خريطة تايوان بلون علمها بين كتلتين إحداهما بعلم الولايات المتحدة والأخرى بعلم الصين
أوراق استراتيجية 23 يونيو ، 2025

تايوان: بين مواجهة العزلة الصينية والغموض الاستراتيجي الأميركي

لبنى الصويت

​باحثة مهتمة بدراسات النزاع والحوكمة والسياسات الأمنية​.

مريم مروان

​باحثة في العلوم السياسية والدراسات الأمنية النقدية​.

آدم الرمزاني

​باحث في الشؤون الدولية والأمنية، مهتم بتحليل النزاعات والتحولات الجيوسياسية​.

محمد البعثماني

​باحث مهتم بالدراسات الأمنية ومكافحة الإرهاب​.

​​مقدمة

​تقع تايوان بين سواحل الصين الشرقية والمحيط الهادئ، حيث تتناثر حولها مجموعة من الجزر التي تشكل في مجملها ما يُعرَف بـ "سلسلة الجزر الأولى"، الممتدة من جزر اليابان شمالًا، مرورًا بتايوان، وصولًا إلى الفلبين في الجنوب. بهذا، تُعدّ الجزيرة نقطة تماسٍ جغرافية حساسة بين المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي، وحلقة مفصلية وجسرًا حيويًا يربط هاتَين المنطقتَين. ومن هذا المنظور، تعد تايوان جزءًا من الحاجز الاستراتيجي الذي تحاول الولايات المتحدة الأميركية أن تفرضه على الصين، والذي يتشكل من شبكة من القواعد العسكرية الممتدة من اليابان وكوريا الجنوبية إلى غوام وأستراليا. لذا، تمثل تايوان عائقًا طبيعيًا واستراتيجيًا أمام حرية الانطلاق البحري الصيني نحو المحيط الهادئ في حال وقوع صراع مسلح بين الصين والولايات المتحدة؛ إذ ترى الأخيرة في تايوان حصنًا متقدمًا يعزز وجودها في المحيط الهادئ، ويضمن إبقاء الصين محصورة ضمن مياهها الإقليمية؛ ما يجعل الجزيرة نقطة ارتكاز في لعبة النفوذ العالمي. بهذا المشهد الجغرافي الاستراتيجي، تظل مسألة تايوان بؤرة صراع ترتبط بالتنافس بين الصين والولايات المتحدة على النظام الدولي.

تتزايد أهمية دراسة التوتر حول تايوان في ضوء المستجدات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة. ففي آذار/ مارس 2025، تجدد الحديث عن "قانون مكافحة الانفصال" الصيني بمناسبة الذكرى العشرين لصدوره، والذي أقرّته الصين قبل عقدَين، ويجيز لها استخدام القوة العسكرية لاستعادة الجزيرة في حال أعلنت استقلالها رسميًا. وقد بات هذا القانون أكثر أهمية اليوم في ظل التصعيد الصيني المستمر، من خلال مناوراتها العسكرية في السنوات الثلاث الماضية، محاكيةً سيناريوهات حصار شامل لتايوان، فضلًا عن تنظيم تدريبات عسكرية قبالة سواحلها الجنوبية الغربية في شباط/ فبراير 2025[1]، التي اعتبرتها تايبيه استفزازًا خطيرًا يهدد استقرار المنطقة.

في هذا السياق، تواصل الصين تعزيز قدراتها العسكرية؛ إذ زادت ميزانيتها الدفاعية بنسبة 7.2 في المئة لعام 2025[2]؛ ما يعكس بوضوح إصرارها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وخاصة إزاء تايوان. ورغم هذا الوضوح في الأهداف والاستعداد، يظلّ الغموض محيطًا بالتوقيت الدقيق والوسائل التي تنوي الصين استخدامها، لا سيما مع التقديرات المتباينة بشأن القدرة الصينية على شنّ عملية عسكرية شاملة. فقد سبق أن أعلنت تايوان في عام 2021 أن الصين قد تمتلك القدرة اللازمة للغزو بحلول عام 2025، في حين قدّرت الولايات المتحدة حدوث مثل هذه الخطوة بحلول عام 2027، متزامنةً مع الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني وانعقاد المؤتمر الوطني الحادي والعشرين للحزب الشيوعي؛ إذ قد يعلن الرئيس شي جين بينغ عن تقدم حاسم في قضية تايوان[3]. وإذا كانت الولايات المتحدة حافظت رسميًا على سياسة "الغموض الاستراتيجي" حيال أزمة تايوان، مع تقديم دعم غير رسمي وعسكري، فإن موقفها الجديد بقيادة الرئيس دونالد ترمب يزيد المسألة تعقيدًا؛ فقد سُئِل عن احتمال استيلاء الصين على تايوان بالقوة، فقال: "لا أعلّق على ذلك، ولا أريد أن أضع نفسي في هذا الموقف"، وأضاف لاحقًا: "لديّ علاقة رائعة مع الرئيس شي [...] نريدهم أن يأتوا ويستثمروا في الولايات المتحدة [...] هناك الكثير من الأموال القادمة وسنستثمر في الصين [...] سنقوم بأعمال مع الصين [...] ستكون العلاقة التي سنقيمها مع الصين جيدة جدًا"[4]. يترك مثل هذا التصريح المجال مفتوحًا أمام تساؤلات حول طبيعة الرد المحتمل للولايات المتحدة وحدود التزامها بالدفاع عن تايوان خلال السنوات القادمة.

تستلزم هذه التطورات مقاربة تحليلية دقيقة لهذا الملف من زوايا متباينة ومجالات مختلفة، وهو جوهر هذه الورقة ومسعاها الرئيس. فأهمية المواجهة المحتملة تكمن في قدرتها على إعادة رسم ملامح النظام الدولي كما نعرفه اليوم. ومع أن العالم شهد في السنوات الأخيرة نموذجًا بارزًا للصراعات الجيوسياسية في أوكرانيا، فإن المسألة التايوانية تطرح تعقيدًا أشد وأعمق، نظرًا إلى اعتبار الولايات المتحدة أن الصين تمثل تحديًا رئيسًا لها عالميًا، وكذلك لتداخل المصالح الاقتصادية والعسكرية، فضلًا عن الحضور المحوري للولايات المتحدة في صلب المشهد وارتباطه بأمن المحيط الهادئ، حيث المنطقة الحيوية لها. لذا، فإن أي تحرك في هذا الصراع لا يقتصر على الصين وتايوان فحسب، بل قد يتجاوز حدودهما ليؤثر في توازن القوى الدولي.

تحاول هذه الورقة معالجة إشكالية أزمة تايوان، بوصفها بؤرة صراع جيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، وذلك من خلال تحليل معمق يسمح بفهم تعددية الأبعاد التاريخية والسياسية والعسكرية والاقتصادية للصراع، واستجلاء العوامل المؤثرة في توازن القوى الإقليمي والدولي. فتبدأ، أولًا، باستعراض الجذور التاريخية للنزاع بين تايوان والصين، وكيف أدى إلى نشوء حكومتَين متنافستَين، لكل منهما روايتها الخاصة حول الشرعية والسيادة. ثانيًا، تناقش السياسات الصينية الرامية إلى عزل تايوان، من خلال أدوات اقتصادية ودبلوماسية تهدف إلى تقليص نفوذها ومنعها من تحقيق اعتراف دولي واسع. ثالثًا، تعرض منظور تايوان واستراتيجياتها لمواجهة الضغوط الصينية، ومدى قدرتها على الحفاظ على استقلالها الفعلي في ظل التهديدات المتزايدة. ويتضمن المحوران الأخيران تحليلًا مقارنًا للقدرات العسكرية للطرفين، لإبراز اختلال موازين القوى بينهما. رابعًا، تبحث الورقة التدخل الأميركي والغربي، مستكشفةً كيف تحولت تايوان إلى نقطة ارتكاز في الصراع الجيوسياسي بين بكين وواشنطن. كما تتناول سياسة "الغموض الاستراتيجي" التي تتبعها الولايات المتحدة وتأثيرها في مسار الأزمة. وتبيّن الخاتمة أهم الاستنتاجات، محاولةً توضيح أكثر السيناريوهات احتمالًا في المستقبل، مع تسليط الضوء على الأسباب التي حالت حتى الآن دون غزو صيني مباشر لتايوان.


[1] Yimou Lee et al., “Taiwan Condemns China for ‘shooting’ Drills off Taiwanese Coast,” Reuters, 26/2/2025, accessed on 14/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zR7q

[2] Laurie Chen & Greg Torode, “China Maintains Defence Spending Increase at 7.2% amid Roiling Geopolitical Tensions,” Reuters, 5/3/2025, accessed on 14/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zQXB

[3] Gisela Grieger, “China’s Assertive Foreign Policy and Taiwan Unification Ambitions,” European Union, Directorate-General for Parliamentary Research Services, 26/7/2023, accessed on 14/4/2025, at: https://tinyurl.com/3v37x2vy

[4] Trevor Hunnicutt, “Trump Declines to Answer Question about China and Taiwan,” Reuters, 27/2/2025, accessed on 14/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zRk5