العنوان هنا
تقييم حالة 18 سبتمبر ، 2018

السلام الهش: تحولات المشهد الأمني والعسكري في طرابلس

الكلمات المفتاحية

أحمد قاسم حسين

باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مدير تحرير دورية "سياسات عربية"، عمل مدرسًا مساعدًا في كلية العلوم السياسية - جامعة دمشق، حاصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة فلورنسا – إيطاليا. تتركز اهتماماته البحثية في نظريات العلاقات الدولية.

تقديم

شهدت العاصمة الليبية طرابلس، في 26 آب/ أغسطس 2018، اشتباكات عنيفة، استُخدِمت فيها أنواع مختلفة من الأسلحة بين كتائب مسلحة قادمة من جنوب العاصمة (اللواء السابع، ترهونة) والكتائب الموالية لحكومة الوفاق الوطني. وقد أفضى تدخُّل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى اتفاق، في 4 أيلول/ سبتمبر 2018، يقضي بوقف إطلاق النار، وقَّعه قادة الكتائب المسلحة التي تسيطر على طرابلس ومحيطها، وهي الكتائب التي يطغى على تشكيلاتها البعد القبلي والجهوي والأيديولوجي، على نحو يُصعِّب رصد خريطة تحالفاتها وأسباب تحركاتها الميدانية، إضافة إلى تأثير العامل الخارجي الذي يزيد المشهد السياسي والأمني الليبي تعقيدًا. لذا، وصف مبعوث الأمم المتحدة الخاص بليبيا، غسان سلامة، في إحاطته أمام مجلس الأمن حول الاشتباكات في طرابلس، اتفاق السلام بـ "الهش"[1]؛ وذلك لأسباب عديدة، أهمها تقييمه للواقع الميداني المتشابك الذي تشهده طرابلس ومحيطها، وفوضى السلاح، وانتشار الكتائب، وفشل حكومة الوفاق الوطني في إعادة هيكلة القوى الأمنية ودمج الكتائب المسلحة في جهاز أمني موحَّد يتبع وزارة الداخلية، فضلًا عن دور القوى الإقليمية والدولية المؤثر في العلمية السياسية وتَعارُض مصالحها الأمنية والاقتصادية في ليبيا.

أولًا: طرابلس: مشهد أمني وعسكري متغير

تحفل طرابلس بعدد كبير من الكتائب المسلحة ذات المشارب الأيديولوجية والسياسية المختلفة، وهي، بلا شك، مؤثرة في المشهد الأمني والسياسي. وقد حاولت حكومة الوفاق الوطني، منذ دخولها طرابلس في آذار/ مارس 2016، مهادنة هذه الكتائب المسلحة التي تُحكِم القبضة الأمنية والعسكرية على العاصمة، وعقدت اتفاقيات مع عدد منها، من أجل تسهيل عملها داخل العاصمة، وضمان أمنها، مقابل منحها دورًا فاعلًا في العملية السياسية. وحاولت الحكومة، في ظل هذه البيئة الأمنية والعسكرية المعقدة، العمل على إيجاد ترتيبات خاصة بوزارة الدفاع؛ فوفقًا للمادة الثامنة من الاتفاق السياسي الليبي، المعروف باتفاق الصخيرات، فإن مجلس رئاسة الوزراء هو المسؤول عن القيام بأعمال القائد الأعلى للجيش الليبي[2]. وبناءً على ذلك، صدر عنه القرار رقم 2، بتاريخ 9 أيار/ مايو 2016، القاضي بإنشاء الحرس الرئاسي، ومقرُّه طرابلس، وتتلخص مهماته في تأمين المقارّ الرئاسية السيادية والمؤسسات العامة في الدولة، وتأمين الأهداف الحيوية، ومنها منافذ الدخول البرية والبحرية والجوية. ويعد هذا القرار خطوةً لإعادة ترتيب أوضاع الجيش وهيكلته، بحكم أنه يعاني عدم الكفاءة والجاهزية، كما يعاني تشتت الولاء؛ إذ تُقاتل عناصر منه تحت قيادة العقيد خليفة حفتر في الشرق، بينما تتبع عناصر أخرى منه حكومة الوفاق.

لكن حجم التحديات والصعوبات الكبير الذي واجه حكومة الوفاق أدى إلى فشلها في تنفيذ تلك القرارات؛ نتيجة رفض عدد كبير من الكتائب المسلحة الانخراط في العملية السياسية، والتحول إلى قوات شرطية وأمنية تحت إمرة حكومة مركزية. لكن كان ما جرى هو العكس؛ فقد أصبحت حكومة الوفاق الوطني أسيرة الكتائب المسلحة ذات التوجهات والمصالح المتناقضة؛ على نحو انعكس سلبيًا على المشهد الأمني والعسكري في طرابلس ومحيطها.

وقد أدى الخلل في توازنات القوى، وتعارُض المصالح بين الكتائب المسلحة، إلى الاقتتال والاشتباك وتدهور الوضع الأمني؛ ففي كانون الثاني/ يناير 2017، تمكنت قوات تابعة لرئيس حكومة الإنقاذ الليبية، خليفة الغويل، من السيطرة على مقارّ وزارات سيادية مهمة في طرابلس (وزارات: الدفاع، والاقتصاد، والعمل، والجرحى، والعدل)[3]، لكن سرعان ما استعادت قوات تابعة لحكومة الوفاق الوطني تلك المقارّ. كما دارت اشتباكات بين مجموعات مسلحة، يقودها صلاح بادي، قائد لواء الصمود التابع لحكومة الإنقاذ، وهو الذي قاد عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "فجر ليبيا"، لما سماه تحرير طرابلس من المجموعات المسلحة، وقد تصدَّت له قوات عبد الغني الككلي التابعة للمجلس الرئاسي[4]. كذلك، تبنى تنظيم الدولة الإسلامية مسؤولية هجوم انتحاري على مكتب مفوضية الانتخابات الليبية في طرابلس، أسفر عن مقتل 15 شخصًا، بينهم ثلاثة موظفين، وأربعة من القوات المحلية، وجرح عدد من المواطنين[5]. وقد جاءت الاشتباكات التي شهدتها طرابلس، في 26 آب/ أغسطس 2018، استمرارًا للمعضلة الأمنية التي تواجه حكومة الوفاق الوطني؛ إذ أسفرت عن مقتل 61 ليبيًّا، وجرح 159 آخرين، ونزوح عدد كبير من المواطنين الليبيين، وأدى انهيار الأمن في مناطق الاشتباكات إلى انتشار العصابات في الشوارع، وفرار مئات المجرمين من السجون، وشملت تلك الاشتباكات مراكز المهاجرين الذين كانوا عالقين في مراكز الاحتجاز[6]. وعلى إثر ذلك، قادت جهود البعثة الأممية في ليبيا إلى توقيع اتفاق 4 أيلول/ سبتمبر 2018، بين الكتائب المسلحة المتناحرة[7].

وقد تجددت الاشتباكات في محيط طرابلس، بعد أسبوع من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث أُطلِقت في 11 أيلول/ سبتمبر 2018، صواريخ في اتجاه مطار معيتيقة في طرابلس، أعلنت السلطات على إثره وقف الملاحة الجوية في المطار وتحويل الرحلات إلى مطار مصراتة. كما استهدف هجوم انتحاري تبنَّاه تنظيم الدولة الإسلامية المؤسسة الليبية للنفط[8].

ويعني كل ذلك أن طرابلس غير مستقرة، وأن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار لن يحول دون تدهور الوضع الأمني. ويمكن إرجاع المعضلة الأمنية في طرابلس ومحيطها إلى مجموعة من العوامل، أهمها:

  • فراغ القوة الذي خلَّفه سقوط نظام القذافي ترافق مع وجود مخزون هائل من الأسلحة، وانهيار كامل للدولة ومؤسساتها بوصفها فاعلًا أساسيًّا في المسائل الأمنية.
  • قرار المجلس الوطني الانتقالي، تحت ضغط الكتائب المسلحة، بدفع أجور لأعضاء تلك الكتائب من الخزينة العامة؛ وهو ما حوَّلهم إلى فئة متميزة، مقارنة بمن تبقى من أفراد القوات المسلحة النظامية، فقد ارتفع عدد الملتحقين بها عشرة أضعاف، وصولًا إلى 250 ألف شخص في غضون أقل من سنة من سقوط القذافي[9].

  • فشل الحكومات المتعاقبة على ليبيا، وآخرها حكومة الوفاق الوطني، في دمج تلك الكتائب وتحويلها إلى قوات شرطية أو عسكرية ضمن إستراتيجية أمنية تقوم على ضبط السلاح وتحقيق الاستقرار والأمن الداخليين.
  • الخلل في توزيع القوة بين الكتائب المسلحة، وحالة انعدام الثقة بين قادتها من جهة، وبين قادتها وحكومة الوفاق الوطني من جهة أخرى؛ وهو ما أدى إلى انتهاجها نهجًا براغماتيًّا يصعب معه التنبؤ بسلوكها وتحركاتها الميدانية.
  • دعم القوى الدولية والإقليمية، عسكريًّا واقتصاديًّا، لعدد من الكتائب المسلحة؛ وهو ما ساهم في استقلاليتها، ومنحها هامش مرونة أكبر لتحركات عسكرية تحت دعوى الشرعية وتطهير البلاد من الكتائب الأخرى المنافسة لها.

الجدير بالذكر أن حكومة الوفاق الوطني لم تتلق الدعم اللازم من القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، والتي لم تساعدها على تطبيق ما ورد في اتفاق الصخيرات، وخصوصًا المادة 57 منه التي تمنح حكومة الوفاق الوطني ضوءًا أخضر في طلب الدعم من البعثة الأممية والمنظمات الإقليمية، حتى تضع وتقرّ خطة شاملة للدعم الدولي لمؤسسات الدولة الليبية، وتعزز الاستقرار الأمني في البلاد. وبقيت مقاربات القوى الإقليمية والدولية أمنية محضة عند تعرض أمنها لخطر داهم قد يكون مصدره ليبيا.

ثانيًا: مواقف دولية مترددة

ساد صمت القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في العملية السياسية الليبية تجاه الاشتباكات الأخيرة في طرابلس، واقتصر دورها في سبيل احتواء الأزمة على إصدار بيانات رسمية، وذلك على خلاف دورها تجاه أزمة الهلال النفطي، حينما أصدر اللواء المتقاعد خليفة حفتر قرارًا يقضي بنقل تبعية الموانئ النفطية بمنطقة الهلال النفطي إلى المؤسسة الوطنية للنفط في مدينة بنغازي، التابعة للحكومة الموقتة. حينئذ، كان تحرك كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا أكثر فاعلية وتأثيرًا، وأبطلت تلك الدول إعلان حفتر الذي انصاع لضغوطها، واضطرته إلى إبقاء الموارد الليبية الحيوية تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط الشرعية، وتحت الرقابة الوحيدة لحكومة الوفاق الوطني، واستحضرت قرارات مجلس الأمن رقم 2259 لسنة 2015، ورقم 2278 لسنة 2016، ورقم 2362 لسنة 2017[10]. لم تمارس تلك القوى مثل تلك الضغوط على الكتائب المهاجِمة لمدينة طرابلس، ولم تقدِّم الدعم العسكري والمادي اللازم للحكومة الشرعية؛ إذ تقوم مقاربة القوى الدولية للأزمة الليبية على الحفاظ على مصالحها في المناطق الجيوسياسية في ليبيا، وأهمها منطقة الهلال النفطي، بصرف النظر عن مدى التزام بنود الاتفاق السياسي، وعن مدى الخلل في توازنات القوة بين الكتائب المسلحة، وتداعياته على المشهد الأمني والعسكري في مناطق أخرى؛ وهو ما يعني محاولة الحفاظ على الوضع القائم في طرابلس، بحيث تستدعي شرعية حكومة الوفاق الوطني عند الحاجة إليها في تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية.

لقد ساهم غياب إستراتيجية واضحة للولايات المتحدة في ليبيا في تأزيم العملية السياسية؛ فقد اقتصر تدخلها على توجيه ضربات جوية محددة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في آب/ أغسطس 2017 ، بعد أن حرّرت قوات "البنيان المرصوص" التابعة لحكومة الوفاق الوطني أكثر من 80 في المئة من مدينة سرت من قبضة التنظيم، واستعادت مدنًا عدة بين محور مصراتة وسرت، مع الإشارة إلى أن إدارة باراك أوباما قد أعلنت دعمها الكامل للاتفاق السياسي الليبي. فقد استندت السياسة الخارجية الأميركية إلى ركيزتين أساسيتين؛ هما: محاربة "الإرهاب" - ممثلًا بتنظيم الدولة الإسلامية وبعض الكتائب المسلحة التي تصنفها واشنطن "إرهابية" - والحفاظ على استقرار المناطق الجيوستراتيجية بالنسبة إلى واشنطن، وعلى رأسها منطقة الهلال النفطي. ولم يطرأ أي تعديل على الإستراتيجية الأميركية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب التي تمثِّل امتدادًا لسياسة سلفه في ليبيا.

ومما يزيد الأمور تعقيدًا التناقضات والخلافات التي ظهرت إلى العلن بين فرنسا وإيطاليا في تنافسهما على السيطرة والنفوذ في ليبيا، وأثَّر ذلك في المشهد الأمني والسياسي؛ فقد اتهم نائب رئيس الوزراء، وزير الداخلية الإيطالي، ماتيو سالفيني، فرنسا بـالمسؤولية عن موجة العنف والاشتباكات الأخيرة التي شهدتها طرابلس[11]. وقد التقى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي، إينزو موافيرو ميلانيزي، حفتر في بنغازي؛ وهو ما يعني أنَّ توجُّه الخارجية الإيطالية، التي تُحضِّر لمؤتمر دولي حول ليبيا في خريف 2018، بات واضحًا بشأن تطوير علاقة بحفتر، باعتباره طرفًا أساسيًّا في المشهد السياسي والعسكري الليبي الداخلي، وذلك ما عبَّر عنه ميلانيزي بقوله: "الجنرال حفتر مُحاور لا يمكن تجنبه". وأضاف أن حفتر "أثبت أنه شخص منفتح للحوار، يبدي اهتمامًا ببلادنا، ويدرك الدور الذي يمكنه أن يقوم به"[12]. ولكن الوزير الإيطالي استدرك مؤكدًا أن الطرف الأساسي الذي تتحاور معه بلاده في ليبيا هو حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج، المعترف بها شرعيًّا من جانب الأمم المتحدة. يضاف إلى ذلك التقاء مصلحة حفتر والمصلحة الإيطالية في رفض المقترح الفرنسي الذي جاء في "إعلان باريس"[13] بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في نهاية عام 2018. وقد أبدى السراج حماسة أقل تجاه المؤتمر الدولي الذي ستعقده إيطاليا، مؤكِّدًا أن المؤتمر المزمع عقده برعاية إيطالية يجب أن يكون مدروسًا جيدًا، لأنه لا جدوى من الاجتماع من دون التوصل إلى نتائج عملية تنهي الأزمة الليبية، وإلا فسيكون له أثر سلبي. وعلى المجتمع الدولي تنظيم نفسه، وحل النزاع الثنائي بين فرنسا وإيطاليا بشأن ليبيا[14].

لقد أثارت المواقف الأميركية والأوروبية المتناقضة إزاء الأوضاع في ليبيا حفيظة موسكو التي تطمح إلى استعادة منطقة نفوذ سابقة وسوق لبيع السلاح الروسي، وتعيد تموضعها عسكريًّا على ضفة البحر المتوسط المقابلة لأوروبا من خلال دعم حفتر الذي يُعتبر قوة فاعلة عسكريًّا في شرق ليبيا.

أما الدول المجاورة جغرافيًّا لليبيا (مصر، وتونس، والجزائر)، فقد اتسم موقفها بالارتباك وعدم الوضوح؛ وذلك نتيجة ضبابية التحرك العسكري الذي قام به اللواء السابع/ ترهونة، وأسبابه ودوافعه. فلم تُبْدِ هذه الدول أي مواقف محددة، وطالبت الأطراف بضبط النفس والجلوس إلى طاولة الحوار، في انتظار جلاء الصورة ووضوح معالم التحرك العسكري الأخير. لكن التطور المثير للاهتمام هو موقف حفتر الذي هدد الجزائر بنقل الحرب إلى أراضيها، على خلفية ما سمّاه الاعتداء الجزائري على الحدود الليبية؛ وهو ما يعني أن قواته تتموضع في الشرق الليبي، لكن عينه على طرابلس التي لن يألو جهدًا لدخولها، لرمزيتها وأهميتها.

ثالثًا: حفتر والاستثمار العسكري لاشتباكات طرابلس

لا شك في أن معسكر حفتر في الشرق الليبي يتابع باهتمام التحولات الأمنية والعسكرية في طرابلس، ويصب في مصلحته مباشرة دخول الكتائب المسلحة في اقتتال داخلي يستنزف قوتها، ويجعلها أقل قدرة على التأثير والفاعلية، فيزيد من نفوذه السياسي والعسكري المتنامي في شرق البلاد، بعد أن بسط سيطرته الكاملة على منطقة الهلال النفطي، وعلى مدينتَي بنغازي ودرنة؛ وهو ما يجعل ميزان القوة العسكرية في البلاد يميل إلى صالحه، ويدفعه لاستجماع قوته ودخول العاصمة التي أهمية إستراتيجية خاصة، باعتبارها أكثر المدن الليبية اكتظاظًا بالسكان، وتحوي معظم المؤسسات الحكومية، كما أن طرابلس ومحيطها مقرٌ أساسي لعدد كبير من الكتائب المسلحة الموالية لحكومة الوفاق والمعارضة لها. ومن ثم، فإن تلك التحولات قد تدفعه إلى نسج تحالفات جديدة مع بعض الكتائب المسلحة، لتكون بمنزلة حصان طروادة، للشروع في عمليات عسكرية في الغرب الليبي.

وقد علق آمر القوات الخاصة في قوات حفتر، اللواء ونيس بوخمادة، على أحداث طرابلس الأخيرة بأنهم جاهزون للتدخل، برًّا وبحرًا وجوًّا، وأنهم في انتظار الأوامر من القائد العام، في إشارة إلى حفتر. كما حث بوخمادة أهالي طرابلس على الاقتداء بأهالي بنغازي في طرد العصابات المسلحة من مدينتهم[15]. وقد أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية التابعة لحفتر قرارًا، في 8 أيلول/ سبتمبر 2018، بتشكيل مجموعة عمليات الجنوب، برئاسة اللواء بوخمادة، بهدف ضبط الأمن وحفظه بمنطقة الجنوب الغربي للبلاد؛ إذ إن المهمات المنوطة بها في نص القرار هي تأمين مناطق الجنوب الغربي، والقضاء على العصابات المسلحة والمجموعات الإرهابية والمرتزقة، وعلى الظواهر السلبية من تهريب وتجارة للمخدرات، والأسلحة، والبشر[16].

وتُعزِّز هذه التطورات من فرضية تحرك حفتر بحذر تجاه طرابلس؛ لأجل إحكام سيطرته على الشرق والجنوب الليبيين، بدعم من حلفائه في القاهرة وأبوظبي، وهو ما يفسر شروعه في الحرب الكلامية ضد الجزائر التي قد تحدّ من طموحاته بتغيير معادلات القوة وفرض واقع سياسي جديد غرب البلاد.

خاتمة

قد تتدهور الأوضاع في أي لحظة، على الرغم من توقيع اتفاق وقف إطلاق نار برعاية الأمم المتحدة بين الكتائب المسلحة؛ نتيجة تناقضات القوى العسكرية الداخلية، ومحاولاتها استثمار هذا التحول في المشهد الأمني والعسكري في طرابلس لصالحها، وتناقض مصالح القوى الدولية والإقليمية. لقد ساعدت بيئة الانقسام السياسي في ليبيا، وفوضى انتشار السلاح والكتائب المسلحة، والتدخلات الخارجية ذات التأثير المباشر في العملية السياسية، وعجز حكومة الوفاق الوطني عن تحسين الأوضاع الأمنية والاقتصادية والمعيشية للمواطن الليبي في طرابلس، على تكريس واقع أمني هش، قد يدفع بعض الكتائب المسلحة إلى الدخول في مغامرات عسكرية لتعزيز قوتها ونفوذها. وعادة ما يكتوي بنار الاقتتال الداخلي المواطن الليبي.


[1] "إحاطة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة أمام مجلس الأمن - 5 أيلول/ سبتمبر 2018"، موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، 5/9/2018، شوهد في 6/9/2018، في: https://goo.gl/uqEf7e

[2] انظر المادة الثامنة من نص اتفاق الصخيرات، في: "الاتفاق السياسي الليبي الموقَّع بتاريخ 17 ديسمبر 2015"، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، 18/1/2016، شوهد في 15/9/2018: https://goo.gl/e3sKXT

[3] "الغويل: سيطرنا على 5 وزارات واتفاق الصخيرات في ’حكم الملغي‘"، موقع بوابة الوسط، 12/1/2017، شوهد في 5/9/2018، في: https://goo.gl/DLvStm

[4] "اشتباكات بالعاصمة الليبية طرابلس"، الجزيرة نت، 26/5/2017، شوهد في 3/9/2018، في: https://goo.gl/B4mXoB

[5] "15 قتيلًا و19 مصابًا في هجوم تنظيم ’الدولة‘ على مقر مفوضية الانتخابات الليبية"، القدس العربي، 2/5/2018، شوهد في 4/9/2018، في: https://goo.gl/s9v8uy

[6] أحمد العمامي، "مئات المهاجرين محاصرون في مراكز احتجاز في طرابلس بعد اشتباكات"، رويترز، 29/8/2018، شوهد في 2/9/2018، في: https://goo.gl/XZr6d1

[7] "بيان من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشأن تيسير اتفاق وقف إطلاق النار لإنهاء الاقتتال في طرابلس"، موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، 4/9/2018، شوهد في 6/9/2018، في: https://goo.gl/PrbAPy

[8] "إغلاق مطار العاصمة الليبية بعد إطلاق صواريخ بالقرب منه"، رويترز، 11/9/2018، شوهد في 12/9/2018، في: https://goo.gl/E7PYrm

[9] جلبير أشقر، انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مرضية (بيروت: دار الساقي، 2016)، ص 172.

[10] “Joint Statement on Libyan Oil Facilities,” U.S department of state diplomacy in action, 27/6/2018, accessed on 7/9/2018, at: https://goo.gl/P7Lf7T

[11] “Salvini accusa la Francia per il caos in Libia,” Il foglio, 4/9/2018, accessed on 10/9/201, at: https://goo.gl/oENvUQ

[12] "وزير الخارجية الإيطالي: حفتر محاور لا غنى عنه،" وكالة أكي الإيطالية للأنباء، 11/9/2018، شوهد في 12/9/2018، في: https://goo.gl/L31DgT

[13] John Irish, Marine Pennetier, “Libyan factions agree to Dec. 10 elections at Paris talks,” Rueters, 29/5/2018, accessed on 10/9/2018, at: https://goo.gl/1dD37g

[14] Lorenzo Cremonesi, “Libia, Sarraj pronto a resistere ‘Haftar rispetti i patti, niente voto senza regole e sicurezza’,” Corriere Della Sera, 11/9/2018, accessed on 12/9/2018, at: https://goo.gl/HD4nhi

[15] "اللواء بوخمادة: نحن جاهزون للتدخل في طرابلس وفي انتظار أوامر القائد العام،" المرصد، 2/9/2018، شوهد في 8/9/2018، في: https://goo.gl/tpYxUk

[16] "القيادة العامة تشكل ’مجموعة عمليات الجنوب‘ برئاسة بوخمادة"، بوابة الوسط، 8/9/2018، شوهد في 10/9/2018، في: https://goo.gl/SZ2qGe