تحليل سياسات 13 ديسمبر ، 2015

مسألة التغيّر في السياسة الخارجية التركية: المراجعات والاتجاهات

عماد يوسف قدورة

حاصل على شهادة الماجستير في الدراسات الاستراتيجية عام 1993. يعمل مديرًا لقسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ وعمل باحثاً ومحررًا أول في عدة مراكز عربية، منها: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي (1998-2012)، والمركز العلمي للدراسات السياسية (1996-1997)، ومركز دراسات الشرق الأوسط في عمّان (1994-1996). نشر له العديد من الكتب والدراسات المحكّمة، منها: تركيا: إستراتيجية طموحة وسياسة مقيَّدة: مقاربة جيوبولتيكية (2015)؛ و"الديمقراطية المحافظة ومستقبل العلمانية التركية" (كانون الأول/ ديسمبر 2014)؛ "تركيا حتى 2023: حراك داخلي نشط وانكفاء خارجي مؤقت" (خريف 2014)؛ و"محورية الجغرافيا والتحكُّم في البوابة الشرقية للغرب: أوكرانيا بورةً للصراع" (تموز/ يوليو 2014)؛ و"النموذج التركي: بين قبوله والخشية منه" (بالإنكليزية، خريف 2010)؛ ونحو أمن عربي للبحر الأحمر (1998)؛ ومستقبل السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط (1996)؛ والانعكاسات السياسية لاتفاق الحكم الذاتي الفلسطيني (1995)؛ ورسالة الماجستير بعنوان: الدور الإقليمي الاستراتيجي لتركيا (بالإنكليزية، 1993). قام بتحرير أكثر من أربعين كتابًا عربيًا أكاديميًا ومترجماً، ونحو أربعمئة دراسة محكّمة. وتتركز خبرته في مجالات البحث وإدارة النشر والتحرير.

مقدمة

تجري عملية التغيّر في السياسة الخارجية التركية الحالية تدريجيًا وببطءٍ منذ عام 2012 وحتى الآن. فمع تعقّد مشاكل تركيا الإقليمية وتزايد تحدياتها الداخلية في السنوات الأربع الماضية، قدّم حزب العدالة والتنمية مراجعات أكاديمية وسياسية لسياسته الخارجية التي اتسمت بالاستمرارية وثبات التوجهات منذ وصوله للحكم عام 2002. ويكمن التغيّر الأساسي في سعي تركيا للعمل بفاعلية ضمن التحالفات الغربية وبالتنسيق معها في جوارها المباشر والابتعاد عن العمل وحدها، بعد أن كانت تسعى لاستقلالية دورها الإقليمي وتحديد أجندة المنطقة. كما يكمن التغيّر في سعيها لإحياء الدور الإقليمي باتجاهٍ تدّخلي أمني وعسكري، ومحاولة إظهار القوة وقدرات الردع، بتنسيق مع الحلفاء أيضًا.

ويرتكز تبلور النهج الجديد على مساهمات نظرية سياسية قُدمت منذ بداية تداعي ثورات "الربيع العربي" وتنامي انعكاساتها السلبية على تركيا. فقد بحثت المراجعة الأولى في عام 2012 الحاجة إلى تدخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" لمصلحة التغيير في الشرق الأوسط، وبخاصة بعد تفاقم الأزمة السورية، وأظهرت الدور المهم الذي يمكن أن تقوم به تركيا عبر الحلف بوصفها عضوًا فاعلًا وركنًا أساسيًا فيه. وفي عام 2013 ناقشت المراجعة الثانية نهج "الدبلوماسية الإنسانية" التي تعطي أولوية للعمل الإنساني من جهة، وتركز على توسيع نشاط تركيا دوليًا بعد تفاقم مشاكلها وتوتر علاقاتها مع مزيد من دول المنطقة من جهة أخرى. وأكدت الثالثة في عام 2014 على الحاجة إلى "استعادة تركيا" عبر تعزيز الديمقراطية، والاقتصاد، والدبلوماسية النشطة مجددًا في المنطقة ولكن عبر التحالفات الدولية.

ومع أنّ نتائج الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 أعطت زخمًا جديدًا لحزب العدالة والتنمية ودعمًا سياسيًا ومعنويًا لسياساته وتوجهاته الخارجية التي واجهت انتقادات داخلية وخارجية كثيرة في الفترة الماضية، فإنه أكد بعد فوزه على خيار "السياسات التوافقية" والتهدئة داخليًا، لتمكينه من أداء دورٍ إقليمي يركز على "توافق" حلفاء تركيا على أهداف مشتركة وقيادة عمل جماعي دولي ضد التهديدات الجديدة، وهو ما يتسق مع مراجعاته السابقة.

تناقش هذه الدراسة التغيّر الذي يجري في السياسة الخارجية التركية في مرحلة ما بعد "الربيع العربي" وحتى الآن، من خلال رصد المراجعات الأكاديمية والسياسية لحزب العدالة والتنمية ومدى مساهمتها في بلورة النهج الجديد، ومدى تأثير نتائج الانتخابات البرلمانية الحاسمة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في هذا النهج. كما تناقش الأولويات التركية إزاء قضايا الأمن القومي والتهديدات الإقليمية المتنامية، وبخاصة تركيزها على إنشاء "المنطقة الآمنة" في شمال سورية، التي توافقت مع الولايات المتحدة على تحويلها إلى "منطقة خالية من داعش"، وتحلل مدى مساهمة هذه المنطقة في تقليص هواجس تركيا تجاه تنظيم "داعش" والأكراد واللاجئين. ومع تزايد النفوذ الدولي والإقليمي في سورية، تناقش الدراسة خيارات تركيا، وبخاصة بعد التدخل العسكري الروسي، ومدى إمكانية لجوء تركيا إلى نهج تدخلي عسكري أيضًا، عبر التعاون مع الحلفاء، لإظهار قدراتها وتصحيح توازن القوى في المنطقة.