دراسات 10 فبراير ، 2011

انعكاس قيام دولة الجنوب على الوضع في السودان وعلى دول الجوار

الكلمات المفتاحية

إجلال رأفت

أستاذة غير متفرغة في ـ"قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة"، وهي متخصصة في الدراسات الأفريقية. حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة. وعلى ماجستير في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة. ونالت دكتوراه الفلسفة في الدراسات الأفريقية من معهد البحوث والدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة. عملت مدرسا مساعدا من 1973 حتى 1978 في ـ"معهد البحوث والدراسات الأفريقية –جامعة القاهرة". ثم مدرسا من 1978 حتى 1984 في نفس المعهد. وعيّنت أستاذة مساعدة من 1984 حتى 1990 بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة. وهي من 1990 أستاذة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية –جامعة القاهرة. نشرت العديد من الأبحاث والدراسات عن غرب أفريقيا والقرن الأفريقي والعلاقات المصرية الأفريقية والعلاقات الفرنسية الأفريقية وعن أزمات السودان وبخاصة جنوب السودان ودارفور وعن العلاقات المصرية الأفريقية وبخاصة المصرية السودانية. وأشرفت على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في مجال الدراسات الأفريقية والسودانية ، كما شاركت في مؤتمرات دولية داخل مصر وخارجها ناقشت القضايا السودانية والأفريقية وحقوق الإنسان. وهي عضو "الجمعية الأفريقية للعلوم السياسية AAPS"، و عضو "الجمعية العربية للعلوم السياسية"، و عضو "مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في أفريقيا CODESRIA" و عضو "المجلس المصري للشؤون الخارجية". وهي عضو مؤسس للمنتدى الأهلي مصر والسودان : فرع القاهرة.

جرى استفتاء حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، في 9 كانون الثاني/يناير 2011، كاستحقاق لاتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان (الجيش الشعبي لتحرير السودان) التي وُقِّعت في 9 كانون الثاني/ يناير 2005 في نيروبي، وأشرفت منظمة "إيغاد" على مراحلها كلها منذ 2002. وقد ورد النص الخاص بالاستفتاء في الفصل الأول من الاتفاقية الذي يحتوى المبادئ الأساسية المتفق عليها بين الطرفين(1). ثم استكمل بنص آخر في الفصل ذاته يشير إلى أن الاستفتاء سيجري تحت الرقابة الدولية، ويتم تنظيمه بصورة مشتركة بين الطرفين، وأنه سيؤكد، من طريق التصويت، إما وحدة السودان أو انفصال الجنوب في دولة مستقلة(2). وينتهي هذا الجزء بالمادة (2-6) التي تؤكد امتناع كل من طرفي الاتفاقية عن أي شكل من أشكال الإخلال باتفاقية السلام أو إبطالها من جانب واحد(3).

مقدمة

يتزامن هذا الاستفتاء العام لشعب الجنوب، بحسب نص الاتفاقية، مع استفتاء آخر خاص بسكان منطقة أبيي الحدودية، الذين سيقررون هل انهم  راغبون في أن تظل منطقتهم تابعة للشمال في جنوب ولاية غرب كردفان، أم يفضلون الالتحاق بالجنوب كجزء من ولاية شمال بحر الغزل. فإذا جاءت النتيجة لمصلحة الانضمام إلى الجنوب، يشارك سكان أبيي في الاستفتاء العام للجنوبيين(4).

غير أن هناك عقبة موضوعية أمام هذا الاستحقاق، برزت في الشهور الأخيرة، ألا وهي تعريف من هم "السودانيون الآخرون المقيمون في المنطقة" مع القبائل التسع للدينكا نقوك. وقد تركت الاتفاقية لمفوضية استفتاء أبيي وضع معايير الإقامة في المنطقة(5). واتفقت المعايير الدولية على أن الإقامة تعني المنزل والعمل والذين هاجروا من مواطنهم الأصلية بسبب الاضطهاد(6). غير أن المفوضية لم تتمكن ـ حتى كتابة هذه السطور- من البت في هذا الموضوع نظرا إلى حدة الاستقطاب بين قبائل المسيرية العربية الرحل، المستفيدين من الرعي في أبيي والأراضي التي تقع إلى جنوبها، وقبائل الدينكا نقوك التي تعتبر نفسها صاحبة الأرض الأصلية. وتؤيد حكومة الإنقاذ وجهة نظر المسيرية الذين يعتبرون أنفسهم مشاركين للدينكا في ملكية الأرض. وتؤيد الحركة الشعبية الدينكا نقوك استنادا إلى أنهم السكان المقيمون في المنطقة إقامة دائمة. ولم يجد الطرفان - الحكومة والحركة- حلا إلا في تأجيل استفتاء أبيي إلى ما بعد إتمام استفتاء  9 كانون الثاني/يناير، على أن تحل مشكلة أبيي خلال الفترة الانتقالية الممتدة من ظهور نتيجة الاستفتاء إلى9 تموز/يوليو 2011، وهو تاريخ انتهاء صلاحية اتفاقية السلام الشامل.

على أن طرح فكرة حق تقرير المصير للجنوب لم تكن اجتهادا خالصا من أعضاء منظمة "إيغاد" الذين أشرفوا على مفاوضات نيفاشا. فقد كان هذا الحق مطلبا للجنوبيين في فترات تاريخية سابقة، وظل يتأرجح بين الفيدرالية مع الشمال والانفصال عنه، حتى أقرته في بداية التسعينيات من القرن المنصرم  مختلف القوى السودانية ولأسباب متباينة.

ولعل من المفيد، كمدخل لموضوع الدراسة هذه، أن نعِّرف بإيجاز متى وكيف دخل مبدأ حق تقرير المصير في أدبيات السياسة السودانية. فوعي الحقائق التاريخية يساعدنا على الرؤية الكلية للمشهد السوداني الآني، فنستطيع أن نحدد مقدار مسؤولية الداخل عن هذا المشهد قياساً على مسؤولية المجتمع الدولي عنه. فبعد أن سقطت الديمقراطية الثالثة في تموز/يونيو 1989 واستولى الجيش على السلطة في السودان، وصف جون غارانغ زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان الحدث بأنه خطيراً جداً، لأنه لم يكن انقلابا عسكريا بواسطة الجيش ومن أجله، بل كان انقلابا عسكريا باسم الجبهة الإسلامية، وهي حركة سياسية لها أيديولوجية ورؤية للمجتمع. وبالفعل لم تمر بضعة أشهر إلا وأعلنت الحكومة تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد. وترتيبا على ذلك حددت رؤيتها إلى الحرب الدائرة في الجنوب منذ 1955، فوصفتها بالحرب الدينية العنصرية بين المسلمين في الشمال والمسيحيين في الجنوب (7).

واكب الإعلان عن هذا التوجه انقسام داخلي حاد في الحركة الشعبية لتحرير السودان. وقد قاد المنشقين عن جون غارانغ لام أكول ومجموعته، الذي دعا إلى حق شعب الجنوب في تقرير مصيره، استناداً إلى رؤية انفصالية تعارض التوجه الوحدوي العلماني لجون غارانغ ومجموعته. فدعا إلى تكوين دولتين مستقلتين يكون بينهما نوع من التنسيق، وأسس رؤيته على رفض حكومة الإنقاذ التراجع عن موقفها المتشدد في تطبيق الشريعة.

وقد جاء رد جون غارانغ على هذا الإعلان في 12/9/1991، في اجتماع القيادة العليا للحركة الشعبية، حين قدم عرضاً جديداً للمشكلة أدخل فيه رؤية المنشقين، وأضاف إليه ما يلي: "في حالة عدم موافقة حكومة السودان على فكرة السودان الموحد العلماني الديمقراطي الفيدرالي، فإن الحركة في هذا الاتجاه تطرح على حكومة الإنقاذ وعلى المهتمين بحل المشكلة رؤيتين أو بديلين آخرين هما الكونفيدرالية بين دولتين مستقلتين ذاتا سيادة، أو حق تقرير المصير من خلال استفتاء على المستقبل لجنوب السودان"(8).

استثمرت حكومة الإنقاذ هذا الخلاف الجنوبي ـ الجنوبي، وعرضت على الفصائل الخمس المنشقة، موافقتها على حق تقرير المصير في محاولة لاستقطابها ضد جون غارانغ وتصفية حركته. وكان ذلك في فرانكفورت في كانون الثاني/ يناير 1992 في لقاء سري جمع علي الحاج ممثلا للحكومة ولام أكول ممثلا للمنشقين الجنوبيين. وفي العام 1994 اتفقت حكومة السودان والحركة الشعبية (الجيش الشعبي لتحرير السودان)  على ما يلي(9):

"....إدراكا لأهمية الفرصة المتفردة التي وفرتها مبادرة "إيغاد" للسلام للتوصل إلى تسوية سلمية، عن طريق التفاوض، للنزاع في السودان... يكون للطرف المعني (جنوب السودان) الخيار في تقرير المصير، بما في ذلك الاستقلال عن طريق الاستفتاء". وكانت هذه هي أول مرة التي يطرح فيها مبدأ حق تقرير المصير لجنوب السودان في منظمة "إيغاد".

أما التجمع الوطنى الديمقراطي الذي كان يمثل في ذاك الوقت الأحزاب والقوى المعارضة الشمالية والجنوبية، فقد وافق على مبدأ حق تقرير المصير في مؤتمر القضايا المصيرية في أسمرة 1995 في وثيقة جاء فيها (10)

  • - "خامسا:...التجمع الوطني الديمقراطي يدعم إعلان المبادئ الصادرة عن مجموعة إيغاد كأساس عملي للتسوية العادلة والدائمة.
  • - عاشرا: إن شعب جنوب السودان (بحدوده القائمة في أول كانون الثاني/ يناير 1956) سيمارس حقه في تقرير المصير قبيل انتهاء الفترة الانتقالية.
  • - حادى عشر: إن التعرف على آراء أهل منطقة أبيي فيما يتعلق برغباتهم في البقاء داخل الحدود الإدارية لإقليم جنوب كردفان أو الانضمام إلى إقليم بحر الغزال سيتم عبر استفتاء ينظم... قبل ممارسة الجنوب حق تقرير المصير. وإذا ما أظهرت نتيجة الاستفتاء رغبة أكثرية أهل هذه المنطقة في الانضمام إلى إقليم بحر الغزال فإنهم سيمارسون حق تقرير المصير كجزء من شعب جنوب السودان".

هكذا يتضح أن النص على حق تقرير المصير في اتفاقية السلام الشامل كاستحقاق أساسي للجنوبيين، ما هو في واقع الأمر إلا إقرار بواقع تشكل في ذهنية الجنوبيين قبل الاتفاقية المذكورة بسنوات طويلة. وكانوا مدفوعين إلى ذلك في البداية بمرارات الحروب التي خاضوها مع الشماليين. ثم جاء المشروع الإسلامي - السياسي للإنقاذ، ودعوة حسن الترابي إلى الجهاد ضد الجنوب لنصرة الإسلام ليقطعا أى أمل في استمرار السودان موحدا.

من ناحية أخرى يتضح مما سبق أن الحكومة والمعارضة وافقتا على حق تقرير المصير للجنوب بعد ما فشل كل منهما في إدارة التعددية العرقية والدينية التي يتميز بها. ويتحمل السودانيون الشماليون جزءً أساسيا من مسؤولية انفصال جنوب السودان،  والأسباب التي أدت إليه. وتأتي بعد ذلك مسؤولية الدول الخارجية التي حاولت، بطبيعة الحال، أن تستفيد أقصى استفادة ممكنة من هذا الواقع المتفسخ.

انعكاس قيام دولة الجنوب على الوضع داخل السودان

أولا: على المستوى الاقتصادي

دولة شمال السودان: لاحت في الآونة الأخير بوادر أزمة اقتصادية متصاعدة خاصة في المجالات التالية:

1- أخطر ما يواجهه الآن شمال السودان، هو أن اقتصاده تحول من اقتصاد إنتاجي يعتمد على الزراعة إلى اقتصاد ريعي يعتمد على إيرادات البترول. وقد حدث هذا التحول بسبب اعتماد الدولة شبه الكامل في العقد الأخير، على إيرادات البترول، وخصوصاً المستخرج من الجنوب. فقد وصلت نسبة تصدير النفط إلى إجمالي الصادرات في الشمال إلى 95%(11)، الأمر الذي دعا البنك الدولي إلى كتابة تقرير عن حالة السودان الاقتصادية، قدم فيه توصية إلى الخرطوم تقول إن هناك ضرورة ملحة في أن يقلل السودان اعتماده على إيرادات البترول، وأن يشجع الاستثمار في قطاع الزراعة، هذا إذا أراد أن يتجنب مستقبلا الأزمات الاقتصادية. وأضاف التقرير ان الزراعة في السودان هي البديل الجيد من البترول في شأن دفع التنمية إلى الأمام في المدى المتوسط، حيث تؤدي تنمية القطاع الزراعي إلى توزيع الثروات على سكان الريف في جميع أنحاء البلاد. فالاعتماد على البترول، كان من نتائجه السلبية أن ركز الثروة في العاصمة من دون الولايات الأخرى التي انخفض دخل الفرد فيها بدرجة ملموسة (12). وهذه الظاهرة بالذات كانت من أهم أسباب التمرد في الأقاليم الأخرى ما أدى إلى تسميتهم بأقاليم الهامش.  وأبرز الأمثلة على ذلك أزمة الجنوب التي بلغت خطورتها حد الانفصال، وأزمة دارفور التي تتفاقم،  وكذلك أزمتي الشرق وأقصى الشمال. وقد طاول الإهمال القطاع الزراعي، ومشروع الجزيرة الكبير الذي أنشأه الإنجليز في عام 1925 والذي تقلص كثيرا في السنوات الأخيرة. ويبدو أن من أسباب ذلك إهمال تنظيف الترع والمصارف ما أدى إلى مشاكل في الري(13).

فإذا علمنا أن انفصال الجنوب سيحرم شمال السودان 80% من البترول الذي أصبح يشكل جل صادراته، يصبح الوضع الاقتصادي خطيراً جداً. فمن الأمور السلبية التي ستنجم عن ذلك، انخفاض كبير في احتياطي العملة الصعبة يوازي الانخفاض في صادرات البترول. وقد تعوض الرسوم التي سيدفعها الجنوب للشمال مقابل مرور بتروله وشحنه من ميناء بورسودان، بعض الانخفاض في احتياطي العملة الصعبة، إلا أن هذا المرور معرض في المدى المتوسط أن يغير مساره من مناطق البترول في الجنوب إلى ميناء مومباسا في كينيا حيث يوجد مشروع بهذه الكيفية بين حكومة الجنوب والحكومة الكينية منذ سنة 2005 سنة (14). وفي هذه الحال سيفقد ميناء بورسودان أهميته ويفقد الشمال الرسوم سالفة الذكر.

واللافت أن الحكومة السودانية اتجهت إلى تركيز استخراج البترول من حقول الجنوب، وتركت حقول الشمال التي تشير الأبحاث إلى أنها موجودة بكميات كبيرة. وقد يعنى ذلك أحد أمرين: إما أن تكون الحكومة قد فضلت أن تبدأ بالمتاح لتوفير الوقت والجهد باعتبار أن اكتشاف البترول بدأ في الجنوب، وإما ان ذلك يتدرج  في خطة للحفاظ على بترول الشمال كاحتياطي استراتيجي في حالة انفصال الجنوب.

من ناحية أخرى، وصل الدين السوداني العام في سنة 2010 إلى 95ر51 مليار دولار(15). وهو بذلك يشكل 7ر97% من إجمالي الناتج المحلي للسودان(16). والمعروف أن المتخصصين يتجهون فى أثناء الأزمات المالية إلى مقارنة حجم الدين العام بالناتج المحلي لها، فذلك يشير إلى مدى قدرة الدولة على أن تتخلص من الأزمة. وكلما كان حجم الدين العام أقل من حجم الناتج المحلي، أعطى ذلك دلالات إيجابية على قدرة الدولة على التخلص من هذا الدين، والعكس صحيح. وعلى ذلك يتوقع أن تتزايد أزمة الشمال الاقتصادية،  وخصوصاً  عندما يفقد جل إيراداته من العملة الصعبة نتيجة فقده بترول الجنوب بعد الانفصال.

دولة الجنوب(17)

"الجنوب فقير ولكن إمكانياته غنية. نحتاج إلى مساعدات لتطوير القطاع غير النفطي". هذا ملخص للموقف الاقتصادي في الجنوب، صرح به وزير مالية حكومة الجنوب(18). وقد استفاضت تقارير البنك الدولي في تفصيلات هذا الموقف، الذي يمكن إيجازه بما يلي:

تحصل حكومة الجنوب 98% من إيراداتها من النفط، وهذا يعني أن الإيراد من الحقول الاقتصادية الأخرى يقارب الصفر. وبناءً عليه وجهت نائبة رئيس البنك الدولي للشؤون الافريقية أوبيا جلي أزيكويلي بعض النصائح لحكومة الجنوب، منها (19) :  

  • تقتضي حماية اقتصاد الدولة، ألا يعتمد الجنوب على البترول وحده، وأن يهتم بالقطاع الزراعي، فهو مرشح لأن يكون القاطرة التي تدفع التنمية في الجنوب لوجود أراضٍ خصبة كثيرة.
  • ضرورة التنويع في مصادر الدخل القومي، وتنشيط قطاع الخدمات والسياحة والاهتمام بتوفير الوظائف ورفع كفاءة الأداء.
  • يحتاج الجنوب إلى إصلاحات هيكلية لتوسيع نطاق اقتصاده وتشجيع القطاع الخاص وعلى وجه الخصوص أصحاب المشروعات الصغيرة، في سبيل خفض نسبة الفقر وتخفيف أعباء الدين الخارجي. والجدير بالذكر أن جنوب السودان يتفاوض مع الحكومة السودانية في الشمال لتحديد نصيبه في الدين العام.
  • أضافت السيدة أزيكويلي أن البنك الدولي مصمم على تنمية الجنوب، وأنه يلتزم أن يظل شريكا يمكن الاعتماد عليه. وسينصب جهده في الفترة المقبلة على بناء قدرة حكومة الجنوب وتحسين كفاءتها في الإنفاق العام(20).

غير أن الدكتور أحمد مجذوب أحمد، أستاذ الاقتصاد بجامعة أم  درمان، كان أكثر تشاؤما في رؤيته الموقف الاقتصادي في الجنوب الحالي والمستقبلي. فهو يقسم حال اقتصاد الجنوب إلى مرحلتين: الأولى، من استقلال السودان  في سنة 1956 حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005. ويقول الكاتب ان اقتصاد الجنوب في هذه المرحلة يساوي صفراً بسبب الحرب الأهلية في مراحلها المختلفة التي منعت التنمية. بل كان الاقتصاد في هذه الفترة الطويلة مستنزِفاً للاقتصاد القومي وتابعا له. أما المرحلة التي أعقبت 2005، فقد شهد الجنوب تحويل جزء من الموارد القومية إليه تنفيذا لبروتوكول تقسيم الثروة. غير أن بنيته التحتية ظلت بدائية، ولن تتغير بعد الانفصال، لأن التغيير سيمس عاملا واحدا فقط هو زيادة التدفقات المالية الناتجة عن النفط. وهذا العامل بمفرده لن يستطيع أن يحدث نقلة نوعية على المديين القصير والمتوسط. وأضاف الكاتب أن انغلاق اقتصاد الجنوب، واعتماده على دول الجوار يجعله رهيناً للأجندات الأمنية والسياسية لهذه الدول. كما يجب الأخذ في الاعتبار الصراعات القبلية وتحديات الاستقرار السياسي والاجتماعي(21).

ان بناء اقتصاد جنوب السودان سيشكل تحديات حقيقية لحكومة الجنوب، ويضعها بين شقي رحى هما: ضرورة التنمية،  وشروط المانحين الدوليين واستحقاقاتهم.

ثانيا: على المستوى السياسي

دولة شمال السودان: لا يبدو أن المشهد السياسي في الشمال بعد انفصال الجنوب، سيكون أفضل من المشهد الاقتصادي. فهناك قضايا قائمة يتوقع ان تزداد حدتها، وأخرى قد تبرز نتيجة لتقسيم البلاد. ونذكر فيما يلي أهم تلك التوقعات:

هناك بعض الشواهد التي تشير إلى أن أزمة دارفور ستتجدد مرة أخرى، ولكن بشكل أعنف. فما زال المسؤولون في حركة العدل والمساواة، وهي الأقوى عسكريا وسياسيا على أرض المعركة، يناورون في منبر الدوحة. وهم في الوقت ذاته موجودون في مدينة جوبا حيث تُرصد بعض الترتيبات مع حكومة الجنوب. فالحدود المشتركة بين جنوب كردفان وولايتي شمال بحر الغزال وغربه تلعب دوراً مهماً لمصلحة العدل والمساواة، حيث تسهل الحركة وعمليات الكر والفر لمقاتليها. وبذلك تكون بديلا من  التي اختار رئيسها أن يكون محايدا في هذا الشأن. وفي هذا الصدد من الجدير بالتذكر أن التنسيق بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والمتمردين في دارفور قديم، أي منذ ثورة يحيى بولاد في بداية التسعينيات. فقد كان جل العسكريين الذين حاربوا الحكومة آنذاك من الحركة الشعبية، عندما لم تكن الفصائل العسكرية الدارفورية قد تشكلت بعد. من الممكن أيضا عودة التمرد في الشرق، حيث لم تؤد اتفاقية أسمرة مع الحكومة السودانية إلا إلى مكاسب موقتة وشخصية. كذلك حركة كوش في الشمال التي تتخلق منذ فترة ولكنها لم تحمل السلاح بعد.

من ناحية أخرى عادت أصوات المعارضة الشمالية لترتفع من جديد ضد الحكومة، وتحِّملها مسؤولية تقسيم البلاد مع أن الخريطة السياسية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الماضية، أشارت إلى ضعف أحزاب المعارضة، إلا أن احتجاجات المعارضة ودرجة الغضب المتنامية التي تحركها، تكمل صورة عدم الاستقرار السياسي المتنامي في شمال السودان.  أما الأزمات التي يمكن أن يخلقها الانفصال، فأهمها مشكلة أبيي ومستقبل ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان/جبال النوبة. والواضح أن استفتاء أبيي خطير للغاية بسبب الاستقطاب الحاد بين الدينكا نقوك والحركة الشعبية من ناحية، وقبائل المسيرية وحكومة السودان من ناحية أخرى. وأهم أسباب هذا الاحتقان هو وجود البترول في هذه المنطقة. وحتى لو كان الاحتياطي في هذه الآبار ليس كبيراً، فإن جودة النوع المستخرج (الأفضل في السودان حتى الآن) يعطيه أهمية عالية في السوق العالمية. و تدعم الحكومة قبائل المسيرية العربية في موقفها المتشدد من ضرورة إشراكهم في التصويت في استفتاء أبيي باعتبارهم مواطنين يقيمون طوال ثمانية أشهر في السنة في تلك المنطقة للرعي، لسببين: البترول، وترجيح أصواتهم لبقاء أبيي ضمن الشمال. فإذا لم ينته هذا الخلاف سلميا، يمكن أن تندلع حرب أهلية بين الشمال والجنوب.

يؤدي انفصال الجنوب إلى إبراز مسألة ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان/جبال النوبة الحدوديتين. فتنص اتفاقية السلام الشامل في الفصل الخامس على المشاورة الشعبية للبرلمانين في الولايتين. وهي عبارة عن حق السلطتين التشريعيتين في هاتين الولايتين في  مراجعة مواد الدستور التي تراها معطلة لتطبيق اتفاقية السلام. وفي هذه الحال تتفاوض مع الحكومة على تعديلها أو إلغائها. وهذا باب مفتوح لطلب الانفصال لشعب الولايتين. فإذا تحقق هذا الاحتمال يكون السودان قد خسر نحو ثلث أراضيه.

دولة جنوب السودان: هي كيان يتشكل الآن، وعلينا أن نتوقع ندرة، وأحيانا غياب، العناصر اللازمة لتكوين "الدولة". فجنوب السودان يعاني القبلية التي مازالت الأساس في تكوين المجتمع. وهذا التعدد القبلي يؤدي أحيانا إلى اشتباكات. ثم ان هذا النوع من الانتماء يستغل أحيانا من خارج هذه المجتمعات لزعزعة الاستقرار، لأهداف سياسية محددة. فقد استخدم الشيلوك وأحيانا بعض عناصر الدينكا لإيجاد معارضة مسلحة ضد حكومة الجنوب الموقتة.

من ناحية أخرى هناك غياب شبه كامل للبنية التحتية، ما يشكل تحديات حقيقية للدولة العتيدة في الجنوب،  فهي تفتقر، حتى الآن، في غالبية أقاليمها، وحتى في بعض عواصم تلك الأقاليم، إلى محطات الكهرباء ومحطات تنقية المياه والمدارس والجامعات والمستشفيات والوحدات الصحية الصغيرة. كما تغيب أحياناً الخبرات الحديثة التي تشكل رافعا أساسيا لدفع التنمية إلى الأمام. وعلى سبيل المثال ثمة غياب لتكنولوجيا الزراعات المطرية ووسائل الري الحديثة والطب البيطري وهو مهم في الجنوب حيث تشكل الأبقار الثروة الأهم لدى المواطنين. وترتفع نسبة الأمية إلى أكثر من 80%، ما يشكل عائقا كبيرا أمام  بناء هذه القطاعات الغائبة، وخاصة أن عودة المتعلمين الجنوبيين الذين يعيشون في دول المهجر الأميركية والأوروبية، والذين يعول عليهم كلبنة واعية من لبنات بناء المجتمع، يُشك كثيرا في عودتهم الطوعية إلى الوطن، على الأقل في المدى القصير.

هناك مشكلة أخرى تشكل عائقا أيضاً في سبيل بناء الدولة في الجنوب، هي غياب المؤسسية بمعناها المدني الحديث. فمازالت "القبيلة" بعاداتها التقليدية، هي المؤسسة الوحيدة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا التي يلجأ إليها المواطن. والأمل معقود على الحركة الشعبية لتحرير السودان، باعتبارها نواة لأول مؤسسة مدنية حقيقية في الجنوب، كي تجمع الجنوبيين من القبائل كلها حول هدف واحد هو بناء "السودان الجديد" الذي تشكل فيه المواطنة أساسا لحقوق المواطن وواجباته بغض النظر عن دينه وعرقه وثقافته. هذه المؤسسية الحميدة للحركة الشعبية، يخشى عليها من التحول إلى شمولية تتمدد في الفراغ السياسي للجنوب على حساب الآخرين. فالتطبيق العملي للأفكار والنظريات ليس بالأمر السهل، وخاصة في الأحوال السالفة الذكر. فليس من المتوقع أن تطبق الحركة الشعبية، على الأقل في المدى القصير، الديمقراطية المرجوة. ففضلا عن مشكلات البناء التي ستواجهها داخليا، هناك مخاطر خارجية يمكن رصدها منذ الآن. فقد تستمر دولة الشمال مثلاً في تجنيد المعارضة القبلية المسلحة في الداخل (لام أكول والضابط آتور). كما أن وجود "جيش الرب" على حدود الدولة الجنوبية يمثل خطراً مزدوجاً، لأنه، أولاً، مازال يجند ميليشياته المعروفة بالعنف الدموي على الحدود الأوغندية مع جنوب السودان للقيام بعمليات السلب والنهب التي تطول المواطنين الجنوبيين في المناطق المحاذية لأوغندا، ثانياً، تستخدم حكومة الشمال هذا التنظيم لزعزعة الأمن في الجنوب. فقد صرح زعيمه جوزيف كوني في 2005، أن حكومة الخرطوم تسانده ليزعزع الأمن في جنوب السودان، ويخلق المشاكل للحركة الشعبية لتحرير السودان(22). وتأتى تصريحات الرئيس الأوغندي موسيفيني لتؤكد ذلك(23).

انعكاس قيام دولة الجنوب على دول الجوار

يؤثر انفصال جنوب السودان في جواره المباشر وغير المباشر في بعض القضايا الحيوية. كما تتأثر الدولة الوليدة بمحيطها، حيث تتعرض للشد والجذب من تيارات سياسية واقتصادية مختلفة. ويبرز هذا التأثير والتأثر في خمس قضايا هي الأهم في المشهد السياسي الإقليمي على الأقل في المدى المنظور.

1- أثر انفصال جنوب السودان في وحدة الدولة الإثيوبية

إن تطبيق حق تقرير المصير على شعب جنوب السودان،  هو أول حالة في أفريقيا يتم فيها إعمال هذا المبدأ على أقلية ثقافية من مواطني دولة مستقلة (24). فقد اعترفت المواثيق الدولية بهذا الحق للشعوب المستعمرة، وحرصت على استبعاد تطبيقه على أقلية ثقافية في دولة مستقلة للحفاظ على استقرار الدول. وقد أكد الاتحاد الافريقي هذا النهج بأن نص في ميثاقه على ضرورة الحفاظ على الحدود الموروثة من الاستعمار في القارة الأفريقية.

غير أن حق تقرير المصير قد يرد، من حيث المبدأ، في معاهدة بين دولة مستقلة وأقلية ثقافية في داخلها، وذلك في أحوال معينة وبرضاء الطرفين. في هذه الحال يأخذ المبدأ المذكور شرعيته القانونية من المعاهدة. هذه هي حالة جنوب السودان التي اعتمدت على اتفاقية السلام الشامل في سنة 2005 والتي فتحت الباب لمراجعات كثيرة في جوارها. والمثال الواضح لذلك هو الحالة الاثيوبية. فبالإضافة إلى أن لهذه الدولة مشكلات مع عدد كبير من القوميات المختلفة، فإن دستورها الصادر في سنة 1994 يقر بأن لكل قومية من هذه القوميات الحق في طلب تقرير مصيرها(25). والخطير في الأمر أن بعض هذه القوميات أو الشعوب لها عداءات تاريخية ضد الدولة الاثيوبية أهمها الأورومو والصوماليون مـن سكان الأوغادين.

وتقود جبهة تحرير أورومو الكفاح ضد الدولة منذ 1993، والهدف نيل الحكم الذاتي لإقليم أروميا. وقد وافق المتمردون في اجتماع مع إدارة الرئيس مليس زيناوي في هولندا في كانون الثاني/يناير 2009 على أن يقبلوا الدستور من حيث المبدأ، ثم يشرعون في محادثات مع الحكومة الإثيوبية في شأن أحقيتهم دستوريا في هذا المطلب. وكانت ردة الفعل الاثيوبية اتهامها إريتريا بدعم هؤلاء المتمردين (26). وفي هذا الإطار يُفهم موقف الرئيس زيناوي، الذي حذر أكثر من مرة من أن انفصال جنوب السودان سيشعل نار الحروب في أفريقيا.

2- أثر انفصال جنوب السودان في الأمن القومي المصري

أ- المياه: عند استقلال الجنوب، ستصبح الدولة الجديدة هي الدولة الحادية عشرة لحوض النيل (27)، وستصبح أيضاً دولة منبع حيث يوجد حوض بحر الغزال في داخل حدودها. وبطبيعة الحال ستكون عضويتها في هذا التجمع النيلي مؤثرة سلبا أو إيجابا وخاصة في مصر (28).  ولا بد، هنا، من نطرح التساؤلات المشروعة التالية:

  • هل ستنضم دولة جنوب السودان إلى اتفاقية عنتيبي لسنة 2010 التي تطالب بإعادة توزيع حصص مياه النيل على دول الحوض، والتي رفضت كل من مصر والسودان التوقيع عليها؟
  • هل ستطبق الدولة الوليدة المبدأ القانوني في توارث المعاهدات من الدولة الأم، فتنضم إلى مصر والسودان وتعترف باتفاقية 1959 وبالاتفاقيات التاريخية المبرمة في بداية القرن العشرين؟
  • هل ستقرر أن تكون وسيطا بين الكتلتين؟

في حقيقة الأمر لن نستطيع التكهن، منذ الآن،  بسياستها المقبلة، على الرغم من  التطمينات الكثيرة لمصر والتي تحرص حكومة الجنوب على إعلانها. في أي حال ستخضع هذه السياسة المستقبلية لحساب المكسب والخسارة في دولة الجنوب، التي ربما ستخضع لبعض الضغوط الإقليمية والدولية.

 من ناحية أخرى يجب ألا يلهينا الخوف من احتمال نقص المياه المتدفقة نحو مصر، عن الانتباه إلى خطر آخر يتمثل في سيناريو بيع المياه الذي تروجه بعض دول المنبع وخاصة اثيوبيا. فجنوب السودان ليس محتاجا إلى المياه، لأن أرضه مشبعة بها نتيجة لتعدد الأنهار وكثرة هطول الأمطار وكثافتها. ولكن الخطر يأتي من فكرة بيع المياه إذا اقتنع بها الجنوب. ويهم مصر أن تعرف اتجاه السياسة المائية لدولة جنوب السودان لأمر آخر شديد الأهمية. فالجنوب هو المكان الأفضل وربما الوحيد الذي يصلح لمشروعات زيادة حصة المياه لمصر والسودان، أكان ذلك بالتخزين أو بشق الترع مثل مشروع جونغلي، كما يصلح أيضا لمشروعات توليد الطاقة الكهربائية.

ب- الدولة المدنية في مصر: لاشك في أن وجود الجنوب العلماني في إطار دولة السودان الموحدة، يقيم توازنا مع المناخ الإسلامي المتشدد في شمال السودان. وانفصاله في دولة مستقلة سيكون من نتائجه المباشرة أن يتركز المشروع السياسي الإسلامي في الشمال. وقد أعلن الرئيس البشير في 21/12/2010 أنه سيغير الدستور السوداني فور انفصال الجنوب ويفرض الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للتشريع. وسواء أكان حديث البشير انفعاليا أم واقعا أراد أن يمهد له، فإن التفاعلات الطبيعية ستؤدي إلى وجود مكثف للإسلاميين المتشددين  في دولة الشمال أكانوا من داخل السودان أو من خارجه. فإذا أخذنا في اعتبارنا احتمال النزوح والتسلل من شمال السودان إلى مصر، يكون هذا التطور من أخطر الاحتمالات لمصر،  حيث سيضرب وحدتها الوطنية في الصميم.

3- أثر انفصال جنوب السودان في الاقتصاد الكيني

عرضت كينيا في نيسان/أبريل 2005 على حكومة جنوب السودان، أن تشتركا معاً في مد أنابيب لنقل البترول من حقوله في جنوب السودان إلى لوكيشوكيو في شمال غرب كينيا، ثم إلى ميناء لوما على المحيط الهندي ومنها إلى ميناء مومباسا بسفن الشحن، حيث تقوم هناك محطة لتكرير البترول. وتقدر هذه المسافة بنحو 1020 كيلومتراً في حين تبلغ المسافة من الجنوب حتى بورسودان 4500 كيلومتر. وأغلب الظن أن التجهيزات الخاصة بهذا المشروع قد قطعت مرحلة لا بأس (29)  بها، وأن هذا المشروع الكبير سينجز خلال السنوات

المقبلة. فإذا أُنجز سينعش الاقتصاد الكيني حيث ستحّصل نيروبي رسوما على مرور البترول وشحنه وتكريره، وتوجِد بذلك فرص عمل جديدة للشباب. وترفد هذا التأثير الاقتصـــادي وتحميه العلاقات السياسية القوية بين كل من حكومة دولة جنوب السودان والحكومة الكينية، حيث كانت الدولة الكينية هي الراعية والمضيفة للمفاوضات التي أدت إلى إبرام اتفاقية السلام الشامل.

4- أثر انفصال جنوب السودان في تجمع دول شرق أفريقيا (EAC)

دخل هذا التجمع في حيز التنفيذ عام 2000، وهو يضم حتى الآن كينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وبوروندي، وجميعها من دول حوض النيل الاستوائي. مقر التجمع في مدينة أروشا في تنزانيا، والهدف الرئيس للتجمع هو تقوية العلاقات التجارية والاقتصادية للأعضاء. وعضويته مفتوحة لمزيد من الأعضاء. وتشير الأوضاع الراهنة إلى أن دولة جنوب السودان ستكون القادم  الجديد، حيث ستستفيد السوق من ثرواته وخاصة البترول الذى تحتاجه دول التجمع وفي مقدمتها أوغندا، كما سيستفيد الجنوب من فتح أسواق تلك الدول لبتروله. 

5- تأثير انفصال جنوب السودان في سوقه الداخلية

يدور الحوار كثيرا في هذه الأيام على ثروات دولة جنوب السودان وكيف ستتم الاستفادة منها. ولا بد من ان نتذكر إشكالية اقتصادية كثيرا ما تواجه الدول الافريقية هي ان ثراء الدولة في مواردها الطبيعية لا تترجم بالضرورة إلى ارتفاع الناتج القومي والتقدم الاقتصادي، لأن إدارة هذه الموارد تستلزم إمكانات وخبرة وتخطيطاً. وغالبا ما تكون هذه العناصر غائبة أو على الأقل نادرة، بحيث تضطر الدولة إلى الاستعانة بالخارج.

هذه هي حال جنوب السودان، وخاصة أنه وليد جديد. فعلى المدى القصير وربما المتوسط، سيكون اعتماد الجنوب على الدول الممولة والبنك الدولي الذي وعد بإعداد دورات تدريبية لرفع مستوى الأداء في كافة المجالات. وحتى يتم ذلك سيتعرض الجنوب إلى منافسة شديدة من دول الجوار الافريقية التي نالت قسطا من التنمية، وتولدت لديها بعض المهارات الإنتاجية والتسويقية، وخاصة في الدول التي يعاني شبابها البطالة وندرة فرص العمل، مثل أوغندا وكينيا وأثيوبيا وغيرها. هذه الأوضاع ستقلل من الفرص المتاحة لأهل الجنوب.

الخــاتمة

يتضح من العرض السابق أن دول  الجوار والسودان ذاته، شماله وجنوبه ستتأثر بانفصال الجنوب، كل واحدة بدرجات متفاوتة. ففيها الخاسر و الرابح، إلا أن الخاسر الأكبر هو شمال السودان.فجميع المؤشرات تنبه على أنه مقبل على صعوبات جمة قد تفرز سيناريوهات تتراوح بين الفوضى والحرب الأهلية، هذا إن لم تعدل الحكومة السودانية سياستها لتواجه هذا التغير الاستراتيجي الكبير. وبناء على ذلك يرجح أحد السيناريوهات التالية:

  • 1- بقاء النظام قابضا على السلطة.
  • 2- سقوط النظام إما بانقلاب قصر، أو سقوط لجنة الإنقاذ.

الاحتمال الأول: يمكن أن يقاوم النظام الأحداث مستعينا بما يلي:

  • - سياسة التمكين في جميع المجالات وخاصة الاقتصادي والأمني والعسكري (الجيش+ قوات الدفاع الشعبي).
  • - المساندة الموقتة للولايات المتحدة التي ترغب في أن تستكمل الحكومة المطلوب منها مثل حل قضية دارفور والتعاون الاستخباري في القرن الأفريقي والتعاون في استخراج بترول الشمال.
  • - المساعدات الإيرانية. فالوجود الإيراني في السودان يتزايد على جميع الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والاستثمارية والصناعية والعسكرية. ونذكر بهذا الصدد مايشير إلى صحة هذه المعلومات:

أ ـ تصريح حسن الترابي منذ أكثر من عام أن هناك تعاونا سودانيا إيرانيا في صنع الأسلحة تحت غطاء مصانع "أجياد". وقد قبض على الترابي في حينه وسجن لعدة أشهر.

ب ـ قالت صحيفة "الديلي تلغراف" في حزيران/يونيو 2009، ان هناك اتفاقا بين السودان وإيران يقضي بتموضع عناصر من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قريبا في السودان بدعوى تدريب الجيش السوداني على أسلحة إيرانية سيتم منحه إياها.

في هذه الحال يصبح شمال السودان مرشحا لأن يكون ساحة لصراع بين الغرب ومحور إيران ـ حزب الله ـ  حماس.وهذا السبب وغيره من الأسباب سالفة الذكر تدفع إلى التصور، أن نظام الإنقاذ لن يتمكن من البقاء لفترة طويلة وخاصة إذا عمت الفوضى.

الاحتمال الثاني: انقلاب القصر يمكن أن ينتج عن اتساع الخلاف داخل النظام نفسه بين الرئيس ونافع علي نافع ومجموعتهما من ناحية، وعلي عثمان وصلاح جوش ومجموعتهما من ناحية أخرى. غير أن هذا الاحتمال يبدو ضعيفا بعد إبعاد صلاح جوش عن الأجهزة الأمنية، وتأليف حكومة جديدة من صقور الإنقاذ. هذا بالإضافة إلى إخلاص معظم قيادات الجيش للرئيس البشير.

أما سقوط نظام الإنقاذ بالكامل فهو احتمال يمكن أن يحدث على أيدي حركة العدل والمساواة ـ حسن الترابي، فهي الجبهة الداخلية الوحيدة، في الوقت الحاضر، المرشحة للقيام بتغيير الحكم. فقد أظهرت خريطة الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة في السودان مدى ضعف أحزاب المعارضة التقليدية في الشمال وقلة تأثيرها في الأحداث. أما حركة العدل والمساواة فهي تملك القوة العسكرية وأجندة سياسية على المستوى القومي، وتزداد خطورتها إذا استطاعت أن تضم أهم الفصائل العسكرية الأخرى في دارفور وكردفان. في هذه الحال ستتغير تركيبة السلطة السياسية في السودان، ولكن هل ستتغير رؤيتها إلى السياسة الداخلية والخارجية، أم ستبقى على حالها إسلامية قابضة؟

خريطة رقم (1)                                           خريطة رقم (2)

 

 المصدر: www.sudantv.net

 -----------------------

الهوامش والمراجع

  • (1) اتفاقية السلام الشامل، الفصل الأول، الجزء أ، المادة 1-3، كانون الثاني/يناير 2005، ص2.
  • (2)المرجع السابق، الجزء ب، المادتان 2-4-2 و2-5، ص4.
  • (3) المرجع السابق.
  • (4) المرجع السابق، الفصل الرابع، المادتان 8-1و8-2، ص77.
  • (5) المرجع السابق، المادة 6-1، ص76.
  • (6) محمود أبو العينين، "التداعيات الافريقية لاستفتاء جنوب السودان"، دراسة غير منشوره، قُدمت مؤتمر "العلاقات المصرية السودانية في ضوء الظروف الراهنة في السودان"، القاهرة:  معهد البحوث والدراسات الافريقية في جامعة القاهرة: 12-13 كانون الأول/ديسمبر 2010.
  • (7) عبد القادر إسماعيل، "مفاوضات التسوية السلمية في جنوب السودان"، القاهرة: النورس للطباعة، 2004، ص ص. 247و 248 و 279.
  • (8) ـ المرجع السابق، ص ص  281 و 282.
  • (9) ـ منصور خالد، "جنوب السودان في المخيلة العربي"، مبادرة "إيغاد"، إعلان المبادئ، المادة 2-11، لندن: دار تراث، ص ص 497-498.
  • (10) ـ المرجع السابق، مقررات أسمرة، ص167.
  • (11) وزير الطاقة والتعدين السوداني، "جريدة الشرق الأوسط"، 1/6/2010.
  • (12) ـ تقرير البنك الدولي عن السودان في 11/6/2010، أنظر: موقع البنك الدولي.
  • (13) ـ صديق عيسى أحمد، المدير العام لمشروع الجزيرة، سودانيز أون لاين 27/11/2009.
  • (14) www.sudantribune.com
  • (15) www.economist/content/global_debt_clock
  • (16) المرجع السابق.
  • (17) ـ  انظر الخريطة المرفقة.
  • (18) ـ دافيد دينخ أثوربي، "حال اقتصاد الجنوب"، 10/9/2010، موقع البنك الدولي.
  • (19) ـ المرجع السابق.
  • (20) ـ المرجع السابق.
  • (21) ـ أحمد مجذوب أحمد، "تقرير المصير بين الحق والواجب"، مجلة الأهرام الاقتصادي، نقلاً عن موقع : www.sudanile.com  ، 13/8/2010.
  • (22) www.enoughproject.org
  • (23) جريدة "الشرق الأوسط"، 14/3/2010.
  • (24) الجدير بالذكر أن حالة إريتريا مختلفة قانونا عن حالة جنوب السودان، حيث أنها كانت تحت الاحتلال الايطالي، ثم ضمها إمبراطور أثيوبيا قسرا. ولذلك اعتبر انفصالها عن أثيوبيا استقلالا عن الاستعمار وليس انفصالا عن الدولة الأم.
  • (25) صدر الدستور الإثيوبي في سنة 1994 ودخل في حيز التنفيذ في 21/8/1995، انظر: الدستور الإثيوبي،  1994، المادة 55 الخاصة بحقوق الشعوب المكونة للدولة الإثيوبية.
  • (26) جريدة القرن www.adj.dj.
  • (27) أنظر الخريطة المرفقة.
  • (28) السودان الشمالي لديه ما يكفيه من المياه من روافد النيل، ولن تؤثر فيه كثيراً التحولات في السياسة المائية لدول الحوض.
  • (29) www.sudantribune.com