دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية
دراسات 19 أكتوبر ، 2026

مقدمة نقدية إلى دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية

سجى طرمان

باحثة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، وسكرتيرة تحرير دورية «سياسات عربية» التي يصدرها المركز ومعهد الدوحة للدراسات العليا. عملت سابقًا في جامعة بيرزيت مساعدة بحث وتدريس، حاصلة على درجتي البكالوريوس في الإدارة العامة، والماجستير في الدراسات الدولية من معهد إبراهيم أبو لغد بجامعة بيرزيت، وعلى الماجستير في السياسات العامة والتعاون الدولي من معهد الدوحة للدراسات العليا.

محمد حمشي

باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة - قطر. عمل سابقًا أستاذًا في العلاقات الدولية، قسم العلوم السياسية في جامعة أم البواقي في الجزائر. حاصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة باتنة في الجزائر. نشر العديد من الدراسات والأوراق البحثية باللغتين العربية والإنكليزية في عدد من المجلات العلمية المحكمة.

​​مقدمة

تحولت وسائط التواصل الاجتماعي، خلال فترة زمنية وجيزة، إلى جزء لا يتجزأ من الاجتماع البشري اليومي. ويعتمد الناس اليوم، في كل مكان تقريبًا، على هذه الوسائط في تلبية طيف واسع من الاحتياجات، تشمل التواصل مع العائلة والأصدقاء، والترفيه، ومتابعة الأخبار والأحداث الجارية (المحلية والوطنية والدولية)، وتشكيل التفضيلات الاستهلاكية والثقافية، والحصول على توصيات بشأن الخدمات والسلع، وتلبية حاجات نفسية واجتماعية مثل الاعتراف الاجتماعي والانتماء والمرئية والحضور وغيرها؛ فضلًا عن السعي إلى حيازة معرفة، تعكس تحولًا ما في أنماط حيازة المعرفة التقليدية، حتى إن كانت محدودة.

وباتت الشركات تعتمد على وسائط التواصل الاجتماعي في بناء سمعتها وتشكيل اتجاهات الاستهلاك وخفض تكاليف التسويق والوصول إلى الجمهور. وقد ساهمت هذه الوسائط في تحويل المستهلكين إلى منتجين يشاركون في إنتاج قيمة المنتج عبر المراجعات والتوصيات والمحتوى الذي ينشئه المستخدمون أنفسهم. وأما في بعدها السياسي، فقد تحولت هذه الوسائط إلى أدوات رئيسة في التواصل السياسي، والتعبئة الاحتجاجية، وصوغ الخطاب العمومي، وتشكيل الرأي العام، والتأثير في السلوك الانتخابي، وغير ذلك.

أفضى تغلغل وسائط التواصل الاجتماعي، على هذا النحو، في مجالات الحياة اليومية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية إلى تكشُّفها بوصفها ظاهرة اجتماعية مركّبة ومتعددة الأبعاد، تؤدي في الوقت نفسه وظائف تواصلية – اجتماعية ونفسية واقتصادية وسياسية ومعرفية. وهذا ما جعلها، خلال فترة زمنية وجيزة أيضًا، محطّ اهتمام واسع في مختلف الأبحاث والدراسات في العلوم الاجتماعية والإنسانية. فاشتغلت بها حقول مثل الفلسفة وعلم الاجتماع ودراسات الإعلام والاتصال والاقتصاد السياسي والعلوم السياسية وعلم النفس الاجتماعي، كلٌّ من زاوية أسئلته النظرية وأدواته المنهجية.

وقد تراكم شطر واسع من هذه الأبحاث ليشكّل حقلًا معرفيًا ناشئًا، نسميه "دراسات وسائط التواصل الاجتماعي" (Social Media Studies). وهو حقل عابر لاختصاصات عديدة، ويشتغل، فضلًا عن أسئلة أخرى، بتحليل المحتوى على المنصات الرقمية[1] بوصفها بنى اجتماعية – تقنية تُنتِج أنماطًا قابلة للملاحظة من التفاعل والسلطة والمعرفة. غير أن هذا الحقل لا ينبغي أن يُختَزل في موضوعه، بل ينبغي أن يتحدد بمناهجه ومنطلقاته الإبستيمولوجية؛ أي إن اهتمامنا لا ينبغي أن يقتصر على دراسة وسائط التواصل الاجتماعي، بل ينبغي له أن ينصرف إلى فهم (ونقد) الطرائق التي ندرس بها هذه الوسائط. وينبثق من ذلك عدد من الأسئلة التي تشغل الباحثين ذوي التوجّه النقدي، والذين أسهموا في تشكّل حقل معرفي يُعرف بـ "دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية"[2] (Critical Social Media Studies). 

لا ننشغل في هذه الدراسة بفحص ظاهرة وسائط التواصل الاجتماعي، بل نركّز على إبستيمولوجيا الحقل المعرفي الذي يدرسها؛ أي الشروط الإبستيمولوجية والمنهجية التي تتشكّل من خلالها معرفتنا بالمنصات الرقمية، والتحولات التي طرأت على تلك الشروط، لا سيما في لحظتين مفصليتين، هما صعود علم تحليلات البيانات الضخمة والعلوم الاجتماعية الحاسوبية، والثورة التي أحدثتها أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي. وهذا ما نسعى إلى فحصه في القسم الأول من الدراسة، إذ نحاجّ بأن دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية بدأت في التشكّل بين هيمنتين، هما هيمنة العلوم الاجتماعية الحاسوبية وهيمنة الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ بما يمكن وصفه مجازًا بـ "الولادة العسيرة".

وإذ نفترض، استنادًا إلى الأدبيات المتاحة، أنّ القسم الأكبر من دراسات وسائط التواصل الاجتماعي لا يزال متمركزًا حول إبستيمولوجيات وضعية رقمية، وأن النظرية النقدية بمختلف روافدها الممتدة من مدرسة فرانكفورت إلى الاقتصاد السياسي (الماركسي)، مرورًا بدراسات العلم والتكنولوجيا (Science and Technology Studies, STS)، تمثّل موردًا خصبًا لحقل دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية؛ فإننا ننتقل، في القسم الثاني، إلى مناقشة هذه الروافد ضمن خمسة تيارات رئيسة. ثم نستكشف، في القسم الثالث، الوعود التي يطرحها هذا الحقل، مكثَّفةً في ستّة موضوعات أساسية: إماطة الحُجُب عن العلاقة بين اللغة والسلطة والأيديولوجيا، والكشف عن أشكال القمع المعرفي في البيئات الرقمية، وتطوير مناهج بحثية جديدة، واستكشاف الوعود الأخلاقية والنقدية، وتفكيك مقولة ديمقراطية المعرفة والخطاب التقني المصاحب لها، ونقد أطروحة الاستثنائية الرقمية.

أولًا: دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية: الولادة العسيرة

تزامن صعود دراسات وسائط التواصل الاجتماعي مع ازدهار علم تحليلات البيانات الضخمة (Big Data Analytics) وتطور الأدوات الحاسوبية القادرة على جمع كميات هائلة من البيانات الرقمية التي تُنتجها منصات التواصل الاجتماعي واستخراجها ومعالجتها. وقد أتاحت هذه المنصات إمكانات غير مسبوقة للقياس الكمي الواسع النطاق، ما حوّلها إلى مجال خصب لتطبيق تقنيات التنقيب في البيانات، وتحليل الشبكات الاجتماعية، والنمذجة الإحصائية، وغيرها. وفي سياق هذه النزعة إلى تحويل محتوى وسائط التواصل الاجتماعي وتفاعلات المستخدمين إلى بيانات (Datafication)، تحوّلت المنشورات والإعجابات والمشاركات والتعليقات، وغيرها من أشكال توليد المحتوى والتفاعل معه (وتسمى الآثار الرقمية Digital Traces)، إلى مؤشرات قابلة للقياس الكمي. وقد عزّز ذلك، إلى حد بعيد، الميل إلى اختزال الظاهرة الاجتماعية في آثارها الرقمية القابلة للحوسبة والتكميم. ومن ثم، نشأ، منذ البدايات، توتر تأسيسي بين الاجتماعي بوصفه موضوعًا للفهم والتأويل، والنظر إليه بوصفه بيانات قابلة للاستخراج والمعالجة والتنبؤ.

يمكن تمييز لحظتين رئيستين في تطور حقل دراسات وسائط التواصل الاجتماعي، وإن لم تتشكّلا في صورة مراحل منفصلة أو متعاقبة على نحو خطّي يسهل تعقّبه بدقة. تشكَّل هذا الحقل، في بداياته، في سياق تصورات احتفت بوسائط التواصل الاجتماعي بوصفها طريقًا معبَّدةً نحو فضاء عمومي تشاركي ديمقراطي يمكِّن مستخدميها من التواصل الحر[3]. ثم اتجه، تدريجيًا، نحو تطوير رؤى نقدية ركّزت على علاقات السلطة التي تسود عمل المنصات الرقمية، وعلى قضايا المراقبة والرأسمالية الرقمية والاستقطاب والتلاعب الخوارزمي والأخبار الزائفة، وغيرها. ثم أخذ يشهد تحولًا متزايدًا نحو تبنّي المناهج الحاسوبية وتحليلات البيانات الضخمة، خاصة مع صعود العلوم الاجتماعية الحاسوبية، التي تمثّل اللحظة الأولى في هذا التحولّ، ثم مع بروز نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي تمثّل لحظته الثانية. وقد غدت هذه الأدوات لا غنى عنها في تحليل أنماط السلوك والتفاعل الاجتماعي على وسائط التواصل الاجتماعي.

غير أن هاتين "اللحظتين" لا تعبّران عن تطور في المناهج فحسب، بل تكشفان أيضًا عن تحولات أعمق في تصور جوهر المعرفة الاجتماعية ذاتها؛ أي في الكيفية التي يُفهَم بها الفضاء الرقمي: أيُنظَر إليه بوصفه مجالًا يقتضي الفهم والتأويل النقدي، أم بوصفه موضوعًا يمكن مقاربته من خلال الاستخراج الحاسوبي للأنماط؟ ولا نقصد بالتركيز على هاتين اللحظتين تحقيب التاريخ، الحديث نسبيًا، الذي شهدته دراسات وسائط التواصل الاجتماعي، أو الإيحاء بوجود حدود زمنية أو معرفية حاسمة، بل نحاول إبراز التحولات الرئيسة التي شهدتها المقاربات السائدة للسؤال المركزي: كيف ندرس وسائط التواصل الاجتماعي؟

1. لحظة تحليلات البيانات الضخمة والعلوم الاجتماعية الحاسوبية 

​[4]

تزامنت مرحلة التأسيس المبكر لهذا الحقل مع صعود منصات الويب 2.0 (Web 2.0) وانتشارها، خاصة منصتَي فسيبوك بعد عام 2004 وتويتر بعد عام 2006، فضلًا عن انتشار واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، التي أتاحت للباحثين فرصًا غير مسبوقة لجمع بيانات رقمية بأحجام غير مسبوقة. واقتصرت دراسات وسائط التو​اصل الاجتماعي، في هذه المرحلة، على حدود عيناتها من حيث الحجم والنطاق، على أسئلة بحثية ذات صلة بهذه الوسائط، بوصفها ظاهرة شبكية – اتصالية، من قبيل: من يتواصل مع من؟ وما طبيعة الروابط الاجتماعية الرقمية الناشئة؟ وما التحولات التي طرأت على الفضاء الرقمي الذي تشكّله وسائط التواصل الاجتماعي؟[5] لقد انصرف الاهتمام في هذه المرحلة إلى فهم منصات التواصل الاجتماعي، في بداياتها، بوصفها بنية علائقية تتيح تشكّل فضاءات تفاعلية تُنتج أنماطًا جديدة من الترابط الاجتماعي، التي بدت في ظاهرها رمزية لكنّ تجسيداتِها وآثارَها في الواقع أخذت تتجلى تدريجًا. وهكذا اهتمت أبحاث وسائط التواصل الاجتماعي بإعادة التفكير في مفاهيم، مثل الصداقة والجماعة والمجتمع والانتماء والهوية، في بيئة رقمية آخذة في الاتساع[6]؛ لكنها لم تركّز على بناء نماذج تنبئية استنادًا إلى البيانات المحدودة كمًّا المستخرَجة من المنصات. ويعني ذلك أن سؤال المعنى ظل متقدمًا، نسبيًا، على سؤال التنبؤ، وأن الاهتمام انصبّ على فهم ديناميات التفاعل أكثر من السعي إلى التحكم فيها. بعبارة أخرى، انصرفت الأبحاث حينها إلى فهم ديناميات الفضاء الرقمي الناشئ وتأويل معاني التفاعل فيه، لكنها لم تهتم كثيرًا بإنتاج نماذج كمية تتغذى من تلك البيانات.

وقد حذّر بعض الباحثين، منذ عام 2007، من "أزمة قادمة في علم الاجتماع"[7] في عصر ما سمّاه نيجل ثريفت رأسمالية حيازة المعرفة[8]، مُعرِبين عن استيائهم من قصر نظر علماء الاجتماع وغفلتهم عن التفكُّر في التحديات التي تفرضها البيانات التفاعلية "الاجتماعية" الوفيرة، جمعًا ومعالجةً وتحليلًا، وما يترتب على ذلك من آثار في خبرتهم في مجال اختصاصهم. وقد عبّر مايك سافيدج وروجر بوروز، في تلك المرحلة، عن مخاوف من أن المناهج الكيفية التقليدية، التي دافع عنها علماء الاجتماع على مدى عقود وسمحت لهم بحيازة خبرة متميزة في فهم الظواهر الاجتماعية بطرائق فعالة، باتت تتحول تدريجيًا ويُنظَر إليها بوصفها مناهج قديمة[9]. لم يكن ذلك خلافًا يتعلق بأدوات البحث ومناهجه فحسب، بل كان نقاشًا بشأن السلطة المعرفية نفسها: من يمتلك القدرة على تعريف الاجتماعي وتفسيره؟ أهو الباحث الذي يتولى التأويل أم البنى الحاسوبية التي تستخرج الأنماط من ملايين التفاعلات الرقمية؟ لقد كان ذلك، في نهاية المطاف، بمنزلة إنذارٍ مبكر بانتقال العلوم الاجتماعية إلى عتبة مرحلة جديدة قوامها تحليلات البيانات الضخمة.

يمكن القول إن هذه المرحلة بدأت في سياق ذاع فيه صيت مقال "العلوم الاجتماعية الحاسوبية"[10]، الذي نشره ديفيد ليزر مع أربعة عشر باحثًا، في صفحتين تقريبًا، في دورية ساينس (Science)، مستهَلًّا بإعلان قيام "حقل جديد في طور النشوء، يوظف القدرة على جمع البيانات وتحليلها على نطاقٍ واسع بما يتيح الكشف عن أنماط السلوك الفردي والجماعي"[11]. وقد التقطت دراسات وسائط التواصل الاجتماعي هذا التحوّل نحو الاهتمام بتحليل "الآثار الرقمية"[12]، خاصة مع تطور القدرات الحاسوبية وأدوات معالجة البيانات الواسعة النطاق، التي أتاحت للباحثين الانتقال من عينات صغيرة من البيانات المستخرجة من منصات التواصل الاجتماعي إلى تحليل ملايين التفاعلات الرقمية ، بل أكثرَ من ذلك. وفي هذا السياق، تحوّلت تحليلات البيانات الضخمة إلى الإطار المنهجي السائد في دراسة محتوى وسائط التواصل الاجتماعي[13]. لقد أخذ الحقل في التحول، تدريجيًا، من دراسة الفضاء الرقمي بوصفه فضاءً لفهم التفاعل وإنتاج المعنى، إلى دراسته بوصفه مخزونًا هائلًا من البيانات القابلة للاستخراج والتصنيف والتنبّؤ.

يفترض أنصار هذا التحوّل أن الانتشار الواسع لوسائط التواصل الاجتماعي، وغيرها من المنصات الرقمية، أدى إلى إنتاج كميات هائلة ومتزايدة، على نحو غير مسبوق، من "الآثار الرقمية" التي توثّق أنماط السلوك والتفاعل بين المستخدمين، بما يجعلها قابلة للتخزين والاستخراج والتحليل. ويسمح ذلك للعلوم الاجتماعية بتجاوز قيود الاعتماد على العيّنات الصغيرة والملاحظة المحدودة، والانتقال نحو تحليل شبكات اجتماعية أوسع نطاقًا، والتمكُّن من تحليل أنماط السلوك الفردي والجماعي القابل للقياس في زمنه الفعلي وعلى نطاق أوسع، وبناء نماذج تنبئية للسلوك الاجتماعي، فضلًا عن القدرة على اختبار النظريات الاجتماعية باستخدام مجموعات بيانات ضخمة. وكانت تلك الدعوة بمنزلة التبشير بثورة إبستيمولوجية في العلوم الاجتماعية، يُفتَرض في سياقها أنّ وفرة البيانات قد تُغني عن الحاجة إلى النظرية الاجتماعية ذاتها[14].

غير أن هذه الثورة لم تكن جديدة بحق إذا ما تأملنا موقعها ضمن التاريخ الطويل لتحولات العلوم الاجتماعية الحديثة. فقد شهدت خمسينيات القرن العشرين وستينياته ما يُعرَف بالثورة السلوكية، التي قادها تيار يدعو إلى جعل العلوم الاجتماعية "علمية" عبر تبنّي المناهج الكمية والقياس التجريبي ونمذجة السلوك. وقد ترتّب على ذلك الحدّ من حضور المقاربات الفلسفية والتاريخية والتأملية والتأويلية، مقابل التركيز على السلوك القابل للملاحظة والقياس[15]. ومن ثمّ، إذا كان ثمة عنصر من الجِدّة في الثورة الحاسوبية، فإنه يتمثل تحديدًا في الأدوات التقنية المتقدمة التي تدعو إلى اعتمادها في التحليل، لا في القطيعة مع الثورة السلوكية المبكرة، بل هي امتداد لمنطقها الإبستيمولوجي في البحث الاجتماعي؛ إذ إنها تنقل النزعة الوضعية (Positivism) والسلوكية (Behavioralism) من الاستبيانات والمسوح والعيّنات المحدودة والتحليل الإحصائي التقليدي إلى التحليل الخوارزمي الواسع النطاق للبيانات الرقمية الضخمة. إنها ليست سوى استمرار للحلم السلوكي القديم ببناء علوم اجتماعية وضعية ترصد وتقيس وتتنبأ، لكن بأدوات أكثر تطورًا وأشد تعقيدًا.

ومع ذلك، فإن المقارنة بين الثورتين، مع مراعاة التطور الذي شهده علم البيانات، تكشف عن تحوّل أعمق يتعلق بطبيعة المعرفة الاجتماعية نفسها. فالثورة السلوكية، في نهاية المطاف، تعتمد على الباحث، بوصفه مصدر إنتاج المعرفة الرئيس، فهو من يحدد أسئلة البحث ومتغيراته وعيناته وأدوات القياس، والأهم من ذلك أنه يضطلع بتفسير النتائج ويقدّر حدود قابليتها للتعميم. إنها أكثر تواضعًا. أما الثورة الحاسوبية فتطمح إلى إقحام المنصات والبنى الرقمية وخوارزمياتها (لاحقًا)، وعلى نحو متزايد، في عملية إنتاج المعرفة نفسها، من خلال تفويضها جمع البيانات وتصنيفها وترتيبها واستخراج الأنماط منها واقتراح العلاقات الارتباطية والسببية والتنبئية، مع افتراض التضاؤل المستمر في هامش الأخطاء الإجرائية الناجمة عن أتمتة البحث[16].

2. اللحظة النقدية بين لحظتين[17]

برزت أصوات نقدية مبكرة، حرصت على لفت الانتباه إلى حدود الافتراضات المتعلقة بموضوعية هذا الإطار المنهجي وحياده العلمي. وأعادت طرح أسئلة الخصوصية والمراقبة واشتداد عود السلطوية من خلال أدوات ما بات يسمّى القمع الرقمي[18]، التي أتاحها ما يُعرَف بعصر البيانات الضخمة. وفي هذا السياق، طرحت دانا بويد وكيت كروفورد مبكرًا هذا السؤال: "هل ستساعدنا تحليلات البيانات في فهم الجماعات والحركات السياسية الرقمية؟ أم أنها ستُستَخدَم لتتبّع المتظاهرين وقمع حرية التعبير؟ وهل ستُغير طريقة دراستنا للثقافة والتواصل الإنساني؟ أم ستضيِّق آفاق البحث وتعيد تعريف مفهومه نفسه؟". وكانت مساهمتهما دعوة صريحة إلى مقاربة البيانات الضخمة بوصفها ظاهرة اجتماعية – تقنية، تقتضي طرح أسئلة نقدية تتعلق بافتراضاتها وتحيزاتها[19]، فضلًا عن ادعاءاتها المتعلقة بالموضوعية والحياد والعلمية. ومن هنا، بدأت تتبلور نواة ما يمكن تسميته دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية، التي تدعو إلى مساءلة البنى السلطوية والمعيارية الكامنة في تلك الادعاءات.

وقد تزايد استثمار مشروعات أبحاث العلوم الاجتماعية وبرامجها في البنية التحتية الحاسوبية، ما أدى إلى ترسيخ تحليلات البيانات الضخمة بوصفها الإطار المنهجي السائد لدراسة محتوى وسائط التواصل الاجتماعي والتفاعلات عليها وآثارها في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة. غير أن هذا الاستقرار لم يتحقق من دون مقاومة نقدية انطوت على مساءلة إبستيمولوجية شملت الأساطير المؤسِّسة للمقولات التي تشيد بموضوعية البيانات الضخمة وحيادها، بما في ذلك علاقات السلطة الكامنة في البنية التحتية للبيانات نفسها (من يملك البيانات؟ ومن يتحكم في واجهات برمجة التطبيقات الرقمية؟). وحين انكشفت فضيحة كامبردج أناليتيكا (Cambridge Analytica)، عام 2018، تكشَّف معها عمق الترابط (ويصح حتى ذلك الحين نعتها بالخفية) بين نمذجة البيانات التي تخزنها المنصات الرقمية والمصالح السياسية والتجارية[20]. وقد أعادت هذه الفضيحة طرح أسئلة تتعلق بأخلاقيات البحث وحوكمة البيانات وحدود السلطة المعرفية في دراسة وسائط التواصل الاجتماعي. ونبّهت إلى خطر تحوّل أبحاث هذه الوسائط إلى صناعة سياسية وتجارية تستغل البيانات الشخصية وتؤثّر في سلوك المستخدمين وتوجّهه. وفي المقابل، عززت هذه التطورات وجاهة الحجج التي قدّمتها مقاربات نقدية، مثل رأسمالية المراقبة[21] (Surveillance Capitalism)، وكولونيالية البيانات[22]، والسلطة الخوارزمية[23].

فضلًا عن ذلك، تبيَّن أن البيانات والمنصات التي تخزنها وتحللها وتتداولها ليست محايدة؛ فاتجه حقل دراسات وسائط التواصل الاجتماعي إلى إعادة النظر في عدد من مسلّماته الإبستيمولوجية والمنهجية التأسيسية، وذلك عبر تحويل قضايا، مثل ملكية البيانات والخصوصية والموافقة على شروطها والتحيزات الرقمية وأخلاقيات البحث الرقمي، إلى قضايا محورية في الحقل. وقد أتاحت المقاربات والرؤى النقدية التي تطورت خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، خاصة ما بات يُعرَف بتحليل البيانات النقدية[24]، إعادة النظر في منصات وسائط التواصل الاجتماعي؛ فلم تعد تُفهَم بوصفها فضاءات للتفاعل الاجتماعي فحسب، بل بوصفها بنى تحتية لاستخراج قيم اقتصادية وتشكيل مصالح سياسية من آثار/ بيانات المستخدمين الرقمية.

3. لحظة الذكاء الاصطناعي التوليدي

في مطلع العقد الثالث من الألفية، بدأت دراسات وسائط التواصل الاجتماعي تشهد مرحلة أخرى تتسم بصعود أنظمة الذكاء الاصطناعي وإتاحتها لعموم المستخدمين[25]، بمن فيهم الباحثون في العلوم الاجتماعية، ولا سيما نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، والنماذج اللغوية الضخمة (Large Language Models)، وتقنيات التلقين العميق، والتلقين المعزز، وأدوات معالجة اللغات الطبيعية، وغيرها من التقنيات ذات الصلة. ولم تعد هذه النماذج تقتصر على تمكين الباحثين من تحليل البيانات على نطاق واسع، بل باتت تساعدهم في توليد التفسيرات بطرائق آلية، أو تتولى ذلك بتفويض منهم.

وقد سارع عدد من الباحثين إلى التبشير بالإمكانات التي تتيحها أنظمة الذكاء الاصطناعي لتطوير مناهج العلوم الاجتماعية الحاسوبية، بما في ذلك توظيف النماذج اللغوية الضخمة في التعليق على البيانات من دون الحاجة إلى تلقين مسبق، إضافة إلى أداء مهمات إبداعية معقدة وتطويرها، مثل تفسير السمات الكامنة في النصوص. وعلى هذا النحو، تُقدَّم هذه النماذج بوصفها باتت مهيَّأة لمشاركة الباحثين، على نحو فعَّال، في المهمات التحليلية الذي تضطلع بها العلوم الاجتماعية[26]، بل قادرة على إحداث ثورة في تحليل البيانات وتوليد المحتوى، والمساهمة في توسيع فهم الظواهر الاجتماعية[27]. ويعيد هذا التحول، على نحو أشد حدة، إثارة الأسئلة النقدية نفسها التي صاحبت صعود تحليلات البيانات الضخمة والعلوم الاجتماعية الحاسوبية.

إن حلول لحظة الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يعني، بالنسبة إلى دراسات وسائط التواصل الاجتماعي، تحولًا منهجيًا يتمثل في تطوير أدوات جديدة وأكثر تقدّمًا للبحث فحسب، بل يسهم أيضًا في ترسيخ منظور إبستيمولوجي أعمق يتعلق بطبيعة المعرفة الاجتماعية الرقمية نفسها. فإذا كان هذا المنظور يرى في وسائط التواصل الاجتماعي، بما هي ظاهرة اجتماعية، فضاءاتٍ يمكن تحويل الحياة الاجتماعية وتفاعلاتها فيها، فضلًا عن آثارها، إلى بيانات قابلة للاستخراج والقياس والنمذجة والتنبؤ؛ فإنها تسهم في تعزيز ما سمّاه فينسنت موسكو (1948-2024) "الوضعية الرقمية" (Digital Positivism)[28]، التي ترى في البيانات الضخمة "أسطورة وقصة مقدَّسة عن استخلاص الحكمة، من البيانات النقية المخزَّنة رقميًا (Cloud)، بدلًا من الاعتماد على ذكاء البشر وما يكتنفه من حدود وأوجه قصور"[29].

وبناءً على شكوك موسكو في أن علماء البيانات، ويمكن أن نضيف إليهم بعض باحثي العلوم الاجتماعية الذين يحذون حذوهم، قد "لا يعرفون سوى المناهج الكمية"[30]، يحاجّ كريستيان فوكس بأن الوضعية الرقمية، على هذا النحو، تظل أسيرة مجموعة من الأسئلة، من قبيل: "من يتواصل مع من؟ وما موضوعات التواصل على وسائط التواصل الاجتماعي؟ وما الآثار المترتبة على ذلك؟ إنها تهمل ذاتية المستخدمين وتجاربهم ومعاييرهم وقيمهم وتأويلاتهم، فضلًا عن أن هذه الوسائط محتضَنة داخل بنى السلطة في المجتمع وفي صراعاته الاجتماعية" ومتجذرة فيها. ومن هنا تأتي الدعوة إلى الحاجة الملحّة إلى "تحوّل جذري" من تحليلات البيانات الضخمة بخلفيتها الإبستيمولوجية الوضعية الرقمية إلى دراسات نقدية لوسائط التواصل الاجتماعي[31].

إن الوضعية الرقمية أو وضعية البيانات الضخمة أو وضعية الحوسبة السحابية، أيًّا كان وسمها، في دراسات وسائط التواصل الاجتماعي، لا تفعل أكثر من إعادة إنتاج الافتراضات الوضعية الكلاسيكية المتعلقة بالحياد والموضوعية والقابلية للقياس والتنبؤ، لكن داخل بيئة رقمية تقوم على البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. ولعل أسوأ ما في الأمر هو الحماسة المفرطة التي يبديها بعض مؤيديها، وما يُنسَب إليها من "جميع أنواع القوى الخارقة"؛ فيتحول تبنّيها غير النقدي إلى شكل من أشكال "أصولية البيانات الضخمة"، التي تشيع الاعتقاد أن البيانات، ما إن تُجمَع حتى تصبح قادرة على أن تتحدث عن نفسها، وتُنتج معرفة قيّمة ومفيدة. "لكن هذا أبعد ما يكون عن الواقع، فالجزء الأصعب يكمن في التحليل؛ ويزداد التحليل صعوبةً كلما تضخّمت أحجام البيانات المتاحة للجمع"[32].

تدفع دراسات وسائط التواصل الاجتماعي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمشبَعة بإيمان مفرط بكفاءة أدواتها المنهجية، نحو حجب المشكلة الكامنة في تحليلات البيانات الضخمة؛ إذ إنها "لا تربط نتائج الأبحاث الإحصائية والحاسوبية بتحليل أوسع للمعاني والتأويلات والتجارب والمواقف والقيم والمعضلات الأخلاقية والاستخدامات والتناقضات والآثار الاجتماعية الكلّية المرتبطة بوسائط التواصل الاجتماعي"[33]. ويهدد هذا التوجّه، على نحو مثير للقلق، بتهميش الأصوات النقدية الداعية إلى التأمل في الأسئلة الإبستيمولوجية الكبرى، وتركيز متزايد على الأسئلة المنهجية – التقنية، أي الكيفية التي يمكن بها جعل المناهج والأدوات والتقنيات الحاسوبية أسرع وأوسع نطاقًا وأعلى كفاءة.

وعلى سبيل الخلاصة لهذا القسم، وعودةً إلى عنوانه، يمكن فهم المنطق الكامن في وصف نشأة دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية بأنها ولادة عسيرة؛ إذ يتبين أنها تشكلت ضمن حقل ناشئ هيمنت عليه، منذ بداياته، تيارات احتفت بوفرة البيانات والقدرات الحاسوبية على جمعها وتحليلها، مقترنةً بوعدٍ مفاده أنها تقدّم أدوات محايدة لإنتاج معرفة اجتماعية أدقّ وأكثر قدرة على تفسير السلوك الاجتماعي. وفي هذا السياق، اضطرت المقاربات النقدية غالبًا إلى أن تشق طريقها في مواجهة تصورات راسخة عن موضوعية البيانات وحياد الخوارزميات ووعود القياس والتنبؤ، فضلًا عن الارتباط بين المصالح السياسية والتجارية والتقنية التي أسهمت في دعم صعود المناهج الوضعية الرقمية[34]. ولذلك، يمكن القول إن دراسات وسائط الاجتماعي النقدية تمثّل، إلى حد بعيد، استجابةً مقاوِمة للتيار السائد في دراسات وسائط التواصل الاجتماعي، الذي شكَّلته وأعادت تشكيله وترسيخه لحظتان رئيستان في تاريخ الحقل الحديث نسبيًا، هما لحظة العلوم الاجتماعية الحاسوبية ولحظة الذكاء الاصطناعي.

ثانيًا: المقاربات النقدية لوسائط التواصل الاجتماعي: خمسة تيارات رئيسة

تسعى دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية إلى تجاوز بردايم الوضعية الرقمية كما أشرنا في القسم السابق، متجهةً نحو تحليل البنى العميقة التي تشكّل المنصات، وذلك عبر الكشف عن علاقات السلطة والأيديولوجيا وأنماط الهيمنة الكامنة في عملها. ووفقًا لهذا المنظور، لا تُفهَم وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها أدوات تقنية محايدة، بل بوصفها نُظمًا اجتماعية – اقتصادية معقّدة تتشكل وتعمل ضمن سياقات سياسية واقتصادية – رأسمالية محددة. ومن ثم، تنشغل الدراسات النقدية بطرح أسئلة تأسيسية، من قبيل: من يملك هذه المنصات؟ ومن المستفيد من بنيتها ووظائفها؟ ومن يجري تهميشه أو إقصاؤه؟ وكيف تعمل وفق الأنظمة تشتغل بها، ولمصلحة من تعمل؟ وكيف تسهم هذه الوسائط في تشكيل الوعي والمعرفة في المجتمع؟ كما أنها تستعيد حضور ذاتية المستخدمين وتجاربهم ومعاييرهم وقيمهم وتأويلاتهم، فضلًا عن مقاربة وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها متجذّرة في بنى السلطة السائدة في المجتمع، ومتشابكة مع صراعاته الاجتماعية.

ويتطلب ذلك بالضرورة التفكير في الأبعاد الأنطولوجية والإبستيمولوجية (المنهجية) والأخلاقية التي ينبغي أن يقوم عليها هذا التيار البديل في دراسات وسائط التواصل الاجتماعي[35]. لذلك، يسعى هذا التيار إلى تقديم تحليل أوسع وأعمق للمعاني والتأويلات والتجارب والمواقف والقيم والمعضلات الأخلاقية، والاستخدامات والتناقضات والآثار الاجتماعية الكلية المرتبطة بالوسائط الرقمية، من أجل إعادة الفلسفة والنظرية والنقد والتأويل إلى صلب دراسات وسائط التواصل الاجتماعي[36]. وفي هذا السياق، نبتغي في هذا القسم فحص الروافد النظرية التي تشكّل موردًا خصبًا لنمو دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية، وذلك ضمن خمسة تيارات رئيسة: مدرسة فرانكفورت، ونظرية الفضاء العمومي الرقمي، والاقتصاد السياسي (الماركسي)، والنسوية وما بعد الكولونيالية، ودراسات العلم والتكنولوجيا.

1. مدرسة فرانكفورت

تستفيد المقاربات النقدية لوسائط التواصل الاجتماعي، أيضًا، من الأدوات التحليلية لمدرسة فرانكفورت، خاصة أعمال ماكس هوركهايمر الذي ركز على نقد العقل الأداتي، فضلًا عن أعمال ثيودور أدورنو الذي طوّر مع هوركهايمر مفهوم صناعة الثقافة؛ إضافة إلى أعمال هربرت ماركوز، وبالتأكيد أعمال يورغن هابرماس (1929-2026)، في نظرية الفعل التواصلي ومفهوم الفضاء العمومي، وأهمية الحوار العقلاني، في مقابل التواصل المشوَّه. ونجد ذلك في أعمال بارزة في حقل دراسات وسائط التواصل النقدية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، توظف خوسيه فان دايك[37] أفكار مدرسة فرانكفورت في نقد خطاب "الاتصالية" (Connectivity)، فوسائط التواصل الاجتماعي بالنسبة إليها لا تعكس العلاقات الاجتماعية فحسب، بل تعيد تشكيلها وإنتاجها ضمن منطق اقتصادي وتقني محدد.

وتحلل زينب توفيقجي (Zeynep Tufekci) تأثير الخوارزميات في الرأي العام، وتبيّن الكيفية التي توجه بها المنصات الانتباه، وتؤثّر في السلوك الجماعي، وتطرح في هذا الصدد ما تسميه "الجمود التكتيكي" (Tactical Freeze) تفسير عجز الحركات الاجتماعية عن تعديل تكتيكاتها، أو التفاوض حول مطالبها، أو الدفع نحو تغييرات سياسية ملموسة. وينشأ هذا الجمود من الطرائق التي تعزز بها التقنيات الرقمية قدرتها على التشكل من دون تخطيط مبكر كافٍ، بحيث تعالج القضايا عند ظهورها فقط، ومن قبل الأشخاص الذين يحضرون للمشاركة من خلال ما تسميه "الإدارة الارتجالية" أو "حكم الارتجال" (Adhocracy). وعلى هذا المنوال، تقوم مقاربتها على التفكير في الدور السببي للتغير التكنولوجي في التغير الاجتماعي، فضلًا عن تركيزها على دور الخوارزميات وسياسات منصات التواصل الاجتماعي؛ فتناقش الكيفية التي أدت بها التقنيات الرقمية إلى ظهور مزيج جديد من البيانات الضخمة والممارسات الحاسوبية، ما أتاح جمعًا هائلًا وخفيًّا للبيانات، إلى جانب نمذجة حاسوبية متطورة. وقد عزز ذلك قدرة الجهات التي تمتلك الموارد وإمكانات الوصول إلى هذه الأدوات، على تنفيذ حملات عالية الفاعلية، لكنها تتسم بالغموض ولا تخضع للمساءلة، بهدف التأثير في الأفراد من خلال الإقناع والهندسة الاجتماعية في المجالات السياسية والمدنية والتجارية[38].

فضلًا عن ذلك، تحاجّ شيري توركل[39]، في كتابها نحن معًا لكننا وحيدون، بأنّ التكنولوجيا الرقمية تُضعف العلاقات العميقة، وتعزز العزلة على الرغم من الاتصال الدائم الذي تتيحه؛ وتسائل مظاهر الاغتراب العاطفي في الثقافة الرقمية، على أعتاب ما تسميه "اللحظة الروبوتية". ومن ناحية أخرى، تنقد جودي دين تقنيات الاتصالات الشبكية بوصفها شكلًا من "الرأسمالية التواصلية" (Communicative Capitalism)، بما يفضي إلى إفراغ الممارسة السياسية من مضمونها[40]. كما تطرح ما تسميه "وهم النشاط أو المشاركة"، الذي يتجسد فيما تسميه "عبادة التكنولوجيا" أو "الافتتان بالتكنولوجيا" (Technology Fetishism)، فترى في استخدام التكنولوجيا، في حد ذاته، فعلًا سياسيًا. ولا يمكن، بطبيعة الحال، إغفال مساهمات فوكس، الذي يجمع في أطروحاته بين الماركسية والنظرية النقدية، في تفكيكه للوسائط بوصفها فضاءات تعزز الهيمنة، وتضعف الفضاء العمومي الديمقراطي. فيوظف، في هذا السياق، مفاهيم مثل صناعة الثقافة والعقل الأداتي والإنسان ذي البعد الواحد والفضاء العمومي، في تحليل الخوارزميات والمحتوى السطحي وآليات توجيه الوعي وتشويه النقاش العمومي. ووفق هذا المنظور، يمكن فهم الوسائط الرقمية بوصفها امتدادًا رقميًا لصناعة الثقافة، بما يسهم في إعادة إنتاج الامتثال والخضوع بدلًا من تعزيز التفكير النقدي.

إضافة إلى ما سبق، توظف دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية النقد ما بعد البنيوي (Post-Structuralism) من خلال التركيز على مفاهيم الخطاب والعلاقة بين السلطة والمعرفة وتشكّل الهوية، بوصفها عمليات غير ثابتة ومتشابكة في الفضاء الرقمي. ويُعدّ فوكو المرجع النظري الأبرز في هذا السياق، إذ ألهمت أفكاره عددًا من الدراسات التي ترى أن المنصات الرقمية لا تنقل الواقع فحسب، بل تُنتج "أنظمة معرفة" تحدد ما يُرى وما يُقال. وفي هذا السياق، تقدّم تينا بوخر [41]ما تسميه السلطة الخوارزمية (Algorithmic Power). ولا تقتصر هذه السلطة على الخوارزمية بوصفها بنية تقنية مسؤولة عن ترتيب المحتوى أو معالجة البيانات، بل تمتد إلى شبكة أوسع من العلاقات والممارسات والخطابات التي تُنتج السلطة وتمارسها عبر الأنظمة الرقمية.

واستنادًا إلى تصور فوكو للسلطة بوصفها علاقة إنتاجية وممارسة اجتماعية، يمكن فهم الخوارزميات بوصفها جزءًا من منظومات استراتيجية تُمارَس من خلالها أشكال متعددة من التأثير والتوجيه، سواء عبر التعليمات البرمجية نفسها أو عبر الادعاءات والخطابات المرتبطة بها. ومن ثم، لا تتمثل أهمية الخوارزميات في قدرتها التقنية فحسب، بل أيضًا في دورها في تشكيل أنماط الفعل والمعرفة وإعادة تنظيم التفاعلات الاجتماعية. فمن خلال عمليات الترتيب والتصنيف والفرز والتنبؤ ومعالجة البيانات، تؤدي دورًا سياسيًا يتمثل في جعل العالم يظهر وفق صورٍ ومعانٍ محددة دون غيرها، ما يعني أن الواقع الاجتماعي ليس معطى ثابتًا، بل واقع يجري إنتاجه وتفعيله من خلال الأنظمة الخوارزمية وآلياتها المختلفة. في هذا السياق، يبيّن تارلتون جيليسبي[42] أن سياسات الإشراف على المحتوى تمثل آليات تنظيم معرفي تحدّد المقبول والمرفوض. ويوضح عمله مركزية الإشراف بالنسبة إلى المنصات الرقمية، وحجم المخاطر المترتبة على إسناد إدارة المجال الرقمي إلى "أوصياء" رقميين وشركاتيين يتحكمون في تحديد ما يظهر وما يُحجَب في الفضاء الرقمي. ونتيجة لذلك، فإن الطبيعة الانتقائية للإشراف على المحتوى تقوّض قدرة المنصات على العمل بوصفها فضاءات للتداول المتبادل والمشاركة الديمقراطية. ومن ثم، ينجح جيليسبي في إظهار الحاجة إلى التعامل النقدي مع الإشراف على المحتوى ودراسة آلياته وانحيازاته وتأثيراته العميقة.

ومن جهة أخرى، تستثمر دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية في أفكار جيل دولوز (Gilles Deleuze) (1925-1995) حول "مجتمعات السيطرة" لفهم أنماط السلطة اللامركزية التي تعمل عبر الشبكات الرقمية. ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في عمل ألكسندر غالاواي [43]الذي يوضح كيف تُمارَس السيطرة من خلال البنى التقنية نفسها، على الرغم من ظاهرها اللامركزي. ويؤكد أن فهم علاقات القوة في مجتمعات السيطرة، لا سيما في شبكات المعلومات وبرمجيات الحاسوب، لن يتحقق ما لم نفهم "كيف تعمل؟" و"لصالح من تعمل؟". وفي سياق مماثل، تركز دراسات الهوية الرقمية على الطابع البنائي للذات، إذ ترى بويد[44] ونانسي بايم[45] أن الهوية على وسائط التواصل الاجتماعي تخضع لسيرورة متواصلة من التشكّل وإعادة التشكّل عبر التفاعل والخطاب؛ ومن ثم تتيح هذه المقاربة النقدية استكشاف الطرائق المعقدة التي تتقاطع من خلالها التكنولوجيا مع المجتمع. أما فيما يتعلق بالمراقبة، فيعيد ديفيد ليون [46]توظيف مفهوم الپانوبتيكون، كما طوّره فوكو، وفكرة "مجتمعات السيطرة"، كما طوّرها دولوز، في تحليل أنماط المراقبة الرقمية (والتي أصبحت شبكية ومتحركة وقائمة على تدفقات البيانات)، وفي الكشف عن المعضلات المعاصرة المرتبطة بالمراقبة والبيانات الضخمة، ومن ثم، تورّطها في تشكيلات جديدة من السلطة والتأثير. وفي السياق نفسه، تقدّم أليس مارويك[47] مفهوم "المراقبة الاجتماعية" (Social Surveillance)، مبيّنةً أن المستخدمين أنفسهم يشاركون في إنتاج أنظمة المراقبة على المنصات الرقمية. بناء عليه، تكشف هذه الأعمال أن وسائط التواصل الاجتماعي ليست أدوات تواصل فحسب، بل فضاءات خطابية تُنتج الحقيقة والهوية ضمن علاقات قوة موزعة ومعقّدة، حيث تتداخل الخوارزميات والممارسات الاجتماعية والبنى التقنية في تشكيل ما يمكن (وما لا يمكن) قوله ومعرفته ورؤيته.

2. نظرية الفضاء العمومي الرقمي

تُعدّ نظرية الفضاء العمومي الرقمي (Digital Public Sphere) امتدادًا معاصرًا للنقاش الذي أسسه هابرماس. لقد تصوّر هابرماس الفضاء العمومي بوصفه مجالًا تداوليًا يتبادل فيه المواطنون الآراء حول الشأن العمومي على أساس من النقاش العقلاني النقدي، وبعيدًا عن هيمنة الدولة والسوق. وقد انتقل هذا التصور إلى الفضاء الرقمي مع بروز الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي، حيث طُرِح سؤال رئيس يتعلق بما إذا كانت المنصات الرقمية قادرة على توسيع المشاركة الديمقراطية وتعزيز النقاش العمومي، أم أنها، على عكس ذلك، تسهم في إضعاف شروطه وتشويهها. وفي هذا السياق، ينقد كاس سنستين[48] فكرة التفاؤل الرقمي، محذرًا من أن التخصيص الخوارزمي وفقاعات التصفية وغرف الصدى تفضي إلى تفكك الفضاء العمومي وإضعاف الأرضية المشتركة اللازمة للديمقراطية التداولية. فضلًا عن ذلك، يحاجّ مانويل كاستلز[49] بأن الفضاء العمومي في العصر الرقمي أصبح فضاءً شبكيًا (Networked Public Sphere)، تُنتِج فيه الحركات الاجتماعية أشكالًا جديدة من الفعل السياسي والتواصل الجماعي. وتسهم هذه الحركات الاجتماعية، المرتبطة بمجتمع الشبكات (Network Society)، في تشكيل مجتمعاتنا من خلال انخراطها في صراعات تنبع من التناقضات الأساسية التي يقوم عليها العالم المعاصر.

في السياق نفسه، تبيّن توفيقجي، أن وسائط التواصل الاجتماعي تمنح الحركات الاحتجاجية قدرة كبيرة على التعبئة السريعة، لكنها قد تجعلها في الوقت نفسه أشد هشاشة من حيث التنظيم والاستمرارية[50]. وإلى جانب ذلك، وجّهت نانسي فريزر في مقالها المؤثر، "إعادة التفكير في الفضاء العمومي"[51]، نقدًا للتصور الهابرماسي الموحّد للفضاء العمومي، مؤكدةً أن المجتمعات غير المتكافئة لا تحوز فضاءً عموميًا واحدًا، بل فضاءات عمومية مضادة تتيح للفئات المهمشة إنتاج خطاب خاص بها، ومن ثم، مقاومة الإقصاء. وبناء عليه، تنظر نظرية الفضاء العمومي الرقمي إلى وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها بنى اتصالية وسياسية معقدة، تنطوي على إمكانات ديمقراطية واعدة، لكنها تحمل، في الوقت نفسه، مخاطر بنيوية تتمثل في الاستقطاب والتضليل والهيمنة الخوارزمية، ما يجعل تقييمها مرتبطًا بشروط العدالة والمساواة وإمكانات التداول العمومي الحر.

أخيرًا، لا يقدّم هذا القسم حصرًا شاملًا لمقاربات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية ولا تصنيفًا نهائيًا لها. فمثل هذه المحاولات قد تنطوي على قدر من الاختزال أو "القسر المنهجي"، وربما التبسيط أيضًا، خاصة إذا افترضت وجود حدود واضحة وحاسمة بين اتجاهات نظرية متمايزة. وهذا افتراض لا ندّعيه؛ إذ إن خرائط الأبحاث بطبيعتها أشد تداخلًا وتعقيدًا؛ فكثير من الباحثين لا يلتزمون بإطار نقدي واحد على نحو حصري، بل يوظفون أدواتٍِ ومفاهيمَ مستمدة من مقاربات متعددة، فيجمعون، على سبيل المثال، بين النقد الماركسي والنظرية النقدية، أو يدمجون تحليلات نسوية وما بعد استعمارية ضمن مقاربة منهجية واحدة. ويعكس هذا التداخل الطبيعة المركَّبة للظواهر الرقمية، شأنها في ذلك شأن الظواهر الاجتماعية التي تصعب الإحاطة بها من خلال منظور واحد. ومن ثم، ينبغي التعامل مع التصنيف الذي اقترحناه ههنا، مثل التصنيفات المتداولة في الأدبيات الأخرى، بوصفه من الأدوات الاستكشافية (Heuristic Devices)، التي تُسهِّل الفهم وتيسّر التنظيم، لا بوصفه إطارًا نهائيًا ومجموعة من الحدود النظرية الصلبة التي تفصل بين اتجاهات متباينة.

3. الاقتصاد السياسي (الماركسي)

من أبرز الاتجاهات في هذا الحقل ما يُعرَف بـالنقد الماركسي للمنصات أو نقد الرأسمالية الرقمية، الذي يرى أن منصات التواصل الاجتماعي ليست وسائط للتواصل، فحسب، بل تمثّل نموذجًا متقدمًا من الرأسمالية قائمًا على استخراج القيمة من المستخدمين أنفسهم؛ إذ لا يُعَدُّ المستخدم مستهلكًا للمحتوى، فحسب، بل هو أيضًا مُنتِج للبيانات يساهم في توليد القيمة الاقتصادية. ويتجلى ذلك في اقتصاد الانتباه، حيث تتنافس المنصات على جذب انتباه المستخدم وإطالة مدة تفاعله، نظرًا إلى ارتباط ذلك بزيادة عوائد الإعلانات[52]. وتعتمد هذه المنصات على استغلال البيانات (Data Exploitation)[53]، من خلال جمعٍ وتحليلٍ لكميات هائلة من البيانات السلوكية، التي تُستخدم في الإعلانات الموجّهة أو تُباع في أسواق البيانات.

وفي هذا السياق، يُطرَح مفهوم العمالة الرقمية المجانية (Free Digital Labor)، الذي يشير إلى أن أنشطة المستخدمين، مثل النشر والتفاعل والمشاركة، تمثّل نمطًا من أنماط العمل غير المأجور الذي تستفيد منه الشركات الرقمية. وقد بلورت شوشانا زوبوف[54] هذا التحليل في مفهوم رأسمالية المراقبة، إلى جانب مفهومَي "السلطة الأداتية"، و"الفائض السلوكي"؛ حيث تجادل بأن الشركات التكنولوجية الكبرى لا تكتفي بجمع البيانات، بل تعمل على تحويلها إلى تنبؤات سلوكية يمكن توظيفها تجاريًا، بل التأثير في سلوك المستخدمين أنفسهم. وبهذا المعنى، تتحول هذه المنصات إلى بنى معرفية – اقتصادية مبنيّة على المراقبة المستمرة والتنبؤ والتوجيه. وتشير زوبوف إلى تحوّل نوعي في طبيعة السلطة، من نموذج الدولة الشمولية الذي يجسّده "الأخ الأكبر" (Big Brother) إلى ما تسميه "الآخر الكبير" (Big Other). وهو نظام رقمي شامل الحضور، يتميز بتركيز هائل للمعرفة والقدرة على التأثير، من دون خضوع فعلي لرقابة ديمقراطية. ووفقًا لهذا التحليل، فإن رأسمالية المراقبة لا تهدد الخصوصية فحسب، بل تمسّ أسس الحرية والديمقراطية، من خلال بناء بيئة رقمية تسعى إلى تحقيق أقصى درجات اليقين السلوكي لخدمة منطق الربح الاقتصادي.

وتندرج أطروحة زوبوف ضمن تيار أوسع من نقد الاقتصاد السياسي للتكنولوجيا. فعلى سبيل المثال، يحاجّ نيك سرنيك[55] بأن المنصات الرقمية، في سياق ما يسمى رأسمالية المنصات (Platform Capitalism)، تعمل على استخراج البيانات وبناء احتكارات رقمية؛ ويركز في حجاجه على البنية الاقتصادية للرأسمالية الرقمية[56]. أما فوكس[57] فيقدّم تحليلًا ماركسيًا صريحًا لمفهوم العمالة الرقمية، مؤكدًا أن المستخدمين يشاركون في إنتاج فائض القيمة من خلال عمل غير مدفوع، ويقدّم قراءة نقدية تحاجّ بأن العمل الرقمي هو امتداد للرأسمالية وليس قطيعة معها، وأنه يعيد إنتاج علاقات الاستغلال بل يكثّفها عبر أشكال جديدة من البيانات ومن العمالة. وقد مهدت تريانا تيرانوفا [58]لهذه الأطروحة من خلال تقديمها مبكرًا مفهوم العمالة الرقمية المجانية بوصفها نشاطًا إنتاجيًا غير معترَف به اقتصاديًا؛ والمقصود بذلك النشاطات التي يمارسها المستخدمون طوعًا ومن دون أجر، لكنها في الواقع تُنتِج قيمة اقتصادية للشركات. وترى، من خلال تفكيكها حقيقة "الاقتصاد الرقمي"، أن الإنترنت يجسّد تحولًا كامنًا في الرأسمالية المتأخرة؛ وهو "ليس قطيعة بقدر ما هو تكثيف لمنطق ثقافي واقتصادي واسع الانتشار، ومن ثمّ تحولٌ فيه"[59].

ويركز مارك أندرييفيتش، من ناحية أخرى، على مفهوم المراقبة التفاعلية (Interactive Surveillance)، مشيرًا إلى أن المستخدمين يشاركون طوعًا في إنتاج بياناتهم ضمن بيئة رقمية قائمة على التتبّع المستمر. فبدلًا من تمكين وتعزيز أشكال "الاتصال الثنائي الاتجاه، المتماثل والشفاف نسبيًا"، التي وعد بها مروّجو الوسائط التفاعلية، يرى أندرييفيتش أن الإعلام التفاعلي ضمن "الثقافة الرقمية" يؤدي وظيفة "الإدارة الرقمية" في مجالات تشمل أنشطة أوسع وعلى نحو متزايد. ويرى أن أشكال المراقبة والرصد المكثفة، التي باتت مُطبَّعة ومندمجة في الأنظمة والخدمات التفاعلية، تسهم في ترسيخ ما يُعرف بالنزعة "التايلورية الاجتماعية"[60] وتعزيزها، وهو ما كان يبدو ضربًا من المبالغة عندما أثاره، أول مرة، فرانك ويبستر وكيفن روبينز[61]. في حين تضيف صافيا أوموجا نوبل[62] بعدًا حاسمًا من خلال إبراز الانحياز الخوارزمي (Algorithmic Bias)، خاصة فيما يتعلق بإعادة إنتاج العنصرية، فتتناول قوة الخوارزميات في عصر النيوليبرالية، والطرائق التي تعزز بها هذه القرارات الرقمية علاقات اجتماعية قمعية، وتُنتج أنماطًا جديدة من التنميط العرقي، وهو ما تطلق عليه مصطلح "التمييز التكنولوجي" (Technological Redlining)[63]. ومن خلال إظهار الكيفية التي تسهم بها عوامل، مثل رأس المال والعرق والنوع الاجتماعي في خلق ظروف غير متكافئة، تسعى إلى تسليط الضوء على أشكال متعددة من هذا التمييز التكنولوجي الآخذة في التزايد. وتسلط كاثي أونيل[64] الضوء على الأضرار الاجتماعية للخوارزميات، من خلال مفهوم "أسلحة الدمار الرياضي/ الحسابي"[65] (Weapons of Math Destruction)، ومن خلال سلسلة من دراسات الحالة التي توثّق النتائج السلبية لمجموعة واسعة من الممارسات الصناعية والحكومية، والنماذج السيئة التصميم، والخوارزميات، في التأثير سلبيًا في حياة الفئات الأشد هشاشة، وتُرجِع جذورها إلى تصميم برمجي سيئ، وإلى إيمان غير مبرر بقدرة نوع معيّن من التفكير الحاسوبي. وتُبدي قلقها إزاء دور هذه النماذج في تشكيل حياتنا المدنية عبر وسائط التواصل الاجتماعي. وفي جميع هذه الحالات، تبيّن أن هذه النماذج تُلحق ضررًا خاصًا بالفقراء/ الفئات الأقل حظًا، فضلًا عن آثارها السلبية في المجتمع عمومًا، مؤكدةً مشكلات التحيز وغياب الشفافية. تكشف هذه المقاربات مجتمعةً أن وسائط التواصل الاجتماعي ليست فضاءات للتفاعل، فحسب، بل هي مواقع لإنتاج السلطة والمعرفة ضمن إطار رأسمالي معقّد، الأمر الذي يستدعي تحليلًا نقديًا يوازن بين أبعادها الاقتصادية والسياسية والمعرفية.

4. النسوية وما بعد الكولونيالية

تستلهم دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية، أيضًا، المقاربات النسوية وما بعد الكولونيالية، من خلال التركيز على قضايا السلطة والتمثيل وغياب المساواة؛ فمن منظور الدراسات النسوية، يمكن فهم المنصات الرقمية بوصفها فضاءات تعيد إنتاج التفاوتات القائمة على أساس الجندر[66]، حيث تتعرض النساء، وخاصة ذوات البشرة الملوّنة والمهمّشات، لأشكال متعددة من العنف الرقمي والإقصاء، ما يؤدي إلى تقويض مشاركتهن في الفضاء العمومي وإضعاف حضورهن وفاعليتهن المعرفية. وقد أبرزت نوبل، التي لا بد من الإشارة إليها مرة أخرى، كيفية إسهام الخوارزميات في إعادة إنتاج التحيزات العنصرية والجندرية[67]، بينما حلّلت سارة بانت-وايزر[68] التوتر القائم بين تمكين النساء وانتشار خطاب كراهية النساء في الثقافة الرقمية، مجادلةً بأن الظهور الواسع للنسوية في الثقافة الشعبية النيوليبرالية لم يؤدِّ إلى تفكيك البنى الأبوية، بل ترافق مع إعادة إنتاجها عبر أشكال جديدة حملت استجابة مضادة من تكثيف كراهية النساء الرقمية والثقافية والسياسية. وفي السياق نفسه، تسهم هذه المقاربات في توسيع مفهوم العدالة المعرفية (Epistemic Justice) من خلال إبراز أشكال الظلم المعرفي التي تتعرض لها النساء في البيئات الرقمية.

أما الدراسات ما بعد الكولونيالية، فتركّز على البُعد العالمي للوسائط، مبيّنةً أنها ليست منصات تواصل فحسب، بل هي أدوات تعيد إنتاج علاقات الهيمنة بين الشمال والجنوب الكبيرَين. ويحاجّ نِك كولدري وأوليسيس ميخياس[69] بأن الاقتصاد الرقمي المعاصر يمثّل شكلًا من استعمار البيانات (Data Colonialism)، حيث تُستخرج البيانات من المستخدمين عبر أرجاء المعمورة لفائدة شركات تكنولوجية متمركزة في الغرب. وتبيّن بايال أرورا[70] أن تصميمات المنصات وتصوراتها تعكس كلّها افتراضاتٍ غربيةً تهمّش تجارب المستخدمين في الجنوب الكبير. وبناء عليه، تكشف هذه المقاربات أن وسائط التواصل الاجتماعي تُسهم في تشكيل المعرفة والهوية ضمن علاقات قوة غير متكافئة، سواء على مستوى الجندر (بين الرجال والنساء، أو بين السود والبيض، أو بين الأكثريات والأقليات، على سبيل المثال)، أو على المستوى الجيوسياسي (بين الشمال والجنوب)، ما يجعل تحليلها يتطلب مقاربة نقدية متعددة الأبعاد.

5. حقل دراسات العلم والتكنولوجيا

يوفر حقل دراسات العلم والتكنولوجيا عددًا من المقاربات النقدية التي تسعى إلى تحليل العلاقة التفاعلية بين العلم والتكنولوجيا والمجتمع، انطلاقًا من افتراض أساسي مفاده أن التكنولوجيا ليست أدوات محايدة أو موضوعية، وأنها نتاج اجتماعي يحمل في بنيته قيمًا سياسية وثقافية محددة. وتدعو هذه المقاربات إلى تحويل التركيز نحو البعد الاجتماعي بوصفه نقطة التفسير، أي منح المجتمع أولوية على التكنولوجيا في البحث. وتهدف هذه المقاربة الاجتماعية – النقدية في تحليل خطاب وسائط التواصل الاجتماعي إلى فحص خصائص المجتمع وظروفه من ناحية الكيفية التي تُستَخدم بها الإمكانات والتحولات الجديدة، مثل الفضاء العمومي الرقمي، وتُؤطَّر ضمن سياقات مجتمعية وديموغرافية مختلفة[71].

ومع تزايد اهتمام الدراسات اللغوية بمواد الويب المختلفة، مدفوعةً بالاهتمام المتنامي بالأرشيفات الضخمة من البيانات المسجّلة، تسعى هذه المقاربات إلى التركيز على المستخدمين بوصفهم أعضاء في مجتمعات قائمة مسبقًا، لا بوصفهم أفرادًا ينتمون إلى مجتمعات افتراضية تُنتِجها الإمكانات التكنولوجية ذاتها. وفي هذا السياق، يحاجّ لانغدون وينر في مقاله المرجعي، "هل تحوز المنتجات التقنية سياسةً؟"[72]، بأن التقنية تجسّد اختيارات سياسية، إذ يمكن أن تجسد تصميمات تكنولوجية معينة أنماطًا محددة من السلطة والهيمنة، وحتى الإقصاء. وطوّر برونو لاتور (1947-2022)[73]، ومن قبله ميشيل كولون (1945-2025)[74]، ما يُعرف بـنظرية الفاعل-الشبكة (Actor-Network Theory)، التي تفترض أن الفاعلية الاجتماعية لا تقتصر على البشر، بل تشمل أيضًا العناصر التقنية بوصفها فضاءات تشمل فاعلين ضمن شبكات معقّدة من العلاقات. ومن جهة أخرى، قدّم تريفور بينش وويبه بيكر [75]مفهوم "البناء الاجتماعي للتكنولوجيا" (Social Construction of Technology)، مبيّنَيْن أن تطور التكنولوجيا لا يجري ضمن مسار حتمي، بل عبر عمليات تفاوض وتنازع بين جماعات اجتماعية مختلفة، انطلاقًا من فهم الحقائق العلمية والمنتجات التقنية بوصفها بنى اجتماعية (Social Constructs).

وفي تطبيق هذه المقاربات على البيئات الرقمية، تبيّن أدبيات، مثل أعمال نوبل[76]، أن الخوارزميات تعكس تحيزات اجتماعية قائمة، خصوصًا فيما يتعلق بالعرق والجندر، بينما تحاجّ روها بنجامين[77] بأن الأنظمة التقنية قد تعيد إنتاج أشكال جديدة من التمييز تحت غطاء الحياد التقني؛ وتكشف في أبحاثها الطرائق التي تُنتج بها التكنولوجيا الحديثة العنصريةَ وتدعمُها وتضخمُها، فضلًا عن الكيفية التي تعيد بها ترسيخ تفوّق البيض. في السياق نفسه، تُبرِز فيرجينيا يوبانكس [78]الكيفية التي تُستخدم بها الأنظمة الرقمية في إدارة الفقر بطرائق تؤدي إلى تكريس التهميش بدلًا من معالجته، وتعيد إنتاج اللامساواة وتزيدها حدة.

يكشف حقل دراسات العلم والتكنولوجيا أنّ وسائط التواصل الاجتماعي، بما تتضمنه من خوارزميات وتصميمات تفاعلية، ليست منصات تقنية، فحسب، بل هي نظم اجتماعية – معرفية تعيد تشكيل أنماط السلطة والمعرفة من خلال خيارات تصميمية تحمل أبعادًا سياسية وأخلاقية واضحة. ويتقاطع هذا الاتجاه البحثي مع الاهتمام بمسألة العدالة الخوارزمية[79] (Algorithmic Justice)، وهو أحد أبرز الاتجاهات النقدية المعاصرة التي تسعى إلى فحص الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية للأنظمة الخوارزمية، من خلال تحليل مدى عدالتها وحيادها وتأثيرها في إعادة إنتاج أنماط التفاوت الاجتماعي. وتنطلق هذه المقاربة من رفض الفرضية الشائعة التي تنافح عن موضوعية الخوارزميات، مؤكدةً أنها غالبًا ما تعكس التحيزات الكامنة في البيانات والبنى الاجتماعية التي يجري إنتاجُها ضمنها؛ فالخوارزميات، بما فيها ما يُستخدَم في وسائط التواصل الاجتماعي، ليست أدوات تقنية بل نظم معرفية – اجتماعية تُنتِج (وتعيد إنتاج) ديناميات تكرّس غياب العدالة المعرفية والاجتماعية في البيئات الرقمية، وتسعى المقاربات النقدية لوسائط التواصل الاجتماعي إلى تفكيكه وإماطة الحُجُب عنه.

ثالثًا: وعود دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية

نناقش في هذا القسم الوعود التي تقطعها دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية وتسعى للوفاء بها. ونكثّفها في ستة موضوعات رئيسة، هي: إماطة الحُجُب عن العلاقة بين اللغة والسلطة والأيديولوجيا، والكشف عن أشكال القمع المعرفي في البيئات الرقمية، وتطوير مناهج بحثية جديدة، والوعود الأخلاقية والنقدية، وتحدي مقولة ديمقراطية المعرفة وتفكيك الخطاب التقني، ونقد الاستثنائية الرقمية.

1. إماطة الحُجب عن العلاقة بين اللغة والسلطة والأيديولوجيا

يتمثل أحد أهم وعود دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية في الكشف عن العلاقة بين اللغة والسلطة والأيديولوجيا في البيئات الرقمية. فالنظرية النقدية، التي تتبناها، تدّعي القدرة على وضع الظواهر الاجتماعية ضمن سياقها التاريخي المرتبط ببنى السلطة ودينامياتها وجدلياتها[80]، وهو ما يجعل تحليل الخطاب الرقمي أداة مركزية لفهم الكيفية التي تُنتِج بها هذه الوسائط المعنى، وتعيد من خلالها تشكيل علاقات القوة والهيمنة. وينطلق هذا التصور من افتراضٍ مفاده أن استخدام اللغة ليس فعلًا محايدًا، بل ممارسة أيديولوجية تتجلى من خلالها المعتقدات والمعايير والقيم والافتراضات المُسلَّم بها، فضلًا عن المواقف وعلاقات القوة. ومن هذا المنطلق، يصبح تحليل الخطاب مقاربة لدراسة المجتمع عبر تتبّع كيفية تشكُّل المعاني داخل الممارسات الاتصالية الرقمية، والكشف عن الاتجاهات الأيديولوجية التي تعكس تصورات مختلفة للواقع الاجتماعي والسياسي[81]. وتتجاوز هذه المقاربة حدود التحليل الوصفي، أو "المحايد"، للبيانات نحو نقد معياري يركّز على أهمية التأطير السياقي للنصوص الرقمية وربطها بسياقاتها الاجتماعية والسياسية الأوسع. لقد ظل تحليل الخطاب النقدي فترة طويلة بعيدًا نسبيًا عن أبحاث الوسائط الرقمية الجديدة، ما دفع عددًا من الباحثين إلى تطوير مقاربات خاصة بتحليل الخطاب النقدي لوسائط التواصل الاجتماعي، بهدف دراسة ديناميات القوة الخطابية في البيئات الرقمية، وتطوير منظور نقدي لممارساتها الاتصالية[82].

لقد ارتبط هذا التحول بالانتقال من نموذج الاتصال الجماهيري التقليدي، القائم على التدفق الأحادي للمعلومات من أعلى إلى أسفل، نحو نموذج الويب التشاركي الذي يعتمد على المحتوى الذي يُنتجه المستخدمون. ونتج من ذلك فسح المجال لأصوات غير نخبوية، مع تعزيز إمكانية الوصول إلى المحتوى على نُطُق متزايدة الاتساع؛ وهو ما عزّز التصورات المبكرة للإنترنت بوصفها فضاءً يكثّف المشاركة الاجتماعية والتفاعل الديمقراطي ويعيد توزيع السلطة الخطابية[83]. وفي سياق كهذا، كان في مُكْنة أندرو شابيرو، في نهاية تسعينيات القرن العشرين، أن يعلن بحماسة لافتة أنّ "التراتبيات باتت تتفكك، وأن حراس البوابة يجري تجاوزهم، وأن السلطة أخذت تنتقل إلى المستخدمين النهائيين"[84].

غير أن دراسات وسائط التواصل الاجتماعي تسعى إلى تفكيك هذه السردية التفاؤلية، مبيّنةً أن الوعود المثالية للويب التشاركي لم تتحقق كلّها[85] (ولا يبدو أنها ستتحقق مستقبلًا)، وأن علاقات القوة لم تختفِ من البيئات الرقمية، بل تشكّلت في صور أشد تعقيدًا وتشتتًا. فعلى مستوى المنصات، تخضع عملية تنظيم المحتوى لاعتبارات تجارية وسياسية، بينما تؤدي الخوارزميات إلى خلق "فقاعات تصفية" وغرف صدى تحدُّ من تنوّع المعرفة وديمقراطيتها وتعزز الاستقطاب. أما على مستوى المستخدمين، فإن أنماط التفاعل الرقمي قد تسهم في إنتاج سلوكيات إقصائية[86] أو عدائية. ومن ثمّ، فإن النص الرقمي لا يعكس الواقع الاجتماعي فحسب، بل يشارك أيضًا في إنتاجه وإعادة تشكيله. ومن منظور دراسات الخطاب النقدي لوسائط التواصل الاجتماعي، لا تزال مفاهيم السلطة على المستويَين الكلّي (السياسي/ الصناعي) والمحلي (الاتصالي) حاضرة، على الرغم من أن ديناميات التواصل المحلية في وسائط التواصل الاجتماعي تبدو كأنها قد أدّت إلى تراجع قوة الخطاب وسلطته أو سلطة من يدعمه[87].

وهكذا، تبنّت دراسات الخطاب النقدي لوسائط التواصل الاجتماعي مقاربات تركز على أهمية السياق في تحليل الممارسات الخطابية الرقمية. ففي مواجهة النزعات التقنية الحتمية، تبنّت هذه الدراسات، بثقة وتصميم، تحليلًا نقديًا يعتمد على فهم سياق الممارسة والمحتوى الاتصالي، مع إقحام القدر الضروري من النقد الاجتماعي – السياسي؛ وتراكم هذه المقاربات مساهمات، نظرية وإمبريقية، تتجاوز تحليل الخطاب التقليدي. لذلك، فهي تؤكد ضرورة الربط بين النصوص الرقمية والسياقات الاجتماعية - السياسية التي تُنتَج فيها.

على سبيل المثال، يقدّم جينيس أندروتسوبولوس مقاربة تفحص كيفية الوصول إلى نموذج يسمح بالتأطير السياقي على مستوى الوسيط الإعلامي أو على مستوى الممارسة الخطابية[88]. ويشير ماجد خوسرافينك، في هذا الصدد، إلى أهمية الجمع بين "التأطير السياقي الأفقي"، الذي يتتبّع التناص والممارسات النصية عبر مختلف المنصات، و"التأطير السياقي الرأسي"، الذي يربط هذه الممارسات بالبنى الاجتماعية والسياسية الأوسع. ويحاجّ بأن أيّ تحليل نقدي بنَّاء لوسائط التواصل الاجتماعي ينبغي أن يجمع بين السمات الدقيقة للنصوص الرقمية والسياقات "الكثيفة" التي تُنتَج فيها[89]. ومن ناحية أخرى، تسهم المقاربات التي تركز على "الخطاب الكامن في الفعل" في إعادة توجيه تحليل الخطاب الرقمي نحو الممارسة الاجتماعية نفسها، إذ لم يعد النص يُفهَم بوصفه منتجًا لغويًا معزولًا، بل بوصفه فعلًا وسائطيًا (Perform) يؤديه المستخدمون ضمن سياقات اجتماعية وثقافية محددة[90]. ويستدعي هذا فحص عمليات إنتاج الخطاب واستهلاكه من حيث النوع والتوزيع. ومن أجل تفسير ديناميات اللغة على الإنترنت (ووسائط التواصل الاجتماعي منها)، نحتاج إلى النظر عن كثب في النصوص، وإلى ملاحظة حياة المستخدمين ومعتقداتهم المرتبطة بما يفعلونه في كتاباتهم عبر الإنترنت[91]. ومن هذا المنظور، تصبح الممارسة الاتصالية اليومية للمستخدمين، وطريقة توظيفهم للنصوص والمنصات والأدوات الرقمية، جزءًا أساسيًا من تحليل علاقات السلطة والمعنى في البيئات الشبكية الرقمية.

2. الكشف عن أشكال القمع المعرفي في البيئات الرقمية

من بين وعود دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية التي يمكن التوقف عندها، والتي تنطوي أيضًا على سمة أخلاقية، ولا تتجزأ عن مسعاها في الكشف عن ديناميات القوة والسلطة في هذه الوسائط، الكشفُ عن أشكال القمع المعرفي التي تعيد المنصات الرقمية إنتاجها في البيئات الشبكية. فعند التفكير في قضايا العدالة المعرفية، والمساواة في المشاعات المعرفية، ونظريات المعرفة المقلوبة (Inverted Epistemologies)، من الضروري النظر إلى الكيفية التي تتقاطع بها البنية المعرفية والتقنية لمنصات التواصل الاجتماعي مع علاقات السلطة والهيمنة الاجتماعية. وفي هذا السياق، تشير الأدبيات النقدية إلى أن التكنولوجيا الرقمية لا تعمل بوصفها وسيطًا محايدًا، بل قد تسهم في تعزيز أنماط مختلفة من القمع والتمييز، بما في ذلك التنميط العرقي والإقصاء المعرفي، وهو ما يجعلها متورطة ومتواطئة فيما تصفه نوبل بالتمييز التكنولوجي (Technological Redlining)[92]، كما أشرنا إلى ذلك في القسم السابق من هذه الدراسة.

وتتوقف الدراسات النقدية عند أمثلة عديدة توضح الكيفية التي تسهم بها منصات التواصل الاجتماعي في ترسيخ أنماط من "الجهل المنظم" أو "المعرفة المقلوبة رأسًا على عقب"، سواء عبر السماح بأشكال معينة من التنظيم الشبكي، أو من خلال البنى الخوارزمية التي تعزز ما يُعرَف بالجهل الأبيض (White Ignorance)؛ وكما تشير نوبل في خاتمة كتابها، خوارزميات القمع، يتمثل أحد الجوانب الجوهرية في مشكلة المعلومات المضللة، والذي غالبًا ما يُهمَّش في النقاشات ذات الصلة، في الجهل المدعوم تكنولوجيًا تجاه الجماعات المهمشة[93]. فإذا كانت المنصات الرقمية غير قادرة على الإشراف على خطاب الكراهية العنصري، فإنها لا تكتفي بالسماح بانتشاره على نطاق يزداد اتساعًا، بل توفّر بنية تنظيمية تساعد الجماعات المتعصبة لتفوّق العرق الأبيض على إعادة إنتاج خطابها وتوسيعه في الفضاء الرقمي[94].

ولا يقتصر الأمر على إتاحة المجال لتنظيم هذه الجماعات، بل إن الأنظمة الخوارزمية نفسها قد تعمل على تعزيز الجهل المؤطّر عرقيًا. فعلى سبيل المثال، ثمة قرائن تدلّ على أن خوارزميات يوتيوب تُظهِر ميلًا إلى المحتوى المتطرف، بما يخلق مسارات توصية تدفع المستخدم تدريجيًا من محتوى عادي نسبيًا إلى محتوى أشد تطرفًا، وصولًا إلى مضامين تروّج لتفوّق العرق الأبيض[95]. وإذا كانت المنصات الرقمية مصممة بطريقة تسمح بما يمكن وصفه بالتطرف الذاتي الخوارزمي، فإنها تصبح متواطئة بصورة مباشرة، لا تخطئها العين، في ترسيخ أنماط من المعرفة المقلوبة المرتبطة بالبنى العنصرية وبنى الهيمنة[96].

فضلًا عن ذلك، تكشف دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية أشكالًا أخرى من القمع المعرفي، تتمثل في تقويض قدرة الفئات المهمشة على المشاركة في النقاش العمومي والمساهمة في الإنتاج المعرفي في البيئات الرقمية؛ فهذه الوسائط تتيح مستويات عالية من المضايقات الرقمية التي تشمل النساء بصورة غير متكافئة، ولا سيما النساء ذوات البشرة الملوّنة والمهمشات. وفي هذا السياق، ترى سارة سوبيراج أن المضايقات الرقمية ضد النساء ينبغي فهمها بوصفها "مقاومة نمطية لصوت النساء في الفضاء العمومي"، حيث تُستخدَم استراتيجيات، مثل الترهيب والتشهير وتقويض الصدقية، بما يجعل أجساد النساء وجنسهن محورًا للصراع في الفضاء الرقمي[97]. وهي تؤكد، أيضًا، أن الأثر التراكمي لهذه الممارسات يتمثل في إسكات النساء، وتقويض مساهماتهن في الخطاب الرقمي، وإقصائهن من الفضاءات الرقمية المهمة، إضافة إلى ترسيخ مناخ من الرقابة الذاتية يقوم على حسابات استباقية تشبه تلك التي تُجريها النساء في الفضاءات العامة المادية لتحديد ما هو آمن وما هو محفوف بالمخاطر[98].

ومن ثم، تنظر الدراسات النقدية إلى وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها مواقع للقمع المعرفي، حيث لا تقتصر المشكلة على سلوك المستخدمين وحدهم، بل تمتد إلى البنية التقنية والتجارية للمنصات ذاتها. فالأنظمة الخوارزمية التي تنظّم الجداول الزمنية، وتقترح الروابط وتوزعها على المستخدمين، وتدير الإشراف على المحتوى، قد تزيد من تقويض الفاعلية المعرفية للفئات المهمّشة. وعلى الرغم من محدودية المعلومات المتاحة حول هذه الأنظمة بسبب السرية التجارية، فقد أظهر بعض الدراسات أن الأنظمة الآلية لاكتشاف خطاب الكراهية تُنتج معدلات مرتفعة من النتائج الإيجابية الخاطئة عند التعامل مع اللغة الإنكليزية العامية للأميركيين الأفارقة، على سبيل المثال، نتيجةً لتحيزات كامنة في بيانات التدريب[99].

وفي السياق نفسه، تتحدى هذه الدراسات النقدية الخطاب الاحتفائي الذي يقدّم وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها فضاءات تعزز الترابط والتواصل بين المستخدمين بصورة تلقائية. صحيح أن المنصات الرقمية عالية الترابط، مثل فيسبوك وتويتر، توفر بعض المشاعات المعرفية للأفراد، مثل الوصول السريع إلى المعلومات والأخبار والاستفادة من الاستدلال الجماعي، إلا أن هذه الفوائد الفردية لا تعني أن هذه الشبكات خالية من المشكلات على المستويَين المؤسسي والمعرفي. إذ يمكن الشبكات الشديدة الترابط أن تصل إلى الإجماع بسرعة مفرطة، وأن تفقد موثوقيتها نتيجة ما يُعرَف بسلاسل المعلومات، حيث تنتشر الأخبار والمعلومات المضللة بسرعة فائقة، بفعل الكثافة الشبكية والتكرار المستمر[100].

ومن هذا المنظور، يمكن فهم استمرار شعبية المنصات الرقمية، على الرغم من مشكلاتها المعروفة، بوصفه نتيجة لمقايضةٍ بين المشاعات المعرفية الفردية والمصلحة المعرفية الجماعية؛ فالمستخدمون يحصلون على التدفق السريع للمعلومات والتواصل المستمر، لكن ذلك يحدث على حساب زيادة الاستقطاب، وانتشار المعلومات الكاذبة، وتقويض شروط النقاش العمومي العقلاني[101]. وبناء عليه، تكشف دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية أن بنى المنصات الرقمية، ذات السمة الشبكية، لا تنتج المعرفة بصورة محايدة، بل تعيد تشكيل شروط إنتاجها وتداولها ضمن علاقات السلطة والهيمنة القائمة.

3. تطوير مناهج بحثية جديدة

تَعد دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية، أيضًا، بتطوير مناهج بحثية جديدة قادرة على التعامل مع تعقيدات البيئات الرقمية، الاجتماعية والثقافية والتقنية؛ فمع التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية في أنماط الاتصال والإنتاج الثقافي وتداول المعرفة، تزداد الحاجةُ الملحّة إلى تجاوز المناهج التقليدية التي تفصل بين النص وسياقه الاجتماعي، أو تتعامل مع البيانات الرقمية بوصفها معطيات تقنية محايدة. ومن هذا المنطلق، تدعو دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية إلى تبنّي مقاربات أشد حساسية للتناقضات التي تنتجها الوسائط الرقمية في المجتمع، وفي الوقت نفسه توظيف هذه الوسائط نفسها بوصفها أدوات للبحث النقدي. ويقتضي ذلك، من بين ما يقتضيه، إشراك مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي في إنتاج البيانات المتعلقة بالقضايا الاجتماعية وتحليلها، بما يمنح الأبحاث ذات الصلة بُعدًا علائقيًا وتشاركيًا أعمق وأوسع[102].

وفي هذا السياق، لا تقتصر المناهج الرقمية النقدية على إجراء أبحاث كيفية لفهم تجارب المستخدمين وتأويلاتهم وممارساتهم اليومية، كما أنها لا تتخلى عن أدوات جمع البيانات الرقمية وتحليلها، بل تعيد توظيفها ضمن أطر نقدية جديدة؛ فبدلًا من الاكتفاء بالاعتماد على البيانات الضخمة بوصفها مصدرًا كافيًا للمعرفة، كما تفعل الأبحاث المدعومة بمناهج العلوم الاجتماعية الحاسوبية، تميل هذه المقاربات إلى الجمع بين أدوات التحليل الرقمي والدراسات الكيفية، من خلال تحليل عينات مختارة من البيانات الرقمية باستخدام أدوات وتقنيات مساعدة، وربطها بتحليل نقدي وتأويلي وسياقي أعمق.

تعتمد هذه المقاربات النقدية، أيضًا، على توظيف مناهج كيفية متعددة، مثل التحليل البصري، وتحليل الخطاب النقدي، وتحليل النص والمحتوى الكيفي، إلى جانب تأويل النتائج في ضوء النظرية النقدية. ويتيح ذلك التركيز على موضوعات أو قضايا محددة، أو دراسة مستخدمين بعينهم[103]، أو تحليل فترات زمنية معينة، أو تتبّع ممارسات خطابية خاصة في الفضاءات الشبكية. وبذلك، تنتقل الدراسة من وصف المحتوى الرقمي إلى تحليل علاقاته بالبنى الاجتماعية والثقافية والسياسية الأوسع.

ويُعدّ تطوير أندروتسوبولوس "الإثنوغرافيا الرقمية المتمحورة حول الخطاب" (Discourse-centred Online Ethnography) مثالًا بارزًا على هذا التحول المنهجي في دراسات وسائط التواصل الاجتماعي. وقد تطورت هذه المقاربة في مواجهة الدراسات المبكرة المدعومة بالأدوات الحاسوبية والكمية، التي ركزت على السمات اللغوية الخاصة بالوسائط الجديدة بصورة منفصلة عن شروط إنتاجها وتداولها. أما المقاربات اللاحقة، المتأثرة بعلم اللغة الاجتماعي ودراسات الخطاب والسمة التداولية، فقد أولت الاستخدام السياقيّ للغة والتنوّع اللغوي في البيئات الرقمية اهتمامًا أكبر[104].

وفي هذا السياق، تجمع الإثنوغرافيا الرقمية المتمحورة حول الخطاب بين الملاحظة المنهجية للأنشطة الرقمية، وتحليل السجلات النصية، والتواصل المباشر مع المستخدمين، بهدف فهم الممارسات الخطابية من خلال ربط النصوص الرقمية بوجهات نظر الفاعلين الاجتماعيين وسياقاتهم الثقافية والتفاعلية. وتنبع أهمية هذه المقاربة من تجاوزها الاقتصار على ما يظهر على الشاشة، نحو تحليل الدوافع والمعاني والتصورات والتجارب التي تشكّل استخدام الأفراد للموارد اللغوية في الفضاءات الرقمية[105]. وبناء عليه، أسهمت دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية في توسيع الأدوات المنهجية المستخدمة في دراسة الاتصال الرقمي، عبر دمج التحليل اللغوي في الإثنوغرافيا الرقمية، والانتقال من دراسة "النص" بوصفه منتجًا لغويًا معزولًا إلى دراسة "الممارسة الخطابية" بوصفها فعلًا اجتماعيًا وسائطيًا متداخلًا مع السياقات التقنية والثقافية والسياسية.

4. الوعود الأخلاقية والنقدية

يفضي النقاش حول الوعود الأخلاقية والنقدية التي تطرحها دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية إلى أفق نظري أوسع، يتعلق ببناء نظرية اجتماعية في الوسائط الرقمية، وإدراك الأبعاد السياسية والأخلاقية الكامنة في التكنولوجيا نفسها؛ فهذه الدراسات تنطلق من رفض النظر إلى المنصات الرقمية بوصفها أدوات تقنية محايدة، مؤكّدة في المقابل أن أنظمة التواصل الاجتماعي تتضمن اختيارات قيمية ومعرفية تعكس علاقات السلطة القائمة في المجتمع. ومن ثم، فإن تقييم هذه الأنظمة أو الاعتماد عليها في الأبحاث، مع تجاهل ما تتضمنه من اختيارات، لا يمكن أن يقتصر على كفاءتها التقنية أو قدرتها على إنتاج المعرفة وتداولها، بل يجب أن يشمل أيضًا الآثار الأخلاقية والسياسية التي تنتجها.

وفي هذا السياق، تعي دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية أهمية التعامل مع التعارض القائم بين الأهداف المعرفية المختلفة للأنظمة الاجتماعية؛ فالصراعات المتعلقة بالمعرفة في البيئات الرقمية لا تُختَزل في بُعدها التقني (أو لنقل التنافس عليه)، بل هي نزاعات سياسية وأخلاقية تتطلب الموازنة بين احتياجات الأفراد ومختلف الجماعات، وبين القيم المعرفية المرتبطة بالموثوقية والعدالة والشفافية. ولهذا السبب، يكتسب العمل في دراسات التكنولوجيا النقدية، بما في ذلك دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية، أهمية خاصة بالنسبة إلى نظرية المعرفة الاجتماعية، لأنه يكشف الكيفية التي تصبح بها الأنظمة التكنولوجية متورطة في القمع المعرفي ومتواطئة مع بناه وأدواته، ويطوّر تحليلات للتوتر القائم بين العدالة المعرفية والقيم المعرفية الأخرى.

فعلى سبيل المثال، لا تهدف الدراسات النقدية للأنظمة الخوارزمية إلى ادّعاء أن هذه الأنظمة غير موثوقة على نحو مطلق، على الرغم من أنها غالبًا ما تكون أقل موثوقية مما تصوّره الشركات المصممة لها؛ بل هي تسعى إلى إظهار أن موثوقيتها العامة قد تتحقق على حساب أضرار أخلاقية ومعرفية تلحق بالفئات المهمشة، إلى جانب إخفاء أنماط معينة من اللاموثوقية في القضايا المتعلقة بهذه الفئات[106]. وبذلك، يصبح تصميم أنظمة التواصل الاجتماعي في حد ذاته مجالًا للصراع السياسي والأخلاقي، لأنه يتضمن قرارات تتعلق بأولوية مصالح جماعات معينة، وبكيفية توزيع المشاعات المعرفية في الفضاء الرقمي. ومن هنا، تؤكد الدراسات النقدية ضرورة وضع مصالح الفئات المهمشة في قلب النقاشات المتعلقة بتصميم المنصات والخوارزميات.

علاوةً على ذلك، تنظر هذه الدراسات إلى وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها أنظمة معرفية تتطلب تقييمًا أخلاقيًا يتجاوز حدود المنصات السائدة نحو تخيّل بدائل أكثر عدالة؛ فهي مشروع تعددي يستفيد من مناهج متعددة ضمن نظرية المعرفة الاجتماعية، ومشروع متعدد التخصصات يستند إلى إسهامات الفلسفة ودراسات الإعلام وعلم الاجتماع ودراسات العلوم والتكنولوجيا وغيرها. وفي الوقت نفسه، تمثّل هذه الدراسات مشروعًا معياريًا يسعى إلى تجاوز ما تبدو عليه منصات التواصل الاجتماعي في صورتها السائدة، والتفكير في الكيفيات التي يمكن أن تُصمَّم بها بصورة مختلفة وأكثر عدالة[107]. وهذا جوهر أيّ مشروع يسعى إلى بناء نظرية نقدية؛ أي يكون قائمًا على غائية معيارية صريحة.

يرتبط هذا المنعطف الأخلاقي أيضًا بالنقد المتزايد لأنظمة المراقبة والبيانات الضخمة. فكما يشير ليون، كثيرًا ما تخون التصورات الحداثية للخصوصية الذوات المراقبة نفسها، لأنها تفترض أفرادًا مجردين وغير متجسدين، في حين أن المستخدمين الحقيقيين يعيشون ضمن علاقات اجتماعية معقدة، تغذي المراقبة، من جهة، وتضع لها حدودًا، من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تعمل البيانات الضخمة على تكثيف أنماط المراقبة المرتبطة بتكنولوجيات المعلومات والشبكات، ليس من خلال توسيع نطاق البيانات المترابطة والأدوات التحليلية فحسب، بل أيضًا عبر إحداث تحوّل نوعي في طبيعة المراقبة نفسها. وعلى الرغم من أن البيانات الضخمة تبدو ظاهريًا مسألة تتعلق بالحجم، فإنها تنطوي على إعادة تشكيل عميقة لعلاقات السلطة والمعرفة، بما يشمل هاجس السيطرة، والإيمان المفرط بالتكنولوجيا، والمشاركة المستمرة للمستخدمين أنفسهم في عمليات التتبّع والمراقبة. كما أن التوجه نحو التنبؤ بالمستقبل واكتشاف الأنماط يجعل المراقبة منفصلة بصورة متزايدة عن الذاكرة والسياق التاريخي، ويُستخدَم بوصفه مبررًا للوصول غير المسبوق إلى البيانات الشخصية[108]. ومن ثم، يغدو المنعطف الأخلاقي، مرة أخرى، نمطًا من أنماط النقد؛ إنه جوهر البُعد النقدي في دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية.

وفي السنوات الأخيرة، حذّر عدد من الباحثين من الأساطير المؤسّسة التي تروّج لها ادعاءات علم تحليلات البيانات الضخمة، ونبّهوا إلى تنامي تطبيع الانقسامات بين "الأغنياء بالخصوصية" و"الفقراء إلى الخصوصية" فيما يتعلق بإمكانات الوصول إلى البيانات وإدارتها وتمثيلها وتأويلها. وظهرت دعوات إلى تفكيك الافتراضات الثقافوية الكامنة خلف البيانات والتشكيك في التعميمات الديموغرافية التي تُبنى عليها[109]، بما يمنح الخصوصية ما تسميه هيلين نيسنباوم[110] "السلامة السياقية" (Contextual Integrity). وتكتسب هذه القضايا أهمية متزايدة مع ظهور أشكال جديدة من التمييز المرتبط بالتحليلات التنبئية للبيانات، والتي تؤدي إلى مزيد من تهميش الفئات الأشد هشاشة في المجتمع[111]. وقد أسهمت الدراسات التي تناولت التنميط العرقي والمراقبة الشُّرَطية[112]، والمراقبة البيومترية[113] في السياقات ما بعد الكولونيالية، وأتمتة أنظمة الرعاية الاجتماعية[114]، في تعميق هذا النقد وإبراز الطابع الأخلاقي والسياسي لتحويل الحياة الاجتماعية إلى بيانات قابلة للرصد والتصنيف والتحكم. لذلك، فإن الوعود الأخلاقية، التي تنطوي عليها دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية، لا تتمثل في نقد انحيازات التكنولوجيا الرقمية، فحسب، بل تكمن أيضًا في إعادة التفكير في شروط العدالة المعرفية والخصوصية والاعتراف والمسؤولية في المجتمعات، الشبكية والمتشابكة، المعاصرة.

5. تحدّي مقولة ديمقراطية المعرفة وتفكيك الخطاب التقني

تمثّل مساءلة مقولة "ديمقراطية المعرفة" أحد الوعود الرئيسة، التي تسعى دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية إلى الوفاء بها. فبينما روّج الخطاب التقني، الاحتفائي بإنجازات ثورة الويب 2.0، لفكرة أن المنصات الرقمية تتيح إنتاج المعرفة بصورة أوسع انفتاحًا وديمقراطية، وتمنح المستخدمين العاديين قدرةً غير مسبوقة على إنتاج المحتوى ومشاركته والمشاركة في الفضاء العمومي، سعت الدراسات النقدية إلى تفكيك هذه السردية والكشف عن التناقضات الاقتصادية والسياسية الكامنة خلفها.

وحتى مع الاعتراف بأن ديناميات السلطة الاتصالية قد تغيرت جزئيًا لفائدة المستخدمين العاديين، فإن النقد الموجّه إلى بنية الويب 2.0 الصناعية يثير شكوكًا أعمق تتعلق بادّعاء أن وسائط التواصل الاجتماعي تؤسس فعلًا لخطاب ديمقراطي من أسفل إلى أعلى. وفي هذا السياق، يحاجّ جورج ريتزر وناثان يورغنسون بأن تقنيات التواصل الاجتماعي تمثّل شكلًا جديدًا وأكثر خفاءً مما يسمى عمليات الإنتاج – الاستهلاك (Prosumption)، حيث تتلاشى الحدود التقليدية بين المنتج والمستهلك؛ ويصبح المستخدم نفسه جزءًا من عملية العمل والإنتاج داخل المنصة[115]. ومن منظور ماركسي، تُبنى هذه الممارسة على استغلال العمل غير المدفوع للمستخدمين الذين لا ينتجون المحتوى فحسب، بل يشاركون أيضًا في عمليات توزيعه وتداوله، بما يخلق قيمة اقتصادية متزايدة لمصلحة الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي[116].

ولا تتحقق هذه القيمة من خلال المحتوى الذي ينتجه المستخدمون أو المعلومات الشخصية التي يشاركونها فحسب، بل أيضًا من خلال شد انتباههم باستمرار وزيادة مدة بقائهم على المنصات، وهي الفترة التي تُستثمَر في عرض الإعلانات الموجّهة وتعزيز أنظمة الاستهداف الخوارزمي[117]. وفي هذا السياق، يصبح الترابط الاجتماعي ذاته موردًا اقتصاديًا قابلًا للاستخراج والتسليع[118]. ومع ذلك، تؤكد الدراسات النقدية أن سيطرة الرأسمالية الرقمية ليست مطلقة، وتظل فضاءات التواصل الاجتماعي مواقع للصراع والمقاومة أيضًا، إذ تستخدمها الحركات الاجتماعية والجماعات المناهضة للرأسمالية أو غير الربحية لإنتاج أشكال بديلة من التنظيم والتعبير[119]. إن المستخدمين ليسوا دائمًا ضحايا سلبيين للاستغلال، بل ينخرطون في أنشطة يجدون فيها متعة ذاتية، تجعلهم مستعدين لقضاء ساعات أطول في هذا الفضاء من دون مقابل[120]. 

في المقابل، تحاجّ الدراسات النقدية بأن فضاءات المشاركة الرقمية نفسها أصبحت خاضعة لعمليات التسليع التقليدية[121]؛ فمعظم المنصات الرقمية تعتمد نماذجَ تمويل تجاريةً تقوم على بيع الجمهور للمعلنين، وإن كان ذلك بصورة أشد تعقيدًا وأوسع تشاركية من وسائل الإعلام التقليدية. وتُعدُّ ممارسات جمع البيانات الشخصية وتحليلها لأغراض الإعلانات من السمات الجوهرية للاقتصاد الرقمي؛ إذ تعمل المنصات باستمرار على زيادة كثافة مشاركة المستخدمين، سواء من ناحية الوقت الذي يقضونه على المنصة، أو كمية البيانات التي يكشفون عنها، أو تنوع الأنشطة التي يمارسونها عليها. ومن ثم، فإن الخطاب الذي يقدم وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها فضاءات للديمقراطية والانفتاح يخفي في الوقت نفسه البنية الاقتصادية التي تقوم على استخراج البيانات وتحويل التفاعل الاجتماعي إلى مصدر لتراكم المزيد من الأرباح الرأسمالية.

وترفض الدراسات النقدية النظر إلى إتاحة التعبير الرقمي الحر بوصفها مرادفًا تلقائيًا لديمقراطية المعرفة. صحيح أن وسائط التواصل الاجتماعي أسهمت في توسيع الوصول إلى المعرفة وتقويض بعض أشكال الاحتكار الإعلامي، إلا أن ذلك لم يتحقق لجميع الفئات الاجتماعية بالتساوي. وقد ساعدت هذه المنصات في انتشار أنماط من المحتوى الضارّ معرفيًا، وأحدثت بيئات رقمية تزدهر فيها المعلومات المضللة والاستقطاب والتلاعب الخوارزمي. ولهذا، تؤكد دراسات وسائط التواصل الاجتماعية النقدية حاجة ملحّة إلى تطوير أطر نظرية لفهم الأبعاد الإبستيمولوجية للمنصات الرقمية، بما يشمل قضايا العدالة المعرفية، والظلم المعرفي عبر الإنترنت، وتفكك الفضاء العمومي الرقمي.

وفي هذا السياق، يبرز نقد كاس سانستين بوصفه أحد أبرز الانتقادات الموجهة لفكرة "الديمقراطية الرقمية" المعاصرة وأقواها من حيث الحجة. فهو يرى أن الديمقراطية التداولية تتطلب وجود مؤسسات تدعم تكوين أرضية مشتركة من المعرفة والخبرات، وتمكّن المواطنين من التعرّض العرضي لوجهات نظر مختلفة. غير أن تقنيات التصفية والخوارزميات القائمة على الاهتمامات الفردية تؤدي إلى تفتيت الفضاء العمومي وتحويله إلى غرف صدى وجماعات مغلقة؛ ما يسهم في تعميق الاستقطاب، وترسيخ المعتقدات الخاطئة، وتآكل الخبرات المشتركة الضرورية للحياة الديمقراطية[122].

ومع ذلك، تشير الدراسات النقدية إلى أن نموذج سانستين نفسه يفترض وجود فضاء عمومي موحّد وعادل نسبيًا، وهو افتراض تعترض عليه فريزر[123]، التي ترى أن الفضاء العمومي الموحد في المجتمعات غير المتكافئة قد يعيد إنتاج الإقصاء وإسكات الأصوات المهمشة. ومن هنا، تقترح دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية تصورًا بديلًا يقوم على "الفضاءات العمومية المضادة" (Counterpublics)، أي الشبكات الخطابية التي تتيح للفئات المهمشة إنتاج معارفها الخاصة بها، ومقاومة السرديات المهيمنة، وبناء شبكات دعم وتعبئة وتنظيم داخل البيئات الرقمية نفسها. وعلى الرغم من أن التوحيد قد يكون المثال المعرفي لمجتمع عادل، فإن التفتّت قد يعزز العدالة المعرفية في مجتمع غير متكافئ[124].

لقد تناولت أدبيات كثيرة أمثلة متعددة لهذه الفضاءات، مثل "تويتر الأسود"[125] (Black Twitter) وشبكات الوسوم[126]، والمدونات البديلة[127]، ومنصات الجماعات المهمشة[128]، بوصفها مواقع لإعادة بناء الفاعلية المعرفية ومقاومة القمع الرمزي والإقصاء الخطابي، من خلال توفير ملاذات آمنة وشبكات دعم[129]؛ وإتاحة فرصة للجماعات المهمّشة لمواجهة السرديات المهيمنة والإقصائية[130]، فضلًا عن تمكين هذه الجماعات من التنظُّم[131] والتعبئة على نُطُق واسعة.

وبذلك، تكشف دراسات وسائط التواصل الاجتماعية النقدية أن مسألة "ديمقراطية المعرفة" على المنصات الرقمية أشد تعقيدًا مما توحي به السرديات التقنية الاحتفائية؛ فهي لا تؤدي بالضرورة إلى فضاء معرفي أكثر مساواة، بل تعيد تشكيل علاقات السلطة والمعرفة بطرائق متناقضة تجمع بين التمكين والإقصاء، والانفتاح والتسليع، والتعددية والاستقطاب. ومن هنا، يتمثل أحد الوعود الرئيسة التي يحملها مشروع هذه الدراسات في تفكيك الخطاب التقني السائد، وإعادة التفكير في الشروط الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي يمكن أن تجعل البيئة الرقمية أكثر عدالة وديمقراطية.

6. نقد الاستثنائية الرقمية

تَعِد دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية، أيضًا، بنقد مقولة "الاستثنائية الرقمية"؛ إذ إنها ترفض النظر إلى المنصات الرقمية بوصفها فضاءً منفصلًا، انفصالًا جذريًا، عن بقية البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فبدلًا من التعامل مع وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها ظاهرة غير مسبوقة تخضع لمنطق مختلف تمامًا عن أشكال التنظيم الاجتماعي الأخرى، تسعى هذه الدراسات إلى إدراجها ضمن تاريخ أوسع من علاقات السلطة والمعرفة والرأسمالية والتكنولوجيا. ومن ثم، فإنها تعترض على السرديات التي تصوّر الوسائط الرقمية بوصفها خَلاصًا ديمقراطيًا فريدًا أو تهديدًا استثنائيًا غير مسبوق للحياة الاجتماعية والمعرفية؛ وكلاهما صنوان في اختزال التعقيد الكامن في الوسائط الرقمية. ويزداد هذا التعقيد عمقًا، إذا ما أخذنا في الحسبان عواقب دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي فيها، كما أوضحنا في القسم الأول من هذه الدراسة.

وفي هذا السياق، تطرح وسائط التواصل الاجتماعي النقدية سؤالًا رئيسًا يتعلق بالأهداف المعرفية التي ينبغي أن تسعى إليها المنصات الرقمية. إذ تفترض نقاشات كثيرة حول هذه المنصات موقفًا استثنائيًا ينظر إلى هذه الوسائط بوصفها إما مصدرًا فريدًا لتحسين ممارساتنا الجماعية في إنتاج المعرفة والقيم، وإما مصدرًا فريدًا لتقويضها. غير أن هذه الأطروحة، على نقيضيْها، تؤدي، بحسب دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية، إلى تبسيط الظاهرة الرقمية وحجب استمراريتها التاريخية مع أنظمة اجتماعية ومعرفية أخرى. ولذلك، تدعو هذه الدراسات إلى تبنّي تصور غير استثنائي لوسائط التواصل الاجتماعي، يقوم على التعامل معها بوصفها نظامًا معرفيًا من بين أنظمة عديدة، يمكن تقييمه استنادًا إلى مستوى إسهامه في تعزيز المعرفة والفهم والعدالة المعرفية داخل المجتمع. وبذلك، تؤكد هذه الدراسات النقدية أن هذه الوسائط، مثل أيّ نظام اجتماعي آخر، ليست فضاءات محايدة معرفيًا أو سياسيًا[132].

علاوة على ذلك، تنتقد هذه الدراسات النقدية السرديات التقنية التي شاعت منذ تسعينيات القرن العشرين، التي صوّرت الإنترنت بوصفها فضاءً استثنائيًا قادرًا على تجاوز القيود التقليدية للسلطة والدولة والسوق. وقد أطلق ريتشارد باربروك وآندي كاميرون على هذا الخطاب اسم "الأيديولوجيا الكاليفورنية" [133]، التي جمعت بين ليبرالية التكنولوجيا والتفاؤل بوعود الفضاء الرقمي الناشئ آنذاك، وروّجت لفكرة أن الشبكات الرقمية ستقود تلقائيًا إلى ديمقراطية أوسع، وتحرر فردي أكبر، وتفجير للإبداع الثقافي. غير أن هذا التفاؤل تراجع بحدّة، خاصة بعد منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مع تصاعد النقاشات حول الأخبار الزائفة والاستقطاب والتلاعب الخوارزمي والتدخل السياسي عبر المنصات الرقمية. وعلى الرغم من الانتقال من التفاؤل إلى التشاؤم، ظلت فرضية الاستثنائية نفسها حاضرة، إذ جرى تصوير هذه الوسائط بوصفها مصدرًا فريدًا وغير مسبوق للأزمات الديمقراطية والمعرفية. وترى دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية أن هذا المنظور يحجب أكثر مما يكشف، لأنه يفصل المشكلات الرقمية عن سياقاتها التاريخية والسياسية الأوسع، ويعيد "تغليفها" ضمن مصطلحات تقنية حديثة مثل "غرف الصدى" و"وباء المعلومات" و"الأخبار الزائفة"، على نحو يسمح للشركات والمنصات بإعادة إنتاج الوضع القائم والدفاع عن مصالحها الاقتصادية[134].

في مواجهة هذه الأطروحة، تدعو هذه الدراسات إلى تحليل الوسائط الرقمية بوصفها جزءًا من أنظمة اجتماعية ومعرفية أوسع، تتقاطع فيها السلطة والمعرفة والرأسمالية والتكنولوجيا. ومن هنا، تتقاطع هذه الدراسات مع مشاريع نقدية متعددة، مثل دراسات المعلومات النقدية[135] ودراسات الشيفرة البرمجية النقدية[136] ودراسات التضليل[137]، التي تهتم بدراسة الكيفية التي يجري بها إنتاج المعرفة، من الشبكات والخوارزميات وعنها، والكيفية التي تعيد بها تشكيل ما نعرفه، وكيف نعرف ما نعرفه. وفي هذا السياق، تسهم نظرية الفاعل - الشبكة، التي أسسها لاتور، في نزع السمة الاستثنائية عن الوسائط الرقمية، لأنها ترفض الفصل بين الاجتماعي والتقني، وتنظر إلى المنصات الرقمية بوصفها شبكات هجينة تضم البشر والخوارزميات والمؤسسات والأشياء التقنية في الوقت نفسه. إن وسائط التواصل الاجتماعي، بحسب هذا التصور، ليست قطيعة مع العالم الاجتماعي، بل هي تجلٍّ لإعادة تشكيل علاقات قائمة ضمن شبكات جديدة من الارتباطات والوساطات. ولذلك، لا ينبغي فهم التكنولوجيا بوصفها مجالًا مستقلًا عن المجتمع؛ إنها جزءٌ لا يتجزأ من البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية نفسها[138].

علاوة على ذلك، يرتبط نقد الاستثنائية الرقمية بالدعوة إلى فهم مادي للتكنولوجيا، يركز على البنى الاقتصادية والسياسية التي تعمل من خلالها المنصات الرقمية. وفي هذا السياق، يشير غالاواي إلى ضرورة قراءة الشيفرة البرمجية بوصفها ممارسة سلطوية، لا نصًا تقنيًا محايدًا، لأن الشيفرة تُمارَس دائمًا ضمن سياقات اجتماعية محددة وتُصمَّم لتحقيق أهداف بعينها. ومن ثم، فإن نقد المنصات الرقمية لا ينبغي أن يقتصر على تحليل الخطابات أو التمثيلات، بل يجب أن يمتد إلى تحليل البنى التقنية والممارسات المادية التي تنظم تدفق البيانات والتفاعل والمراقبة والتحكم[139].

وهكذا، فإن الوعد الذي تقدّمه دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية في هذا السياق يتمثل في إعادة إدراج الوسائط الرقمية ضمن التاريخ الاجتماعي والسياسي للتكنولوجيا، بدلًا من التعامل معها بوصفها استثناء منفصلًا عن تاريخ علاقات السلطة والمعرفة والرأسمالية والهيمنة. إنها تسعى إلى تفكيك الخطاب التقني السائد، بنقيضَيْه، والكشف عن أوج الاستمرارية التاريخية بين الوسائط الرقمية وأشكال الهيمنة السابقة، مع الانتباه، في الوقت نفسه، إلى التحولات النوعية التي تنتجها البنى الشبكية والخوارزمية في المجتمعات المعاصرة.

خاتمة: ما النقدي في دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية؟

تكشف الوعود التي تطرحها دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية عن تحوّل بارز في أبحاث المنصات الرقمية ونظرياتها ومنهجياتها، وفي أسسها الإبستيمولوجية قبل ذلك كله. ويتمثل هذا التحول في الانتقال في من النظر إلى المنصات بوصفها أدوات تقنية محايدة أو فضاءات طبيعية للتواصل العمومي الحر والديمقراطي، إلى فهمها بوصفها أنظمة اجتماعية – معرفية متشابكة مع علاقات السلطة وبناها. لا تكتفي هذه الدراسات بتحليل المحتوى أو الآثار الرقمية على المنصات أو رصد عواقبها، المادية والرمزية، بل تسعى أيضًا إلى تفكيك البنى الخوارزمية والمؤسسية التي تنظم إنتاج المعرفة وتداولها، والكشف عن أشكال القمع المعرفي والتمييز والمراقبة والتسليع، التي تعيد المنصات إنتاجها في البيئات الرقمية. وفي الوقت نفسه، تلقي هذه الدراسات النقدية الضوء على أهمية تطوير مناهج بحثية جديدة قادرة على دراسة الممارسات الخطابية والشبكية ضمن سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، السلطوية بالضرورة (Authoritative وليس Authoritarian)، بما يتجاوز التحليل النصي المعزول أو الاحتفاء التقني المبسّط؛ وهي الممارسات المنهجية التي تكرّسها الدراسات المدعومة بتحليلات البيانات الضخمة، ثم بأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي لاحقًا.

إن التيارات النقدية، التي سبرناها على نحو غير حصري في هذه الدراسة، تضع دراسات وسائط التواصل الاجتماعي في صميم مشروع معرفي يتسع أفقه كلما ركز أكثر على العدالة المعرفية والمسؤولية الأخلاقية وتوزيع السلطة في الفضاء الرقمي، وكلما ازداد تحررًا من سرديات الاستثنائية التي تتعامل مع الوسائط الرقمية بوصفها قطيعة كاملة مع التاريخ الاجتماعي والسياسي الأوسع للتكنولوجيا. وتكشف هذه التيارات أنّ وسائط التواصل الاجتماعي تجمع، في الوقت نفسه، بين إمكانات التمكين والمشاركة، من جهة، وأنماط جديدة من المراقبة والهيمنة والتسليع، من جهة أخرى. ومن ثم، فإن فهمها فهمًا نقديًا يقتضي الاستناد إلى مقاربات نقدية تتشكّل عند التخوم المنهجية والإبستيمولوجية الفاصلة بين النظرية الاجتماعية والاقتصاد السياسي ودراسات الخطاب النقدية ودراسات العلوم والتكنولوجيا، وهذه مجموعة من الحقول غير حصرية. أوليس هذا ما تعلمناه من دفاع بول فايربند[140] المستميت عن اللاسلطوية الإبستيمولوجية، ورفضه تنصيب الوضعية والعلموية معيارًا أوحد للمعرفة والحقيقة؟

نلفت الانتباه إلى معنى "النقدي" في دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية. فأن يكون الباحث نقديًا لا يعني أن يقف موقفًا سلبيًا من وسائط التواصل الاجتماعي، مثلما يشي به اللفظ، ولا يعني أن يتخذ موقفًا معياريًا منها، فيقفَ عند الطرف من طيف المواقف السائدة بشأن استثنائيتها، الذي يرى فيها استثناءً سيئًا. وهو موقف لا يختلف عن موقف الطرف الآخر الذي يرى فيها استثناءً جيدًا؛ فكلاهما متطرف، كما بيَّنّا في هذه الدراسة. أن يكون الباحث نقديًا يعني أن يكون واعيًا بأن هذه الوسائط محتضَنة (Embedded) في بنى اجتماعية واقتصادية وسياسية وأيديولوجية، وإبستيمولوجية أيضًا، وأن يكون واعيًا بعلاقات السلطة والهيمنة واللامساواة التي تحكم هذه البنى. أن يكون الباحث نقديًا يعني أن يتوقى استخدام المناهج القائمة على الوضعية الرقمية بوصفها مناهج محايدة لإنتاج معرفة اجتماعية موضوعية. ولا يعني ذلك نبذها بأي حال من الأحوال، بل أن يرى في الأبحاث الوضعية الرقمية ما رآه روبرت كوكس (1926-2018) في النظرية التقليدية، وهي نقيضة النظرية النقدية، أنها "دائمًا من أجل شخصٍ ما ومن أجل غرضٍ ما"[141].

أن يكون الباحث نقديًا يعني أن يتفطن إلى أن البيانات ليست موضوعية، وأن الخوارزميات ليست محايدة، وأن أغراض القياس والتنبؤ لا تنفصل عن المصالح السياسية والاقتصادية التي دعمت صعود المناهج الوضعية الرقمية، والتي لا تزال تصر على تفضيل تمويل الأبحاث الحاسوبية الكمية والتفسيرية على الأبحاث النقدية والتأويلية[142]. وأن يكون الباحث نقديًا يعني أن يكون واعيًا بأن اختزال الاجتماع الرقمي في بيانات قابلة للاستخراج والقياس والتنبؤ لا ينفصل عن المصالح الكامنة في تشييئها وتسليعها، بما هي سلع تدرّ أرباحًا، وتداولها بين الشركات المالكة لوسائط التواصل الاجتماعي والشركات التجارية والحكومات، الديمقراطية والسلطوية على حد سواء.

ربما لا تكون ملامحُ حقلٍ معرفي قائم بذاته، يتسمّى دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية، تبلورت بعدُ، غير أن هذه الدراسة تبيّن اهتمامًا متزايدًا بالأسئلة النقدية التي يطرحها باحثون يسعون باستمرار إلى مقاومة التيار السائد في هذه الدراسات، القائمة على الوضعية الرقمية. وبالعودة إلى استعارة "الولادة العسيرة"، يمكن القول إن ولادة مثل هذا الحقل المعرفي قد لا تزال جارية، وربما لا تزال عسيرة أيضًا؛ إذ تحاول المقاربات النقدية شقّ طريقها والمناهج المدعومة بتحليلات البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي التوليدي في أوج هيمنتها. ولا بأس في القول أيضًا إن النظرية النقدية بمختلف تياراتها، التي سبرت هذه الدراسة بعضًا منها، قد تؤدي دور الملقط (Forceps) الذي يخفف من عسر ولادة هذا الحقل المعرفي.


المراجع​

​العربية

فوكس، كريستيان. "من الوضعية الرقمية والبيانات الضخمة الإدارية نحو الأبحاث الرقمية وأبحاث وسائط التواصل الاجتماعي النقدية!". ترجمة محمد حمشي. سياسات عربية. مج 13، العدد 75 (تموز/ يوليو 2025).

كوكس، روبرت. "القوى الاجتماعية والدول والنظم العالمية: ما وراء نظرية العلاقات الدولية". ترجمة عمرو الملّاح. سياسات عربية. مج 14، العدد 78 (كانون الثاني/ يناير 2026).

الأجنبية

Alfano, Mark, Joseph Adam Carter & Marc Cheong. “Technological Seduction and Self-Radicalization.” Journal of the American Philosophical Association. vol. 4, no. 3 (2018).

Andrejevic, Mark. iSpy: Surveillance and Power in the Interactive Era. Lawrence: University Press of Kansas, 2007.

Arora, Payal. “The Bottom of the Data Pyramid: Big Data and the Global South.” International Journal of Communication. vol. 10, no. 4 (2016).

________. “Decolonizing Privacy Studies.” Television & New Media. vol. 20, no. 4 (2019).

Banet-Weiser, Sarah. Empowered: Popular Feminism and Popular Misogyny. Durham, NC: Duke University Press, 2018.

Barbrook, Richard & Andy Cameron. “The Californian Ideology.” Science as Culture. vol. 6, no. 1 (1996).

Barton, David & Carmen Lee. Language Online: Investigating Digital Texts and Practices. Abingdon: Routledge, 2013.

Baym, Nancy K. Personal Connections in the Digital Age. 2nd ed. Malden, MA: Polity, 2015.

Benkler, Yochai. The Wealth of Networks: How Social Production Transforms Markets and Freedom. New Haven, CT: Yale University Press, 2006.

Benjamin, Ruha. Race after Technology: Abolitionist Tools for the New Jim Code. Medford: Polity Press, 2019.

Boyd, Danah & Kate Crawford. “Critical Questions for Big Data: Provocations for a Cultural, Technological, and Scholarly Phenomenon.” Information, Communication & Society. vol. 15, no. 5 (2012).

Boyd, Danah. It’s Complicated: The Social Lives of Networked Teens. New Haven/ London: Yale University Press, 2014.

Boyd, Danah M. & N. B. Ellison. “Social Network Sites: Definition, History, and Scholarship.” Journal of Computer-Mediated Communication. vol. 13, no. 1 (2007).

Brock Jr., A. Distributed Blackness: African American Cybercultures. New York: NYU Press, 2020.

Bucher, Taina. If… Then: Algorithmic Power and Politics. New York: Oxford University Press, 2018.

Byrne, Dara N. “Public Discourse, Community Concerns, and Civic Engagement: Exploring Black Social Networking Traditions on BlackPlanet.com.” Journal of Computer-Mediated Communication. vol. 13, no. 1 (2007).

Callon, Michel, John Law & Arie Rip (eds.). Mapping the Dynamics of Science and Technology. London: Macmillan Press, 1986.

Castells, Manuel. Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age. 2nd ed. Malden: Polity Press, 2015.

Charlesworth, James C. (ed.). Contemporary Political Analysis. New York: Free Press, 1967.

Cinelli, Matteo et al. “The Echo Chamber Effect on Social Media.” Proceedings of the National Academy of Sciences. vol. 118, no. 9 (2021).

Couldry, Nick & Ulises A. Mejias. The Costs of Connection: How Data is Colonizing Human Life and Appropriating it for Capitalism. Stanford, CA: Stanford University Press, 2019.

__________. “Data Colonialism: Rethinking Big Data’s Relation to the Contemporary Subject.” Television & New Media. vol. 20, no. 4 (2019).

Couldry, Nick & Alison Powell. “Big Data from the Bottom Up.” Big Data & Society. vol. 1, no. 2 (2014).

Couldry, Nick. Media, Society, World: Social Theory and Digital Media. Cambridge: Polity Press, 2012.

Daniels, Jessie. Cyber Racism: White Supremacy Online and the New Attack on Civil Rights. Lanham, MD: Rowman & Littlefield Publishers, 2009.

___________. “The Algorithmic Rise of the ‘Alt-Right’.” Contexts. vol. 17, no. 1 (2018).

Dean, Jodi. “Communicative Capitalism.” Cultural Politics. vol. 1, no. 1 (2005).

Eubanks, Virginia. Automating Inequality: How High-Tech Tools Profile, Police, and Punish the Poor. New York: St. Martin’s Press, 2018.

Feyerabend, Paul. Against Method: Outline of an Anarchistic Theory of Knowledge. London: Verso, 1975.

Flowerdew, John & John E. Richardson (eds.). The Routledge Handbook of Critical Discourse Studies. London: Routledge, 2018.

Fournier, Susan & Giana M. Eckhardt. “Putting the Person Back in Person-Brands: Understanding and Managing the Two-Bodied Brand.” Journal of Marketing Research. vol. 56, no. 4 (2019).

Fraser, Nancy. “Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing Democracy.” Social Text. no. 25-26 (1990).

Fuchs, Christian & Sebastian Sevignani. “What is Digital Labour? What is Digital Work? What’s their Difference? And Why do these Questions Matter for Understanding Social Media?” Triple C (Communication, Capitalism & Critique). vol. 11, no. 2 (2013).

Fuchs, Christian. Digital Labour and Karl Marx. New York: Routledge, 2014.

_________. Social Media: A Critical Introduction. 3rd ed. London: Sage, 2014.

Galloway, Alexander R. Protocol: How Control Exists after Decentralization. London: Massachusetts Institute of Technology, 2004.

Geiger, R. Stuart. “Bot-based Collective Blocklists in Twitter: The Counterpublic Moderation of Harassment in a Networked Public Space.” Information, Communication & Society. vol. 19, no. 6 (2016).

Georgakopoulou, Alexandra & Tereza Spilioti (eds.). The Routledge Handbook of Language and Digital Communication. London: Routledge, 2015.

Gillespie, Tarleton. Custodians of the Internet: Platforms, Content Moderation, and the Hidden Decisions That Shape Social Media. New Haven: Yale University Press, 2018.

Graham, Roderick. “The Content of Our #Characters: Black Twitter as Counterpublic.” Sociology of Race and Ethnicity. vol. 2, no. 4 (2016).

Heitmayer, Maxi. “The Second Wave of Attention Economics. Attention as a Universal Symbolic Currency on Social Media and Beyond.” Interacting with Computers. vol. 37, no. 1 (2025).

Howison, J., A. Wiggins & K. Crowston. “Validity Issues in the Use of Social Network Analysis with Digital Trace Data.” Journal of the Association for Information Systems. vol. 12, no. 12 (2011).

Iliadis, Andrew & Federica Russo. “Critical Data Studies: An Introduction.” Big Data & Society. vol. 3, no. 2 (2016).

Isaak, Jim & Mina J. Hanna. “User Data Privacy: Facebook, Cambridge Analytica, and Privacy Protection.” Computer. vol. 51, no. 8 (2018).

Jackson, Sarah J., Moya Bailey & Brooke Foucault Welles. #HashtagActivism: Networks of Race and Gender Justice. Cambridge: MIT Press, 2020.

Kalyango Jr., Yusuf & Monika Kopytowska (eds.). Why Discourse Matters: Negotiating Identity in the Mediatized World. New York: Peter Lang, 2014.

Kitchin, Rob. The Data Revolution: Big Data, Open Data, Data Infrastructures & Their Consequences. Los Angeles, CA: Sage, 2014.

__________. “Big Data, New Epistemologies and Paradigm Shifts.” Big Data & Society. vol. 1, no. 1 (2015).

Kopytowska, Magdalena & Yohannes Kalyango (eds.). Why Discourse Matters: Negotiating Identity in the Mediatized World. New York: Peter Lang, 2013.

Lackey, Jennifer & Aidan McGlynn (eds.). The Oxford Handbook of Social Epistemology. Oxford: Oxford University Press, 2025.

Latour, Bruno. Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory. Oxford: Oxford University Press, 2005.

Lazer, David et al. “Computational Social Science.” Science. vol. 323, no. 5915 (2009).

Lyon, David. “Surveillance, Snowden, and Big Data: Capacities, Consequences, Critique.” Big Data & Society. vol. 1, no. 2 (2014).

Machin, David & Andrew Mayr. How to do Critical Discourse Analysis. London: Sage, 2012.

Marino, Mark C. Critical Code Studies. Cambridge: MIT Press, 2020.

Marwick, Alice E. “The Public Domain: Social Surveillance in Everyday Life.” Surveillance & Society. vol. 9, no. 4 (2012).

McQuail, Denis (ed.). McQuail’s Reader in Mass Communication Theory. London: Sage, 2002.

Mosco, Vincent. To the Cloud: Big Data in a Turbulent World. Boulder, CO: Paradigm Publishers, 2014.

Munn, Luke. “Alt-Right Pipeline: Individual Journeys to Extremism Online.” First Monday. vol. 24, no. 6 (2019).

Nissenbaum, Helen. Privacy in Context: Technology, Policy, and the Integrity of Social Life. Stanford: Stanford University Press, 2009.

Noble, Safiya Umoja & Brendesha M. Tynes (eds.). The Intersectional Internet: Race, Sex, Class, and Culture Online. New York: Peter Lang, 2016.

Noble, Safiya Umoja. Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce Racism. New York: New York University Press, 2018.

O’Neil, Cathy. Weapons of Math Destruction: How Big Data Increases Inequality and Threatens Democracy. New York: Crown Publishers, 2016.

Parmentier, Marie-Agnès, Rebecca Reuber & Eric Fischer. “Positioning Person Brands in Established Organizational Fields.” Journal of the Academy of Marketing Science. vol. 41, no. 1 (2013).

Pasquale, Frank. The Black Box Society: The Secret Algorithms that Control Money and Information. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2015.

Pinch, Trevor J. & Wiebe E. Bijker. “The Social Construction of Facts and Artefacts: Or How the Sociology of Science and the Sociology of Technology Might Benefit Each Other.” Social Studies of Science. vol. 14, no. 3 (1984).

Rainie, Lee & Barry Wellman. Networked: The New Social Operating System. Cambridge, MA: MIT Press, 2012.

Razmetaeva, Y. & S. Razmetaev. “Justice in the Digital Age: Technological Solutions, Hidden Threats and Enticing Opportunities.” Access to Justice in Eastern Europe. vol. 2, no. 10 (2021).

Ritzer, George & Nathan Jurgenson. “Production, Consumption, Prosumption: The Nature of Capitalism in the Age of the Digital ‘Prosumer’.” Journal of Consumer Culture. vol. 10, no. 1 (2010).

Rogers, Richard. Digital Methods. Cambridge, MA: MIT Press, 2013.

Sap, Maarten et al. “The Risk of Racial Bias in Hate Speech Detection.” Proceedings of the 57th Annual Meeting of the Association for Computational Linguistics. Association for Computational Linguistics, 2019.

Savage, Mike & Roger Burrows. “The Coming Crisis of Empirical Sociology.” Sociology. vol. 41, no. 5 (2007).

Schäfer, Mirko Tobias & Karin van Es (eds.). The Datafied Society: Studying Culture through Data. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2017.

Scollon, Ron. Mediated Discourse: The Nexus of Practice. London: Routledge, 2001.

Scollon, Ron & Suzanne Wong Scollon. Nexus Analysis: Discourse and the Emerging Internet. London: Routledge, 2004.

Shapiro, Andrew L. The Control Revolution: How the Internet is Putting Individuals in Charge and Changing the World We Know. New York: PublicAffairs, 1999.

Shirky, Clay. “The Political Power of Social Media.” Foreign Affairs. vol. 90, no. 1 (2011).

Smith, Andrew & Eileen Fischer. “Pay Attention, Please! Person Brand Building in Organized Online Attention Economies.” Journal of the Academy of Marketing Science. vol. 49, no. 6 (2020).

Sobieraj, Sarah. “Bitch, Slut, Skank, Cunt: Patterned Resistance to Women’s Visibility in Digital Publics.” Information, Communication & Society. vol. 21, no. 11 (2018).

________. Credible Threat: Attacks Against Women Online and the Future of Democracy. New York: Oxford University Press, 2020.

Srnicek, Nick & Laurent De Sutter. Platform Capitalism. Cambridge, UK: Polity Press, 2017.

Steele, Catherine Knight. “The Digital Barbershop: Blogs and Online Oral Culture Within the African American Community.” Social Media + Society. vol. 2, no. 4 (2016).

Street, John. Mass Media, Politics and Democracy. 2nd ed. London: Palgrave Macmillan, 2011.

Sunstein, Cass R. #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media. Princeton, N.J.: Princeton University Press, 2017.

Terranova, Tiziana. “Free Labor: Producing Culture for the Digital Economy.” Social Text. vol. 18, no. 2 (2000).

Thapa, Surendrabikram et al. “Large Language Models (LLM) in Computational Social Science.” Social Network Analysis and Mining. vol. 15, no. 1 (2025).

Thatcher, Jim, Josef Eckert & Andrew Shears (eds.). Thinking Big Data in Geography: New Regimes, New Research. Lincoln: University of Nebraska Press, 2018.

Thorsen, E. et al. (eds.). Media, Margins and Civic Agency. London: Palgrave Macmillan, 2015.

Thrift, Nigel. Knowing Capitalism. London: Sage, 2005.

Tufekci, Zeynep. “Engineering the Public: Big Data, Surveillance and Computational Politics.” First Monday. vol. 19, no. 7 (2014).

________. Twitter and Tear Gas: The Power and Fragility of Networked Protest. New Haven, CT: Yale University Press, 2017.

Turkle, Sherry. Alone Together: Why We Expect More from Technology and Less from Each Other. New York: Basic Books, 2011.

Van Dijck, José. The Culture of Connectivity: A Critical History of Social Media. Oxford: Oxford University Press, 2013.

________. “Datafication, Dataism and Dataveillance: Big Data between Scientific Paradigm and Ideology.” Surveillance & Society. vol. 12, no. 2 (2014).

Venturini, Tommaso & Richard Rogers. Digital Methods: A Short Introduction. Cambridge: Polity Press, 2025.

Webster, Frank & Kevin Robins. Information Technology: A Luddite Analysis. Norwood, NJ: Ablex Publishing, 1986.

Wis, Rebecca. Alternative Influence: Broadcasting the Reactionary Right on YouTube. New York: Data & Society Research Institute, 2018.

Wodak, Ruth & Michael Meyer (eds.). Methods of Critical Discourse Studies. 3rd ed. London: Sage, 2016.

Wodak, Ruth & Veronika Koller (eds.). Handbook of Communication in the Public Sphere. Berlin/ New York: Mouton de Gruyter, 2008.

Winner, Langdon. “Do Artifacts Have Politics?” Daedalus. vol. 109, no. 1 (1980).

Ziems, Caleb et al. “Can Large Language Models Transform Computational Social Science?” Computational Linguistics. vol. 50, no. 1 (2024).

Zollman, Kevin J. S. “The Communication Structure of Epistemic Communities.” Philosophy of Science. vol. 74, no. 5 (2007).

________. “The Epistemic Benefit of Transient Diversity.” Erkenntnis. vol. 72, no. 1 (2010).

Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power. New York: PublicAffairs, 2019.​

​

[1] نستخدم في هذه الدراسة وسائط التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية والوسائط الرقمية بالمعنى نفسه.

[2] دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية (Critical Social Media Studies) أو الدراسات النقدية لوسائط التواصل الاجتماعي. لكن الأولى أدق، لغويًا واصطلاحيًا، من الثانية، ويعود نعت "النقدي" على دراسات وسائط التواصل الاجتماعي، لا على الوسائط نفسها بوصفها موضوع البحث.

[3] Clay Shirky, “The Political Power of Social Media,” Foreign Affairs, vol. 90, no. 1 (2011).

[4] على الرغم من الترابط الوثيق بينهما، فإننا نشير بتحليلات البيانات الضخمة إلى المنهجيات الحاسوبية الخاصة بجمع البيانات الرقمية الضخمة ومعالجتها وتحليلها واستخراج الأنماط منها، بينما نقصد بالعلوم الاجتماعية الحاسوبية إلى الحقل المعرفي الاجتماعي الأوسع الذي يوظف القدرات الحاسوبية وتحليلات البيانات والنمذجة والمحاكاة والخوارزميات في دراسة الظواهر الاجتماعية.

[5] ينظر ما يمكن عده مقالًا تأسيسيًّا:

Danah M. Boyd & N. B. Ellison, “Social Network Sites: Definition, History, and Scholarship,” Journal of Computer-Mediated Communication, vol. 13, no. 1 (2007), pp. 210-230.

[6] Lee Rainie & Barry Wellman, Networked: The New Social Operating System (Cambridge, MA: MIT Press, 2012.

[7] Mike Savage & Roger Burrows, “The Coming Crisis of Empirical Sociology,” Sociology, vol. 41, no. 5 (2007), pp. 885-899.

[8] Nigel Thrift, Knowing Capitalism (London: Sage, 2005).

[9] حاجّ سافيدج وبوروز حينها بأن علم الاجتماع الإمبريقي، القائم على المناهج الكيفية التقليدية، في طريقه إلى فقدان احتكاره إنتاج المعرفة الاجتماعية، بسبب الكميات الهائلة من البيانات الاجتماعية التي تُنتَج خارج الحقل الأكاديمي، من خلال الشركات والمنصات الرقمية والأجهزة الحكومية؛ بمعنى أن البيانات المتعلقة بآثار النشاط الرقمي تُجمَع وتُصنَّف، ولاحقًا، يجري تحليلها ونمذجتها خارج القنوات الأكاديمية الراسخة، وعلى أيدي غير علماء الاجتماع. وفي هذا السياق، استخدما مصطلح "سياسة المنهج" دلالةً على أن الخيارات المنهجية ليست قرارات علمية تقنية محايدة، بل هي متجذرة في البنى المؤسساتية وفي علاقات السلطة ومشروطة بها: من يملك القدرة على جمع البيانات وتصنيفها؟ ومن يحدد ما يُعدّ معرفة اجتماعية مشروعة؟ وبأيّ مناهج؟ وتكمن "السياسة" في أن هيمنة مناهج بعينها لا تعود إلى تفوّقها العلمي، بل إلى مدى ملاءمتها للبنية السياسية – الاقتصادية التي تدعمها؛ ففي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، كانت المناهج الكمية، التي رسّختها الثورة السلوكية، ملائمة لاحتياجات دولة الرفاه من التخطيط، كما أن صعود تحليلات البيانات الضخمة يأتي ملائمًا لتعاظم مصالح الشركات في التسويق والاستهداف، ومصالح الدولة في المراقبة والإدارة ضمن اقتصاد رقمي قائم على تتبّع السلوك. وهكذا، فإن "سياسة المنهج" تعني أن الخيارات المنهجية ليست تقنية محايدة، بل تعكس بنى السلطة التي تفرض ما يُعَدُّ حقلًا سوسيولوجيًا وحدوده، ومن يملك شرعية إنتاج المعرفة فيه، ونوع البيانات التي تضفي عليها الشرعية.

[10] David Lazer et al., “Computational Social Science,” Science, vol. 323, no. 5915 (2009), pp. 721-723.

[11] Ibid., p. 721.

[12] ينظر على سبيل المثال:

  1. Howison, A. Wiggins & K. Crowston, “Validity Issues in the Use of Social Network Analysis with Digital Trace Data,” Journal of the Association for Information Systems,vol.12, no. 12 (2011), pp. 767-97.

[13] ينظر في هذا السياق:

Richard Rogers, Digital Methods (Cambridge, MA: MIT Press, 2013); Tommaso Venturini & Richard Rogers, Digital Methods: A Short Introduction (UK: Polity Press, 2025).

[14] استشهد كريستيان فوكس بدراسة مبكرة قدّمت تحليلًا شمل 27340 دراسةً في حقل دراسات الإنترنت في الفترة 2000-2009، يمكن الاستئناس بها، وقد خلصت إلى أن 31 في المئة فقط منها استشهَدت بأعمال نظرية. وحاجّ فوكس بأن ثمة نزعة في دراسات الإنترنت نحو التعامل مع النظرية على المستويين الجزئي والمتوسط فحسب، فهي تُنظِّر لظواهر الإنترنت مُفردةً، بينما تُهمل الصورة الأكبر للمجتمع عمومًا. إن هذه النظريات لَتميل إلى أن تكون مجزّأة، فهي تركّز فقط على ظواهر منفردة، وتغفل عن إدراك الصورة الأكبر للمجتمع". ينظر: كريستيان فوكس، "من الوضعية الرقمية والبيانات الضخمة الإدارية نحو الأبحاث الرقمية وأبحاث وسائط التواصل الاجتماعي النقدية!"، ترجمة محمد حمشي، سياسات عربية، مج 13، العدد 75 (تموز/ يوليو 2025)، ص 105؛ ولا يبدو أن هذا الاتجاه قد تراجع في السنوات الأخيرة، إذ لا يزال التأسيس النظري محدودًا مقارنة بالهيمنة المتزايدة للمقاربات القائمة على تحليل البيانات والتحليل الحاسوبي. ويكتفي بعض الدراسات باستخدام مفاهيم عامة من دون ربطها بإطار نظري تأويلي أوسع، فضلًا عن الاكتفاء بإنتاج معرفة تركّز على الظواهر القابلة للقياس الفوري بدلًا من تحليل البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تمنح هذه الظواهر معناها. ينظر على سبيل المثال لا الحصر:

  1. Cinelli et al., “The Echo Chamber Effect on Social Media,” Proceedings of the National Academy of Sciences, vol. 118, no. 9 (2021).

[15] David Easton, “The Current Meaning of ‘Behavioralism’ in Political Science,” in: James Charlesworth (ed.), Contemporary Political Analysis (New York: Free Press, 1962), pp. 11-31.

[16] تختلف الثورة الحاسوبية عن الثورة السلوكية المبكرة أيضًا في أنها نشأت في بيئة رقمية تهيمن عليها المنصات وشركات التكنولوجيا الكبرى، ما يجعل البيانات التي تقدّمها للباحث أبعد من أن تكون نتاج مؤسسة البحث العلمي نفسها، بل تنتجها منصات تملكها شركات خاصة، لها مصالح خاصة، تتحكم في شروط الوصول إلى البيانات وآليات تصنيفها وتنظيمها ومنح حق الوصول إليها. ولذلك، سبق أن حذّر لازر وزملاؤه من أن تصبح العلوم الاجتماعية الحاسوبية مجالًا تحتكره الشركات الخاصة والوكالات الحكومية، أو من أن تظهر فئةٌ ذات امتياز من الباحثين الأكاديميين الذين يشرفون على بيانات خاصة يستخلصون منها أبحاثًا لا يمكن نقدها أو ترديدها. ينظر:

Lazer et al., p. 721.

[17] يمكن، كما نأمل أن يتبين، القول إن دراسات وسائط التواصل الاجتماعي النقدية بدأت في التشكل "بين" هيمنتين، أي بين هيمنة العلوم الاجتماعية الحاسوبية وتحليلات البيانات الضخمة، من ناحية، وهيمنة الذكاء الاصطناعي (التوليدي)، من ناحية أخرى. وينسجم هذا مع وصف تشكّلها بالولادة العسيرة؛ أي إن صعود المقاربات النقدية لم ينتج لحظة هيمنة، بل لحظة مقاومة ضمن هيمنة مستمرة بدأت مع تحليلات البيانات الضخمة وتعززت أكثر مع صعود الذكاء الاصطناعي (التوليدي).

[18] ينظر مثلًا:

Steven Feldstein, The Rise of Digital Repression: How Technology Is Reshaping Power, Politics, and Resistance (New York: Oxford University Press, 2021).

[19] Danah Boyd & Kate Crawford, “Critical Questions for Big Data,” Information, Communication & Society, vol. 15, no. 5 (2012), pp. 662-679.

[20] Jim Isaak & Mina J. Hanna, “User Data Privacy: Facebook, Cambridge Analytica, and Privacy Protection,” Computer, vol. 51, no. 8 (2018), pp. 56-59.

[21]Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism (London: Profile Books, 2019).

[22] Nick Couldry & Ulises A. Mejias, “Data Colonialism: Rethinking Big Data’s Relation to the Contemporary Subject,” Television & New Media,vol. 20, no. 4 (2019), pp. 336-349.

ينطوي جمع البيانات الاجتماعية ومعالجتها، في نظر الباحثَيْن، على تحويل الحياة اليومية إلى سيل من البيانات، ما يُنتِج نظامًا اجتماعيًا جديدًا، قائمًا على التعقب المستمر، ويتيح فرصًا غير مسبوقة للتمييز الاجتماعي والتأثير في السلوك الاجتماعي؛ ومن ثم يقترحان أن هذه العملية يمكن فهمها بوصفها جزءًا من تاريخ الكولونيالية. وهكذا، يتشكل أمامنا نوع من كولونيالية البيانات، تضفي سمة طبيعية على استغلال البشر من خلال بياناتهم، على نحو مماثل للاستغلال الكولونيالي التاريخي الذي استهدف البشر والأرض وما فوقها وما تحتها لتحقيق الربح. وتميط هذه الأطروحة اللثام عن تهافت أطروحات تيار قائم بذاته ترى في البيانات الرقمية مصدرًا محايدًا لبيانات البحث، وذلك على خطى مغلينا كونيفا، المفوض الأوروبي لحماية المستهلك، التي حاجّت، في آذار/ مارس 2009، بأن "البيانات الشخصية هي نفط الإنترنت الجديد وعملة العالم الرقمي الجديدة". ينظر:

“Meglena Kuneva - European Consumer Commissioner - Keynote Speech - Roundtable on Online Data Collection, Targeting and Profiling,” 31/3/2009, accessed on 8/5/2026, at: https://acr.ps/hBy2sfn

[23] Frank Pasquale, The Black Box Society: The Secret Algorithms that Control Money and Information (Harvard University Press, 2015).

[24] Andrew Iliadis & Federica Russo, “Critical Data Studies: An Introduction,” Big Data & Society, vol. 3, no. 2 (2016), pp. 1-7.

يحاجّ أندرو إليادس وفردريكا روسو بأن "البيانات شكل من أشكال السلطة"؛ ويوجهان، من خلال حقل دراسات البيانات النقدية، نقدًا حادًّا للتيارات السائدة (في العلوم الاجتماعية والطبيعية على حد سواء) التي تفضِّل المقاربات الكثيفة البيانات والمقاربات الوضعية على حساب المقاربات النقدية وما بعد الوضعية. ويحاجّان أيضًا بأن الخطاب المرتبط بما يُعرف بـ "ثورة البيانات الضخمة" يقوم في الغالب على "افتراضات ساذجة" تتعامل مع البيانات بوصفها كيانات موضوعية وشفافة قادرة على تجاوز النظرية، مثلما زعم البعض في أطروحة "نهاية النظرية" المرتبط بصعود علم البيانات. ينظر:

Chris Anderson, “The End of Theory: The Data Deluge Makes the Scientific Method Obsolete,” Wired, 23 June 2008;

في مقابل ذلك، يرى إليادس وروسو أن "البيانات ليست خامًا أبدًا، بل دائمًا ما يجري طبخها" ومعالجتها، أي يجري إنتاجها في شروط اجتماعية وسياسية وتاريخية محددة وتحمل آثار تلك الشروط وانحيازاتها. ومن هنا، يدعوان إلى فهم البيانات الضخمة بوصفها جزءًا من "تجميعات للبيانات" (Data Assemblages)، أي شبكات معقدة من المؤسسات والخطابات والبنى التقنية والقانونية والاقتصادية التي تنتج البيانات وتسمح بتداولها واستخدامها. لا توجد البيانات بمعزل عن بنى السلطة التي تؤطرها. ينظر:

Iliadis & Russo, pp. 1-2;

وينظر أيضًا أعمال روب كيتشين، في:

Rob Kitchin, The Data Revolution: Big Data, Open Data, Data Infrastructures & Their Consequences (Los Angeles, CA: Sage, 2014); Rob Kitchin, “Big Data, New Epistemologies and Paradigm Shifts,” Big Data & Society, vol. 1, no. 1 (2015), pp. 1-12; Rob Kitchin & Tracey P. Lauriault, “Towards Critical Data Studies: Charting and Unpacking Data Assemblages and Their Work,” in: Jim Thatcher, Josef Eckert & Andrew Shears (eds.), Thinking Big Data in Geography: New Regimes, New Research (Lincoln: University of Nebraska Press, 2018), pp. 3-20.

[25] لا سيما في إثر إطلاق نموذج شات جي بي تي (ChatGPT)، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.

[26] Caleb Ziems et al., “Can Large Language Models Transform Computational Social Science?” Computational Linguistics, vol. 50, no. 1 (2024), pp. 237-291.

[27] Surendrabikram Thapa et al., “Large Language Models (LLM) in Computational Social Science,” Social Network Analysis and Mining, vol. 15, no. 1 (2025).

[28] Vincent Mosco, To the Cloud: Big Data in a Turbulent World (Boulder, CO: Paradigm Publishers, 2014).

[29] Ibid., p. 193.

[30] Ibid., p. 197.

[31] فوكس، ص 104.

[32] Mosco, pp. 179-180.

[33] فوكس، ص 104.

[34] في سياق مناقشة فوكس "الهوس بتحويل العلوم الاجتماعية إلى علوم كمّية، واستخدام الحوسبة والبيانات الضخمة فيها"، بيّن أن مبادرات تمويل الأبحاث وبرامجها تفضّل المناهج الكمية والحاسوبية على المناهج الكيفية التأويلية. ينظر: المرجع نفسه، ص 103-104.

[35] المرجع نفسه، ص 104-105.

[36] المرجع نفسه، ص 104.

[37] José van Dijck, The Culture of Connectivity: A Critical History of Social Media (Oxford: Oxford University Press, 2013).

[38] Zeynep Tufekci, Twitter and Tear Gas: The Power and Fragility of Networked Protest (New Haven: Yale University Press, 2017), p. xvi; Zeynep Tufekci, “Engineering the Public: Big Data, Surveillance and Computational Politics,” First Monday, vol. 19, no. 7 (2014), p. 1.

[39] Sherr y Turkle, Alone Together (New York: Basic Books/ Hachette Book Group, 2011), pp. xv-3. 

[40] Jodi Dean, “Communicative Capitalism,” Cultural Politics, vol. 1, no. 1 (2005), p. 51.

[41] Taina Bucher, If… Then: Algorithmic Power and Politics (New York: Oxford University Press, 2018).

[42] Tarleton Gillespie, Custodians of the InternetPlatforms, Content Moderation, and the Hidden Decisions That Shape Social Media (New Haven/ London: Yale University Press, 2018).

[43] Alexander R. Galloway, Protocol: How Control Exists after Decentralization (London: Massachusetts Institute of Technology, 2004), p. xiii.

[44] Danah Boyd, It’s Complicated: The Social Lives of Networked Teens (New Haven/ London: Yale University Press, 2014), p. 2.

[45] Nancy K. Baym, Personal Connections in the Digital Age, 2nd ed. (Malden, MA: Polity, 2015).

تحاجّ بايم ضد فكرة وجود "فضاء سيبراني" (Cyberspace) يمكن فهمه بمعزل عن وقائع الحياة اليومية العادية. وتنافح عن فكرة أن ما هو متصل بالإنترنت وما هو خارجه يتداخلان معًا داخل عوالم الحياة التي تشكّل العلاقات الإنسانية المعاصرة. ينظر: Ibid., p. 6..

[46] David Lyon, “Surveillance, Snowden, and Big Data: Capacities, Consequences, Critique,” Big Data & Society, vol. 1, no. 2 (2014), p. 2.

تنتمي أعمال ديفيد ليون أكثر إلى حقل دراسات المراقبة (Surveillance Studies). وهو يستند إلى فوكو أساسًا نظريًا، لكنه يدمجه مع دولوز، إلى جانب تركيزه على دراسات البيانات الضخمة ونقد الاقتصاد السياسي وأخلاقيات التكنولوجيا.

[47] Alice E. Marwick, “The Public Domain: Social Surveillance in Everyday Life,” Surveillance & Society, vol. 9, no. 4 (2012), pp. 378-393.

[48] Cass R. Sunstein, #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2017), p. 8.

[49] Manuel Castells, Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age, 2nd ed. (Cambridge: Polity Press, 2015), p. 5.

[50] Zeynep Tufekci, Twitter and Tear Gas: The Power and Fragility of Networked Protest (New Haven, CT: Yale University Press, 2017).

[51] Nancy Fraser, “Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing Democracy,” Social Text, no. 25-26 (1990), pp. 56-80.

[52] Maxi Heitmayer, “The Second Wave of Attention Economics. Attention as a Universal Symbolic Currency on Social Media and beyond,” Interacting with Computers, vol. 37, no. 1 (2025), pp. 18-29;

وفي السنوات الأخيرة، شهد اقتصاد الانتباه موجة جديدة من الاهتمام العلمي، ويرجع ذلك أساسًا إلى النمو المتسارع للتسويق عبر المؤثّرين (Influencers) على وسائط التواصل الاجتماعي. وتركّز هذه الأدبيات على فهم الكيفية التي يتحوّل بها الانتباه المُتداوَل على وسائط التواصل الاجتماعي إلى تفضيلات شرائية، وكيفية تحول تلقّي الانتباه إلى رأس مال فردي، ولا سيما من خلال بناء السمعة وتعزيز العلامة الشخصية. ينظر:

Marie-Agnès Parmentier, Rebecca Reuber & Eric Fischer, “Positioning Person Brands in Established Organizational Fields,” Journal of the Academy of Marketing Science, vol. 41, no. 1 (2013), pp. 106-123; Susan Fournier & Giana M. Eckhardt, “Putting the Person Back in Person-Brands: Understanding and Managing the Two-Bodied Brand,” Journal of Marketing Research, vol. 56, no. 4 (2019), pp. 602-619; Andrew Smith & Eileen Fischer, “Pay Attention, Please! Person Brand Building in Organized Online Attention Economies,” Journal of the Academy of Marketing Science, vol. 49, no. 6 (2020), pp. 258-279.

[53] José van Dijck, “Datafication, Dataism and Dataveillance: Big Data between Scientific Paradigm and Ideology,” Surveillance & Society, vol. 12, no. 2 (2014), pp. 197-208.

[54] Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power (New York: PublicAffairs, 2019).

[55] Nick Srnicek & Laurent De Sutter, Platform Capitalism (Cambridge, UK: Polity Press, 2017).

[56] يحاجّ نيك سرنيك، في كتابه رأسمالية المنصات، بأن الاقتصاد الرقمي المعاصر، بما يتضمنه من منصات وتقنيات ناشئة، لا يشكّل قطيعة تاريخية بقدر ما يمثّل تطورًا داخليًا في بنية الرأسمالية نفسها. وبناء عليه، فإن فهم هذه الظواهر يقتضي تحليلها ضمن سياقها التاريخي والاقتصادي، مع التركيز على ديناميات الملكية والربحية والمنافسة بين رؤوس الأموال، إضافةً إلى التحولات في علاقة العمل. وبذلك، ينتقد سرنيك المقاربات التي تعزل التكنولوجيا عن شروطها الرأسمالية، أو تتناولها بمعزل عن جذورها التاريخية والبنيوية.

[57] Christian Fuchs, Digital Labour and Karl Marx (New York: Routledge, 2014).

[58] Tiziana Terranova, “Free Labor: Producing Culture for the Digital Economy,” Social Text, vol. 18, no. 2 (2000), pp. 33-58.

[59] Ibid., p. 55.

[60] Mark Andrejevic, iSpy: Surveillance and Power in the Interactive Era (Lawrence, KS: University Press of Kansas, 2007).

يردد مارك أندرييفيتش صدى المخاوف المتعلقة بالفضاء العمومي التي عبّر عنها هابرماس بوضوح، لكنه يستند إلى كاس سانستين لتعميق التمييز بين قرارات الاستهلاك وقرارات السياسات العامة والأهداف. فبينما تحكم قراراتنا الاستهلاكية اعتبارات شخصية وخاصة، تعكس قراراتنا السياسية، في صورتها المثالية، اهتمامًا بالشأن الجماعي. ولهذا السبب، ينبغي مقاومة الضغوط نحو تخصيص السياسة وإدارتها استراتيجيًا.

[61] Frank Webster & Kevin Robins, Information Technology: A Luddite Analysis (Norwood, NJ: Ablex Publishing, 1986).

[62] Safiya Umoja Noble, Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce Racism (New York: New York University Press, 2018), pp. 1-2.

[63] تاريخيًا، خاصة منذ ثلاثينيات القرن العشرين، درجت بنوك وشركات تأمين في الولايات المتحدة على رسم خطوط حمراء (ومن هنا جاءت التسمية Redlining) على خرائط الأحياء حيث يقطن السود وغيرهم من الأقليات، لحرمانهم من القروض والخدمات وغير ذلك.

[64] Cathy O’Neil, Weapons of Math Destruction: How Big Data Increases Inequality and Threatens Democracy (New York: Crown Publishers, 2016), p. 3.

[65] تصفها أونيل بأنها نماذج حاسوبية مجردة تُستخدم لإصدار أحكام استنادًا إلى نماذج إحصائية معيبة، وغالبًا ما تكون آثارها كارثية في المتأثرين بها. إن المنطق الذي تقوم عليه هذه النماذج غير شفاف، ولا يفهمه إلا المبرمج الذي يكتب الخوارزمية وعالم البيانات الذي يصمّم النموذج. وتُعدّ هذه النماذج نبوءات تحقق ذاتها، إذ تفتقر إلى آليات حقيقية لتعلّم أخطائها، وتُنتِج بدلًا من ذلك حلقات تغذية راجعة تجعل توقعاتها الخاطئة تبدو حتمية.

[66] نستخدم مصطلح الجندر (Gender) كما يُتداوَل في الأدبيات، مع التركيز على الفروق بين الجنسين؛ وذلك من دون أن نتبنى الافتراضات النظرية المصاحبة له.

[67] Noble.

[68] Sarah Banet-Weiser, Empowered: Popular Feminism and Popular Misogyny (Durham, NC: Duke University Press, 2018), pp. 4-5.

[69] Nick Couldry & Ulises A. Mejias, The Costs of Connection: How Data is Colonizing Human Life and Appropriating it for Capitalism (Stanford, CA: Stanford University Press, 2019).

[70] Payal Arora, “Decolonizing Privacy Studies,” Television & New Media, vol. 20, no. 4 (2019), pp. 366-378.

[71] Majid KhosraviNik, “Critical Discourse Analysis, Power and New Media Discourse,” in: Why Discourse Matters: Negotiating Identity in the Mediatized World, Yusuf Kalyango Jr. & Monika Kopytowska (eds.) (New York: Peter Lang, 2014), pp. 287-306.

[72] Langdon Winner, “Do Artifacts Have Politics?” Daedalus, vol. 109, no. 1 (1980), pp. 121-136.

[73] Bruno Latour, Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory (Oxford: Oxford University Press, 2005).

[74] Michel Callon, “The Sociology of an Actor-Network: The Case of the Electric Vehicle,” in: Michel Callon, John Law & Arie Rip (eds.), Mapping the Dynamics of Science and Technology (London: Macmillan Press, 1986), pp. 20-34.

[75] Trevor J. Pinch & Wiebe E. Bijker, “The Social Construction of Facts and Artefacts: Or How the Sociology of Science and the Sociology of Technology Might Benefit Each Other,” Social Studies of Science, vol. 14, no. 3 (1984), pp. 399-441.

[76] Noble.

[77] Ruha Benjamin, Race after Technology: Abolitionist Tools for the New Jim Code (Medford: Polity Press, 2019), p. 3.

تفكك روها بنجامين الافتراضات السائدة عن التكنولوجيا، خاصة الافتراض القائل بحيادها. وفي سياق ذلك، توسع تعريف الشفرة (Code) بعيدًا عن المعنى الضيّق المرتبط بتعليمات الحاسوب، لتشمل فهم الكيفية التي تعمل بها الأسماء والأعراق، في حد ذاتها، بوصفها شفرات محمّلة بمعلومات ذات أهمية بارزة. ثم تدعونا إلى التفكير في العِرق نفسه بوصفه حرفة تقنية (Techne في الإغريقية القديمة)، أي طريقة لفعل الأشياء وتنظيم المجتمع. وانطلاقًا من هذا الفهم المتداخل بين العرق والتكنولوجيا، تصوغ فكرتها المركزية عن "الشفرة الجيمية الجديدة" (New Jim Code) بوصفها "استخدام تقنيات جديدة تعكس اللامساواة القائمة وتعيد إنتاجها، لكنها تُقدَّم وتُدرَك بوصفها أكثر موضوعية أو تقدمية من الأنظمة التمييزية القائمة في العصور السابقة". ينظر: Ibid., p. 3.

[78] Virginia Eubanks, Automating Inequality: How High-Tech ToolsProfile, Police, and Punish the Poor (New York: Martin’s Press, 2018).

[79] Y. Razmetaeva & S. Razmetaev, “Justice in the Digital Age: Technological Solutions, Hidden Threats and Enticing Opportunities,” Access to Justice in Eastern Europe, vol. 2, no. 10 (2021), pp. 104-117.

[80] فوكس، ص 107.

[81] ينظر:

Ruth Wodak & Michael Meyer (eds.), Methods of Critical Discourse Studies, 3rd ed. (London: Sage, 2016); David Machin & Andrew Mayr, How to do Critical Discourse Analysis (London: Sage, 2012).

[82] Majid KhosraviNik, “Critical Discourse Analysis, Power, and New Media Discourse,” in: Magdalena Kopytowska & Yohannes Kalyango (eds.), Why Discourse Matters: Negotiating Identity in the Mediatized World (New York: Peter Lang, 2013), pp. 287-306.

[83] Yochai Benkler, The Wealth of Networks: How Social Production Transforms Markets and Freedom (New Haven, CT: Yale University Press, 2006).

[84] Andrew L. Shapiro, The Control Revolution: How the Internet is Putting Individuals in Charge and Changing the World We Know (New York: PublicAffairs, 1999), pp. 11-30.

[85] Merrill Morris & Christine Ogan, “The Internet as Mass Medium,” in: Denis McQuail (ed.), McQuail’s Reader in Mass Communication Theory (London: Sage, 2002), pp. 134-145.

[86] Nick Couldry, Media, Society, World: Social Theory and Digital Media (Cambridge: Polity Press, 2012).

[87] Majid KhosraviNik, “Critical Discourse Analysis, Power and New Media Discourse,” in: Yahya R. Kamalipour Kalyango Jr. & Monika Kopytowska (eds.), Why Discourse Matters: Negotiating Identity in the Mediatized World (New York: Peter Lang, 2014), pp. 287-306.

[88] Jannis Androutsopoulos, “Discourse-Centred Online Ethnography,” in: Alexandra Georgakopoulou & Tereza Spilioti (eds.), The Routledge Handbook of Language and Digital Communication (London: Routledge, 2015), pp. 282-300.

[89] Majid KhosraviNik, “Social Media Critical Discourse Studies (SM-CDS),” in: John Flowerdew & John E. Richardson (eds.), The Routledge Handbook of Critical Discourse Studies (London: Routledge, 2018), p. 583; Couldry.

[90] Ron Scollon, Mediated Discourse: The Nexus of Practice (London: Routledge, 2001); Ron Scollon & Suzanne Wong Scollon, Nexus Analysis: Discourse and the Emerging Internet (London: Routledge, 2004).

[91] David Barton & Carmen Lee, Language Online: Investigating Digital Texts and Practices (Abingdon: Routledge, 2013).

[92] Noble.

[93] Ibid.

[94] Jessie Daniels, Cyber Racism: White Supremacy Online and the New Attack on Civil Rights (Lanham, MD: Rowman & Littlefield Publishers, 2009); Jessie Daniels, “The Algorithmic Rise of the ‘Alt-Right,’” Contexts, vol. 17, no. 1 (2018), pp. 60-65.

[95] ينظر:

Zeynep Tufekci, “YouTube, the Great Radicalizer,” The New York Times, 10/3/2018, accessed on 25/4/2025, at: https://acr.ps/hBxNMlY; Mark Alfano, Joseph Adam Carter & Marc Cheong, “Technological Seduction and Self-Radicalization,” Journal of the American Philosophical Association, vol. 4, no. 3 (2018), pp. 298-322; Luke Munn, “Alt-Right Pipeline: Individual Journeys to Extremism Online,” First Monday, vol. 24, no. 6 (2019).

[96] Joshua Habgood-Coote, “Towards a Critical Social Epistemology of Social Media,” in: Jennifer Lackey & Aidan McGlynn (eds.), The Oxford Handbook of Social Epistemology (Oxford: Oxford University Press, 2025), pp. 439-465; Rebecca Wis, Alternative Influence: Broadcasting the Reactionary Right on YouTube (New York: Data & Society Research Institute, 2018).

[97] Sarah Sobieraj, “Bitch, Slut, Skank, Cunt: Patterned Resistance to Women’s Visibility in Digital Publics,” Information, Communication & Society, vol. 21, no. 11 (2018), pp. 1700-1714; Sarah Sobieraj, Credible Threat: Attacks Against Women Online and the Future of Democracy (New York: Oxford University Press, 2020).

[98] Sobieraj, pp. 1709-1710.

[99] Sap Maarten et al., “The Risk of Racial Bias in Hate Speech Detection,” Proceedings of the 57th Annual Meeting of the Association for Computational Linguistics, Association for Computational Linguistics (2019), pp. 1668-1678.

[100] Kevin J. S. Zollman, “The Communication Structure of Epistemic Communities,” Philosophy of Science, vol. 74, no. 5 (2007), pp. 574-587; Kevin J. S. Zollman, “The Epistemic Benefit of Transient Diversity,” Erkenntnis, vol. 72, no. 1 (2010), pp. 17-35.

[101] Habgood-Coote, p. 455.

[102] فوكس، ص 108.

[103] المرجع نفسه.

[104] Androutsopoulos, p. 284.

[105] Ibid.

[106] Noble.

[107] Habgood-Coote, p. 459.

[108] David Lyon, “Surveillance, Snowden, and Big Data: Capacities, Consequences, Critique,” Big Data & Society, vol. 1, no. 2 (July 2014), p. 1.

[109] ينظر:

Payal Arora, “The Bottom of the Data Pyramid: Big Data and the Global South,” International Journal of Communication, vol. 10, no. 4 (January 2016), pp. 1681-99; Danah Boyd & Kate Crawford, “Critical Questions for Big Data: Provocations for a Cultural, Technological, and Scholarly Phenomenon,” Information, Communication & Society, vol. 15, no. 5 (2012), pp. 662-679; Nick Couldry & Alison Powell, “Big Data from the Bottom Up,” Big Data & Society, vol. 1, no. 2 (2014); Stefania Milan & Emiliano Treré, “Big Data from the South: The Beginning of a Conversation We Must Have,” Datactive, 16/10/2017, accessed on , at: https://acr.ps/hBxNLTB; Frank Pasquale, The Black Box Society: The Secret Algorithms That Control Money and Information (Cambridge: Harvard University Press, 2015); Payal Arora, “Decolonizing Privacy Studies,” Television & New Media, vol. 20, no. 4 (2019), pp. 366-378.

[110] Helen Nissenbaum, Privacy in Context: Technology, Policy, and the Integrity of Social Life (Stanford: Stanford University Press, 2009), p. 2.

[111] Koen Leurs & Tamara Shepherd, “Datafication & Discrimination,” in: Mirko Tobias Schäfer & Karin van Es (eds.), The Datafied Society: Studying Culture through Data (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2017), pp. 211-231.

[112] Noble.

[113] Arora, p. 5.

[114] Virginia Eubanks, Automating Inequality: How High-tech Tools Profile, Police and Punish the Poor (New York: Martin’s Press, 2018).

[115] George Ritzer & Nathan Jurgenson, “Production, Consumption, Prosumption: The Nature of Capitalism in the Age of the Digital ‘Prosumer’,” Journal of Consumer Culture, vol. 10, no. 1 (2010), pp. 13-36.

[116] Christian Fuchs & Sebastian Sevignani, “What is Digital Labour? What is Digital Work? What’s their Difference? And why do these Questions Matter for Understanding Social Media?” Triple C (Communication, Capitalism & Critique), vol. 11, no. 2 (2013), p. 237; Christian Fuchs, Social Media: A Critical Introduction, 3rd ed. (London: Sage, 2014).

[117] KhosraviNik, “Social Media Critical Discourse Studies (SM-CDS),” p. 583.

[118] Van Dijck, pp. 4-5; Zuboff.

[119] Ritzer & Jurgenson, p. 22.

[120] Ibid.

يصف كريستيان فوكس وسيباستيان سفيغناني هذه الظاهرة باستخدام المصطلح التوليفي "لعب-عمل" (Playbour)، الذي يربط بين اللعب (Play) والعمل (Labour) في ممارسة واحدة. ينظر:

Fuchs & Sevignani, p. 237.

[121] John Street, Mass Media, Politics and Democracy, 2nd ed. (London: Palgrave Macmillan, 2011); Werner Holly, “Tabloidisation of Political Communication in the Public Sphere,” in: Ruth Wodak & Veronika Koller (eds.), Handbook of Communication in the Public Sphere (Berlin/ New York: Mouton de Gruyter, 2008), pp. 317-344.

[122] Cass R. Sunstein, #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2017), pp. 6-7.

[123] Fraser, pp. 56-80.

[124] Habgood-Coote, p. 503.

[125] Roderick Graham, “The Content of Our #Characters: Black Twitter as Counterpublic,” Sociology of Race and Ethnicity, vol. 2, no. 4 (2016), pp. 433-449; A. Brock Jr, Distributed Blackness: African American Cybercultures (New York: New York University Press, 2020); Dara N. Byrne, “Public Discourse, Community Concerns, and Civic Engagement: Exploring Black Social Networking Traditions on BlackPlanet.com,” Journal of Computer-Mediated Communication, vol. 13, no. 1 (2007), pp. 319-340.

[126] Sarah J. Jackson, Moya Bailey & Brooke Foucault Welles, #HashtagActivism Networks of Race and Gender Justice (Cambridge: MIT Press, 2020).

[127] Catherine Knight Steele, “The Digital Barbershop: Blogs and Online Oral Culture Within the African American Community,” Social Media + Society, vol. 2, no. 4 (2016); Catherine Knight Steele, “Signifyin’, Bitching, and Blogging: Black Women and Resistance Discourse Online,” in: Safiya Umoja Noble & Brendesha M Tynes (eds.), The Intersectional Internet: Race, Sex, Class, and Culture Online )New York: Peter Lang, 2016), pp.73-94; Gabriel Deborah, “Alternative Voices, Alternative Spaces: Counterhegemonic Discourse in the Blogosphere,” in: E. Thorsen et al. (eds.), Media, Margins and Civic Agency (London: Palgrave Macmillan, 2015).

[128] Byrne, pp. 319-340.

[129] R. Stuart Geiger, “Bot-based Collective Blocklists in Twitter: The Counterpublic Moderation of Harassment in a Networked Public Space,” Information, Communication & Society, vol. 19, no. 6 (2016), pp. 787-803; Sobieraj.

[130] Steele, “The Digital Barbershop;” Steele, “Signifyin’, Bitching, and Blogging,” pp. 73-94; Deborah.

[131] Jackson, Bailey & Welles.

[132] Habgood-Coote.

[133] Richard Barbrook & Andy Cameron, “The Californian Ideology,” Science as Culture, vol. 6, no. 1 (1996), pp. 44-72.

يشير وسم "الكاليفورنية" إلى المزاج الثقافي السياسي – الثقافي – التكنولوجي الذي بدأت سدوله في التشكل من ولاية كاليفورنيا الأميركية، لا سيما وادي السيليكون، منذ سبعينيات القرن العشرين، بفضل النزعتين الليبرتارية والنيوليبرالية اللتين سادتا بداية من الستينيات. ويستخدمه باربروك وكاميرون دلالة على الأيديولوجيا التي رافقت صعود الإنترنت، مدفوعًا بابتكارات وادي السيليكون، والتي حجبت علاقات الهيمنة واللامساواة والاستغلال الرأسمالي خلف خطاب التفاؤل، ثم لاحقًا التحرر، بفضل التكنولوجيا.

[134] Habgood-Coote, p. 495.

[135] Noble.

[136] Mark C. Marino, Critical Code Studies (Cambridge: MIT Press, 2020).

[137] Alice Marwick et al., “Critical Disinformation Studies: A Syllabus,” Center for Information, accessed on 10/6/2026, at: https://acr.ps/hBxNMiJ

[138] Latour, pp. 5-9.

[139] Galloway, p. xii.

[140] Paul Feyerabend, Against Method: Outline of an Anarchistic Theory of Knowledge (London: Verso, 1975).

[141] روبرت كوكس، "القوى الاجتماعية والدول والنظم العالمية: ما وراء نظرية العلاقات الدولية"، ترجمة عمرو الملّاح، سياسات عربية، مج 14، العدد 78 (كانون الثاني/ يناير 2026)، ص 123. (التشديد في الأصل)

[142] فوكس، ص 103-104.