مراجعة كتاب "لحظة الضبط: ولادة ثقافة مضادة في الحُكم"
مراجعات 08 أكتوبر ، 2026

مراجعة كتاب "لحظة الضبط: ولادة ثقافة مضادة في الحُكم"

رشيد البزيم

أستاذ القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة ابن زهر، أكادير، المغرب.

​عنوان الكتاب في لغته: Le moment régulateur: Naissance d'une contre-culture de gouvernement.

​ تحرير: أنطوان فوشيه Antoine Vauchez.

الناشر: باريس: منشورات معهد العلوم السياسية Presses de Sciences Po.

سنة النشر: 2024.

عدد الصفحات: 416.

مقدمة

يتجاوز مفهوم الضبط Regulation، خلال العقدين الأخيرين، كونه تقنية إدارية تُستخدم للسيطرة على الأسواق أو مراقبة فاعلية المؤسسات؛ إذ تحوّل إلى نمط حكم قائم بذاته، يُعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويطرح تصورًا جديدًا للسلطة يتجاوز البيروقراطية الكلاسيكية. ويندرج هذا التحول في سياق ما يُعرف بالدولة الضابطة Regulatory State/ État régulateur، التي لا تُفهم بوصفها انسحابًا للدولة، بل إعادة ترتيبٍ لأدوارها وطرائق تدخّلها. ولا يقتصر هذا التحول على الوسائل، بل يشمل أيضًا اللغة والمفاهيم؛ إذ باتت مصطلحات مثل الامتثال Compliance، والحكومة المفتوحة Open Government، وهيئات الضبط Regulatory Agencies، تتردد في الخطاب العمومي، ويجري دمجها في صلب الفعل العمومي لتصبح مكوّنًا بنيويًا في ممارسة السلطة، ضمن بنى مؤسسية تتداخل فيها حدود العمومي والخاص، وتبتعد فيها هندسة مراكز القرار عن منطق التمثيل السياسي التقليدي.

يندرج كتاب لحظة الضبط: ولادة ثقافة مضادّة في الحُكم، الصادر عن معهد العلوم السياسية في باريس في عام 2024، ضمن مشروع بحثي جماعي أشرف عليه الباحث المتخصص في سوسيولوجيا القانون أنطوان فوشيه، مدير الأبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي CNRS وعضو مركز الدراسات السياسية والاجتماعية الأوروبية في جامعة باريس الأولى – السوربون. ويمتد الكتاب على 416 صفحة، ويقدّم تحليلًا تفصيليًا لتحولات الدولة المعاصرة من خلال تتبّع صعود هيئات الضبط، بوصفها فاعلًا مؤسسيًا جديدًا في صياغة السياسات العامة وإعادة تنظيم الحقل الإداري والسياسي. ويتكوّن من مقدمة تحليلية معمّقة، تليها ثلاثة أقسام مترابطة، ثم خاتمة تُبرز ملامح سياسة جديدة للمصلحة العمومية، ويُختتم بملحق وثائقي.

ترسم مقدمة الكتاب، التي حرّرها فوشيه، ملامح التحول العميق الذي شهدته الدولة الفرنسية منذ أواخر القرن العشرين؛ إذ لم تعد السلطة العمومية تُمارَس حصريًا من خلال الأجهزة التقليدية، بل باتت تتوزع على هيئات مستقلة تُعنى بالضبط والتنظيم. ولم تعد هذه الهيئات، التي نشأت عند تقاطع القانون والسياسة والاقتصاد، أجهزة تنفيذية فحسب؛ بل أصبحت أيضًا منتجةً للمعايير، ومؤطِّرةً للفضاء العمومي، ومُعيدةً لتشكيل مفاهيم مثل الشفافية والنزاهة والمصلحة العمومية. ويقترح فوشيه توصيف هذا التحول بـ "لحظة الضبط"، حيث تتبلور معرفة تنظيمية هجينة تتأسس على تداخل المعايير القانونية والاعتبارات التقنية والضغوط السياسية.​


* هذه المراجعة منشورة في العدد 81 (تموز/ يوليو 2026) من دورية "سياسات عربية"، وهي دورية محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا كل شهرين.

** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.