، واعتمادها ناقلًا وحيدًا للغاز الروسي إلى أوروبا، وزيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى مئة مليار دولار في المدى القريب. وفضلًا عن ذلك، تطمح تركيا إلى أن يؤدي ذلك إلى تجسير الفجوة مع القوى الإقليمية المنافسة مثل إيران وإسرائيل، وتعزيز وضعها التفاوضي مع الاتحاد الأوروبي لنيل عضويته، وزيادة أهميتها الغربية والأطلسية. أما روسيا، فتطمح في أن يساعدها هذا التعاون في مواجهة المخاطر الاقتصادية المترتبة على العقوبات الغربية التي فرضت عليها بسبب الأزمة الأوكرانية، وإيجاد شركاء كبار ضمن التحالف الغربي لاستقطابهم وتحييدهم عن أي خطة غربية تستهدف احتواءها مجددًا، فضلًا عن محاولتها التأثير في السياسات التركية تجاه القضايا المتعلقة بمصالحها ونفوذها مثلما أثرت الروابط والتحالفات الغربية بسياسات تركيا الشرق أوسطية.

وعلى الرغم من تحسّن العلاقات الروسية – التركية على نحو غير مسبوق، فإنها لم تؤدِ مع ذلك إلى تلاشي طموحاتهما التاريخية المتنافسة ولا نزاعهما الإقليمي، وبخاصة في المنطقة العربية. فبسبب طبيعة مصالحهما في المنطقة التي تنطوي على تحالفات مع أطراف متناقضة، أصبح تعزيز دور أحدهما وعلاقاته يعني إضعافاً لدور الآخر ومصالحه؛ كما هو الحال في سورية ومصر ومع الأحزاب السياسية الإسلامية. كما أقلقت طبيعة الثورات العربية موسكو التي تخشى أن يؤدي نجاحها إلى مزيد من وصول الأحزاب السياسية الإسلامية إلى الحكم في العالم العربي؛ وهو ما يصبّ في مصلحة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وقد يؤدي ذلك إلى تشكّل محورٍ إقليمي يوسّع النفوذ التركي.

وتعدّ الأزمة السورية المثال الأبرز على تناقض المصالح الروسية - التركية؛ ففي ظل سعي روسيا للحفاظ على مصالحها مع أهم حلفائها في الشرق الأوسط، والحفاظ على قاعدتها البحرية الوحيدة في البحر المتوسط، فقد عارضت أي تدخل عسكري خارجي في سورية ودعمت النظام بشتى السبل؛ ما أبرز دورها مجددًا في المنطقة، وأظهرها كحليفٍ يمكن الاعتماد عليه، وشجع ذلك دولًا عربية أخرى مثل مصر للبحث في إمكانية تطوير العلاقة معها. أما تركيا، فقد أضعف التدخل الروسي، فضلًا عن الإيراني، دورها في سورية وقوّض حضورها الإقليمي الذي كان فاعلًا قبل الأزمة. وعلى الرغم من هذا التناقض في سياسات الدولتين ومصالحهما في المنطقة، فليس من المستبعد أن يتواصل الأتراك والروس مثلًا بشأن البحث عن حلٍ للأزمة السورية بما يحفظ حدًا معقولًا من مصالحهما، وذلك بتأثير علاقاتهما التي لا تزال تتطور، وحفاظًا على ديمومتها.

ويناقش البحث هذا التقارب التاريخي الذي توصلت إليه روسيا وتركيا، ومجالات التعاون الإستراتيجي المتضمنة فيه ومصالح الدولتين ومكاسبهما، كما يحلل الانعكاسات بعيدة المدى للترابط الوثيق وتعاظم الاعتماد المتبادل بينهما على سياسات الدولتين إقليميًا، ويسعى إلى تفسير التناقض الظاهر بين العلاقات الثنائية المتطورة والتنافس الإقليمي وتباين سياساتهما في المنطقة العربية.