ارتفاع ودائع العملاء في قطاع غزة في سياق الانهيار الاقتصادي
تحليلات اقتصادية 19 أغسطس ، 2026

ارتفاع ودائع العملاء في قطاع غزة في سياق الانهيار الاقتصادي:

نموذج تحليلي لتفسير تحوّلات الثروة المالية خلال حرب 2023–2025

سيف الدين يوسف عودة

حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة دمشق، ويشغل منصب رئيس قسم النمذجة والتنبؤ في سلطة النقد الفلسطينية، إلى جانب عمله أستاذاً مساعداً للاقتصاد (غير متفرغ) في الجامعة الإسلامية بغزة. وهو عضو اللجنة الاستشارية للبيانات الاقتصادية في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وعضو اللجنة الاستشارية لمجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الاقتصادية والإدارية، ومدرب في المعهد المصرفي الفلسطيني في مجالي مكافحة غسل الأموال والاستقرار المالي. نشر العديد من الدراسات وأوراق السياسات والمقالات الاقتصادية والمصرفية، وشارك في إعداد دراسات واستشارات في قطاعات الاتصالات والطاقة والصناعة، وفي تقييم آثار جائحة كوفيد-19 والصراعات على اقتصاد غزة.

​مقدمة

يُفترض أن تؤدّي زيادة الودائع المصرفية إلى تحسّن في الدخل وازدهار اقتصادي في الظروف الطبيعية، لكنّ ما حدث في قطاع غزة، خلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر 2023–2025، يخالف هذا الافتراض؛ فقد تضاعفت ودائع العملاء إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، وخسر السكان معظم أموالهم وثرواتهم بسبب الإنفاق الطارئ خلال فترة الحرب والارتفاع غير المسبوق في الأسعار، وترتب على ذلك تراجع حادّ في قدرتهم الشرائية، فضلًا عن تعرض الاقتصاد لانهيار شبه كلّي. وهذا يشير إلى واقع معيشي واقتصادي معقّد لم تختفِ فيه أموال المواطنين، بل تغيّر مسارها من جيوب الأسر إلى حسابات فئات محدودة، استغلت الظروف واضطرار المواطنين إلى الشراء وفقًا لآليات سوق مختلّة فرضتها الحرب.

شهد اقتصاد قطاع غزة، منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، صدمات غير مسبوقة على المستويات النقدية والسلعية والدخلية، من جرّاء القيود الصارمة والحصار غير المسبوق اللذين فرضهما الاحتلال الإسرائيلي على حركة السلع والأموال؛ ما أدى إلى تعطّل قنوات السحب النقدي، وتراجع القدرة الإنتاجية، وانعكس مباشرةً على مستوى معيشة الأسر وقدرتها الشرائية. وقد أظهرت دراسة سابقة للباحث أن ما أنفقته الأسر في قطاع غزة خلال فترة الحرب، والبالغ نحو 3739.1 مليون دولار، يعادل نحو 1069.1 مليون دولار، وفقًا للأسعار السائدة قبل الحرب[1]؛ أي إن هذه الأسر خسرت من قدرتها الشرائية ما يعادل 2670 مليون دولار من قيمة الأموال التي أنفقتها، نتيجة ممارسات الاحتكار والاستغلال. وهذا يطرح تساؤلًا رئيسًا: أين ذهبت هذه الأموال، تزامنًا مع الارتفاع الحاد في ودائع العملاء لدى الجهاز المصرفي، في وقت شهد فيه الاقتصاد انهيارًا شبه شامل وتدميرًا كبيرًا للبنية التحتية الإنتاجية ومقومات الاقتصاد، واستنزافًا كبيرًا للقوة الشرائية؟ تنطلق هذه الدراسة من سؤالَين مركزيَّين: إذا كان المواطنون قد فقدوا جزءًا كبيرًا من قدرتهم الشرائية، فأين ذهبت أموالهم؟ وكيف يمكن تفسير ارتفاع ودائع العملاء في قطاع غزة خلال فترة الحرب، على الرغم من التدهور الحاد في المؤشرات الاقتصادية؟

أولًا: تحليل الاتجاه الزمني لإجمالي ودائع العملاء في قطاع غزة

يبين الشكل (1) اتجاهًا متصاعدًا في حجم ودائع العملاء في قطاع غزة خلال فترة الحرب؛ إذ ارتفعت الودائع من 1613.6 مليون دولار في نهاية أيلول/ سبتمبر (قبل شهر من الحرب)، لتصل إلى 5016.2 مليون دولار[2] في تشرين الأول/ أكتوبر 2025؛ أي بزيادة قدرها 3402.6 مليون دولار خلال فترة الحرب.

ويمثل شهر أيلول/ سبتمبر، الذي يسبق اندلاع الحرب، فترة الأساس في هذه الدراسة لأغراض المقارنة وتحليل الزيادة في الودائع. وقد بلغ معدل النمو الهندسي المركب 4.64% شهريًا خلال فترة الحرب، مقارنةً بمعدل نمو شهري بلغ 0.55% خلال فترة ما قبل الحرب (2013- أيلول/ سبتمبر 2023). وبعبارة أخرى، إن ديناميكية التغير الشهري في الودائع كانت تسجل زيادة بمعدل 142.7 مليون دولار شهريًا في فترة الحرب، مقارنةً بقيمة 6.7 ملايين دولار خلال فترة ما قبل الحرب.

وعلى أساس سنوي، بلغ معدل النمو في ودائع قطاع غزة 72.4%، وهو مستوى غير مسبوق مقارنةً بمعدل النمو السنوي خلال السنوات العشر السابقة للحرب، البالغ 6.8%، وهو معدل يُعدّ معتادًا في الظروف الطبيعية التي كانت سائدة في القطاع قبل الحرب.

الشكل (1)

تطور قيمة الودائع في قطاع غزة مقوّمة بالدولار خلال فترة الحرب، قبل تحييد أثر سعر الصرف وبعده (الدولار مقابل الشيكل)


مصدر بيانات الودائع قبل تحييد أثر سعر الصرف، ينظر في: سلطة النقد الفلسطينية، "جدول (12): توزيع ودائع العملاء في قطاع غزة حسب النوع"، ملف بيانات إكسل، شوهد في 30/7/2025، في: https://acr.ps/hBy9aSk؛ أما قيمة الودائع بعد تحييد أثر سعر الصرف، فهي من حسابات الباحث.

وتتلخص أسباب الزيادة في ثلاثة مصادر أساسية، هي:

  1. توقف السحب النقدي من المصارف خلال الحرب، وقد ترتب عليه عدم قدرة المواطنين، خاصةً فئة الموظفين من مختلف الجهات، على سحب رواتبهم؛ ما أدى إلى تراكم إجباري للرواتب والأجور، تزامنًا مع التحول شبه الكامل نحو أدوات الدفع الإلكتروني بسبب استمرار أزمة السيولة النقدية الخانقة، وهو ما يجعل الأموال تدور في حلقة مصرفية شبه مغلقة؛ أي إنها تنتقل من حساب إلى حساب آخر، لكنها تبقى في الجهاز المصرفي ولا تُسحَب نقدًا، بسبب توقف عمليات السحب النقدي.
  2. المساعدات والتبرعات والتحويلات النقدية من الخارج والمؤسسات الدولية.
  3. الزيادة الحسابية "الوهمية" الناجمة عن تقلبات سعر صرف الدولار مقابل الشيكل (ينظر الشكل 2).

الشكل (2)

مصادر الزيادة في ودائع العملاء خلال الحرب


المصدر: من إعداد الباحث.

ثانيًا: تحليل أثر تقلبات سعر صرف الدولار مقابل الشيكل في قيمة الودائع بقطاع غزة

نظرًا إلى أن البنوك تصدر بياناتها بعملة الدولار، من خلال تحويل العملات الأخرى إلى الدولار، خاصةً الشيكل، فإن أرصدة الودائع بالشيكل من مختلف أنواعها (الجارية والتوفير ولأجل) تتأثر قيمتها بالدولار بتقلبات سعر الصرف.

ولمعرفة الفرق بين الزيادة "الحسابية" والزيادة الفعلية الناجمة عن تغيرات سعر الصرف، ينبغي التذكير بأن ودائع العملاء في البنوك عمومًا تنقسم إلى أربع فئات بحسب العملة: الشيكل الإسرائيلي، والدينار الأردني، والدولار الأميركي، وعملات أخرى (اليورو والجنيه الإسترليني غالبًا). ولأن سعر صرف الدينار الأردني مربوط بالدولار الأميركي بسعر صرف ثابت، في حين أن العملات الأخرى أهميتها النسبية محدودة جدًا في هيكل الودائع، وأرصدتها تُقوّم بالدولار، فإن التأثير الرئيس في حجم الودائع هو التغيرات في سعر صرف الدولار مقابل الشيكل؛ نظرًا إلى تأثيره في حجم الودائع بعملة الشيكل عندما تقوّم بالدولار في ميزانيات البنوك.

الجدول (1)

قيمة ودائع العملاء في قطاع غزة مقوّمة بالدولار الأميركي قبل تحييد أثر سعر صرف الدولار وبعده (الدولار مقابل الشيكل)

 

قيمة الودائع بحسب العملات مقوّمة بالدولار وفق أسعار الصرف الجارية

إجمالي ودائع العملاء مقوّمة بأسعار الصرف الجارية

سعر صرف الدولار/ الشيكل

قيمة ودائع الشيكل مقوّمة بالدولار بعد تحييد أثر سعر الصرف

إجمالي الودائع بعد تحييد أثر سعر الصرف*

الفترة

شيكل

دينار

دولار

أخرى

23 أيلول/ سبتمبر

542.3

204.5

837.1

29.6

1613.6

3.85

542.3

1613.6

23 كانون الأول/ ديسمبر

810.9

239.5

956.5

33.1

2040.0

3.61

760.1

1989.2

24 كانون الأول/ ديسمبر

1456.4

216.0

1636.9

46.4

3355.7

3.65

1383.8

3283.1

25 تشرين الأول/ أكتوبر

2039.8

233.7

2678.0

64.8

5016.2

3.26

1727.1

4703.5

المصدر: سلطة النقد الفلسطينية، "جدول (10) التوزيع الجغرافي لودائع العملاء حسب النوع والعملة"، ملف بيانات إكسل، شوهد في 30/7/2025، في: https://acr.ps/hBy9aTE

* حسابات الباحث: احتُسبت القيمة المعدلة من أثر سعر الصرف لودائع الشيكل مقوّمة بالدولار، من خلال تثبيت سعر صرف الدولار مقابل الشيكل في فترة الأساس ليكون سعرًا موحدًا خلال فترة الحرب، وذلك وفق المعادلة التالية:

 

جرى اعتماد أيلول/ سبتمبر 2023 فترة أساس لتحييد أثر تقلبات سعر الصرف، علمًا أن سعر الصرف في نهاية هذا الشهر بلغ 3.85 شيكلات لكل دولار[3]. وبناءً على ذلك، ارتفعت ودائع الشيكل من 542.3 مليون دولار إلى 1727.1 مليون دولار في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بزيادة قدرها 1184.8 مليون دولار، ونمو سنوي بلغ 74.4%. ومن ثم، فإن الفرق بين قيمة ودائع الشيكل المقوّمة بالدولار وفق أسعار الصرف الجارية، والبالغة 2039.8 مليون دولار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وقيمتها المعدلة من أثر سعر الصرف، والبالغة 1727.1، يمثل أثر تقلبات سعر الصرف، ويبلغ نحو 312.7 مليون دولار، ويعكس ذلك أن ودائع الشيكل عند تقييمها بالدولار، ظهرت في الإحصاءات بأعلى من قيمتها الفعلية، نتيجة تراجع سعر صرف الدولار مقابل الشيكل خلال فترة الحرب من 3.85 في أيلول/ سبتمبر 2023 إلى 3.26 في تشرين الأول/ أكتوبر 2025.

بناءً على ما سبق، نستنتج أن ودائع العملاء في قطاع غزة سجلت نموًا معدلًا من أثر سعر الصرف بنحو 3090 مليون دولار وبنسبة 67.1% سنويًا، لتبلغ 4703.5 مليون دولار في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2025؛ أي إن التقلبات في سعر الصرف تسببت في زيادة الودائع أو تضخيم قيمتها بنحو 312.7 مليون دولار؛ أي ما نسبته 9.2% من مقدار الزيادة الكلية في ودائع العملاء.

ثالثًا: تحليل الودائع بحسب الجهة المودِعة: أثر توقف السحب النقدي والمساعدات الخارجية

يتيح تحليل الودائع بحسب الجهة المودِعة فهمًا أدق لمصادر الزيادة وأسبابها. ونظرًا إلى غياب بيانات تفصيلية لودائع الشيكل بحسب المودِع، جرى الاعتماد على القيم المقوّمة بالدولار من دون تحييد أثر تقلبات سعر صرف الدولار مقابل الشيكل.

ويعرض الجدول (2) توزيع ودائع العملاء خلال الفترة (تشرين الأول/ أكتوبر 2023– تشرين الأول/ أكتوبر 2025)، مع التركيز على ودائع الأشخاص والشركات لكونهما الأكثر أهمية في التحليل.

الجدول (2)

ودائع العملاء بحسب الجهة المودِعة

الجهة المودعة

قيمة الودائع مقوّمة بالدولار

قيمة الزيادة ونسبتها

أيلول/ سبتمبر

2023

تشرين الأول/ أكتوبر

2025

مقدار

الزيادة

نسبة

الزيادة (في المئة)

ودائع السلطة الفلسطينية ومؤسسات القطاع العام الأخرى

15.3

13.1

-2.2

-14.4

ودائع السلطات المحلية

3.8

6.8

3

78.9

ودائع الشركات

317.7

971.1

653.4

205.7

ودائع الأشخاص

1223.9

3941.7

2717.8

222.1

مؤسسات خدمات الأسر المعيشية غير الربحية

52.9

83.6

30.7

58.0

إجمالي ودائع العملاء

1613.6

5016.2

3402.6

210.9

المصدر: سلطة النقد الفلسطينية، "جدول (12) توزيع ودائع العملاء في قطاع غزة حسب النوع"، ملف بيانات إكسل، شوهد في 30/7/2025، في: https://acr.ps/hBy9aSk

1. ودائع الشركات

ارتفعت ودائع الشركات من 317.7 مليون دولار إلى 971.1 مليون دولار خلال الحرب، بزيادة 653.4 مليون دولار (205.7%)، وهو نمو استثنائي على الرغم من تدمير الاقتصاد. وقد ارتفع معدل النمو السنوي من 8.2% قبل الحرب، إلى نحو 71% خلال الحرب، وهذا يعكس بوضوح المدى الذي سيطرت فيه بعض الشركات على آليات السوق وفرضت قوة احتكارية استنزافية لاقتصاد غزة، خاصةً الشركات التي سمح لها الاحتلال بذلك ومنحها تنسيقات أمنية لإدخال البضائع التجارية حصريًا (عددها لا يتجاوز 15 شركة)، وهي آلية تنسيق أمني فرضها الاحتلال قسرًا، ويهدف من خلالها إلى بقاء اقتصاد غزة في حالة استنزاف واحتكار قسري وتشوهات سعرية مزمنة.

2. ودائع الأشخاص

ارتفعت ودائع الأشخاص إلى 3941.7 مليون دولار في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بزيادة 2717.8 مليون دولار (222%)، مقارنة بنمو سنوي بلغ 6.9% قبل الحرب، مقابل 75.3% خلال فترة الحرب.

الشكل (3)

قنوات الحقن في حسابات الأشخاص البنكية


المصدر: من إعداد الباحث.

وهذه الزيادة نابعة من ثلاث قنوات حقن أساسية في حسابات الأشخاص البنكية، هي:

  • الزيادة الناجمة عن تراكم دخول نقدية ثابتة متدفقة على نحو مستمر ضمن منظومة الرواتب والأجور، بسبب عدم القدرة على سحبها نقدًا، نظرًا إلى توقف البنوك ورفض الاحتلال إدخال السيولة النقدية.
  • الزيادة الناجمة عن المساعدات النقدية والتحويلات العائلية من الأقارب في الخارج، ومساعدات التحويلات النقدية المقدمة إلى الأفراد والأسر من المؤسسات الدولية ... إلخ؛ إذ إن هذه المساعدات والتحويلات بقيت ضمن المنظومة المصرفية نتيجةً لعدم تسربها بالسحب النقدي.
  • الزيادة الناجمة عن التحويلات إلى حسابات بنكية شخصية استُخدمت في أعمال تجارية، مثل حسابات التجار وأصحاب الشركات، وحسابات شخصية أخرى استُخدمت في العمليات التجارية المرتبطة بالخدمات والسلع التي يورّدها أصحابها إلى بعض المؤسسات الإغاثية العاملة في قطاع غزة؛ إذ وظّف هؤلاء حساباتهم البنكية الشخصية أيضًا في تنفيذ عمليات التحويل وتسوية المعاملات.

وفيما يلي تحليل لكل قناة حقن من هذه القنوات الثلاثة:

أ‌. قناة الحقن الأولى: الأجور والرواتب

رواتب الموظفين الحكوميين الذين يتقاضون رواتبهم من الحكومة الفلسطينية في رام الله

يقدر عدد الموظفين الحكوميين الذين يتقاضون رواتبهم من الحكومة الفلسطينية في رام الله بنحو 30 ألف موظف[4]، منهم 16224 موظفًا مدنيًا، بحسب البيانات الصادرة عن ديوان الموظفين في رام الله[5]، وبافتراض أن متوسط الراتب الشهري يبلغ نحو 3500 شيكل تقريبًا[6].

ومع الأخذ بالاعتبار أن صرف الرواتب لم يكن منتظمًا خلال فترة الحرب بسبب القيود والمعوقات المالية التي واجهت الحكومة في رام الله نتيجةً لرفض إسرائيل تحويل إيرادات المقاصة، حيث راوحت نسبة الصرف بين 50% و70%، فإنه يمكن تقدير حجم التدفق النقدي الشهري لرواتب موظفي الحكومة كما يلي:

3500 شيكل × 60% × 30000 موظف (مدني عسكري) = 63 مليون شيكل شهريًا؛ أي ما يعادل في المتوسط 17.4 مليون دولار.

الشكل (4)

منظومة الأجور والرواتب في قطاع غزة


المصدر: من إعداد الباحث.

وبهذا، فإن نحو 435 مليون دولار تدفّقت إلى الحسابات البنكية الشخصية لموظفي الحكومة خلال فترة الحرب الممتدة على مدى 25 شهرًا[7]، وهذا تقدير عام لأغراض التحليل.

رواتب المتقاعدين (هيئة التقاعد العام)

يُقدَّر عدد الموظفين المتقاعدين في قطاع غزة الذين يتقاضون رواتبهم من خلال هيئة التقاعد العام بنحو 39636 متقاعدًا في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وتُقدَّر فاتورة رواتبهم الشهرية بنحو 96.1 مليون شيكل[8]؛ أي ما يعادل 26.5 مليون دولار. ومن ثم، يمكن القول إن الحسابات البنكية الشخصية التي تستقبل رواتب تقاعدية تلقّت، خلال فترة الحرب، نحو 662.5 مليون دولار، وهذا تقدير عام لأغراض التحليل.

رواتب موظفي الأونروا

يُقدَّر عدد موظفي الأونروا العاملين في قطاع غزة بنحو 13 ألف موظف[9]، وتُقدَّر فاتورة رواتبهم الشهرية بنحو 18 مليون دولار[10]، علمًا أن رواتبهم تُدفع بعملة الدولار. ويمكن القول إن الحسابات البنكية الشخصية لموظفي الأونروا تلقّت تدفقات، خلال فترة الحرب، بنحو 450 مليون دولار[11]، وهذا تقدير عام لأغراض التحليل.

الجدول (3)

تدفقات الرواتب إلى الحسابات الشخصية خلال فترة الحرب

الفئة

عدد الموظفين

قيمة الرواتب مليون دولار

القيمة الشهرية

الإجمالي خلال الحرب (25 شهرًا)

موظفو الحكومة (رام الله)

30000

17.4

435

المتقاعدون (هيئة التقاعد)

39636

26.5

662.5

موظفو الأونروا

13000

18

450

الإجمالي

82636

61.9

1547.5

المصدر: من إعداد الباحث.

يلخص الجدول (3) التدفقات التي تضخّها قنوات الرواتب الرئيسة المختلفة إلى الحسابات البنكية الشخصية؛ إذ تُقدَّر قيمتها الشهرية الإجمالية بنحو 62 مليون دولار، وهذا يعني أن حسابات الموظفين تلقّت تدفقات بقيمة 1547.5 مليون دولار خلال فترة الحرب.

ومن العوامل المهمة التي ساهمت في ارتفاع ودائع الأشخاص، أيضًا، مقارنةً بمستواها الطبيعي قبل الحرب، وقفُ خصم أقساط القروض/ التمويلات من المقترضين، وفقًا لتعليمات سلطة النقد التي طلبت من المصارف تأجيل خصم هذه الأقساط خلال فترة الحرب، علمًا أن قيمة التسهيلات الائتمانية الممنوحة للأشخاص، على نحو يشمل المبالغ المسحوبة باستخدام بطاقات الائتمان، بلغت نحو 697.2 مليون دولار في نهاية أيلول/ سبتمبر 2023، بينما بلغ متوسط قيمتها خلال فترة الحرب نحو 658.8 مليون دولار[12].

ب. قناة الحقن الثانية: المساعدات والتبرعات من الخارج

تتمثل هذه القناة في المساعدات والتبرعات والتحويلات المقدَّمة إلى الأفراد والأسر خلال فترة الحرب من المؤسسات الدولية، إضافةً إلى التحويلات الشخصية التي يتلقّاها المواطنون من أسرهم أو أقاربهم أو أصدقائهم خارج قطاع غزة، فضلًا عن التبرعات والمساعدات المختلفة المقدّمة إلى الجمعيات والمبادرين.

الجدير بالذكر أن العديد من المؤسسات المحلية والدولية والإغاثية، مثل برنامج الغذاء العالمي، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، نفّذت برامج دعم نقدي للأسر، تمثّلت في تحويل مبالغ نقدية إليها راوحت قيمتها بين 700 و1200 شيكل[13] خلال فترة الحرب، بوتيرة غير منتظمة، من خلال إيداعها في حسابات الأسر والأفراد أو تحويلها إلى محافظهم الإلكترونية عبر PalPay. ويوضح الجدول (4) جزءًا من المساعدات والتبرعات التي تلقّتها الأسر والأفراد في قطاع غزة خلال فترة الحرب، وفقًا لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، وتتمثل هذه المساعدات في مساعدات نقدية متعددة الأغراض Multi-Purpose Cash Assistance, MPCA.

الجدول (4)

المساعدات النقدية المتعددة الأغراض للأسر في قطاع غزة خلال فترة الحرب

قيمة التحويلات النقدية

MPCA (بالدولار)

متوسط سعر صرف الدولار**

قيمة التحويلات النقدية

MPCA* (بالشيكل)

عدد الأسر

المستفيدة

السنة

19,157,178

 3.812 شيكلات

73,027,162.0

72428

تشرين الأول/ أكتوبر 2023

83,546,557

 3.703 شيكلات

309,372,900.0

287361

2024

205,819,577

3.453 شيكلات

710,695,000.0

343350

2025

308,523,312

-

1,093,095,062

-

الإجمالي

المصدر:

* مراسلة شخصية/ إلكترونية مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في 11 آذار/ مارس 2026.

** سلطة النقد الفلسطينية، "جدول (27): معدل أسعار صرف العملات الرئيسية المتداولة في فلسطين"، شوهد في 30/7/2026، في: https://acr.ps/hBy9aSZ

يلاحظ من الجدول (4) أن إجمالي المساعدات النقدية المتعددة الأغراض MPCA، خلال الفترة تشرين الأول/ أكتوبر 2023-2025، بلغ نحو 1.1 مليار شيكل؛ أي ما يعادل 308.5 ملايين دولارات. وفي المقابل، توجد أنواع أخرى من التحويلات النقدية خارج نظام MPCA، وقد بلغت قيمة هذه التحويلات non-MPCA cash transfers المحولة من برنامج الغذاء العالمي، والأونروا ما بين 9 و13 ملايين دولار شهريًا[14]، بمتوسط شهري قدره 11 مليون دولار. وبهذا، فإن القيمة المقدرة لفترة الحرب تبلغ نحو 275 مليون دولار. ومن ثم، فإن القيمة الإجمالية المقدرة للتحويلات النقدية بنوعيها تبلغ نحو 308.5 ملايين دولار (MPCA) + 275 مليون دولار (non-MPCA) = 583.5 مليون دولار[15].

إلى جانب ذلك، تلقّت الأسر في غزة تبرعات وتحويلات إضافية من الخارج عبر الأفراد والمؤسسات الخيرية، وقدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني[16] صافي التحويلات الجارية خلال فترة الحرب بنحو 1079 مليون دولار. وتشكل هذه التدفقات المالية، بمختلف قنواتها، مصدرًا مهمًا لتعزيز القدرة المالية للأسر، وقد ساهمت على نحو مباشر وغير مباشر في زيادة ودائع الأشخاص عبر منظومة الدفع الإلكتروني. فوفقًا لمنظمة اليونيسف، أصبح ما نسبته 75%-90% من مستفيدي المساعدات يستخدمون وسائل الدفع الرقمية من دون اللجوء إلى السحب النقدي.[17]

ج. قناة الحقن الثالثة: الزيادة في الحسابات الشخصية المستخدمة في اقتصاد الحرب

أدى التوسع الكبير في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، بالتزامن مع أزمة السيولة النقدية التي اقترنت بالحرب، إلى نشوء أنماط جديدة في استخدام الحسابات المصرفية الشخصية، تجاوزت وظائفها التقليدية المتمثلة في حفظ الأموال واستقبال الرواتب والتحويلات. فقد أصبحت هذه الحسابات تُستخدم على نطاق واسع في تنفيذ عمليات البيع والشراء الإلكتروني، وإدارة المدفوعات والتحصيل، إضافة إلى تنامي ظاهرة "التكييش" من خلال وسطاء يتقاضون عمولات مرتفعة مقابل تحويل الأرصدة الإلكترونية إلى نقد، في ظل توقف عمليات السحب النقدي من البنوك.

وفي هذا السياق، أظهرت الإفادات الميدانية التي جمعها الباحث أن بعض الحسابات المصرفية الشخصية استُخدمت في إدارة أنشطة تجارية غير رسمية، فقد لجأ بعض التجار الذين تضخمت أعمالهم التجارية تضخّمًا كبيرًا خلال الحرب، إلى جانب فئات اقتصادية جديدة أفرزتها ظروف الحرب ولم تكن تمارس أي نشاط تجاري أو تمتلك تراخيص تجارية سابقًا، إلى استئجار حسابات مصرفية تعود إلى أفراد آخرين أو استخدام حساباتهم لاستقبال الحوالات المالية وإدارة معاملاتهم التجارية. ويُعزى ذلك إلى عدم امتلاك بعضهم حسابات مصرفية، أو إلى القيود المفروضة على بعض الحسابات القائمة، بما في ذلك السقوف المسموح بها مصرفيًا للحسابات ومتطلبات الامتثال المصرفي؛ ما أدى إلى ظهور استخدامات غير تقليدية للحسابات المصرفية فرضتها ظروف الحرب.

وقد كشفت الإفادات الميدانية عن بروز فئات مستجدة انخرطت في أنشطة تجارية غير رسمية، مستفيدة من اضطراب الأسواق وحالة الفوضى خلال الحرب. وشملت هذه الأنشطة – على نحو يتسق مع ما وثقته بعض التقارير الدولية[18] - الاتجار ببعض السلع والمساعدات الإنسانية التي كانت تتعرض للسرقة أو للتحويل عن مساراتها المخصصة، ثم يعاد بيعها في الأسواق المحلية. وعلى الرغم من أن هذه الممارسات تعكس جانبًا من التحولات التي فرضها اقتصاد الحرب، فإنه يصعب تقدير حجمها الفعلي ومدى انتشارها إحصائيًا، وخصوصًا في سياق غياب البيانات الرسمية وصعوبة التحقق الكمي منها، ثم إن حقيقة الاعتماد شبه الكلّي على وسائل الدفع الإلكتروني تشير إلى أن تسوية هذه المعاملات التجارية المستجدة في فترة الحرب تجري في إطار الحسابات المصرفية الشخصية.

يوضح التحليل السابق، قنوات الحقن المالي الرئيسة التي سبّبت الزيادة في حسابات ودائع الأشخاص، ولكن هذا لا يعني اقتصارها على هذه القنوات، فهناك قنوات أخرى للحقن أيضًا،يضًلأأي ولكنها غير قابلة للتقدير والقياس، ولا يتوفر عنها بيانات رسمية، ومنها على سبيل المثال ما ورد في القناة الثالثة المذكورة سابقًا، وكذلك قيمة الصفقات التجارية والمشاريع الإغاثية التي نُفذت في قطاع غزة وسُددت قيمتها من الخارج، بموجب تحويلات بنكية إلى حسابات التجار والشركات والجهات المنفذة، إضافة إلى أنواع مختلفة من التحويلات الشخصية والعائلية ذات الأغراض المتنوعة والمساعدات والتبرعات العائلية.

ويمكن صياغة معادلة الحقن كالتالي:

I=S+A+U

حيث إن:

- (S) الرواتب = 1547.5 مليون دولار

- (A) المساعدات والتبرعات = 1079 مليون دولار

- (U) مصادر حقن أخرى غير مقدرة

- (I) إجمالي الحقن المالي ≥ 2626.5 نظرًا إلى وجود حقن غير مقدر

وهذا يشير إلى أن الحد الأدنى القابل للقياس لقنوات الحقن المالي يقدر بنحو 2,626.5 مليون دولار، موزعًا بين 1,547.5 مليون دولار رواتب، و1,079.0 مليون دولار مساعدات وتحويلات نقدية من الخارج، إضافة إلى تدفقات أخرى غير قابلة للقياس. ويمثل إجمالي الحقن نحو 96.7% من إجمالي الزيادة في ودائع الأشخاص، وهذا يشير إلى دور هذه التدفقات في ارتفاع ودائع الأشخاص، التي تزامنت مع عدم وجود تسرب نقدي بسبب توقّف البنوك عن عمليات الإيداع والسحب، والاعتماد الكبير على وسائل الدفع الإلكتروني، لا سيما بعد إطلاق نظام المدفوعات والحوالات الفورية بين البنوك وشركات خدمات الدفع ("أي براق" IBURAQ)[19].

رابعًا: نموذج تفسيري لإعادة توزيع الودائع وانتقال الثروة المالية في اقتصاد الحرب

بناءً على التحليل السابق، يتضح أن قطاع غزة شهد خلال فترة الحرب واحدة من أكثر الظواهر المالية استثنائية في تاريخه الحديث؛ إذ ارتفع إجمالي ودائع العملاء من 1,613.6 مليون دولار في نهاية أيلول/ سبتمبر 2023 إلى 5,016.2 ملايين دولار في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بزيادة بلغت 3,402.6 ملايين دولار، رغم الانهيار شبه الكامل في النشاط الاقتصادي والإنتاج المحلي.

وسبقت الإشارة أيضًا إلى أن هذه الزيادة توزعت على نحو رئيس بين ودائع الأشخاص التي ارتفعت بمقدار 2,716.2 مليون دولار، وودائع الشركات التي ارتفعت بمقدار653.4 مليون دولار؛ ما يشير إلى أن معظم التدفقات المالية بمختلف أنواعها (رواتب ومساعدات وتحويلات) استقرت في الحسابات الشخصية وحسابات الشركات. ومن ثم، فإن هذه النتائج تبدو متناقضة ظاهريًا مع الواقع الاقتصادي في قطاع غزة خلال الحرب، وهو واقع منهار وفق ما تثبته المؤشرات الاقتصادية الكلية؛ فقد انخفض الإنفاق الاستهلاكي النهائي الحقيقي للأسر بنحو 82% مقارنةً بمستواه قبل الحرب؛ إذ تراجع من 2808.3 مليون دولار في عام 2022 إلى 506.2 مليون دولار في عام 2025[20]. وارتفعت الأسعار بشدة، حيث ارتفع متوسط الرقم القياسي لأسعار المستهلك من 105.3 قبل الحرب (متوسط الأشهر التسعة الأولى من عام 2023)، إلى 411.4 خلال الفترة تشرين الأول/ أكتوبر 2023-تشرين الأول/ أكتوبر 2025؛ أي بزيادة بلغت 290.7%، وهو ما يعادل نحو 3.9 أضعاف مستوى الحرب السابق[21].

وفي دراسة سابقة[22]، قدّر الباحث قيمة الإنفاق الاستهلاكي النهائي للأسر في قطاع غزة خلال فترة الحرب بنحو 3.7 مليارات دولار، وقُدِّرت الخسارة في القوة الشرائية بنحو 2.67 مليار دولار؛ أي ما يعادل نحو 71.4% من إجمالي الإنفاق الاسمي.

وتثير هذه النتائج مفارقة اقتصادية واضحة: كيف ارتفعت الودائع على هذا النحو في وقت فقدت فيه الأسر معظم قدرتها الشرائية، وانخفض الاستهلاك الحقيقي إلى مستويات غير مسبوقة؟ وإذا كان المواطنون خسروا هذه القيمة من أموالهم، فمن حصل عليها؟ ولماذا بقيت ودائع الأشخاص مرتفعة رغم إنفاق المواطنين؟

إن "مفتاح" تفسير هذه الظاهرة، أو الإجابة عن هذه الأسئلة، يكمن في طبيعة التصنيف المصرفي لودائع الأشخاص، التي تشمل الحسابات البنكية الفردية بمختلف أنواعها (الجارية، والتوفير، والودائع لأجل)، وذلك تمييزًا لها من حسابات الشركات، والمؤسسات غير الربحية، والجهات الحكومية. ومن ثم، فإن فئة "ودائع الأشخاص" لا تقتصر على الموظفين والأسر، بل تتضمّن أيضًا كل الحسابات الفردية بغض النظر عن طبيعة النشاط الاقتصادي لصاحبها، فهي تشمل أصحاب الأعمال الفردية، والتجار، والمستوردين، والصرافين، والأطباء، والمهنيين، والسماسرة، وجامعي التبرعات (عُرفوا خلال الحرب في قطاع غزة باسم "المبادرين")، وغيرهم من الأفراد الذين يستخدمون حساباتهم الشخصية في أنشطة تجارية أو مالية.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة عند تفسير التغيرات التي طرأت على ودائع الأشخاص خلال الحرب؛ إذ إن ارتفاعها لا يعني بالضرورة زيادة مدخرات الأسر أو المواطنين العاديين فحسب، بل قد يعكس أيضًا انتقال الأموال أو إعادة توجيهها داخل فئة الحسابات الشخصية نفسها، من الحسابات ذات الطابع الاستهلاكي، مثل حسابات الموظفين والأسر، إلى حسابات شخصية ذات استخدام تجاري أو مالي ارتبطت بتجارة الحرب؛ أي إن نمو الودائع لم يكن نتيجة زيادة الادخار، وإنما نتيجة تغيّر هوية أصحاب الودائع.

وقد ساعدت عدة عوامل استثنائية على حدوث هذا الانتقال، فقد شهد الجهاز المصرفي أزمة سيولة نقدية غير مسبوقة؛ إذ توقفت عمليات السحب والإيداع بسبب تدمير معظم الفروع المصرفية، وما كان موجودًا من سيولة نقدية في خزائن البنوك جرى سحبه سريعًا في بدايات الحرب، وفُقِد جزء منه نتيجة القصف، وسُرق جزء آخر وفق ما أعلنت عنه سلطة النقد[23]، وهو ما يعني أن الزيادة في الودائع لم تكن ناتجة من إيداعات نقدية محلية إلى البنوك، وإنما من استمرار تدفقات الحقن المالي من خلال التحويلات المالية بمختلف أنواعها، مع أخذ إعادة توزيع الأرصدة القائمة بوساطة التحويلات الإلكترونية في الحسبان.

أسهمت أزمة السيولة النقدية وانتشار ظاهرة التكييش، التي اعتمدت على تحويلات إلكترونية من حسابات الأفراد الراغبين في الحصول على النقد إلى حسابات حائزي السيولة النقدية مقابل عمولات مرتفعة راوحت في المتوسط بين 30% و35%، ووصلت في بعض الحالات إلى نحو 50%[24]، في إعادة توزيع جزء من أرصدة الودائع بين فئات الأفراد، من دون أن يقتضي ذلك خروج الأموال من المصارف.

ومن المهم الإشارة إلى شدة تأثير عمولة التكييش في سياق اقتصاد الحرب، بوصفها آلية تسببت في نزيف حادّ ومستمر لأموال "ودائع" المواطنين، فهي تعني أن ما يعادل ثلث كل دولار دخل إلى الحسابات المصرفية كان ينتقل مباشرة إلى الفئة المسيطرة على السيولة النقدية قبل أن تبدأ عملية الاستهلاك.

واستنادًا إلى ما عايشه الباحث ميدانيًا، وما وثقته تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بشأن مستويات عمولات التكييش، يمكن القول إن كثيرًا من الموظفين ومتلقي المساعدات النقدية وشريحة واسعة من المواطنين اضطروا إلى شراء النقد من حائزي السيولة مقابل تحويلات مصرفية. فعلى سبيل المثال، كان المواطن الذي يحتاج إلى 1000 شيكل نقدًا يضطر إلى تحويل ما بين 1,430 و1,540 شيكل من حسابه البنكي للحصول على هذا المبلغ، بينما تنتقل قيمة العمولة، التي تراوح بين 430 و540 شيكلًا مباشرةً إلى حساب بائع السيولة.

وممّا يفاقم حجم استنزاف الأرصدة البنكية أن النقد الذي يحصل عليه المواطن من عملية التكييش يستخدمه أساسًا في شراء الغذاء والمياه والدواء ومستلزمات النزوح ... إلخ. وبعبارةٍ أخرى، خرجت الأموال من حسابات المواطنين مرتين: مرة في صورة عمولات تكييش، ومرة في صورة إنفاق استهلاكي. أما الطرف المقابل (الفئة المسيطرة على الكاش والأسواق)، فقد كان يستقبل تدفقات مالية كبيرة ومتكررة تُراكم ثروته عبر الزمن من دون تسربها من الحسابات البنكية، لا سيما في ضوء توقف السحب النقدي من البنوك كليًّا. ولم تكن الفئات المسيطرة على السيولة النقدية تعمل بمعزل عن الأسواق، بل كانت تتقاطع بدرجات مختلفة مع التجار، والوسطاء، وموردي السلع، وبعض الشبكات التي استفادت من إعادة بيع جزء من المساعدات الإنسانية أو من التحكم في قنوات توزيع السلع وبيعها؛ إذ أدى هذا التشابك والتقاطع إلى تكوين دورة مالية شبه مغلقة، فقد كانت الرواتب والمساعدات تدخل أولًا إلى حسابات المواطنين، ثم تنتقل إلى بائعي السيولة في صورة عمولات تكييش، ثم تنتقل مرة أخرى إلى التجار وشبكات البيع بالتجزئة (البسطات) المرتبطة بكبار التجار مقابل شراء السلع بأسعار باهظة، فتنتقل السيولة النقدية إلى التجار والوسطاء والفئات المهيمنة على الأسواق من جديد، ومن ثم تعود هذه السيولة إليهم مرةً أخرى ليُعاد تدوير النقد من جديد في عمليات التكييش مع دخول رواتب أو مساعدات جديدة؛ ما يعني حصول تدفق مستمر من الحسابات البنكية للموظفين والأفراد الآخرين بمختلف فئاتهم، إلى الحسابات البنكية للفئة المهيمنة المرتبطة باقتصاد الحرب. وأصبحت هذه الدورة تتكرر على نحو شهري تقريبًا طوال فترة الحرب.

وكان لآلية التكييش دور حاسم في توليد ميكانيكية مستمرة ومتواصلة تعمل على تحويل الأموال من حسابات المواطنين إلى حسابات الفئات المرتبطة باقتصاد الحرب مستغلةً احتكارها السيولة النقدية المتوفرة، التي كانت تستحوذ عليها من خلال اشتراطها بيع السلع المُحتكرة أو المُستولى عليها من المساعدات الإنسانية نقدًا. والجدير بالذكر أن هذه السيولة النقدية نفسها كان يعاد استخدامها في استنزاف أموال المواطنين مرارًا وتكرارًا.

ولتوضيح الأثر الاقتصادي المحتمل لهذه الآلية، يمكن بناء سيناريو تحليلي محافظ، بافتراض أن إجمالي الحقن المالي خلال فترة الحرب، من رواتب ومساعدات، بلغ في حده الأدنى 2626.5 مليون دولار، وأن نصف هذا المبلغ خضع لعمليات تكييش بمتوسط عمولة قدرها 33%؛ أي ما يعادل ثلث المبلغ المراد تكييشه. وبناءً على ذلك، فإن نحو 433 مليون دولار بالحد الأدنى ذهبت بوصفها عمولات تكييش إلى الحسابات البنكية للمسيطرين على السيولة النقدية، الذين يتقاطعون أيضًا مع الفئات المهيمنة على عرض السلع في الأسواق وبائعي المساعدات الإنسانية المسروقة.

ولا يهدف الباحث إلى الوصول إلى تقدير دقيق لحجم عمولات التكييش خلال فترة الحرب، وإنما يعرضها بوصفها سيناريو ودليلًا على حجم النزيف الناجم عن هذه الظاهرة، وتوضيحًا لقدرة آلية التكييش وحدها على إعادة توزيع مئات الملايين من الدولارات بين الحسابات المصرفية، وتركيزها في حسابات فئة محدودة مارست عمليات الاستغلال والهيمنة، واستفادت من تجارة الحرب على حساب السكان الذين لم تكن لديهم أيّ خيارات أخرى للبقاء على قيد الحياة.

أين ذهبت الخسارة في القوة الشرائية؟ لقد قُدِّرت هذه الخسارة بالنسبة إلى الأسر في قطاع غزة خلال فترة الدراسة بنحو 2,670.0 مليون دولار، وهي تمثل المبلغ الإضافي الذي اضطر المستهلك إلى دفعه للحصول على المنفعة نفسها، أو كمية أقل من السلع والخدمات نتيجة الارتفاع الحاد في الأسعار، وندرة السلع، وعمولات التكييش، وغيرها. ولا تعني هذه الخسارة "اختفاء" هذا المبلغ من الاقتصاد كليًّا، وإنما تعني انتقاله من شريحة واسعة من الأسر والمستهلكين إلى جهات أخرى ارتبطت باقتصاد الحرب، في حين ذهب جزء منه إلى خارج اقتصاد قطاع غزة. وبعبارةٍ أخرى، فإن الخسارة في القوة الشرائية التي تكبّدها المواطنون مثّلت، في جوهرها، إعادة توزيع للأموال والثروة داخل الاقتصاد، مصحوبةً في الوقت نفسه بتسرب جزء منها إلى خارجه؛ ما يعدّ خسارة صافية لاقتصاد القطاع.

ونظرًا إلى أن البيانات المتوفرة لا تتيح إمكانية تقدير المبالغ التي حصلت عليها الفئات المرتبطة باقتصاد الحرب لكل فئة على حدة، فإن الدراسة لا تدّعي إجراء محاسبة مالية دقيقة لهذه التدفقات، وإنما تقترح إطارًا تفسيريًا يستند إلى الأدلة الكمية والوقائع الاقتصادية المتاحة. واستنادًا إلى أدبيات الريع الاقتصادي Economic Rent، يقترح الباحث إطارًا تحليليًا لتفسير انتقال الخسارة في القوة الشرائية خلال اقتصاد الحرب، بحيث تمثل الخسارة الكلية مجموع ثلاثة أشكال رئيسة من الريع الاقتصادي[25]، وذلك وفق العلاقة التالية:

​​​

ويُعرّف الريع الاقتصادي بأنه الدخل أو العائد الذي يتجاوز الحد الأدنى اللازم للحفاظ على المورد أو النشاط الاقتصادي، ويتحقق نتيجة امتلاك قوة سوقية أو احتكار أو امتياز مؤسسي أو سيطرة على مورد نادر، من دون أن يقابله توليد قيمة إنتاجية أو جهد اقتصادي مكافئ. ويُعدّ الريع الاقتصادي مفهومًا جامعًا يضم عددًا من الأشكال، من أبرزها الريع الاحتكاري، والريع المؤسسي، والريع المالي، التي تشترك جميعها في أنها تمثل انتقالًا للثروة أكثر من كونها ناتجة من توليد ثروة جديدة[26].

1. الريع الاحتكاري

يعرف الريع الاحتكاري بأنه الدخل أو العائد الاقتصادي الإضافي الذي يتحقق نتيجة امتلاك قوة احتكارية أو قدرة على تقييد المنافسة، على نحو يسمح ببيع السلع أو الخدمات بأسعار أعلى من المستوى التنافسي، من دون أن يقابل ذلك زيادة مماثلة في التكلفة أو الإنتاجية[27]. ويتمثل هذا الريع في الدخول والثروات الاستثنائية التي تحققت نتيجة احتكار السلع، وندرتها، وارتفاع هوامش الربح إلى مستويات غير اعتيادية، وإعادة بيع جزء من المساعدات الإنسانية، وغيرها من الممارسات التي رفعت الأسعار على نحو غير مسبوق. وقد أدى ذلك إلى انتقال جزء كبير من القوة الشرائية للأسر إلى الفئات التي هيمنت على عرض السلع والأسواق خلال الحرب، من دون أن يقابل ذلك توسّع في الإنتاج أو توليد قيمة مضافة حقيقية، وإنما إعادة توزيع الدخل والثروة نتيجة اختلالات السوق وظروف الحرب. وقد أكدت ذلك تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية؛ إذ أشارت إلى أن محدودية الإمدادات، ونقص السلع، وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، إلى جانب انخفاض القدرة الشرائية، شكلت العوامل الرئيسة التي أدت إلى تضخم غير مسبوق في الأسعار[28].

2. الريع المؤسسي الناتج من احتكار قنوات إدخال البضائع (مدفوعات التنسيقات الأمنية)

يُعرّف الريع المؤسسي بأنه الدخل أو العائد الاقتصادي الاستثنائي الذي يتحقق نتيجة امتلاك فرد أو مجموعة امتيازًا مؤسسيًا أو تنظيميًا أو قانونيًا يمنحه قدرة حصرية على التحكم في الوصول إلى مورد أو سوق أو خدمة، بما يتيح له تحصيل مدفوعات أو أرباح تتجاوز العائد الاقتصادي الطبيعي، من دون أن يقابل ذلك توليد قيمة إنتاجية أو تقديم خدمة اقتصادية تعادل تلك المدفوعات. ويُعد هذا النوع إحدى صور الريع الاحتكاري؛ إذ ينشأ من تقييد المنافسة أو احتكار حق الوصول إلى الموارد أو الأسواق أو الامتيازات التنظيمية[29]. ومن ثم، فإن آلية التنسيق الأمني التي فرضها الاحتلال على قنوات إدخال البضائع التجارية إلى قطاع غزة، ولّدت ريعًا مؤسسيًا؛ لأنها منحت موافقات لفئة وعدد محدود من التجار والشركات لإدخال البضائع التجارية، وفقًا لما أشارت إليه تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهو ما أدى إلى تركّز غير مسبوق في السيطرة على التجارة وتفاقم القوة الاحتكارية داخل الأسواق؛ إذ إن غياب التنسيق المؤسسي بين السلطات الإسرائيلية والجهات الفلسطينية، وفرض رسوم تنسيق غير رسمية، أوجد بيئة مواتية للابتزاز والإكراه، وأسهم في تشوّه الأسعار واحتكار السوق[30].

وعُرفَت هذه الرسوم محليًا باسم "التنسيقات الأمنية"، وقد مثّلت ريعًا مؤسسيًا لأولئك الذين منحهم الاحتلال موافقات لإدخال البضائع إلى المعابر، فهم لا يبيعون سلعًا، بل يبيعون حق الوصول إلى المعابر. وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استنادًا إلى تقييمات برنامج الأغذية العالمي إلى أن رسوم التنسيق المفروضة على إدخال البضائع التجارية كانت من أهم العوامل التي رفعت تكاليف الاستيراد، وأسهمت إسهامًا مباشرًا في استمرار الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب القيود المفروضة على حركة التجارة وتعطل سلاسل الإمداد، وهو ما أدى إلى تحميل المستهلك النهائي هذه التكاليف الإضافية من خلال ارتفاع الأسعار[31].

وفي السياق نفسه، أعلنت غرفة تجارة وصناعة وزراعة غزة في بيانها أن "إجمالي المبالغ المدفوعة للتنسيقات الغير القانونية لإدخال البضائع منذ بدء العدوان وحتى [تشرين الثاني/] نوفمبر 2025 بلغ 976,270,219 دولارًا أمريكيًا"[32]. ومن منظور اقتصاد الحرب، يُرجّح أنّ مدفوعات التنسيقات الأمنية انقسمت إلى جزأين مختلفين اقتصاديًا. فالجزء الأول يُرجّح أنه دُفع إلى جهات خارجية ارتبطت بآليات تنسيق إدخال البضائع، وهو ما يمثّل تسرّبًا ماليًا حقيقيًا وخسارة مباشرة لجزء من أموال سكان قطاع غزة؛ لأن هذه الأموال خرجت من الاقتصاد المحلي من دون أن يقابلها إنتاج أو استثمار أو قيمة مضافة داخل القطاع. أما الجزء الثاني فيُرجّح أنه بقي داخل الاقتصاد المحلي، واستقر لدى الأشخاص أو الشركات التي امتلكت القدرة على الحصول على تنسيقات إدخال البضائع أو التوسط فيها؛ إذ تقاضت مبالغ إضافية من التجار الآخرين مقابل إدخال بضائعهم. ويمثل هذا الجزء ريعًا مؤسسيًا نشأ نتيجة احتكار القدرة على إدخال البضائع على المعابر، وليس نتيجة توليد قيمة اقتصادية جديدة. ونظرًا إلى عدم توافر بيانات تسمح بتحديد الوزن النسبي لكل من الجزأين، فإن الدراسة تتعامل مع القيمة الإجمالية باعتبارها تكلفة اقتصادية استثنائية، مع الإقرار بأنّ جزءًا منها يمثل نزيفًا مباشرًا للاقتصاد المحلي، بينما يمثل الجزء الآخر إعادة توزيع الدخل والثروة داخل الاقتصاد لمصلحة الفئات المرتبطة باقتصاد الحرب.

3. الريع المالي الناتج من التكييش

يُعرَّف الريع المالي بأنه الدخل أو العائد المتحقق من السيطرة على الأصول أو الأدوات أو الخدمات المالية، أو من استغلال اختلالات الأسواق المالية، من دون أن يقابله توليد قيمة إنتاجية حقيقية، وإنما نتيجةً لامتلاك قوة سوقية أو ندرة أو امتياز يسمح بتحقيق عوائد استثنائية[33]. وينطبق هذا المفهوم على عمولات التكييش؛ لأنها لا تمثل مقابلًا لإنتاج سلعة أو تقديم خدمة ذات قيمة مضافة، وإنما تمثل عائدًا استثنائيًا تحقق نتيجة السيطرة على مورد مالي نادر (السيولة النقدية). وقد مكنت هذه الندرة حائزي النقد من فرض عمولات مرتفعة على تحويل الأرصدة المصرفية إلى نقد، بما أدى إلى انتقال جزء من الثروة من أصحاب الحسابات المصرفية إلى حائزي السيولة من دون توليد قيمة اقتصادية جديدة. والجدير بالذكر أن التكييش ليس ريعًا ماليًا فحسب، بل هو، أيضًا، حالة تتقاطع فيها ثلاثة أنواع من الريع في آن واحد:

  • ريع مالي: لأنه قائم على احتكار السيولة النقدية.
  • ريع احتكاري: لأنه ناتج من غياب المنافسة وفرض عمولات احتكارية.
  • ريع مؤسسي بطريقة غير مباشرة: لأن استمرار أزمة السيولة النقدية كان نتيجةً للقيود المؤسسية والتنظيمية الاستثنائية التي فرضتها الحرب، وليست نتيجةً لآليات السوق الطبيعية.

وفي ضوء ما سبق، يُرجّح أن الخسارة المقدرة في القوة الشرائية، والأموال والثروات التي استولت عليها الفئات المرتبطة باقتصاد الحرب لم تتخذ شكلًا واحدًا، بل تعددت أشكالها على النحو التالي:

  • فوائض مالية تراكمت داخل الحسابات المصرفية: أدّى ذلك إلى ارتفاع كبير في ودائع الأشخاص والشركات خلال الحرب، ويُرجّح أنّ جانبًا مهمًا منها استقر في الحسابات الشخصية التي استُخدمت في أنشطة تجارية أو مالية مرتبطة باقتصاد الحرب، وليس في حسابات الأسر المستهلكة.
  • سيولة نقدية (كاش): هذه السيولة محتكرة في أيدي الفئة المسيطرة على السيولة والأسواق، في ضوء توقف البنوك عن استقبال الإيداعات النقدية، وهو ما يعني أن جزءًا من الثروة المتراكمة لهذه الفئة (التي تمثل جزءًا من الخسارة في القوة الشرائية للمواطنين) لم يظهر في بيانات الودائع أصلًا.
  • تكديس الثروة والأموال في شراء عقارات، وذهب، وأصول مختلفة أخرى: إن جزءًا من الأموال والفوائض المالية، التي حصلت عليها الفئة الاستغلالية المرتبطة باقتصاد الحرب، جرى تحويله إلى أصول واستثمارات مختلفة، مثل شراء العقارات، والأراضي، والذهب، وإنشاء المخازن (البركسات)، ومراكز التسوق، والمطاعم، والمطابخ التجارية، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية التي توسعت خلال الحرب أو في أعقابها. ولا يعني ذلك أن جميع الاستثمارات التي أُنشئت خلال هذه الفترة كانت مرتبطة باقتصاد الحرب، وإنما تشير الدراسة إلى أن جانبًا من الثروات التي راكمتها الفئات المستفيدة من الاحتكار، والتكييش، والقيود المفروضة على التجارة، يُحتمل أنه اتخذ هذه الأشكال الاستثمارية، وهو ما يستدعي مزيدًا من البحث والتحقق عند توافر بيانات أكثر تفصيلًا.

يمثل التحليل السابق إطارًا تفسيريًا لفهم ديناميكيات الودائع المصرفية في اقتصاد الحرب، ويقترح أن نمو الودائع خلال هذه الفترة يعكس في جوهره تغيرًا في توزيع ملكية الأرصدة المصرفية أكثر مما يعكس نموًّا حقيقيًا في الادخار أو تكوين الثروة على مستوى المجتمع.

خاتمة

تكشف الدراسة أن الودائع المصرفية في قطاع غزة ارتفعت على نحو غير مسبوق خلال فترة الحرب، من نحو 1.6 مليار دولار عشية الحرب إلى أكثر من 5.0 مليارات دولار في نهاية فترة الدراسة، بزيادة اسمية بلغت نحو 3.4 مليارات دولار، ونحو 3.1 مليارات دولار بعد تحييد أثر تغيرات سعر الصرف. إلا أن هذا الارتفاع تزامن مع تراجع حادٍّ في القوة الشرائية للأسر قُدِّر بنحو 2.67 مليار دولار، وهو ما يؤكد أن نمو الودائع لم يكن انعكاسًا لتحسن اقتصادي أو تراكم حقيقي في المدخرات، بل نتج، بدرجة كبيرة، من تحولات استثنائية في حركة السيولة وتوزيعها داخل الاقتصاد.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن الزيادة في الأرصدة المصرفية تعكس، أساسًا، إعادة توزيع الأرصدة المصرفية والثروة المالية وتمركزهما داخل الاقتصاد؛ إذ أدت تدفقات السيولة الجديدة، بالتزامن مع القيود النقدية وأزمة السيولة، وانتشار آليات التكييش، وارتفاع الأسعار، واضطرابات الأسواق، إلى انتقال جزء كبير من الموارد المالية من الأسر إلى حسابات فئات معينة استغلت المجتمع، وراكمت فوائض مالية غير مسبوقة في حساباتها المصرفية، وقد ظهر ذلك جليًّا في ارتفاع ودائع الأشخاص والشركات، ولم يقتصر الأمر على مراكمة الأرصدة المصرفية، فقد أعادت هذه الفئات، أيضًا، تشكيل قنوات حفظ الثروة خارج الأنماط المصرفية التقليدية، من خلال الاحتفاظ بمبالغ نقدية كبيرة في ضوء توقف الإيداعات النقدية، وشراء الذهب والعقارات والأصول المختلفة، وتأسيس استثمارات كبرى.

ويبين نموذج الدراسة التحليلي أن التدفقات المالية الرئيسة التي وصلت إلى الأسر، والمتمثلة في الرواتب المقدرة بنحو 1.55 مليار دولار، والمساعدات والتحويلات النقدية بنحو 1.08 مليار دولار، لم تتحول إلى تراكمات ادخارية جديدة، وإنما استُهلكت بدرجة كبيرة في تغطية الاحتياجات الأساسية والنزوح المتكرر، في سياق التضخم الحاد ونقص السلع، ودفع تكاليف التكييش. وانتقلت هذه التدفقات عبر السوق تدريجيًا إلى حسابات التجار والشركات والجهات المرتبطة باقتصاد الحرب، قبل أن يتسرب جزء منها إلى خارج الاقتصاد المحلي من خلال تمويل الواردات وبعض مدفوعات التنسيقات الأمنية التي ظهرت خلال الحرب والمرتبطة بآليات إدخال السلع على معابر قطاع غزة.

وبناءً على ذلك، فإن الارتفاع التاريخي في الودائع المصرفية خلال الحرب لا ينبغي تفسيره بوصفه دليلًا على تحسُّن الادخار أو زيادة الرفاه الاقتصادي، بل باعتباره انعكاسًا لتحول عميق في هيكل توزيع الثروة والسيولة داخل الاقتصاد الغزي. فقد حدث تراكم مالي في النظام المصرفي بالتزامن مع تآكل الثروة الحقيقية للأسر وتراجع قدرتها الشرائية؛ ما يعكس مفارقة اقتصاد الحرب: ارتفاع الأرصدة المالية في الوقت الذي تتراجع فيه مستويات المعيشة. وبهذا، لم تؤدِ الحرب إلى انكماش اقتصادي واسع فحسب، بل أنتجت أيضًا عملية إعادة توزيع قسرية للثروة انتقلت خلالها الأموال والثروات والمدخرات من فئات واسعة من المجتمع التي استنزفت دخولها وأموالها ومدخراتها من أجل الصمود والبقاء على قيد الحياة، إلى فئات محدودة انتهازية استغلالية. وأصبح المواطن العادي أكثر فقرًا، على الرغم من أن الودائع المصرفية وصلت إلى أعلى مستوياتها في التاريخ المصرفي لقطاع غزة.

توصيات

  • العمل عبر الأطراف الدولية لإزالة القيود التي تحد من المنافسة وتؤدي إلى تركّز التجارة في عدد محدود من المورّدين، على نحو يسهم في الحد من الاحتكار واستعادة التوازن التنافسي للأسواق.
  • معالجة أزمة السيولة عبر السماح بإدخال النقد وخروجه واستبدال التالف منه، وضمان تدفق نقدي كافٍ يعيد تنشيط الدورة الاقتصادية، بما يخفف الاعتماد القسري على وسائل الدفع الإلكتروني الناتج من أزمة السيولة، وليس بوصفه بديلًا دائمًا للنقد.
  • تفعيل المساءلة القانونية تجاه ممارسات الاحتكار والاستغلال والتلاعب النقدي، ومراجعة العمليات المالية والحسابات البنكية للأفراد والشركات والجهات ذات الصلة بهذه الممارسات للتحقق من مدى مشروعيتها، والتحقيق في شبهات غسل الأموال المرتبطة بهذه الفئات.
  • إخضاع جميع مدفوعات الاستيراد لقنوات مالية ورقابية رسمية وشفافة، والعمل على إنهاء المدفوعات غير القانونية المرتبطة بإدخال البضائع؛ لما تمثله من استنزاف مباشر للموارد المالية.
  • تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني على نحو يضمن كفاءتها واستمراريتها، والعمل على معالجة أزمة السيولة النقدية حتى يصبح استخدام وسائل الدفع الإلكتروني خيارًا اقتصاديًا، وليس بديلًا اضطراريًا للنقد.
  • تطوير أنظمة الإنذار المبكر لدى الجهات المصرفية والرقابية لرصد التغيرات غير الاعتيادية في الودائع والتحويلات المصرفية في أثناء الأزمات، بما يساعد على اكتشاف أنماط تركز السيولة والتحولات غير الطبيعية في التدفقات المالية واتخاذ الإجراءات الرقابية المناسبة في الوقت المناسب.

[1] سيف الدين يوسف عودة، "آلية الاحتكار والاستغلال في اقتصاد الحرب وأثرها في تآكل القوة الشرائية واستنزاف أموال المواطنين في قطاع غزة (2023-2025)"، ورقة سياسات، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، العدد 181، 4/2/2026، شوهد في 25/7/2026، في: https://acr.ps/hBy2sH9

[2] سلطة النقد الفلسطينية، "جدول (12): توزيع ودائع العملاء في قطاع غزة حسب النوع"، ملف بيانات إكسل، شوهد في 30/7/2025، في: https://acr.ps/hBy9aSk

[3] سلطة النقد الفلسطينية، "جدول (27) معدل أسعار صرف العملات الرئيسية المتداولة في فلسطين"، شوهد في 30/7/2026، في: https://acr.ps/hBy9aSZ

[4] وفقًا لتصريحات وزير الخارجية الفلسطيني السابق، رياض المالكي، في 2 شباط/ فبراير 2024، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، المنعقد في ولاية أنطاليا في تركيا، ينظر: مصادر لـ ’عربي بوست‘: رام الله تطلب من موظفي السلطة في غزة الاستعداد للعودة إلى العمل وتبدأ بحصر أعدادهم"، عربي بوست، 5/3/2024، شوهد في 25/7/2026، في: https://acr.ps/hBy2sXK

[5] "ديوان الموظفين: 16 ألف موظف خدمة مدنية في قطاع غزة"، بي نيوز، 16/12/2025، شوهد في 26/7/2026، في: https://acr.ps/hBy2sah

[6] تقديرات الباحث استنادًا إلى خصم علاوات موظفي الحكومة في قطاع غزة بما فيها علاوة طبيعة العمل، وقد وصل هذا الخصم إلى نحو 30%، ينظر: "اقتطاعات تطاول رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة"، العربي الجديد، 4/4/2017، شوهد في 26/7/2026، في: https://acr.ps/hBy2sqS؛ ووفقًا لبيان وزارة المالية الفلسطينية بخصوص صرف راتب كانون الثاني/ يناير 2025، ستكون نسبة الصرف 70%، بحد أدنى 3500 شيكل، وبذلك يكون أكثر من 70% من الموظفين حصلوا على رواتب كاملة باعتبار أن معظمهم رواتبهم دون 3500 شيكل. للمزيد، ينظر: "السلطة الفلسطينية تدفع نسبة من رواتب موظفيها عن [كانون الثاني/] يناير الماضي"، رويترز، 4/3/2025، شوهد في 25/7/2026، في: https://acr.ps/hBy2sHt

[7] جرى تحويل فاتورة الرواتب الشهرية بالشيكل إلى الدولار بالقسمة على سعر الصرف الشهري خلال فترة الحرب، ثم احتساب إجمالي قيمة الرواتب بالدولار خلال هذه الفترة.

[8] وفق بيانات غير منشورة حصل عليها الباحث لأغراض البحث.

[9] هادي: "’الأونروا‘ لديها نحو 13 ألف شخص يعملون في قطاع غزة"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية، 22/1/2025، شوهد في 26/7/2026، في: https://acr.ps/hBy2sY4

[10] تدخل وكالة الأونروا شهريًا غالبًا 18 مليون دولار نقدًا لدفع رواتب موظفيها، بموجب اتفاق مع سلطات الاحتلال قبل الحرب، وبنك فلسطين مكلف بهذه المهمة.

[11] ملاحظة: رواتب موظفي الأونروا تُدفع أساسًا بعملة الدولار.

[12] بحسب تعليمات سلطة النقد رقم (12) لسنة 2024، طُلب من المصارف تأجيل خصم الأقساط حتى نهاية عام 2024، ثم جرى تجديد الطلب من المصارف بموجب التعليمات رقم (11) لسنة 2025 وتأجيل الخصم حتى نهاية عام 2025. ينظر: فلسطين، سلطة النقد الفلسطينية، تعليمات رقم 11 لسنة 2025،بشأن خصم أقساط القروض والتمويلات في قطاع غزة، شوهد في 30/7/2026، في: https://acr.ps/hBy2sbK

[13] بداية من الحرب في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى 15 حزيران/ يونيو 2024، بلغت قيمة التحويلات النقدية 700 شيكل للأسرة، ثم ارتفعت إلى 1000 شيكل خلال الفترة 15 حزيران/ يونيو 2024-15 أيلول/ سبتمبر 2025، ثم ارتفعت مجددًا، ابتداءً من 15 أيلول/ سبتمبر 2025، لتصل إلى 1200 شيكل. وقد حصل الباحث على هذه المعلومات من خلال: مراسلة شخصية - إلكترونية مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في 11 آذار/ مارس 2026.

[14] مراسلة شخصية مع مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط (UNSCO)، 15/4/2026.

[15] مع الانتباه إلى أن قيمة MPCA هي لعام 2025، ومن ثم فهي تشمل ما جرى تحويله خلال تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر 2025، وهما خارج فترة الدراسة لعدم توفر تفصيل شهري للقيمة الإجمالية، ولا يؤثر ذلك كثيرًا باعتبار أن الدراسة تضع التقديرات استرشادًا عامًا لحجم التبرعات والمساعدات الخارجية لسكان غزة خلال فترة الحرب.

[16] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "مؤشرات نصيب الفرد حسب المنطقة والربع للأعوام 2000-2025 بالأسعار الثابتة: سنة الأساس 2015"، ملف إكسل، شوهد في 30/7/2026، في: https://acr.ps/hBy2ssl

وقدّر الباحث قيمة التحويلات الجارية لشهر تشرين الأول/ أكتوبر 2025، لأغراض احتساب فترة الدراسة فقط، بقسمة قيمة التحويلات في الربع الرابع 2025 على 3 لاستخراج القيمة الشهرية.

[17] United Nations Children's Fund (UNICEF), Gaza Humanitarian Cash Transfer Monthly Bulletin: October 2025, accessed on 17/7/2026, at: https://acr.ps/hBy9aR0

[18] Rosa Rahimi & Ghada Abdulfattah, “‘Cash Became a Commodity’: The Liquidity Crisis Compounding Suffering in Gaza,” The New Humanitarian, 17/4/2025, accessed on 30/7/2026, at: https://acr.ps/hBy9aOm

[19] "سلطة النقد تعلن عن بدائل للتعامل بالسيولة النقدية في غزة"، إضاءات، 8/5/2024، شوهد في 30/7/2026، في: https://acr.ps/hBy9aUj

[20] الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني، "مؤشرات نصيب الفرد حسب المنطقة والربع للأعوام 2000-2025".

[21] المتوسطات ومعدل الزيادة من احتساب الباحث بناءً على بيانات الرقم القياسي لأسعار المستهلك، ينظر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "منصة بيانات أسعار المستهلك"، شوهد في 12/8/2026، في: https://acr.ps/hBy9aUY

[22] عودة.

[23] "سلطة النقد: جهة مشبوهة تنفذ سطوًا على أحد فروع البنوك في قطاع غزة"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية - وفا، 19/12/2024، شوهد في 30/7/2026، في: https://acr.ps/hBy9aVD

[24] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Humanitarian Situation Update #321 | Gaza Strip, 10/9/2025, accessed on 11/8/2026, at: https://acr.ps/hBy9aP1

[25] ملاحظة: لا تمثل الأنواع الثلاثة الواردة تصنيفًا حصريًا لجميع أشكال الريع الاقتصادي في الأدبيات، وإنما تمثل أكثر الأشكال ارتباطًا بموضوع الدراسة، وقد اختيرت لأنها تعكس الآليات الرئيسة التي انتقلت من خلالها الخسارة في القوة الشرائية داخل اقتصاد الحرب في قطاع غزة.

[26] Andrew Sayer, “Rentiership, Improperty and Moral Economy,” Environment and Planning A: Economy and Space, vol. 55, no. 6 (2023), pp. 1305–1324.

[27] Joan Robinson, TheEconomics of Imperfect Competition (London: Macmillan and Co., Ltd., 1933).

[28] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Humanitarian Situation Update #319 | Gaza Strip, 5/9/2025, accessed on 12/8/2026, at: https://acr.ps/hBy9aQl

[29] Sayer, pp. 1305–1324.

[30] United Nations Development Programme (UNDP), Impact of the Gaza war on the Private Sector and Pathways for Recovery (Executive Summary), UNDP/PAPP Gaza Insights Serie, October 2025, accessed on 12/8/2026, at: https://acr.ps/hBy9aRF

[31] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, Humanitarian Situation Update #319 – Gaza Strip.

[32] "إجمالي المبالغ المدفوعة للتنسيقات غير القانونية لإدخال البضائع منذ بدء العدوان وحتى نوفمبر 2025 بلغ: 976,270,219 دولار أمريكي"، غرفة تجارة وصناعة محافظة غزّة، فيسبوك، 20/11/2025، شوهد في 30/8/2026، في: https://acr.ps/hBy2sHN

[33] Costas Lapavitsas, Profiting Without Producing: How Finance Exploits us all (London: Verso, 2013).


المراجع​

​العربية

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. "مؤشرات نصيب الفرد حسب المنطقة والربع للأعوام 2000-2025 بالأسعار الثابتة: سنة الأساس 2015". ملف إكسل. في: https://acr.ps/hBy2ssl

فلسطين. سلطة النقد الفلسطينية. تعليمات رقم 11 لسنة 2025،بشأن خصم أقساط القروض والتمويلات في قطاع غزة. في: https://acr.ps/hBy2sbK

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. "جدول (10): التوزيع الجغرافي لودائع العملاء حسب النوع والعملة"، ملف بيانات إكسل. في: https://acr.ps/hBy9aTE

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. "جدول (12): توزيع ودائع العملاء في قطاع غزة حسب النوع". ملف بيانات إكسل. في: https://acr.ps/hBy9aSk

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. "جدول (27): معدل أسعار صرف العملات الرئيسية المتداولة في فلسطين". في: https://acr.ps/hBy9aSZ

الأجنبية

Lapavitsas, Costas. Profiting without Producing: How Finance Exploits us all. London, England: Verso, 2013.

Robinson, Joan. TheEconomics of Imperfect Competition. London: Macmillan and Co., Ltd., 1933.

Sayer, Andrew. “Rentiership, Improperty and Moral Economy.” Environment and Planning A: Economy and Space. vol. 55, no. 6 (2023).

United Nations Children's Fund (UNICEF). Gaza Humanitarian Cash Transfer Monthly Bulletin: October 2025. at: https://acr.ps/hBy9aR0

United Nations Development Programme (UNDP). Impact of the Gaza War on the Private Sector and Pathways for Recovery (Executive Summary). UNDP/ PAPP Gaza Insights Series. October 2025. at: https://acr.ps/hBy9aRF

United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). Humanitarian Situation Update #319 | Gaza Strip. 5/9/2025. at: https://acr.ps/hBy9aQl

ــــــــــــــــــــ. Humanitarian Situation Update #321 | Gaza Strip. 10/9/2025. at: https://acr.ps/hBy9aP1