غلاف كتاب "هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم"
مراجعات 26 فبراير ، 2026

مراجعة كتاب "هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم"

خالد قطب

​​أستاذ الفلسفة، برنامج الفلسفة، قسم كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قطر.


عنوان الكتاب:هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم

عنوان الكتاب في لغته:

 Fashionable Nonsense: Postmodern Intellectuals' Abuse of Science

المؤلف: آلان سوكال وجان بريكمون.

ترجمة: نجيب حصادي.

مراجعة وتقديم: رجا بهلول.

الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للدراسات وتحديث السياسات.

سنة النشر: 2025.

عدد الصفحات: 383.

مقدمة

ارتكز مشروع الحداثة الغربي على منظومة من المبادئ الفلسفية والمنهجية جعلت من العقلانية، والتجريبية، والموضوعية، والتقدم، قيمًا مركزية. وسعى العقل العلمي الحديث لبلورة منهجية تضمن لملاحظاته، وتجاربه، ونظرياته، سمةَ الموضوعية واليقين. وقد اعتمد هذا العقل في ذلك على تكامل ركيزتين أساسيتين: الرياضيات بما توفره من دقة استدلالية وصرامة منطقية، والمنهج التجريبي القائم على الملاحظة المُحكمة والاختبار. وقد تمثّل الهدف الجوهري للعلم الحديث في السيطرة على الطبيعة وتفسير ظواهرها، بما يخدم التطور الاقتصادي والصناعي للغرب، ويُؤسس لهيمنة الإنسان (الغربي) على العالم الطبيعي.

وفي المقابل، حاول مفكرو ما بعد الحداثة التحول عن المفهوم التقليدي للعقلانية العلمية، فطرحوا رؤى نقدية استهدفت الثوابت المنهجية للحداثة والعلم الحديث. وقد تجسّدت هذه الرؤى في شعار "كل شيء جائز" الذي يمثّل في سياقه الفلسفي دعوة إلى تعددية منهجية، ورفضَ أي نسق مغلق في ممارسة العلم. وأكدوا مفهوم النسبانية المعرفية الذي يُظهر أن القطيعة المعرفية مع المناهج السائدة قادت إلى اكتشافات ثورية.

غير أن فكر ما بعد الحداثة لم يسلم من التفكيك والنقد. فقد وُجهت إليه انتقادات اتهمته بتقويض الأسس العقلانية للعلم. وقد تجسد هذا النقد على نحوٍ بارز في كتاب آلان سوكال وجان بريكمون هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم، الذي سعى لكشف التناقضات والمغالطات في استعمال بعض نصوص مفكري بعد الحداثة للمفاهيم العلمية، معتبرًا إياها محض استعارات فارغة تفتقر إلى الدقة والصرامة.

يركّز الكتاب على نقد ممارسات مفكري ما بعد الحداثة الفرنسيين المعرفية، والتي يصفها المؤلفان بالاحتيال الفكري أو الهراء. يكمن هذا الهراء في إساءة المفكرين المنتمين إلى فكر ما بعد الحداثة استخدام المصطلحات العلمية الدقيقة (كالفيزياء، والرياضيات) خارج سياقاتها بصفة غير مبررة لإضفاء هالة من العمق والصرامة على خطابهم. يتحدد الهدف الأساس من هذا النقد في تفنيد مزاعم النسبانية المعرفية التي تختزل العلم في "سردية" اجتماعية (ص 54)، مع التأكيد أن رفض بعض شعوب العالم، لا سيما في الجزء الجنوبي منه، للعقلانية ليس رفضًا للمعرفة ذاتها، بل هو رد فعل على توظيف الغرب الاستعماري ــــ لا سيما الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ــــــ للشعارات العلمية زورًا.​


* هذه المراجعة منشورة في العدد 55 من دورية "تبيّن" (شتاء 2025)، وهي دورية فصلية محكّمة يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا وتُعنى بالدراسات الفلسفية والنظريات النقدية.

** تجدون في موقع دورية "تبيّن" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.