العنوان هنا
دراسات 04 أكتوبر ، 2012

الفضاءات الثّلاثة في دولة الإنتاج

طاهر كنعان

تخرّج في الجامعة الأميركيّة في بيروت، وأحرز دكتوراه في العلوم الاقتصاديّة من جامعة كمبريدج. شغل عدّة مناصب منها: وزير التخطيط في الأردن (1986 - 1989)، ووزير شؤون الأرض المحتلّة (1985)، والمدير العامّ لبنك الإنماء الصناعي (1989 - 1994)، ورئيس فريق الصندوق العربي لإعداد البرنامج الأساسي للتنمية الزراعيّة في السودان عشر سنوات (1976 - 1985). وشغل خطّة رئيس شعبة التمويل والتنمية (1978 - 1982) في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) في جنيف، ورئيس قسم تخطيط التنمية وسياساتها في مكتب الأمم المتحدة الاقتصاديّ والاجتماعيّ في بيروت، وباحث في الإسقاطات المستقبليّة في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) في نيويورك. سيرته حافلة بنشاطه التطوعيّ والعلميّ؛ فهو عضو لجنة الأمم المتحدة لخبراء الإدارة العامة واقتصاديّات القطاع العامّ (2005 - 2008)؛ وعضو الفريق الاستشاريّ، ومُساهم في إعداد تقارير التنمية الإنسانيّة العربيّة في السّنوات (2002، و2003، و2004، و2005، و2008)؛ وعضو لجنة الأمم المتحدة لسياسات التنمية (1996 - 2000). وهو، إضافةً إلى نشاطه التطوّعي في المجتمع المدنيّ، عضو مجلس الأمناء ولجنة الإدارة في المنظمة العربية لمكافحة الفساد، وعضو مجلس الأمناء واللجنة التنفيذيّة لمؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة. صدرت له كتابات وأبحاث باللّغتين العربيّة والإنكليزية، من أهمّها: "الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج"؛ و"وعود الشباب العربيّ في انتظار التحقّق"، و"الانفصام بين أَداء التعليم ونموّ فرص العمل، الحالة الأردنيّة".

مقدمة

منذ عام مضى، ما برح حراك التّغيير الاجتماعي والاقتصادي مُستعِرًا في عددٍ من الأقطار العربيّة، ومنذِرا بأنّه سيتأجّج في أقطار عربيّة أخرى. والدّافع لهذا الحراك هو طموح الشّعوب العربيّة للتحوّل من رعايا إلى مواطنين، وتحوّل دولِهم من مزارع وإقطاعات إلى أشخاص أو فئات مُتحكّمةٍ، وإلى دول يملكها مجموع المواطنين، ويحكمونها بممثّليهم الأمناء، ولمصلحة المجموعة.

في خضمّ هذا الحراك ثمّة هاجسٌ يشغل بال اليقظين من احتمالات ما يجري؛ وهو تأثير كل ذلك في معيشة المواطنين وأرزاقهم، في العمالة أو البطالة، وفي نموّ الدّخل والثّروة وعدالة توزيعهما. وما يغذّي هذا الهاجس؛ هو أنّ في تجارب الدّول الأخرى، وفي تاريخ التّنمية عمومًا، لم يثبت أنّ هناك رابطًا واضحًا بين عمليّة التحوّل الدّيمقراطي هذه، وفرص نجاح التّنمية الاقتصاديّة على وجه الخصوص، لما يصاحب التحوّل غالبًا من اختلال الاستقرار الضّروري لأيّ نشاطٍ اقتصاديٍّ مثمر. وما يُعزّز تلك الهواجس، هو أنّ حقبة التّغيير تشهد -على الأرجح- انتكاسًا في الأداء التّنموي السّابق، حتى لو كان متدنّيًا وغير كافٍ. وفي هذا السّياق، نجد في مركز الاهتمام نسقَ الحُكم الذي يتكوّن في رَحم ذلك الحراك، ويتولّد عنه. وفي نسق الحكم ذاك، مناط الإجابة عن تلك الهواجس.

ما هو نسق الحُكم الجديد؟ وما هي المؤسّسات الاجتماعيّة والسياسيّة الجديدة؟ يتّخذ طرح هذا السّؤال مشروعيّته من كون هذه المؤسّسات هي التي تكوّن المناخ المناسب للتّنمية النّاجحة، أو المناخ المُحبط لها. وفي مُقدّمة هذه المؤسّسات، نجد تلك التي تُحدِّد الطُّرُق التي يُكتسب بها الرِزقُ (علاقات الإنتاج)، وتتكوّن بها الثروة، وتحديدًا طرق تخصيص الثّروة والتّصرّف فيها. فهل تصدُر الثّروة عن الرَيع السّاعي إلى الاستهلاك غير المنتج، أم تتولّد عن الادّخار الهادف إلى الاستثمار وتوسيع قاعدة الإنتاج؟ وكيف ينعكس كل ذلك على العدالة في توزيع الدّخل والثّروة؟

نجد على رأس المؤسّسات التي تُحدّد الجواب عن تلك الأسئلة، المؤسّسات التي تُنظّم النّشاط الاقتصادي، وتُحدّد حركة المواطنين النّاشطين اقتصاديًّا بين فضاءات ثلاثةٍ في المجتمع: الفضاء العامّ، الذي اصطلح على تسميتِه بـ"القطاع العام"؛ وهو قطاع مؤسّسات الدّولة والحكم، والفضاء الخاصّ، الذي اصطُلح على تسميته بـ"القطاع الخاصّ"؛ وهو الذي يضمّ جماع المواطنين خارج مؤسّسات الدّولة، لكنَّ التباسًا وقع في استعمال مصطلح القطاع الخاص، كما سنرى، فغلب على مفهومه "قطاع الأعمال" و"مؤسّسات السّوق السّاعية إلى الرّبح".

بينما يقتضي التّحليل فرزَ فضاءٍ ثالثٍ يضمّ المؤسّسات التي تتعامل بالسّلع والخدمات إنتاجًا وتوزيعًا، وتتعاطى مع المواطنين بصفتهم مستهلكين للسلع والخدمات؛ لكنّها لا تسعى إلى الرّبح، بل إلى الخدمة العامّة. إنّها المؤسّسات التي يُطلَق عليها المجتمع المدني.

وإلى وقت قريب، كان الجدل الأيديولوجي (العقائدي) مُنصبًّا على دور القِطاع العامّ -  الدّولة، بالتّركيز على الحكومة؛ وعلى دور القِطاع الخاص، بالتّركيز على قِطاع الأعمال الذي يتعامل مع السّوق، ويُحرّكه حافز الرّبح المادي. ولم يكن حيّز الفضاء الخاص الذي يضمّ "المجتمع المدني" بارزًا؛ وهو الذي لا ينشط بحافز الرِّبح، بل بحافز المسؤوليّة الاجتماعيّة تجاه المصلحة العامة، والذي تصحُّ تسميتُه بـ"الفضاء الثالث"، إلى جانب "الفضاء العامّ"، و"فضاء الأعمال الخاصّ".

 

*نشرت هذه الدراسة في العدد الأول من مجلة "عمران" (صيف 2012)، (الصفحات 45-68)، وهي مجلة  فصلية محكمة متخصّصة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.

** تجدون في موقع دورية "عمران"  خلال الفترة الحالية من جائحة كورونا جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.