العنوان هنا
مقالات 02 فبراير ، 2021

مرايا متقابلة: أوباما ودبلوماسيّوه

طارق متري

رئيس جامعة القديس جاورجيوس في بيروت. عمل مديرًا لمعهد عصام فارس للسياسات العامة والعلاقات الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت في الفترة 2014-2019، وممثلًا خاصًا لأمين عام الأمم المتحدة في ليبيا في الفترة 2012-2014. وفي الفترة 2005-2011 عُيّن في أربع حكومات لبنانية متعاقبة؛ وزيرًا للبيئة والتنمية الإدارية والثقافة والإعلام، ووزيرًا للخارجية (بالوكالة). قام بالتدريس، أستاذًا ومحاضرًا وأستاذًا زائرًا، في جامعات القديس يوسف والبلمند وجنيف وأمستردام الحرة وهارفارد والجامعة الأميركية في بيروت. يرأس مجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومجلس أمناء متحف نقولا إبراهيم سرسق، وهو عضو في المجلس الاستراتيجي لجامعة القديس يوسف، وفي مجلس إدارة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

 

Burns, William J. The Back Channel: A Memoir of American Diplomacy and the Case for its Renewal. New York: Random House 2019, 501 pages.

Obama, Barrack. A Promised Land. New York: Viking, Penguin Books, 2020, 751 pages.

Power, Samantha. The Education of an Idealist: A Memoir. New York: Dey St., Harper Collins, 2019, 580 pages.

Rice, Susan. Tough Love: My Story of the Things Worth Fighting for. New York: Simon and Schuster, 2019, 531 pages.

 

يسارع نفر غير قليل من المعلقين والباحثين في قولهم إن الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، سيعود، في سياسته الخارجية على الأقل، إلى السير في الطريق الذي شقّه الرئيس الأسبق باراك أوباما. ويضرب عدد منهم رغبته في التفاوض مع إيران مثلًا بالغ الدلالة، أو يحسبون أن تعيينه أو ترشيحه شخصيّات خدمت في إدارة أوباما يشي بأمانته لإرث الرئيس الذي عمل نائبًا مخلصًا له طوال ثمانية أعوام. لذلك تراهم ينزعون إلى قراءة مذكرات أوباما الطويلة، وأخرى أقل منها طولًا لمساعدين بارزين له، وكأنهم سيصادفون في طيّاتها المبادئ والسياسات التي سيعمل بايدن على احترامها وتنفيذها منذ الأيام الأولى لولايته الرئاسية. لعلّ القراءة المتأنية تقينا من هذه النزعة؛ لأننا سرعان ما نجدها، مثلها مثل كل المذكّرات، حافلة بالشهادات الشخصية والعوامل الذاتية المؤثرة في الرؤى والقرارات، وتقدّم لنا أيضًا مادة ثمينة، لكنها أولية، لفهم التاريخ السياسي المعاصر للولايات المتحدة الأميركية.

ورغم اعترافهم أن الولايات المتحدة والعالم تغيّرا في الأعوام الأربعة الأخيرة، بفعل مواقف الرئيس السابق دونالد ترامب وبقوة أفعاله أو بمعزل عنها، لا يولي المستعجلون اهتمامًا كافيًا لما شهدته العلاقة بين السياسة الداخلية والخارجية من تحوّلات تدعو إلى شيء من الحذر في الجزم والتعميم عند القول بالانقطاع بين بايدن وترامب والاستمرار بينه وبين أوباما. ففي الماضي، كثيرًا ما سمح الفصل بين السياستين الداخلية والخارجية في غير مجال، فضلًا عن تقدّم الأولى على الثانية، باقتصار حدّة الانقسامات والصراعات السياسية على الشؤون الوطنية، بينما تتنوع الخيارات السياسة في المسائل الدولية داخل الحزبين المتنافسين أو تحظى باتفاقهما. أما اليوم، فالخلاف الداخلي حول هوية الولايات المتحدة يبدو طاغيًا على السياستين الداخلية والخارجية؛ ما يضعف، ولو قليلًا، احتمالات السير في مسالك أوباما. فالرئيس الأسبق انشغل بوحدة الأميركيين المتعالية على مصالحهم الفئوية في تأييد سياسته الخارجية الجديدة، في ابتعادها النسبي عن "الأوحدية" وعن النزعة إلى التدخل واستعمال القوة اللتين عرفتهما المرحلة السابقة. وازداد انشغالًا بالسعي وراء تحقيق تلك الوحدة، مستجيبًا لما عاينه من ميل لدى أكثرية الأميركيين إلى الانكفاء عن حروب العالم، ولا سيما التي قادتها بلاده، وصراعاته المتفجّرة، وكأنه سعى بذلك للتعويض عن عجزه عن تجاوز الانقسام السياسي والثقافي حول أهم القضايا الداخلية، الاقتصادية والاجتماعية.

نتعرف إلى عقلنة هذا النزوع عند الرئيس الأسبق أوباما في الجزء الأول من مذكّراته المعنونة أرض ميعاد المحبوكة على نحو قلّ نظيره في المذكرات التي درج المسؤولون، في الولايات المتحدة وخارجها، على كتابتها بعد الخروج من السلطة. صحيح أن أوباما يحدثنا عن حياته وعن ظروف تكوّن شخصيته الفكرية والسياسية، وإن بنسبة أقل من سواه، وعن أهم ما استطاعه وسعى إليه. وصحيح أيضًا أنه يصف هدوءه ورصانته وتواضعه وصبره وتردّده واحترامه للآخرين؛ وكأنه يبيّن لنا، وبطريقة لاواعية أو نصف واعية، أن الضد يظهر حسنه الضد. فنقارن مزاياه بنزق ترامب ونرجسيته وعدوانيته وقلة ثقافته وذوقه واحترامه للغير. إلا أن الكاتب يذهب إلى أبعد ويستفيض، أكثر من المألوف عند واضعي المذكرات، في عرض فلسفته السياسية من حيث تفاعلها مع الواقع السياسي والاجتماعي. ويكاد يسرد التاريخ الأميركي المعاصر ويفسره، وعينه تنظر صوب أسئلة الحاضر، شأن كل مؤرخ معني بالزمن المعاصر، لا فرق إذا ظهرت أمام أعيننا أم اختبأت وراء تموّجات الذاكرة وحبائلها وانتقائيتها المعروفة. ولعلّه يوفّق في إحالة القارئ إلى الأوضاع الراهنة من دون شبهة اصطناع أو سابق تعمّد. فعلى سبيل المثال، رغم أنه انتهى من وضع كتابه قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، نراه قلقًا إزاء معطوبية المؤسسات الديمقراطية الأميركية، وواثقًا في الوقت نفسه بقوتها ورسوخ مبادئها الناظمة في المخيال الجمعي أو الدين المدني الذي شهدنا خروجًا عليه منذ هزيمة ترامب الانتخابية وحتى انتهاك حرمة مبنى الكونغرس، أحد أماكن ذلك الدين المقدسة يوم 6 كانون الثاني/ يناير 2021.

ويبدو لنا أشدّ الأسئلة حرجًا عنده، وإن لم يفصح عنها على نحو جلّي، تتصّل بفكرة "الاستثناء الأميركي" التقليدية، والتي تبدّلت فيما بعد على يد ترامب. ففي أيام هذا الأخير، اتّسقت الفكرة مع انعزالية مستجدّة، تدير ظهرها لما كان يقال عن رسالة الولايات المتحدة أو دورها في العالم، لتمتلئ بلغو استعادة العظمة وغطرسة القوة. يفترض أوباما أن الولايات المتحدة لم تكن محبوبة في العالم كله، ولكنها كانت دائمًا محترمة. ولا يردّ هذا الاحترام إلى أنها ظلت دومًا مرهوبة الجانب، بل إلى تعدد قدراتها ومزاياها ونجاحاتها. ولكنه، مهما كان اعتزازه بهويته الأميركية المفرط أحيانًا، وفي تأكيد قناعته الراسخة بفضائل النظام الأميركي، يتجنّب الغلو في تمجيد الفرادة الأميركية الشائع بين الأميركيين. ويحذر من مجاراة القائلين بأن الولايات المتحدة أمة لا غنى عنها وأنها بمنزلة "مدينة على جبل"، بحسب العبارة الإنجيلية المصدر والمتكررة كاستعارة عند الحديث عن الاستثناء الأميركي. ويذهب مرة إلى حد اعتبار فكرة الاستثناء المذكور مجرد مرادف للخصوصية، فيعلن أنه يؤمن بها مثلما يؤمن أبناء القوميات الأخرى بالاستثناء البريطاني والروسي واليوناني. بطبيعة الحال، جاءت يومئذ ردود الفعل على قوله حادة، ولم يوفّق بسهولة في إخماد السجال من دون الاضطرار إلى التراجع، حتّى أنه، وفي مرات أخرى عديدة، لا يخفي عدم اعتراضه، بل موافقته، على تأكيدات مساعديه أن للولايات المتحدة دورًا قياديًا في دفع العالم نحو الأحسن.

وفي حالات أخرى كثيرة نجدنا أمام شخص يتردد طويلًا قبل اتخاذ موقف أو قرار، يأخذ الوقت الكافي ويقلّب المسائل ظهرًا على بطن ويتقلّب معها ويكثر من استشارة مسؤولي إدارته. ولا يبدو التردّد هذا مجرد طبع من طباعه، بقدر ما يكشف عن ازدواج في بعض آرائه وعن ميل إلى محاولة التأليف بين فهمين للسياسة متعارضين يتسببان للقائل بهما، مختارًا أو مضطرًا، في توتر يصعب التخلّص منه. ففي أكثر من مناسبة، يصوّر أوباما نفسه بصورة الحائر بين اعتماد سياسة واقعية في اعترافها بقوة النموذج الرأسمالي وإقرارها بعلاقات القوى وتشديدها على الدفاع عن المصالح القومية الأميركية وبين أوليّة التعلّق بالقيم والمبادئ الكونية، كما نجدها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والحرص على احترامها في الظروف كافة. إلّا أنه، وفي ما خلا حالات قليلة، يبدّد حيرته بالخضوع لما تأمر به الواقعية في أبرز القضايا الداخلية أو الخارجية. فيفصّل لنا مثلًا ما قام به من معالجات، إبان الأزمة المالية 2008، للوصول إلى درء الكارثة والمحافظة على النظامَين الاقتصادي والمالي، وإلى بثّ بعض الروح الإنسانية في الرأسمالية. في المقابل، يتفكّر في إمكانية تحويل الأزمة المذكورة إلى فرصة للحد من حجم التفاوت الاجتماعي. لكن خشيته من اضطراب النظام الاجتماعي تتغلّب على توقه إلى العدالة، وكأنه يحذو حذو أحد أسلافه، كالرئيس فرانكلين روزفلت، الذي قيل عنه إنه أنقذ الرأسمالية من نفسها.

ويتحدث عن تردّده، حين يدعى للتصدي لأنظمة تمارس الفظائع ضد شعوبها. فيبدي تفهّمًا لمبدأ "مسؤولية الحماية" للمدنيين وقبولًا لفكرة التدخل العسكري بدافع منها مرة واحدة، وفي حالة ليبيا، بينما يتحفظ حيالها في المرات الأخرى. وهو يفعل ذلك باسم الواقعية. وعلى غرار الواقعيين، لا يجد نفسه محرجًا، إلا قليلًا، في الإحجام عن تحميل الولايات المتحدة المسؤولية عن نتائج سياستها في دعم فئة من الأنظمة المستبدة، التي، مهما انتهكت حقوق شعوبها، بقيت حليفة لها في مناطق كثيرة من العالم. ونجده غالبًا ما يتجنب الحرج الخفيف بتشديده على أفضلية اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية، بالإقناع والإغراء والضغط، واستنفادها قبل التفكير في استعمال القوة. وتكاد الدبلوماسية عنده تنقلب إلى مراعاة لبعض الأنظمة وإيجاد المبررات لها عند التعامل معها، كما في حالة مصر، من باب صيانة المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها الكبار. ويوحي لنا أن اختيار جانب الدبلوماسية الصبورة يتأصّل في شخصيته حيث يحتل الأسلوب مكانة كبيرة لا تقل شأنًا عن المحتوى. ويحسبه أيضًا وفاء لوعوده الانتخابية، القائلة بطي صفحة الحروب السابقة، لا سيما في أفغانستان والعراق، والآخذة بنصائح العسكريين الكبار، ممّن استشارهم، الذين اكتووا بنار الحروب وعرفوا أتمّ المعرفة حدود القوة العسكرية وتكاليفها البشرية.

من جهة ثانية، يعترف أوباما أن الخطط والقرارات السياسية لا تولد من الدبلوماسية. ربما كان خطاب القاهرة في حزيران/ يونيو 2009 الموجه إلى المسلمين شاهدًا على ذلك؛ فهو يؤكد أن ما قاله أقل طموحًا مما ظنّه الكثيرون. لم يدّع رسم سياسة جديدة حان أوانها في ظنّ من خيّبهم غياب المتابعة العملية في تأسيس علاقة مختلفة بين الولايات المتحدة والعرب والمسلمين. لكنّه، بحسب قوله، لم يرم إلى أبعد من السعي لإزالة سوء الفهم، كما يسمّيه، والإشارة إلى أن المبدأ الناظم للعلاقة المختلفة بين الطرفين ليس محاربة الإرهاب دون سواها. لم يأت خطابه من معرفة عميقة بالإسلام والعالم الإسلامي. ولا يزعم أوباما خلاف ذلك. إلّا أنه يكرّر ذكر خبرته الإندونيسية حيث أتيح له أن يتعرف، في أيام فتوّته، إلى التنوع والتسامح والانفتاح في مجتمع انطبع تديّنه بالصوفية. ويقارن بين هذا التديّن وما يعرفه عن ممارسة الإسلام في المملكة العربية السعودية ويضعه على الطرف النقيض منه. ويتحدث أيضًا عن التجربة التركية المعاصرة بوصفها نموذجًا للتوفيق بين الإسلام والديمقراطية والعلمانية. ولا يغيّر رأيه بعد فتور حماسه بعد لقائه برجب طيب أردوغان، بل تبدو له تلك التجربة جديرة بالتأييد نظرًا إلى ما تعد به لجهة تدعيم ما يدعوه تيّار الاعتدال الإسلامي من دون أن يشرح بدقته المعهودة ما يعنيه هذا المصطلح. ولا يأتي على ذكر الإخوان المسلمين إلا قليلًا. وعند بلورة موقفه الأول والحذر من الثورات العربية، لا يتوقف عند السؤال حول أهليتهم لتسلّم الحكم. وحين يعدّل موقفه متجاوزًا حذره الأول ومتأثرًا بالأخذ والرد بين مساعديه من الشباب "الأمميين" والأكبر سنًّا منهم، لا يوحي من قريب أو بعيد برغبة الولايات المتحدة في إعطائهم فرصة لقيادة المراحل الانتقالية. عكس ذلك، يستعيد توجيهاته إلى مساعديه ومبعوثه إلى القاهرة عن ضرورة تأليف حكومة لا يسيطر عليها الإخوان المسلمون. وعلى هذا النحو، يدحض زعم البعض في مصر وليبيا وسورية أن الولايات المتحدة عملت، جهارًا وسرًّا، من أجل إيصال الإسلاميين إلى السلطة.

لم يجارِ أوباما الذين تلوثت قوميتهم الأميركية بكراهية الإسلام والتوجس من المسلمين ولم ينح نحو الثقافويين الذين يبرزون الفروق الحضارية بل يضخّمونها ويفسّرون العلاقات المضطربة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي انطلاقًا منها. أدرك أهمية المشكلات التاريخية والسياسات في تشكيل النظرات والمشاعر المتبادلة وصناعة المخاوف والعداوات. وكما يتبيّن من خطاب القاهرة، لم يفته في هذا السياق ذكر الظلم والإذلال الذي تعرّض له الفلسطينيون. أكثر من ذلك، يتناول أوباما تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي بلغة المطلّع على الوقائع التي تبيّن شرعية الحق الفلسطيني. غير أنه، في المقابل، يتحاشى الخروج عن الطابع العام للعلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي موقفه من قضية حيوية كمواصلة الاستيطان، يستند إلى الموقف الأميركي التقليدي لينفي عنه الشرعية. وفي الوقت نفسه، يشيح بنظره، وهذه ممارسة أميركية تقليدية، عن لاشرعية ما تفعله إسرائيل. بعبارة أخرى، يرفض الاستيطان ولا يبذل ضغطًا حقيقيًا لوقفه، ولا يختلف في ذلك اختلافًا كبيرًا عن أسلافه، رغم تعامل الإسرائيليين وأصدقائهم معه على نحو أقل تهيّبًا وودًا حياله من الذين درجوا عليه في العلاقة مع الرؤساء الأميركيين ورغم استفزازات بنيامين نتنياهو ووقاحتها. في ضوء كل ذلك، لا غرابة أن ينتظر الرئيس أوباما حتى السنة الأخيرة من ولايته الثانية لإعلان معارضته للاستيطان الإسرائيلي من طريق كسر العادة الأميركية المعروفة في ممانعة كل تدخل لمجلس الأمن في مناقشة المسائل المتصلة بالاحتلال وسبل الوصول إلى إنهائه وفي استخدام حق النقض للحؤول دون صدور أي قرار يتضمن إدانة، أو شبه إدانة، لإسرائيل. بطبيعة الحال، لا يناقش الجزء الأول من المذكرات بين أيدينا دوافع التغيير ذي الدلالة الرمزية، والضعيف الأثر، وظروفه. علينا انتظار الجزء الثاني علّنا نجد فيه تفسيرًا أو تبريرًا.

من جهتها، غضّت سامنتا باور نظرها عن هذه القضية التي تعنيها مباشرة، وذلك لأسباب غير مفهومة. فالسيدة المتحمّسة لنصرة الشعوب المظلومة، والتي عيّنها الرئيس بايدن مديرة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، كانت ممثلة الولايات المتحدة في منظمة الأمم المتحدة عند صدور قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2334 في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2016، ومقرّبة من أوباما. ففي مطلع ولايته كلّفها العمل، في جهاز مجلس الأمن القومي، من أجل منع حدوث الفظائع ووقوع الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان. لكنه، وأيًّا كان من أمر إشادته بها إلى حدود الإعجاب، عرفت علاقتهما الواقعية مدًا وجزرًا ملحوظين. فهو يشبّهها مرة بميزان الحرارة لضميره حين يتعلّق الأمر بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان. ويقول مرة أخرى إنها تزعجه بمثاليتها المتطرفة التي تقحم المعاير الأخلاقية في المسائل السياسية كافة. ويذكر أنه رفض اقتراحها، لدى مشاركتها في وضع مسودة خطابه في أوسلو بمناسبة تسلّمه جائزة نوبل للسلام عام 2009، والداعي إلى التشديد على تبنّيه المبدأ القائل بمسؤولية الحماية للمدنيين ضد اعتداءات حكوماتهم.

بخلاف صمت سامنتا باور في مذكراتها، تستعرض سوزان رايس، سلفها في تمثيل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، الظروف المحيطة برفعها حق النقض الأميركي ضد مشروع القرار في مجلس الأمن الدولي عام 2011 الذي يؤكد لاشرعية المستوطنات الإسرائيلية، ويستعيد الأسس التي يقوم عليها حل الدولتين. وتشير إلى أنها فوجئت بردة الفعل الإسرائيلية التي تنتقد تعليقًا لها، جاء فيه أن هذا التصويت لا يعني أن الولايات المتحدة تعتبر المستوطنات شرعية. ويبدو ممّا جاء في مذكراتها أن انزعاجها يعود إلى ما تحسبه سوء تفاهم أو تجاهلًا لسجّلها المؤيد لإسرائيل، والذي تذكّر به تفصيلًا. فهي تعتزّ بصداقتها مع شيمون بيريز الذي تعتبره أستاذًا لها، وتعدّد ما قامت به في الأعوام الأربعة التي أمضتها في نيويورك. فعلى يدها، انسحبت الولايات المتحدة من المؤتمر الدولي عن العنصرية، بسبب ما دعته انحيازًا ضد إسرائيل. وهي التي قادت الجهود المعارضة لانضمام فلسطين المبكر إلى الأمم المتحدة. ودافعت عن إسرائيل ضد محاولات لومها داخل الوكالة الدولية للطاقة النووية. وفي ما يتعدّى كل ذلك، يبدو لنا أن رايس، وفي أكثر من محطة من حياتها المهنية والسياسية، تحرص على إظهار انسجامها مع التيار الرئيس داخل النخبة الأميركية في تعاطفه مع إسرائيل وإن بأقدار متفاوتة. ويوحي حرصها هذا، مثلها كمثل أوباما، بالسعي لنفي الصورة النمطية عنها عند قسم كبير من تلك النخبة. وهذا ما يفسر بعض الغلوّ في توكيد وطنيتها الأميركية على حساب الهوية الخاصة التي تؤثر في أفكار وسلوكيات الأميركيين - الأفريقيين الذين تنتمي إليهم، كما في حالة أوباما، بحكم لون البشرة، وإن من دون الاشتراك معهم، إلا قليلًا، في الثقافة والمشاعر. وبوجه الإجمال، تكشف سيرتها الشخصية والسياسية، في مرآة مذكّراتها، عن تأثير التقلّبات الداخلية في فهم أدوارها في العلاقات الخارجية، بما يفوق ما نشهده عند الدبلوماسيين التقليديين. وهذا ما يخفّف من مفاجأة تسلّمها في أول أيام بايدن إدارة مجلس السياسة الداخلية.

أما وليم (بيل) بيرنز، نائب وزير الخارجية (2011–2014)، فيربط محدودية العمل من أجل الوصول إلى تسوية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بتناقص اهتمام أوباما بالشرق الأوسط لمصلحة التوجّه صوب آسيا. وبلغة مهذّبة يكتب عن رفع التوقعات العربية والإسلامية في خطاب القاهرة، وما آلت إليه الإخفاقات في الممارسة إلى تعميق الخيبات. وحين يسهب هذا الدبلوماسي، البالغ الحرفية والواسع الثقافة، في الحديث عن الثورات العربية وسياسة الولايات المتحدة حيالها، يوحي بأن هذه الأخيرة ظرفية ومتأرجحة بين الأحكام القيمية السريعة والحسابات المؤقتة. وفي مقارنة مضمرة بعهود رئاسية سابقة، يصل بنا إلى الملاحظة أن ما من سياسة متماسكة عند أوباما في التعامل مع الشرق الأوسط بديلة من السياسة السابقة أو منقطعة عنها. إلّا أنه يستثني، بطبيعة الحال، العراق الذي سبق أن عارض الحرب عليه ووعد بالانسحاب العسكري منه. كما يستثني إيران حيث أراد أن يبعد شبح المغامرات العسكرية ويحقق نجاحًا للدبلوماسية كبيرًا. ويميل بيرنز، الذي يتقن العربية ويعرف العالم العربي ويتفهّم قضاياه، نحو التماس العذر لأوباما في تقاعسه عن المتابعة الجدية للجهد الدبلوماسي المتعثّر الذي قام به مبعوثه إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل. ويعزو هذا التقاعس أولًا إلى تصلّب نتنياهو الشديد وقدرته على الضغط من داخل الولايات المتحدة. ويعزوه أيضًا إلى ما يسميه ترهّل القيادة الفلسطينية وإلى قلة اهتمام العرب بقضية الفلسطينيين. ومن دون أن ينتقد بصراحة حرج أوباما ومساعديه وتردّدهم في التصدي لنتنياهو، يعود بالذاكرة إلى صلابة جيمس بيكر، وزير الخارجية الأسبق، الذي منع نتنياهو لمدة ثمانية عشر شهرًا من دخول وزارة الخارجية بعد اتّهامه الإدارة الأميركية بالكذب.

لكن بيرنز يشيد ببراعة أوباما في إدارة ضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي الهادفة إلى تغليب الخيار العسكري في مواجهة إيران. ويشير أيضًا، وإن مداورة، إلى مقاومته الشخصية لصلف نتنياهو وتهويله حين عهد إليه بالمحادثات السرية في شباط/ فبراير 2013، والتي مهّدت للمفاوضات العلنية التي انتهت في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 بتوقيع "خطة العمل الشاملة المشتركة" حول برنامج إيران النووي. ويروي لنا بإسهاب قصة تلك المحادثات السرية والدور العماني، والأخذ والرد حول اقتصارها على المسألة النووية. ربما كان الحرص على النجاح، وفرصته لم تزد عن الخمسين في المئة بحسب أوباما، الدافع الأول وراء عدم توسيع جدول الأعمال ليشمل مسائل حيوية أخرى. ويذكر الدبلوماسي الأميركي سببًا إضافيًا ألا وهو طلب حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين ألّا تناقش في غيابهم سياسات إيران غير النووية. غير أنه، وفي نهاية فصله الطويل عن القناة الخلفية التي اختارها عنوانًا لكتابه، يعترف بضياع فرصة القيام بعمل أفضل في مواجهة المشكلات التي تتسبّب فيها سياسة إيران في المنطقة، أو على الأقل من خلال تأكيده أن الاتفاق النووي مدخل لسياسة أشدّ حزمًا تجاه إيران. بطبيعة الحال، يصعب التكهّن بحجم الدور الذي سيؤديه مستقبلًا في هذا المجال بحكم موقعه في إدارة بايدن مديرًا لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. لكن معرفة إيران والخبرة في التفاوض الصعب مع ممثّليها وفريقه ستستثمر بطريقة ما عند استئناف المفاوضات مع إيران، أو بالأحرى العودة إليها بصيغة واستعدادات جديدة. أضف إلى ذلك أن معاونَيه في المفاوضات مع إيران، جيك سوليفان ووندي شيرمان، عيّنا مستشارًا للأمن القومي ونائبة لوزير الخارجية.

يقول بيرنز في معرض الحديث عن المفاوضات مع إيران إنه كان يترتّب على الولايات المتحدة المجازفة في اتخاذ موقف أفضل ضد نظام بشار الأسد يكون في الوقت نفسه موقفًا من تدخّلات إيران في سورية ؛ ما يسهم في تبديد بعض القلق العربي الذي تحدثه. ولا يخفي صاحب المذكرات المكتوبة بعناية كبيرة معارضته وأسفه لإحجام الولايات المتحدة عام 2013 عن الرد على استخدام نظام دمشق غاز السارين ضد المدنيين متجاوزًا الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس أوباما عام 2012. وعدا ذلك، لا يخفي قناعته أن مأساة سورية هي فشل كبير للسياسة الأميركية. ويؤكّد أن غياب الموقف الحاسم لأوباما في أكثر من مرحلة من مراحل الكارثة السورية فوّت فرصًا لإحداث فرق جدي في مسارها. ولا يقتصر، في رأيه، هذا الغياب على تجنّب انخراط عسكري يراه أوباما بصورة التورّط، بل يظهر في وضع القيود الصارمة على دعم المعارضة بالسلاح، خلافًا لنصائح العسكريين في إدارته، وفي عدم الاستجابة للدعوة إلى إقامة مناطق آمنة في الشمال السوري، وفي إخفاق التفاوض مع روسيا على نحو يحقّق تعاونًا وتوازنًا يحدّ من انحيازها إلى دمشق، وصولًا إلى تدخلها العسكري دعمًا للنظام. ويفسّر موقف الرئيس الأميركي، محاذرًا تبريره، ببطء عملية اتخاذ القرار، في ظل معرفة أوباما المحدودة بسورية، وإطالة المشاورات وتوسيع حلقة المشاركين فيها واستيضاحهم وسؤالهم عن توقّعات ليسوا قادرين على ترجيح تحقّقها. ويذكر أن الرئيس نظر أحيانًا إلى دور الولايات المتحدة في سورية من زاوية تجربتها المتعثرة في أفغانستان، منذ دعم المعارضة المسلحة وصولًا إلى تعزيز وجودها العسكري وصعوبة الإسراع في الانسحاب وآثاره المحتملة. ويضيف أن صدف التزامن مع انقسامات ومشكلات داخلية، ومعها تعرّجات العلاقة بين الرئيس والكونغرس، وجدول أعمال هذا الأخير في الشؤون الداخلية، اضطرّته إلى مراعاته وطلب موافقته على عملية عسكرية في سورية.

لم تبتعد حجج سوزان رايس وسامنتا باور عن الموقف من سورية الذي دافع عنه بيرنز. لكن الدوافع والمشاعر المؤثرة فيها اختلفت باختلاف التواريخ الشخصية. فرايس تحمل في ذاكرتها وفي قلبها مرارة اللاقرار الأميركي في الحؤول دون جريمة الإبادة في رواندا أو وقفها. يومها، أي عندما كانت تعمل في مجلس الأمن القومي، أخفقت في دفع بيل كلينتون وإدارته في اتجاه قرار فاعل. أما باور فعندها إيمان لا يحتمل الشك بضرورة التدخل لحماية المدنيين، منذ تشكّل وعيها السياسي الأممي إبّان عملها الصحافي، أيام الشباب، بصفتها شاهدة على الجرائم المرتكبة في حق المسلمين في البوسنة والهرسك، ووضعها بعد سنوات قليلة كتابًا لفت أنظار دبلوماسيين كبار وسياسيين وعنونته: مشكلة من الجحيم: أميركا وعصر جريمة الإبادة.

وقبل الدخول في تفاصيل الخلاف حول سياسة إدارة أوباما في سورية، تصف رايس التباين بين جيلين من المسؤولين ومساعدي الرئيس الأميركي حيال الثورة على النظام المصري؛ فالكبار، سنًا ومقامًا، عارضوا الضغط على مبارك ودعوته إلى الاستقالة. ورأى الآخرون، وهي منهم، أنه على الولايات المتحدة الانحياز إلى التطلعات الديمقراطية للشباب في مصر والعالم العربي. وتقول إن التباين نفسه ظهر عند البحث في قضية سورية، لكن إدراكها لما تراه مأزقًا حقيقيًا حال دون انضمامها إلى الداعين إلى تدخل الولايات المتحدة لإقامة مناطق آمنة للمدنيين، وتوجيه ضربات عسكرية إلى النظام ودعم المعارضة دعمًا قويًا. شدّها منطق أوباما وإن لم تقبل كل فرضيّاته. وزاد تقديرها لتبصّره الاحتمالات كافة، وأبرزها التورط العسكري التصاعدي الذي يحرص على تفاديه. إلّا أنها لم توافق على عدم الرد عسكريًا على اجتياز الأسد الخط الأحمر الذي حدّده أوباما. ومهما يكن من أمر، فقد رأت أن خيارات أوباما صائبة، رغم وعيها أن الامتناع عن التدخل في سورية يثير سؤالًا أخلاقيًا ويراه البعض مناقضًا للقيم الأميركية. ورغم ذلك، تضيف أنها لو كانت صاحبة القرار لما فعلت غير ما فعل، باستثناء الدعوة إلى رحيل الأسد والإعلان عن الخطوط الحمراء الذي لم ينفع شيئًا. وخلصت إلى القول إن قلبها وضميرها يتألمان بسبب سورية، إنها منذ مجازر رواندا وهي تؤيد التدخل لموقف ارتكاب الفظائع في حق المدنيين شرط ألّا تكون المخاطر على مصالح الولايات المتحدة كبيرة، وكأنها تضمر أن التدخل في سورية يجازف بتلك المصالح.

ليس تقييم المصالح همًّا كبيرًا عند سامنتا باور؛ فهي نادرًا ما تنظر إلى سياسة الولايات المتحدة من هذه الزاوية، أو هكذا تريد أن نراها. تشدّد على واجبها الأخلاقي، وكأنها تضمر أن بلدها مدعو، ومؤهل أيضًا، أن يكون قوة للخير في العالم. ولا ينفصل الاعتبار الأخلاقي، الذي تلبسه أحيانًا لبوس اللغة السياسية، عن تشديدها المتكرر على الصدقية والمشروعية في أوليتهما على حسابات الربح والخسارة الظرفيين، بما فيها ما يتّصل باضطرار السياسيين إلى المراعاة الدائمة لميول ناخبيهم. ويظهر ذلك عندها جليًّا عند الدفاع عن مبدأ التدخل في سورية، لا عند اجتياز الخطوط الحمراء فحسب بل قبل ذلك وبعده، وذلك أمام أوباما ومسؤولي إدارته ومساعديه وفي اتصالاتها بأعضاء الكونغرس الذي قرر أوباما طلب موافقته. كما يظهر في ممارستها لدورها الدبلوماسي في الأمم المتحدة. ويظهر أخيرًا في شرحها المسهب لتعرّجات الموقف الأميركي، الرئاسي بخاصة، بشأن التعامل الحازم والفاعل مع جرائم النظام السوري في حق المدنيين. ويتّسع انشغالها بالصدقية بفعل العلاقات التي نسجتها منذ بدايات الثورة السورية مع شخصيات في المعارضة ومجموعات مدنية ونتيجة إصغائها إلى شهادات عدد من الضحايا ومساعدة قسم منهم بعد الخروج من بلادهم. ومما لا شك فيه أن نظرة باور إلى المدنيين بصورة أشخاص التقتهم ساهمت في زيادة إصرارها على الموقف المؤيد للتدخل، بوسائل مختلفة وبحسب المراحل المختلفة، بل دفعتها نحو العناد في تفنيد حجج المتحفظين والمتردّدين، مثل قولها بشرعية التدخل العسكري باسم القانون الدولي ومبدأ حماية المدنيين كما فعل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو من دون الحصول على قرار متعذّر لمجلس الأمن. وتبيّن كيف وصل بها هذا الاصرار إلى مجادلة الرئيس نفسه حتى إثارة غضبه أكثر من مرة. وهي لا تخفي أن تلك الحجج ذكّرتها بالتي استخدمتها إدارة كلينتون لتبرير تقصيرها في وقف جرائم الإبادة في رواندا. وتوحي بأنها، من البداية، استشعرت أن أوباما ليس متحمّسًا للتدّخل في سورية لقلّة حماسة الرأي العام الأميركي لها، ولأنه قارن أحيانًا بين احتمال التورّط فيها والتورط في العراق وأفغانستان الذي عارضه. غير أنها لاحظت بعدئذ تغيّر اتجاهه واعتماد خيار الضربات العسكرية العقابية لتتفاجأ بتغيّر موقفه مرة ثانية، بعد تأرجحٍ بين الارتباك والحسم.

وتتفّق باور مع بيرنز ورايس في الإقرار أن تدهور الأوضاع في ليبيا جعل الكثيرين في الولايات المتحدة أكثر شكًا في قدرة أي تدخّل عسكري على تحقيق أهدافه المعلنة. ويضرب الثلاثة، كل من زاويته، مثالًا عن استخدام الروس تكرارًا ما وصفوه بالفشل الغربي قي ليبيا حجةً على أي إجراء دولي في حق النظام السوري بل رفضًا لمجرد إدانته، خشية أن تكون بمنزلة تمهيد لعمل عسكري ضده. أكثر من ذلك، جنح أوباما نفسه لمقارنة سورية بليبيا في معرض تساؤله عن جدوى العمليات العسكرية ضد الأنظمة التي تنتهك حقوق الناس على نطاق واسع. وقبل ذلك، أي في مستهل البحث حول ما تستطيع المجموعة الدولية فعله لحماية المدنيين الذين يهدّدهم تقدّم جيش القذافي، لم يبدِ استعدادًا للتدخل لا لبس فيه. يل اكتفى بدعوة الرئيس الليبي إلى التنحي بعدما فقد شرعية الحكم، وفرض عقوبات اقتصادية، وجمّد الأصول الليبية في المصارف الأميركية، وأيد بقوة قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بحظر دخول السلاح وإحالة قيادييّ نظام طرابلس إلى المحكمة الجنائية الدولية. وحين علت الأصوات المطالبة بعمل عسكري ضد القذافي، رأى في ذلك دليلًا على التقدم الأخلاقي في الولايات المتحدة صاحبة التاريخ الطويل من قلّة الاكتراث بما تفعله ضد شعوبها الأنظمة الاستبدادية الحليفة. لكنّه أضاف أنه بقدر ما شارك دعاة إنقاذ الأبرياء من الطغاة دوافعهم، ساوره القلق من شنّ أي عملية عسكرية ضد ليبيا، متسائلًا عن الحدود التي يقف عنها واجب حماية المدنيين. وحاذر أيضًا فكرة زجّ الولايات المتحدة في حرب وفي بلد بعيد ليس لها فيه مصلحة استراتيجية. واستشهد بأحد مساعديه الذي قال له إن الرأي العام الأميركي لا يهتمّ بليبيا وإن تسعة من عشرة مواطنين لا يعرفون أين تقع تلك البلاد. وعند استشارته العسكريين، أعيدت إلى الأذهان تجربتا أفغانستان والعراق، وأيّد نائب الرئيس جو بايدن رأيهم المعارض للمشاركة في حملة عسكرية، أيا كانت المبرّرات. وكعادته، تأرجح أوباما بين اعتماد هذا الرأي وتفهّمه لما سمعه من وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون لجهة ضرورة الاستجابة للمعارضة الليبية فضًلًا عن رايس وباور ومعهما بيرنز وأنتوني بلينكن، الذي أصبح في عهد بايدن وزيرًا للخارجية، والذين دافعوا عن سياسة منسجمة في دعم الحركات الشعبية المطالبة بالديمقراطية في العالم العربي وعن مسؤولية الولايات المتحدة في حماية المدنيين. ووصل بعد مناقشة وتفكّر كثيفين إلى خطة للتدخل قابلة للنجاح. فقرّر أن تشارك الولايات المتحدة في العملية العسكرية، مع توزيع للعمل مع الدول الأوروبية والعربية متفّق عليه مسبقًا، على أن تترك للأوروبيين تحمّل مسؤولية إعادة البناء في ليبيا ومساعدتها في التحوّل إلى الديمقراطية.

غني عن القول إن تنفيذ الخطة المذكورة لم يكن سهلًا من الناحية السياسية، كما استفاضت في تبيانه سوزان رايس من خلال سرد دقيق لما قامت به في الأمم المتحدة ودورها في استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي يأذن للدول الأعضاء، تحت الفصل السابع، باتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المدنيين والمناطق الآهلة. وبحكم مسؤوليتها، لم تؤد دورًا كبيرًا في ضمان تقسيم العمل الذي أراده أوباما. لكنّها لم تبذل أي جهد ملحوظ لتأكيد الانكفاء الأميركي بعد انتهاء العمليات العسكرية، حتى بعد الحملة التي تعرّضت لها في الكونغرس إثر تصريحها لوسائل الإعلام عن الطابع العفوي لانطلاقة المظاهرات في بنغازي في أيلول/ سبتمبر 2012 والتي انتهت بمقتل السفير الأميركي وثلاثة موظفين آخرين. وحين انتقلت إلى البيت الأبيض، مستشارةً للأمن القومي، لم تكتف خليفتها في نيويورك سامنتا باور بعدم إظهار أي نزعة إلى الانكفاء الأميركي. ذهبت أبعد من ذلك إلى انتقاد مخفف لأوباما في اتكاله على أوروبا لمتابعة العمل في مساعدة ليبيا بعد التدخّل العسكري، وإلى تمنّيها لو أن الولايات المتحدة قامت بدور أكبر في هذا الصدد، لمّا اتضح أن أوروبا لم تقم بكامل المهمة المطلوبة. أما بيرنز، فبعد تشديده على ضرورة الاعتراف بحدود النفوذ الأميركي وتأثيره في مآلات الثورات العربية، يقرّ بالأخطاء المرتكبة في ليبيا. فعلى غرار رايس وباور، لا يناقش صوابية تردّد أوباما ومن ثم قراره بالتدخل في ليبيا. غير أنه يتحدث بصراحة عن الفشل في صنع سياسة متماسكة ومستدامة بعد سقوط معمر القذافي، إضافة إلى سوء تقدير لدور حلفاء الولايات المتحدة العرب، في مصر والخليج، والتقليل من ضغوط الثورة المضادة التي ساهموا فيها.

غني عن القول إن المذكرات الثلاث لا تخفي تمايزًا، بدرجات متفاوتة، عن رؤية أوباما ومشاعره وحساباته الداخلية، بالنسبة إلى قضايا فلسطين ومصر وسورية وليبيا وغيرها. وأيًا كان من أمر التساؤلات والمراجعات التي سمعتها منهم شخصيًا وتململهم المتحفّظ الذي عاينته حين كنت مبعوثًا للأمم المتحدة إلى ليبيا، فإن هامش الدبلوماسيين الثلاثة في التمايز ظل ضيّقًا، لا بسبب واجب الانصياع لرئيسهم وطاعة أوامره الرئاسية فحسب، بل بفعل تأثّرهم بقوة شخصيته وعقلانيته واتساع معرفته وحسن إدراكه لما تتيحه موازين القوى الداخلية. فهل يختلف الأمر مع الرئيس الجديد؟