العنوان هنا
دراسات 08 أبريل ، 2020

لفظ "علمانية" من القرن الرابع الهجري، و"علماني" و"علمانيون" من القرن الخامس

الكلمات المفتاحية

عزمي بشارة

المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وعضو مجلس الإدارة في المركز. وهو باحث وكاتب معروف، نُشرت له عدة كتب ومؤلفات في الفكر السياسي، والنظرية الاجتماعية، والفلسفة. عمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت بين عاميْ 1986 و1996. وساهم في تأسيس مراكز بحثية في فلسطين، منها: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن)، ومركز مدى الكرمل للدراسات الاجتماعية التطبيقية. اضطر في عام 2007 إلى الخروج إلى المنفى بعد ملاحقته إسرائيليًا بتهمٍ أمنية.

نشر الدكتور عزمي بشارة مئات الأوراق والدراسات والبحوث في دوريات علمية بلغات مختلفة، ومن أبرز مؤلفاته: "المجتمع المدني: دراسة نقدية"؛ "في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي"؛ "من يهودية الدولة حتى شارون"؛ "الدين والعلمانية في سياق تاريخي" (جزآن في ثلاثة مجلدات)؛ "في الثورة والقابلية للثورة"؛ "أن تكون عربيًا في أيامنا"؛ "الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية"؛ "مقالة في الحرية"؛ "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة"؛ "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟"؛ "تنظيم الدولة المكنى ’داعش‘: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة"، ومنها كتبٌ أصبحت مرجعيةً في مجالها.

كما أنجز عملًا تأريخيًا تحليليًا وتوثيقيًا للثورات العربية التي اندلعت في عام 2011، ونشره في ثلاثة كتب هي: "الثورة التونسية المجيدة"؛ و"سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن"؛ و"ثورة مصر" (في مجلدين). وتناولت هذه المؤلفات أسباب الثورة ومراحلها في تلك البلدان، وتعد مادةً مرجعيةً ضمن ما يُعرف بالتاريخ الراهن؛ لما احتوته من توثيق وسرد للتفاصيل اليومية لهذه الثورات مع بعدٍ تحليلي يربط السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل ثورة فيما بينها.

كان أحد الأسئلة الكثيرة التي حاولت الإجابة عنها في المقدمة والفصل الأول من الجزء الثاني من كتاب الدين والعلمانية في سياق تاريخي قد تعلق بأصل التعبير عن التمايز بين مجالي الديني والدنيوي، المقدس والعادي بمصطلحات مشتقة من ألفاظ لاتينية مثل laosوsaeculum. وقد كان واضحًا بالنسبة لي أن أصل التمييز لم يكن في الفلسفة أو في العلم بل هو أصل ديني ثيولوجي تثوي بواكيره في العصر الوسيط المبكر، وتتمثل جذوره في تمييز المجال الديني لذاته من غيره من مجالات "دنيوية"؛ إذ ميّزت الكنيسة بين رجال الدين ورعيتهم، واستخدمت لتعيين الرعية مصطلح laos باللاتينية أو laity بالإنكليزية (وربما يقابلها أيضًا لفظ العامة بالعربية)، مثلما ميّزت حتى بين الرهبان المكرسين للعبادة والكهنة العاملين في أوساط الرعية، secular clergy في مقابل regular clergy. أما مصطلحُ "علماني" و"علمانيون" باللغة العربية، فقد استخدمتها أيضًا الكنائس المشرقية في التمييز بين رجال الدين والرعية (وغالبًا ما تستخدم الكنائس لفظ الشعب أيضًا). بيد أن لفظ "علمانية" المجرد بوصفه مصطلحًا (للدلالة على تيار فكري أيديولوجي بشأن علاقة الدين بالدولة وغيرها من المسائل) فلم تستخدمه الكنائس الغربية ولا الشرقية، بل استُخدم من طرف منظّري هذا التيار نفسه في القرن التاسع عشر، وسبق أن تطرقت إلى الموضوع بتوسّع[1].

وفي خضم مناقشة أصول اللفظ اللاتيني والعربي لم ـأحقق في أقدم استخدامات اللفظ العربي. وسوف نرى أنه حين استخدمت الكنائس الشرقية لفظ "علمانية" منذ القدم، فإنه حمل الدلالة نفسها في الاسم كما في صفة "علماني" و"علمانيون" للدلالة على من ليسوا رجال دين.

ومن مزايا معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وهو مشروع ضخم يقوم به المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وتسهم في تأليفه مجموعة متميزة من علماء اللغة العربية والباحثين، أنه يؤرخ للفظ ودلالاته المتغيرة منذ أول استخدام مكتوب له، معتمدًا على الشواهد والسياقات اللغوية. وقد لفت أحد الزملاء من باحثي المركز والمعجم نظري إلى استخدام للمصطلح في كتاب تاريخ الأنطاكي "المعرُوف بصِلَة تاريخ أوتيخَا" وجده ضمن عمله في المعجم[2]، وذلك قبل نشر هذا السياق والتأريخ للمصطلح ضمن مصطلحات المعجم، حيث سيجد مكانه في بداية القرن الخامس الهجري، وسيكون في إمكان القارئ أن يطلع عليه في موقع المعجم. والكتاب من تأليف يحيى بن سعيد بن يحيى الأنطاكي (ت. 458ه/ 1067م). ويعتبر مصدرًا أساسيًا للمؤرخين في التعرف إلى تاريخ القرنين الرابع والخامس الهجريين/ العاشر والحادي عشر الميلاديين، ولا سيما تاريخ الدولة الفاطمية في مصر والشام والدولة الحمدانية بحلب. وقد عاش الأنطاكي بشكل مباشر فترات مهمة من هذا التاريخ، ولا سيما فترة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (حكم 386-411ه/ 996-1020م)، إذ كان في تلك الفترة بطريركًا على الإسكندرية. ولا يمكننا الجزم بأنه أول من استخدمه، إذ يؤرّخ المعجم لأول استخدام مكتوب وصل إلينا. لكن يمكن أن نستنتج أن لفظ "علماني" كان مستخدمًا في مجاله التداولي الكنسي حين استخدمه في كتابه. وسوف يتبين لنا أن لفظ "علمانية" استخدم أيضًا في نص مكتوب قبل هذا النص. في كل الأحوال، إن كتابه هو من أقدم النصوص المكتوبة التي تشتمل على هذا الاستخدام شبه المصطلحي/ المفهومي في التمييز بين رجال الدين وعامة المؤمنين.

نبذة عن الكاتب والكتاب والسياق التاريخي

يحيى بن سعيد بن يحيى الأنطاكي طبيب ومؤرّخ، وكان بطريركًا على الإسكندرية. اضطر إلى الخروج من مصر إلى أنطاكية في عام 405هـ/ 1016م (يرد في المصادر التي سوف نذكرها لاحقًا أنه خرج في عام 1014م أو 1015م)، في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، الذي شغلت أخباره ثُلث كتابه. وفي فترة الحاكم بأمر الله خضعت بلاد الشام كلها للسيطرة الفاطمية ما عدا بعض مناطقها الشمالية، ولا سيما أنطاكية وشيزر اللتين تميزتا بوجود بيزنطي مستمر[3].

وقد خرج الأنطاكي من مصر ومعه عدد كبير من المسيحيين واليهود الذين تعرّضوا للاضطهاد في عهد الحاكم بأمر الله. ويعد كتاب الأنطاكي استمرارًا لعمل سلفه بطريرك الإسكندرية، سعيد بن البطريق[4]. ويتناول الأنطاكي في كتابه أحداث القرنين الرابع والخامس الهجريين/ العاشر والحادي عشر الميلاديين، بدءًا من سنة 326هـ/ 938م (التي انتهى إليها كتاب ابن البطريق)، وانتهاءً بسنة 425هـ/ 1031م. وركّز فيه على تاريخ الإمبراطورية البيزنطية وعلاقتها بالعالم الإسلامي (الدولة الفاطمية في مصر والشام)، وأخبارها السياسية والدبلوماسية والحملات العسكرية، إضافة إلى التطورات الاجتماعية والاقتصادية، والكوارث الطبيعية وغيرها، فضلًا عن تغطيته لأخبار الدولة الفاطمية والعباسية والحمدانية، والصراعات بين المسلمين والبيزنطيين، وبين الأتراك والسلاجقة. كما تناول الأنطاكي في كتابه علاقات المسلمين واليهود والنصارى في تلك الفترة قبل الحملات الصليبية، وظهور دعوة "الموحدين" (الدروز)،

والعلاقات بين الدولة الحمدانية وبيزنطة، والعلاقات بين السُنّة والشيعة والدروز، والعلاقات بين أتباع المذاهب النصرانية من ملكيّة ويعقوبيّة ونساطرة وغيرهم. وقد عاصر الأنطاكي جزءًا من الحقبة التي أرّخ لها وعاش أحداثها. وبعد أن انتقل الأنطاكي إلى أنطاكية قام بتنقيح كتابه هناك في نسخة جديدة منه، وذلك بعد وقوفه على مصادر يونانية وسريانية جديدة لأخبار غابت عنه من قبل، وأجرى تعديلات كبيرة على كتابه[5] لهذا السبب ولأسباب أخرى كما هو واضح.


[1] ويفيد التذكير أن سياقات مناقشة العلمانية والمتعلقة بالدولة بتحييدها دستوريا في الشأن الديني، أو بالفصل بين الدين والدولة وإقصاء الدين من المجال العام في صيع أخرى أكثر تشددَا، وكذلك المتعلقة بتقليل وزن الدين في الحياة الاجتماعية، وكذلك فصله عن معرفة الطبيعية والمجتمع، كلها سياقات حديثة، لا يمكن استنباطها من النقاش الفيلولوجي.

[2] شكر خاص للباحث في المركز رائد السمهوري المعار من المركز للعمل في المعجم في مجال المصطلح.

[3] كمال الصليبي، منطلق تاريخ لبنان، ط 3 ( بيروت: دارنوفل، 2012)، ص 69.

[4] طبيب ومؤرخ من مواليد سنة 263ه/ 887م، عاصر الخلفاء العباسيين، من خلافة أبي العباس أحمد المعتمد على الله (فترة الحكم من 256ه/ 870م إلى 279ه/ 892م) وحتى خلافة محمد الراضي بالله (فترة الحكم من 322ه/ 934م إلى 329ه/ 940م). أصبح بطريركًا للإسكندرية سنة 321ه/ 933م أي في السنة الأولى من خلافة القاهر بالله محمد بن أحمد المعتضد بالله (فترة الحكم من 320ه/ 932م إلى 322ه/ 934م)، وبقي حتى وفاته سنة 328ه/ 940م. ألّف كتابًا بعنوان نظم الجوهر في التاريخ الذي أرّخ فيه منذ الخليقة إلى عهده (حتى سنة 326هـ/ 983م)، وهو الذي ذيل له الأنطاكي في كتابه تاريخ الأنطاكي، وسُمّي كتابه بـ "كتاب الذيل". يُنظر: يسري عبد الغني عبد الله، معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري (بيروت: دار الكتب العلمية، 1991)، ص 92؛ جورج شحاتة قنواتي، المسيحية والحضارة العربية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، [د.ت])، ص 191.

[5] يسري عبد الغني عبد الله، ص 187؛ قنواتي، ص 265؛ يحيى بن سعيد بن يحيى الأنطاكي (ت 485ه/ 1067م)، تاريخ الأنطاكي "المعرُوف بصِلَة تاريخ أوتيخَا"، تحقيق عمر عبد السلام تدمري (طرابلس، لبنان: جروس برس، 1990)، ص 5-7؛

Alexander Kazhdan (ed.), The Oxford Dictionary of Byzantium, Vol. 3 (Oxford and New York: Oxford University Press, 1991), p. 2213; William E. Watson, “Arabic Perceptions of Russia’s Christian Conversion,” in Albert Leong (ed.), The Millennium: Christianity and Russia (A.D. 988-1988), (Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press, 1990), p. 34.