عندما لا ينقذ الادّخار: مفارقة التوفير والسجلّ الطويل للتقشف الفاشل
تحليلات اقتصادية 25 أغسطس ، 2026

عندما لا ينقذ الادّخار: مفارقة التوفير والسجلّ الطويل للتقشف الفاشل

مريم هاني

مساعد باحث بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصلة على الماجستير في اقتصاديات التنمية من معهد الدوحة للدراسات العليا، وبكالوريوس إدارة الأعمال من الجامعة الأميركية. اشتغلت في مجال تحليل الأعمال والبيانات، وتركّز في بحوثها على قضايا الأمن الغذائي والتغيير المناخي في المنطقة العربية.

تخيّل مدينةً صغيرة داهمها الخوف. وساءت الأحوال، فقرّر كلّ بيتٍ فيها أن يشدّ الحزام: يُنفق أقلّ، ويدّخر أكثر، ويؤجّل ما يستطيع تأجيله. تصرُّفٌ حكيم، لو أقدم عليه بيت واحد. لكن أقدم عليه الجميع في الوقت نفسه؛ فحين ادخرت العائلات وعزفت عن شراء ثياب جديدة، ركدت السلع في الأسواق، وقلّلت الدكاكين مشترياتها من الملابس الجاهزة، فبارت تجارة مصانع الأقمشة، وأغلق بعضها وسرّح بعضها الآخر عمّاله. وأغلقت متاجر، وهبطت الأسعار، وتبخّرت وظائف. وبعد أشهرٍ من التوفير أو التقشف، استيقظ الجميع أفقرَ ممّا كانوا، بل اكتشفوا أنّ مدّخراتهم نفسها قد تلاشت؛ لأنّ الدخل الذي كانوا يدّخرون منه قد اختفى.

هذه ليست حكاية من وحي الخيال، بل تجسيد لواحدة من أعنف مفارقات الاقتصاد. وهي المفارقة التي يطرحها هذا المقال انطلاقًا من السؤال التالي: لماذا لم تخرج أمّة قطّ من كسادها بالاقتصار على شدّ الحزام؟

يحمل "التقشف" وجهين: الأوّل ثقافي وأسري؛ فالأسر التي أنهكتها سنوات من ارتفاع الأسعار أقبلت على التسوّق من المتاجر التي تبيع البضاعة المستعمَلة، وعلى الإصلاح بدلًا من الاستبدال، واستمدت شعورها بالأمان من تقليل الإنفاق. والثاني أقدم وأكثر شمولًا، ويتمثل في القناعة بأنّ الاقتصاد حين يصاب بأزمة، يكون المسلك المسؤول هو شدّ الحزام، أي خفض الموازنات، وتأجيل المشاريع، واكتناز الاحتياطيات، وانتظار عودة الثقة. ويربط بين الوجهين دافع إنساني عميق يتمثل في الاعتقاد في أنّ علاج الأوقات الصعبة يكون بإنفاق أقلّ.

يتناول المقال المعنى الثاني والسبب الذي يجعل هذه الغريزة، مهما بدت معقولة بالنسبة إلى أسرة واحدة، تتحول إلى فخّ حين يتصرّف اقتصاد بأكمله على هَديها في الوقت نفسه. والحجّة ليست جديدة؛ فهي من أقدم النتائج في الاقتصاد الكلّي، واختُبِرت مرارًا، في الكساد الكبير، واقتصادات قاعدة الذهب بين الحربين العالميتين، وفي أميركا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية، واليابان، ومنطقة اليورو بعد عام 2010، وكانت النتيجة متّسقة إلى حد لافت. فالأمم، في الغالب، لا تتجاوز الكساد بالتوفير، بل بالنموّ والاستثمار والإنفاق، وكثيرًا ما تحقق ذلك وهي مثقَلة بديون ضخمة.

والمسألة ليست نظرية. فالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران بدأت في 28 شباط/ فبراير 2026 بضربات جوية مكثفة أدّت إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وأفضت إلى إغلاق مضيق هرمز في مطلع آذار/ مارس، وتكبّدت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خسائر؛ فقد خفض البنك الدولي توقّعاته لنموّ المنطقة عام 2026 من 4.4 إلى 1.3 في المئة[1]، وحذّرت بعض التوقعات من خطر الركود. وهذه مناسبة أخرى تتلقّى فيها الحكومات، التي تواجه انهيار الإيرادات وتفاقم العجوزات، النصيحة المألوفة ذاتها "اقتصِدوا". ويوضح التاريخ والمنطق الاقتصاديان النتائج العكسية لتلك النصيحة في أوقات الركود.

الادّخار، بالنسبة إلى الفرد، قرار حكيم بما لا يكاد يرقى إليه الشك. فالمال المُدّخَر درع في وجه المصائب، وتأمين للمستقبل، ومصدر للاستقلال. وتظهر المشكلة حين يسأل الاقتصاديون: ماذا يحدث إذا حاول الجميع الادخار أكثر في الوقت نفسه؟ والجواب هو ما يُعرَف بـ "مفارقة التوفير" Paradox of Thrift؛ فقد يكون السلوك عقلانيًا على مستوى الفرد، غير أنه ربما يُلحِق أضرارًا بالجماعة عمومًا.

والآلية بسيطة إذا صغناها بعبارات واضحة: ففي أيّ اقتصاد، إنفاق شخصٍ ما هو دخل شخصٍ آخر. وحين يقلّص الفرد استهلاكه لبناء مدّخراته، فإنّه يقلّص في الوقت ذاته إيرادات صاحب المتجر، وشركة الطيران، والمقاول الذين كان سينفق عليهم لولا ذلك. فتنخفض دخولهم، وينفقون أقلّ، ويمتد أثر الانكماش إلى قطاعات أخرى، عبر ما يُعرَف في الاقتصاد بـ "المضاعف" The Multiplier. وإذا تقشّف عددٌ كافٍ من الناس دفعةً واحدة في أثناء الركود، انهار الطلب الكلّي، وخفّضت الشركات إنتاجها وعدد العاملين لديها، وتقلّص الدخل الوطني. وتتمثل المفارقة القاسية في أنّ إجمالي الادّخار قد لا يرتفع أصلًا؛ لأنّ القدرة على الادّخار تتوقّف على الدخل، والدخل قد يكون هبط. فينتهي المجتمع أفقر، من دون أن يكون قد زاد مدخراته.

وراء هذه المفارقة حقيقةٌ محاسبية وخلافٌ حول آلية التكيّف. وفي اقتصادٍ مغلق، لا بدّ من أن يتساوى إجمالي الادّخار مع إجمالي الاستثمار في المحصلة؛ فالموارد التي لم تُستهلَك هي، بحكم التعريف، الموارد المتاحة للاستثمار. وافترض التقليد الكلاسيكي أنّ سعر الفائدة هو ما يوازن بين الأمرين، فإذا حاولت الأُسَر الادّخار أكثر، هبط سعر الفائدة، وارتفع الاستثمار لامتصاص الادّخار الزائد، بما يقود الاقتصاد إلى حالة التشغيل الكامل Full Employment. أمّا الثورة التي صاغها جون ماينارد كينز في كتابه النظرية العامة للعمالة والفائدة والنقود[2]، فتتمثل في القول إنّ التكيّف يجري، بدلًا من ذلك، عبر الدخل. وإذا تجاوز الادّخار المرغوب الاستثمارَ المرغوب، فلا يتراجع سعر الفائدة، بل الناتج؛ إذ تهبط الدخول حتى يصبح المجتمع فقيرًا بما يكفي ليعود فيدّخر بالقدر الذي ترغب الشركات في استثماره. وأصرّ كينز على أنّ الاقتصاد قد يستقرّ عند مستوى أدنى بكثير من التشغيل الكامل، وهو احتمال كانت النظرية الكلاسيكية قد استبعدته.

وجسّد كينز هذا الفخّ ببلاغةٍ قبل بضع سنوات، من خلال مَثَلٍ عن "جمهورية موز" تجتاحها حملة للتوفير. فمع تقليص المواطنين إنفاقهم بهدف الادّخار، تتكدّس ثمار الموز من دون بيع، وتهبط الأسعار، وتخسر المزارع، ويُسرَّح العمّال. ويستمرّ ذلك، كما جادل، حتى يصبح المجتمع فقيرًا إلى حدٍّ يتساوى فيه ادّخاره المتقلّص أخيرًا مع الاستثمار، فيغدو الجميع في حالٍ أسوأ ممّا كانوا عليه؛ والتوفير، حين يُعمَّم في أوقات الركود، لا يُثري الاقتصاد بل يقلّصه.

لهذه الفكرة تاريخ لم يكن يحظى بالتقدير الذي يستحقه، وقد عمد كينز إلى ردّ الاعتبار إليه. فقد جادل برنارد ماندفيل، في كتابه أسطورة النحل[3]، بأنّ التقتير قد يُفقِر الأمّة، في حين يُبقيها الإنفاق السخيّ مزدهرة. وكان توماس مالتوس Thomas Malthus قد أعرب عن قلقه من "التُّخَم العامّة" للسلع غير المبيعة، بينما بنى الاقتصادي جون أتكينسون هوبسون John Atkinson Hobson نظريةً في نقص الاستهلاك ترى أنّ الإفراط في ادّخار الأثرياء يُضعف الطلب في الاقتصاد. وأثنى كينز عليهم جميعًا في الفصل الأخير من كتاب النظرية العامة، معامِلًا إيّاهم بوصفهم شهودًا مُهمَلين على حقيقةٍ طُمست بفعل الأرثوذكسية الاقتصادية. ثمّ شاع لاحقًا تعبير "مفارقة التوفير" على يد بول صامويلسون Paul Samuelsonفي كتابه المدرسي بعد الحرب، وبذلك سمّى المغالطة المنطقية الأعمّ "مغالطة التركيب" Fallacy of Composition؛ أي الخطأ في افتراض أنّ ما يصحّ على الجزء يصحّ بالضرورة على الكلّ. والصورة الكلاسيكية لذلك هي حشدٌ في ملعب؛ فمن يقف وحده يرى على نحوٍ أفضل، وإذا وقف الجميع فلن يرى أحدٌ منهم على نحو أفضل. والأسرة الواحدة التي تدّخر أكثر تزداد ثراءً، لكنّ الأمة بأكملها قد تزداد فقرًا إذا ادّخرت أكثر.

وشرح الاقتصادي البولندي ميشال كاليتسكي Michał Kalecki الحركة الدائريّة نفسها من جهة أرباح الشركات بعبارة شهيرة مفادها أنّ العمّال ينفقون ما يكسبون، أمّا الرأسماليون فيكسبون ما ينفقون[4]، وبذلك، فإن التقتير على مستوى الاقتصاد يبدّد الدخول والأرباح التي كان يُفترَض أن يأتي منها الادّخار.

وليس شيءٌ من هذا مجرد أثر مُتْحفي منفصل عن الواقع. فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين، عاد الاقتصاديون إلى القلق من أنّ فائض الادّخار المزمن قد يُبقي الطلب دون المستوى المطلوب، ودون طاقة الإنتاج، خلال سنواتٍ متّصلة. وقد صاغ ألفين هانسن مصطلح "الركود المزمن" عام 1939 لوصف اقتصادٍ يُنتِج فيه فائضُ الادّخار المقصود مقارنةً بفرص الاستثمار تراخيًا مستمرًا[5]. وأثار بن برنانكي الموضوع عام 2005 بتشخيصه "تخمة الادّخار العالمية" التي تكبح أسعار الفائدة في العالم[6]. وأعاد لورنس سامرز Lawrence Summers إحياء عبارة هانسن بعد الأزمة المالية العالمية لعام 2008، ليجادل بأنّ الاقتصادات المتقدّمة قد تواجه ميلًا دائمًا إلى تجاوز الادّخار المرغوب للاستثمار. فمفارقة التوفير، إذًا، ليست وصفًا لكيفية تعمّق الركود، بل سمة متكرّرة لتعطّل الاقتصادات الحديثة.

أوّلاً: السجلّ التاريخي: لِمَ تواجه الأمم الكساد بالتقشف؟

إذا كانت النظرية محلّ جدل، فإن التاريخ أقلّ إثارةً للجدل. فلننظر في الحالات التي حاولت فيها الأمم أن تَخرج من الانهيار عبر التقشف.

1. الكساد الكبير و"نزعة التصفية"

عندما انهار الاقتصاد الأميركي بعد عام 1929، تمثلت الغريزة السائدة في الأوساط الرسمية في ترك الأزمة تُنهي نفسها بنفسها. فالموقف المرتبط بوزير الخزانة أندرو ميلونAndrew Mellon ، كما يرويه الرئيس الأميركي الأسبق هربرت هوفر Herbert Hoover في مذكّراته (1952)، كان يرى ضرورة ترك الأجور والأسعار وقيم الأصول تهبط حتى تُنزَع "العفونة" من النظام، وهو مذهبٌ عُرِف لاحقًا بـ "نزعة التصفية"، وشرحه مارك بلايث بإسهاب في كتابه التقشف: تاريخ فكرة خطيرة[7]. ولم تكن النتيجة مختلفة عن النتيجة التاريخية للتقتير، بل تمثلت في أعمق انكماش شهده التاريخ الحديث؛ إذ بلغت البطالة نحو رُبع القوة العاملة الأميركية، بينما دخلت الأسعار في نسق هبوطي حادّ. وشخّص إرفينغ فيشر هذا الفخّ في بحثه بعنوان "نظرية انكماش الديون في الكساد الكبير"[8]. فعندما يحاول الجميع سداد ديونهم دفعةً واحدة، يبيعون الأصول ويقتطعون من الإنفاق، فتهبط الأسعار، ويرتفع العبء الحقيقي للدَّين المتبقّي؛ ما يؤدي إلى مزيد من البيع الاضطراري. ولاحظ فيشر أنّه كلّما اجتهد المدينون في خفض ديونهم ازدادت قيمتها الحقيقية؛ أي إنهم، كلّما سددوا جزءًا منها، ازدادت القيمة الحقيقية لما تبقّى عليهم من ديون. وهكذا، إذا مورِس التوفير جماعيًا في أثناء الركود، يمكنه أن يغذي نفسه بنفسه.

2. التقشف المفروض بقاعدة الذهب

أظهر باري آيكنغرين في كتابه القيود الذهبية أن قاعدة الذهب Gold Standard، في فترة ما بين الحربين، رسّخت فكرة التقشف عبر الحدود وبين الدول التي اعتمدتها. وللدفاع عن القيمة الذهبية لعملاتها، اضطُرّت الحكومات إلى رفع أسعار الفائدة وخفض الإنفاق في اللحظة التي كانت فيها اقتصاداتها تغرق، فتحولت قاعدة الذهب إلى آلة تقشّفٍ دائمةٍ مدمَجة في النظام النقدي.

وتتمثل خلاصة آيكنغرين في نتيجة لافتة تؤكد الاستنتاجات التي توصّل إليها اقتصاديون قبله، فالبلدان التي تخلّت عن الذهب في وقت أبكر تحرّرت من قيوده، وازدهرت اقتصاداتها وتعافت في وقت أسرع، بينما عانت الدول التي تشبّثت طويلًا بالأرثوذكسية النقدية. وقدّمت بريطانيا تحذيرًا مبكّرًا. فقرارها عام 1925 العودة إلى الذهب بسعر التعادل لما قبل الحرب، وهو القرار الذي هاجمه كينز في كرّاسه بعنوان "العواقب الاقتصادية للسيّد تشرشل"، ترك الجنيه الإسترليني مقوّمًا بأعلى من قيمته، وفرض سنواتٍ من الانكماش الطاحن وخفض الأجور، وأسهم في الإضراب العامّ عام 1926. وحين تعمّق الكساد، أوصت لجنةٌ حكومية بخفضٍ شامل للإنفاق، وأدّى التقشف الناتج من ذلك إلى انقسام حكومة العمّال عام 1931. ولم تتحرّر بريطانيا من قيودها ولم تبدأ التعافي إلّا بعد أن تخلّت عن الذهب في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه.

ومن أبرز سمات الكساد الكبير أنّ توقيت تعافي الدول ارتبط، على نحو شبه آلي، بتوقيت خروجها من معيار الذهب. فقد أعفى التخلّي عن الذهب الحكومات من واجب الدفاع عن عملاتها عبر رفع أسعار الفائدة وفرض الانكماش، وأتاح لها خفض قيمة العملة، وتوسيع المعروض النقدي، وإعادة التضخم. وكانت الاقتصادات التي انهارت مبكرًا - بريطانيا والدول الإسكندنافية في أيلول/ سبتمبر 1931، واليابان في وقت لاحق من العام نفسه في عهد وزير المالية تاكاهاشي كوريكيو Takahashi Korekiyo، والولايات المتحدة الأميركية عام 1933 - أول من بدأ التعافي. أما "كتلة الذهب"، التي تمسكت بالذهب أطول فترة، بقيادة فرنسا وانضمت إليها هولندا وبلجيكا وسويسرا حتى الفترة 1935-1936، فقد عانت أعمق فترات الركود وأطولها؛ إذ استمرت في الانكماش بينما كانت اقتصادات أخرى تتعافى. وقد أثبت آيكنغرين وجيفري ساكس هذا النمط إحصائيًا[9].

3. ألمانيا في عهد برونينغ

انفجرت أفشل تجربة للتقشف بين الحربين في ألمانيا. ففي الفترة 1930-1932، عمد المستشار هاينريش برونينغ، الذي كان يحكم بمراسيم الطوارئ، إلى خفض الأجور والرواتب وإعانات البطالة، ورفع الضرائب في حملة انكماشٍ لا هوادة فيها، دفاعًا عن عُملة الرايخ مارك Reichsmark المدعومة بالذهب. وارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى ستة ملايين. ويجادل كثيرٌ من المؤرّخين والاقتصاديين، وفي مقدمتهم بلايث، بأنّ سياسة الانكماش التي فُرضت بمرسوم، وما نتج منها من بطالة جماعية ويأس، أسهمت كثيرًا في تمهيد الطريق لاستيلاء النازيين على السلطة في كانون الثاني/ يناير 1933[10]. وهي أوضح تجسيدٍ لقدرة التقشف على تدمير الناتج، بل النظام السياسي نفسه.

4. ركود روزفلت 1937–1938

مثّلت هذه الفترة تجربة طبيعية أوضح في خِضمّ التعافي الأميركي نفسه. فبحلول عام 1936، كان الناتج والتوظيف قد شهدا تحسنًا ملحوظًا. واقتناعًا بأنّ الوقت قد حان لموازنة الميزانية، خفضت إدارة فرانكلين روزفلت الإنفاق، بينما شدّد الاحتياطي الفدرالي سياسته النقدية. فهوى الاقتصاد سريعًا إلى ركودٍ حادّ، وتراجع الإنتاج الصناعي والتوظيف بشدة، إلى أن عُكِست تلك السياسات. وفسّر غاوتي إيغرتسون هذه الواقعة بوصفها مثالًا على حجم الضرر الذي يمكن أن تُلحقه الأفكار الأرثوذكسية بالاقتصاد، ويمكنها أن تقلب مسارًا كاملًا من الازدهار والتعافي[11].

5. المفارقة بعد الحرب

تقدّم العقود التي تلت الحرب صورة معكوسة. فقد رفعت الولايات المتحدة الدَّين الفدرالي من نحو 42 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 1941 إلى ما يقارب 106 في المئة بحلول عام 1946، بينما خرجت المملكة المتحدة من الحرب بدَيْنٍ يقارب 250 في المئة[12]، وهي مستويات تفوق بكثير ما يُقلق دعاة خفض العجز اليوم. وانخفضت النسبتان بحدّة، طيلة ربع القرن التالي، فوصلت النسبة الأميركية إلى أدنى مستوياتها، ما يقارب 23 في المئة، بحلول عام 1974، ولم تحقق أيّ من الدولتين ذلك بفرض سياسات تقشفية على اقتصادها المتعثّر[13]. لكن التفسير الشائع، القائل إنهما ببساطة "تجاوزتا الأزمة"، يُخفي حقيقة النموّ ويُغفل آليةً أكثر دلالة، تستحق التوضيح لأنها تجسّد حقيقة اختفاء عبء الدَّين.

لنبدأ بالحسابات. تحمل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الدَّين في بسطها، وحجم الاقتصاد، أي الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، في مقامها؛ لذلك يمكن أن تنخفض النسبة حتى إذا لم ينخفض الدَّين، شريطة أن يتجاوز نموّ الاقتصاد الفائدة المتراكمة عليه. والعامل الحاسم، كما أكّد أوليفييه بلانشارد في خطابه الرئاسي عام 2019 أمام الجمعية الاقتصادية الأميركية، هو ما إذا كان سعر الفائدة الذي تدفعه الحكومة (r) أقل من معدل نموّ الاقتصاد (g)[14]. عندما يكون (r) أقل من (g)، كما كان الحال خلال معظم العقود التي تلت الحرب، ينمو المقام بوتيرة أسرع من البسط، فتنخفض نسبة الدَّين تدريجيًا من دون سداد الدَّين نفسه. وهذه هي الفكرة الأساسية لمقولة بول كروغمان Paul Krugman الساخرة التي تفيد أنّ ديون الولايات المتحدة في زمن الحرب لم تُسدَّد كلها، بل أصبحت أقل أهمية مع نموّ الاقتصاد المحيط بها.

مع ذلك، لم يكن للنموّ وحده الدور الأكبر الذي تفترضه الرواية الشائعة، وحرصت الدراسات الحديثة على تأكيد ذلك. فقد وجد جورج هول وتوماس سارجنت، في تحليلهما للتراجع الأميركي، أن الحكومة لو اكتفت بموازنة ميزانيتها الأساسية في سياق أسعار فائدة طبيعية، لانخفضت نسبة الدَّين إلى نحو 74 في المئة فقط بحلول عام 1974؛ أي أقل بكثير من نسبة 23 في المئة التي بلغتها فعليًا[15]. وأسهمت قوّتان أخريان في تضييق الفجوة؛ تمثّلت الأولى في ضبط الإنفاق الحقيقي؛ إذ حققت واشنطن فوائض أولية خلال معظم تلك الفترة، وفرضت ضرائب أعلى من الإنفاق الجاري[16]. أما الثانية، والأكبر، فهي ما تسمّيه كارمن راينهارت Carmen Reinhart وبيلين سبرانسيا Belin Spranzi "القمع المالي". ففي نظام بريتون وودز، أدّت ضوابط رأس المال وقيود أسعار الفائدة إلى إنشاء سوق محصورة لسندات الحكومة؛ ما أفضى إلى انخفاض العوائد الاسمية في الوقت الذي ارتفع فيه التضخّم. وبذلك حقق حاملو السندات عوائد حقيقية سلبية، وتآكلت القيمة الحقيقية للدَّين عامًا بعد آخر. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على حد سواء، يقدّر الباحثان أن هذه الآلية أسهمت في خفض الدَّين بما يعادل 3 إلى 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، مع أسعار فائدة حقيقية سلبية لنحو نصف السنوات في الفترة 1945-1980[17].

يبرز من خلال ذلك درسان يميلان إلى اتجاهين مختلفين؛ أحدهما درس تحذيري، فلا يمكن أن تفترض حكومة حديثة أنها ستتخلص من ديونها الثقيلة بالنموّ فحسب، ثم إن آلية القمع المالي التي أنجزت معظم العمل الخفيّ في الخمسينيات والستينيات، من مشترين مُلزمين، وأسعار فائدة محددة، وضوابط على حركة رأس المال، ليس من السهل إعادة بنائها، وهي ليست مرغوبة بوضوح في عصر الأسواق المفتوحة[18].

والدرس الآخر الأهم في هذا النقاش لم يُذكَر بعد؛ إذ إن الدول الكبرى في فترة ما بعد الحرب تخلصت من ديون هائلة من دون أن تُجبر اقتصادًا ضعيفًا على المرور بتقشف مالي مدمّر. وبنت هذه الاقتصادات فوائضها الأولية خلال فترة ازدهار طويلة، حين كان الاقتصاد القويّ قادرًا على استيعابها؛ أي إنّ التوقيت كان معاكسًا للدورة الاقتصادية. وباختصار، ظلّت الديون المرتفعة قائمة خلال جيل كامل، بالتزامن مع نموّ قويّ وتوظيف كلّي فترة طويلة. وقُلِّص حجمها تدريجيًا، بدلًا من تصفيتها في سياقٍ من الذعر والتقشّف، من دون أن يكون ذلك على حساب تعميق التراجع الاقتصادي.

6. العقد الضائع في أميركا اللاتينية وزلّة اليابان

تكرّر النمط في العالم النامي. فبعد أزمة الديون عام 1982، أُخضِع جزءٌ كبير من أميركا اللاتينية لتقشّفٍ مالي وتخفيضٍ للعملة ضمن الشروط المصاحبة لقروض الإنقاذ الدولية، وكانت النتيجة "العقد الضائع" من ركود الناتج، وهبوط الأجور الحقيقية، وتصاعد الفقر في أنحاء المنطقة.

وضربت اليابان زلّةٌ مختلفة، وإن كانت ذات صلة، عام 1997، حين رفعت حكومةٌ حريصة على إصلاح ماليّتها العامة ضريبةَ الاستهلاك الوطنية في خِضمّ تعافٍ هشٍّ؛ ما أدّى إلى انفجار فقاعة أصولها. فمالَ الاقتصاد مرة أخرى نحو الركود، وتعمّق الانكماش، وكثيرًا ما يُستشهَد بهذه الواقعة بوصفها درسًا تحذيريًا بشأن تكلفة التشديد المالي قبل الأوان.

7. تجربة منطقة اليورو بعد عام 2010

كان الاختبار الأحدث والأكثر فائدة عندما استجابت معظم دول أوروبا لأزمة الديون السيادية بإجراءات شاملة لضبط المالية العامة. إلا أن الأساس الفكري لتلك السياسة لم يصمد أمام اختبار الزمن. فقد ذكرت ورقة كارمن راينهارت وكينيث روغوف المؤثّرة بعنوان "النمو في زمن الديون"[19] أن متوسط النمو يتحول إلى سالب طفيف، بنحو -0.1 في المئة، ما إن يتجاوز الدَّين العام 90 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم استُشهد به مرارًا لتبرير التخفيضات من جانب صنّاع السياسات، من واشنطن إلى بروكسل. وفي عام 2013، حصل توماس هيرندون ومايكل آش وروبرت بولين على جدول بيانات المؤلفين، ووجدوا ثلاث مشكلات تتمثل في خطأ برمجي أدى، من غير قصد، إلى استبعاد عدة دول من متوسط رئيس، واستبعاد انتقائي للبيانات، وطريقة ترجيح غير تقليدية[20]. وبعد تصحيح تلك الأخطاء، لم يكن متوسط النمو فوق عتبة 90 في المئة يساوي - 0.1 في المئة بل +2.2 في المئة تقريبًا. وبكل إنصاف، لا تزال البيانات المصحَّحة تُظهر ارتباطًا سلبيًا طفيفًا بين شدة ارتفاع الدَّين والنموّ، ولم تدّعِ الورقة الأصلية قطّ أنّ الديون تسبّب تباطؤ النمو. لكنّ نقطة التحول الحادّة والعالمية التي استُخدِمت لتسويق التقشّف لم تكن موجودة ببساطة.

وكانت نتائج سياسة التقشّف أسوأ مما وعد به مؤيّدوها؛ فقد ناقضت التجربة فرضية "التقشّف التوسّعي" التي طرحها ألبرتو أليسينا وسيلفيا أردانيا[21]، اللذان جادلا بأن تخفيضات الإنفاق المعقولة يمكن أن ترفع الناتج من خلال استعادة ثقة القطاع الخاص.

وشهدت اليونان، وهي الحالة الواقعية، انكماش اقتصادها بنحو الربع، وارتفاع معدل البطالة إلى أكثر من 27 في المئة، بينما ارتفعت نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي بدلًا من أن تنخفض؛ لأن المقام، أي الدخل القومي، كان يتقلص بوتيرة أسرع من البسط، أي الدَّين. وجاء الاعتراف من داخل المؤسسة نفسها، ففي دراسة بعنوان "أخطاء توقعات النمو والمضاعفات المالية"، أوضح أوليفييه بلانشارد ودانيال لي استنادًا إلى بيانات صندوق النقد الدولي أن المتنبئين قللوا من تقدير المضاعف المالي خلال الأزمة، أي إنّ سياسة التقشف ألحقت ضررًا بالناتج أكبر بكثير مما افترضته النماذج[22]. وأكّد الباحثان هذه الفكرة نظريًا، موضحَين أنه في سياق اقتصاد يعاني ركودًا عميقًا، مع أسعار فائدة قريبة من الصفر، قد يكون الانكماش المالي مُضرًّا حتى وفق معاييره الخاصة؛ إذ إنه قد يؤدي، من خلال تقليص الإنتاج وترك آثار سلبية طويلة الأمد، إلى رفع نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي التي كان من المفترض أن يخفضها. وما أطلق عليه كروغمان، ساخرًا، اسم "جنّية الثقة" The Confidence Fairy؛ أي الارتفاع المأمول في ثقة القطاع الخاص الذي كان يفترض أن يعوّض حجم التقليص، لم يظهر كما كان متوقّعًا.

ثانيًا: لماذا يضرّ التوفير بالاقتصاد في أوقات الركود؟

يتمثل الدرس المستخلص من هذه الأحداث التاريخية في أنه يجب التمييز دائمًا بين الجزئي والكلّي. فعلى مستوى الفرد، سواء كان أسرة أو شركة أو حتى دائرة حكومية واحدة، يُعدّ الادخار قرارًا حكيمًا وضروريًا في كثير من الأحيان. أما على مستوى الاقتصاد؛ ففي حالة الركود، يؤدي الادخار العام إلى تقليص الطلب الذي يُبقي الناس في وظائفهم، ويُبقي أبواب الدكاكين والمصانع مفتوحة. وتُحوّل أربع آليات هذا التقليص في الطلب إلى ضرر دائم؛ تتمثل الآلية الأولى في مغالطة الأسرة. فالأسرة التي تنفق أكثر مما تكسب عليها أن تسدد ديونها من دخلها الثابت، وإلّا واجهت الإفلاس، ويميل المرء إلى افتراض أن الأمر نفسه ينطبق على الأمة. لكن الاقتصاد ليس أسرة. فتقشّف أسرة واحدة لا يخفض دخلها، بينما يخفضه تقشف أمة بأكملها؛ لأن إنفاق الأمة هو دخلها. والحكومة التي تُصدر عملتها الخاصة لا تواجه القيود نفسها التي تواجهها الأسر؛ إذ يمكنها إعادة تمويل ديونها إلى أجل غير مسمّى، ولا يمكن إجبارها على التخلف عن سداد الأموال التي تُصدرها. ولا يجيز ذلك الإنفاق غير المحدود، فالقيد الحقيقي هو التضخم والقدرة الإنتاجية للاقتصاد، وليس نفاد المال، لكنه يفنّد الادّعاء القائل إن الدولة يجب أن تعيش في حدود إمكاناتها من خلال خفض الإنفاق في أوقات الركود.

أما الآلية الثانية فتتمثل في المضاعف؛ فعندما تنفق الحكومة دولارًا واحدًا، لا يتبدد هذا الدولار بعد إنفاقه مرة واحدة، بل يصبح دخلًا لشخصٍ ما، مثل عامل بناء، أو ممرضة، أو مزود خدمات، ثم ينفق هذا الشخص معظمه، ليصبح دخلًا لشخصٍ آخر، ينفقه أيضًا، وهكذا. ويؤدي إنفاق دولار واحد من الحكومة في نهاية المطاف إلى توليد عدة دولارات من النشاط الاقتصادي الإجمالي في أثناء انتقاله من يد إلى أخرى. ويُطلَق على هذا التأثير المتتالي في الاقتصاد اسم "المضاعف".

لكنّ المشكلة تكمن في أن العملية تسير في الاتجاه المعاكس أيضًا. فعندما تخفض الحكومة دولارًا واحدًا من الإنفاق، فإنها لا تسحب ذلك الدولار فحسب، بل تسحب أيضًا دخل المقاول، فيقلّل من إنفاقه، ومن ثمّ، يقلّ ربح المتجر الذي يشتري منه، فيقلل هذا المتجر أيضًا من إنفاقه. وتتفاقم الخسارة تدريجيًا، ليصبح إجمالي الضرر الذي يلحق بالاقتصاد أكبر من قيمة الدولار الذي خفّضته الحكومة من إنفاقها.

ووجد بلانشارد ولي[23] أن هذه المضاعفات، خلال الأزمة، كانت أكبر بكثير مما افترضه صنّاع السياسات. وأظهرت دراسة دقيقة استغلت التباين الإقليمي في الولايات المتحدة أن مضاعف الإنفاق الحكومي يبلغ نحو 1.5 في حالة الركود[24]. وعندما يكون المضاعف أعلى بكثير من واحد، فإنّ خفض الإنفاق لسدّ العجز قد يؤدي إلى انكماش الاقتصاد إلى درجة لا يتحسن معها العجز إلّا قليلًا.

لنفترضْ أن الحكومة خفّضت الإنفاق لتقليص عجز ميزانيتها، وإذا كان المضاعف أكبر من واحد، فإن هذا الخفض سيؤدي إلى انكماش الاقتصاد، بما يخفض الإيرادات الضريبية (بسبب انخفاض عدد العاملين والأرباح الخاضعة للضريبة)، ويرفع الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية (بسبب زيادة البطالة). وتلتهم هذه الخسائر معظم "التوفير" الناتج من التقشّف، فلا يتحسّن العجز إلّا قليلًا. وبذلك تكون قد ألحقت ضررًا اقتصاديًا حقيقيًا، ولم تجْنِ سوى قدر ضئيل من الفائدة المرجوّة من خفض العجز الذي كنت تسعى إلى معالجته.

وتجدر الإشارة إلى أنّ المضاعف لا يكون دائمًا بهذا الحجم، فهو يبلغ ذروته عندما يكون الاقتصاد في حالة ركود، مع وجود عمال عاطلين عن العمل، وطاقة إنتاجية فائضة، وأسعار فائدة قريبة من الصفر، وهو الوضع السائد في حالات الركود. أما في سياق اقتصاد مزدهر، فيكون المضاعف أصغر. وهذا، بالعودة إلى عامل التوقيت، أحد أسباب كون التقشف أقلّ ضررًا في أوقات الرخاء منه في أوقات الشدة.

ويكمن العامل الثالث في التباطؤ الاقتصادي؛ أي ميل فترات الركود العميق والمطوّل إلى ترك آثار دائمة، فالعاطلون عن العمل فترات طويلة يفقدون مهاراتهم وصِلَتهم بسوق العمل، ويحوّل المستثمرون استثماراتهم إلى وجهات أخرى، ويتحمل الشباب الذين لا يجدون وظيفة أولى تبعات ذلك طيلة عقود. وهكذا، يتحول النقص في الطلب، الذي كان يُفترَض أن يكون مؤقتًا، إلى خسارة دائمة في القدرة الإنتاجية. وهذا تحديدًا هو السبب الذي يجعل التقشّف يُفضي إلى نتائج عكسية، وفقًا لتحليل برادفورد ديلونغ وسامرز[25]: فإذا أدى تفاقم الركود الاقتصادي إلى انخفاض دائم في الإنتاج المستقبلي، فإن تكلفة خفض الإنفاق على المدى الطويل قد تتجاوز التوفير على المدى القصير.

أما العامل الرابع فهو انكماش الديونDebt Deflation ؛ فالديون ثابتة من حيث قيمتها النقدية، بينما الأسعار والدخول متغيرة. فإذا كان المرء مدينًا بمئة دولار، يظل مدينًا بالمبلغ نفسه مهما حدث للاقتصاد. ولنفترض حدوث ركود اقتصادي وبدْء انخفاض الأسعار والأجور، سينخفض الدخل، وتبقى الديون ثابتة، وتثقل كاهل المدين أكثر من ذي قبل. وبالقيمة الحقيقية، ومن دون الحاجة إلى الاقتراض مجددًا، تزداد أعباء الديون.

بطبيعة الحال، سيلجأ الفرد إلى التقشّف، فينفق أقل، ويبيع ما أمكن بيعه، ويوجّه كل ما يملك لسداد القرض. ويبدو الأمر منطقيًا بالنسبة إليه. لكن هنا تكمن المعضلة؛ فإنفاق الفرد هو دخل شخص آخر. وعندما يقلّص فرد وملايين من الأفراد نفقاتهم ويتخلصون من أصولهم لتوفير السيولة، ينهار الطلب الكلّي، وتضطر الشركات إلى خفض أسعارها أكثر. ويزيد هذا الانخفاض في الأسعار أعباء الديون الثابتة على الجميع؛ ما يدفع الناس إلى تقليص نفقاتهم أكثر، ويؤدي إلى انخفاض الأسعار مجددًا. وهكذا تدور الأمور في حلقة مفرغة، لخّصها فيشر في مفارقة شهيرة مفادها أنه كلما زاد ما يدفعه المدينون، زادت ديونهم، وكلما ازداد سعي الاقتصاد إلى الخروج من دوامة الديون، ازداد غرق الجميع فيها.

في مقابل هذه العوامل الأربعة، أثبت العامل الذي يعوّل عليه المدافعون عن التقشف، وهو استعادة قدرٍ كافٍ من الثقة لتعويض الانكماش المباشر، ضعفه الشديد في كل مرة. وينطبق المنطق نفسه على الأجور، وليس على الميزانيات الحكومية فقط؛ ففي حالة الركود، إذا قبل كل عامل أجرًا أقل ليبدو أكثر قابلية للتوظيف، فلن تكون النتيجة توظيفًا كاملًا، بل انخفاضًا في الدخول وضعفًا في الطلب على نطاق واسع، وهذه هي "مفارقة العمل" Paradox of Toil التي تعكس مفارقة الادّخار.

لا يعني هذا أن الحكمة في التصرف والحذر حماقة، أو أن الدَّين العام غير مهم، بل يعني أن التوقيت هو كل شيء. فالقاعدة التي تأسست بعد قرن من الأدلة هي قاعدة معاكسة للدورة الاقتصادية، وهي تقول إن الادخار والتوفير في سنوات الازدهار، عندما يكون الاقتصاد القويّ قادرًا على استيعاب التقشّف، والإنفاق في سنوات الركود، عندما ينهار الطلب الخاص وتصبح الدولة الجهة الوحيدة القادرة على سدّ الفجوة. فالادخار في أوقات الازدهار استشراف للمستقبل واستعداد له، أما الادّخار في أوقات الركود فخطأ باهظ الثمن.

ثالثًا: كيف يردّ الموالون للتقشّف؟

يجادل المدافعون عن الادخار بأنّ هذا الطرح مبالَغ فيه، وأنّ التقشّف حكمة ذات أصول راسخة. ويستند رأيهم إلى أن الدَّين ليس مجانيًا لأن إعادة جدولته ممكنة؛ فارتفاع الدَّين العام يجعل الدولة رهينة لثقة دائنيها. ووجدت دراسة راينهارت وروغوف، التي شملت ستًّا وستّين دولة على مدى ثمانية قرون، أن فترات ارتفاع الديون تنتهي، على نحو متكرر ومثير للقلق، بالتخلف عن السداد أو الأزمات المصرفية أو التضخم، وأنّ محاولة الطمأنة بتكرار عبارة "هذه المرة ستكون مختلفة"، تكون عادةً الكلمات الأخيرة قبل الانهيار[26].

أضف إلى ذلك أنّ الحسابات التي يعتمد عليها معارضو التقشّف ليست مضمونة أيضًا؛ فما إن يتجاوز سعر الفائدة على الدَّين معدل النمو حتى تصبح الأمور أشد صعوبة، وتحذّر الدراسات الحديثة من أنه لا ينبغي لأيّ دولة أن تعتمد على النمو وحده لتخرج من عبء ديونها الثقيلة[27].

ويُظهر أليسينا Alesina وفافيرو Favero وجيافازي Giavazzi ، في دراسة حديثة[28] أن التقشّف القائم على خفض الإنفاق، بدلًا من رفع الضرائب، يميل إلى أن يكون أقل تكلفة بكثير، وأحيانًا لا يكون انكماشيًا على الإطلاق، خاصة عندما يكون مدروسًا جيدًا، وحين تستطيع السياسة النقدية أن تتحرك في الاتجاه المعاكس. ومع تشديد السياسة المالية (خفض الإنفاق الحكومي والطلب)، يمكن البنك المركزي تخفيف السياسة النقدية، عبر خفض أسعار الفائدة لإعادة الطلب إلى مستوياته السابقة.

وتكمن أهمية ذلك بالنسبة إلى سياسات التقشف في أن الحكومة، عندما تخفض الإنفاق، تسحب الطلب من الاقتصاد، بما يؤدي عادةً إلى انكماش الناتج (يعمل المضاعف هنا في الاتجاه المعاكس). ولكن إذا استجاب البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة، فإن الاقتراض الأرخص يشجّع الأسر على شراء المنازل والسيارات، ويحفّز الشركات على الاستثمار. أضف إلى ذلك أن انخفاض سعر الفائدة يؤدي عادة إلى إضعاف العملة، بما يعزز الصادرات. وتعمل هذه القنوات على إعادة ضخّ الطلب، معوِّضةً بذلك جزءًا كبيرًا ممّا سحبته الميزانية. لذلك، ليس من الضروري أن ينكمش الاقتصاد حتى مع تشديد الحكومة سياستها المالية. وتتمثل الآلية التي يقوم عليها التقشّف التوسّعي في أنّ خفض الإنفاق لا يحفز الاقتصاد تلقائيًا، بل يتولى البنك المركزي، من خلال تبنّي سياسة نقدية توسّعية، سدّ الفجوة التي تُحْدِثها هذه التخفيضات. وبذلك، يعمل التشديد المالي والتيسير النقدي في اتجاهين متعاكسين، فيعوّض أحدهما بعضَ أثر الآخر.

خاتمة

بدءًا بسياسة التصفية التي انتهجها ميلون وقيود معيار الذهب، مرورًا بألمانيا في عهد برونينغ وركود روزفلت، وصولًا إلى العقد الضائع في أميركا اللاتينية، وخطأ اليابان، وأزمة العقد الضائع في منطقة اليورو، يُظهر السجلّ التاريخي قدرًا لافتًا من الاتساق؛ فالاقتصادات تنجو من الكساد من خلال رفع الطلب والاستثمار والإصلاحات الهيكلية، لا من خلال التقشف، وغالبًا ما تفعل ذلك وهي مثقَلة بالديون.

ينطبق هذا الدرس على أيّ حكومة تواجه الآن صدمة في الطلب وتميل إلى تقليص الإنفاق، بما في ذلك حكومات الدول النفطية التي تتعامل مع تداعيات حرب عام 2026؛ إذ تتيح لها مدخراتها المتراكمة على مدى عقود مواصلة الإنفاق بصورة معاكسة للدورة الاقتصادية، بدلًا من الانزلاق إلى الركود. والدرس قديم، ومفاده أن الاقتصاد المتضرر لا يتعافى حين يقرر الجميع، دفعة واحدة، خفض الإنفاق. وللادخار وقته المناسب، والركود ليس ذلك الوقت.


[1] Emilie Rutledge, “How Severe Has the Economic Impact of the Iran War Been for the Gulf States?” The Conversation, 14/5/2026, accessed on 23/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2ssZ

[2] John Maynard Keynes, The General Theory of Employment, Interest and Money (London: Macmillan, 1936), accessed on 20/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2sJA

[3] Bernard Mandeville, The Fable of the Bees: or, Private Vices, Publick Benefits, vol. 1, F. B. Kaye (ed.) (Indianapolis: Liberty Fund, 1988).

[4] “Some Intuition on the Profit Equation, Courtesy of Kalecki,” Heteconomist (Blog), accessed on 20/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2t0b

[5] Alvin H. Hansen, “Economic Progress and Declining Population Growth,” American Economic Review, vol. 29, no. 1 (March 1939), pp. 1-15.

[6] Ben S. Bernanke, “The Global Saving Glut and the U.S. Current Account Deficit,” The Federal Reserve Board, Remarks at The Sandridge Lecture, Virginia Association of Economists, Richmond, VA, 10/3/2005, accessed on 20/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2scI

[7] Mark Blyth, Austerity: The History of a Dangerous Idea (Oxford: Oxford University Press, 2013).

[8] Irving Fisher, “The Debt-Deflation Theory of Great Depressions,” Econometrica, vol. 1, no. 4 (1933), pp. 337-357.

[9] Barry Eichengreen & Jeffrey Sachs, “Exchange Rates and Economic Recovery in the 1930s,” Journal of Economic History, vol. 45, no. 4 (1985), pp. 925-946.

[10] Blyth.

[11] Gauti B. Eggertsson, “Great Expectations and the End of the Depression,” American Economic Review, vol. 98, no. 4 (2008), pp. 1476-1516.

[12] Office for Budget Responsibility, “Post–World War II Debt Reduction,” accessed on 20/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2stj

[13] Julien Acalin & Laurence M. Ball, “Did the U.S. Really Grow Out of Its World War II Debt?” IMF Working Paper WP/24/5, International Monetary Fund (2024), accessed on 20/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2sJU

[14] Olivier Blanchard, “Public Debt and Low Interest Rates,” American Economic Review, vol. 109, no. 4 (April 2019), pp. 1197-1229.

[15] George J. Hall & Thomas J. Sargent, “Interest Rate Risk and Other Determinants of Post-WWII US Government Debt/ GDP Dynamics,” NBER Working Paper 15702, National Bureau of Economic Research (2010), accessed on 20/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2t0v

[16] Acalin & Ball.

[17] Carmen M. Reinhart & M. Belen Sbrancia, “The Liquidation of Government Debt,” NBER Working Paper 16893, National Bureau of Economic Research (2011), accessed on 20/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2t0P

[18] Acalin & Ball.

[19] Carmen M. Reinhart & Kenneth S. Rogoff, “Growth in a Time of Debt,” American Economic Review, vol. 100, no. 2 (2010), pp. 573-578.

[20] Thomas Herndon, Michael Ash & Robert Pollin, “Does High Public Debt Consistently Stifle Economic Growth? A Critique of Reinhart and Rogoff,” Cambridge Journal of Economics, vol. 38, no. 2 (2014), pp. 257-279.

[21] Alberto Alesina & Silvia Ardagna, “Large Changes in Fiscal Policy: Taxes Versus Spending,” NBER Working Paper 15438, National Bureau of Economic Research (2009), accessed on 20/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2sd2

[22] Olivier Blanchard & Daniel Leigh, “Growth Forecast Errors and Fiscal Multipliers,” IMF Working Paper WP/13/1, International Monetary Fund (2013), accessed on 20/8/2026, at: https://acr.ps/hBy2stD

[23] Ibid.

[24] Emi Nakamura & Jón Steinsson, “Fiscal Stimulus in a Monetary Union: Evidence from US Regions,” American Economic Review, vol. 104, no. 3 (2014), pp. 753-792.

[25] J. Bradford DeLong & Lawrence H. Summers, “Fiscal Policy in a Depressed Economy,” Brookings Papers on Economic Activity, no. 1 (Spring 2012), pp. 233-297.

[26] Carmen M. Reinhart & Kenneth S. Rogoff, This Time Is Different: Eight Centuries of Financial Folly (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2009).

[27] Acalin & Ball; Blanchard.

[28] Alberto Alesina, Carlo Favero & Francesco Giavazzi, "Effects of Austerity: Expenditure- and Tax-Based Approaches," Journal of Economic Perspectives 33, no. 2 (2019): 147.

المراجع​

Acalin, Julien & Laurence M. Ball. “Did the U.S. Really Grow Out of Its World War II Debt?” IMF Working Paper WP/24/5. International Monetary Fund (2024). at: https://acr.ps/hBy2sJU

Alesina, Alberto & Silvia Ardagna. “Large Changes in Fiscal Policy: Taxes Versus Spending.” NBER Working Paper 15438. National Bureau of Economic Research (2009). at: https://acr.ps/hBy2sd2

Bernanke, Ben S. “The Global Saving Glut and the U.S. Current Account Deficit.” The Federal Reserve Board. Remarks at The Sandridge Lecture, Virginia Association of Economists, Richmond, VA, 10/3/2005. at: https://acr.ps/hBy2scI

Blanchard, Olivier & Daniel Leigh. “Growth Forecast Errors and Fiscal Multipliers.” IMF Working Paper WP/13/1. International Monetary Fund (2013). at: https://acr.ps/hBy2stD

Blanchard, Olivier. “Public Debt and Low Interest Rates.” American Economic Review. vol. 109, no. 4 (2019).

Blyth, Mark. Austerity: The History of a Dangerous Idea. Oxford: Oxford University Press, 2013.

DeLong, J. Bradford & Lawrence H. Summers. “Fiscal Policy in a Depressed Economy.” Brookings Papers on Economic Activity. no. 1 (2012).

Eggertsson, Gauti B. “Great Expectations and the End of the Depression.” American Economic Review. vol. 98, no. 4 (2008).

Eichengreen, Barry & Jeffrey Sachs. “Exchange Rates and Economic Recovery in the 1930s.” Journal of Economic History. vol. 45, no. 4 (1985).

Fisher, Irving. “The Debt-Deflation Theory of Great Depressions.” Econometrica. vol. 1, no. 4 (1933).​

Hall, George J. & Thomas J. Sargent. “Interest Rate Risk and Other Determinants of Post-WWII US Government Debt/ GDP Dynamics.” NBER Working Paper 15702. National Bureau of Economic Research (2010). at: https://acr.ps/hBy2t0v

Hansen, Alvin H. “Economic Progress and Declining Population Growth.” American Economic Review. vol. 29, no. 1 (1939).

Herndon, Thomas, Michael Ash & Robert Pollin. “Does High Public Debt Consistently Stifle Economic Growth? A Critique of Reinhart and Rogoff.” Cambridge Journal of Economics. vol. 38, no. 2 (2014).

Keynes, John Maynard. The General Theory of Employment, Interest and Money. London: Macmillan, 1936. at: https://acr.ps/hBy2sJA

Mandeville, Bernard. The Fable of the Bees: or, Private Vices, Publick Benefits. vol. 1. F. B. Kaye (ed.). Indianapolis: Liberty Fund, 1988.

Nakamura, Emi & Jón Steinsson. “Fiscal Stimulus in a Monetary Union: Evidence from US Regions.” American Economic Review. vol. 104, no. 3 (2014).

Office for Budget Responsibility. “Post–World War II Debt Reduction.” at: https://acr.ps/hBy2stj

Reinhart, Carmen M. & Kenneth S. Rogoff. This Time Is Different: Eight Centuries of Financial Folly. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2009.

_________. “Growth in a Time of Debt.” American Economic Review. vol. 100, no. 2 (2010).

Reinhart, Carmen M. & M. Belen Sbrancia. “The Liquidation of Government Debt.” NBER Working Paper 16893. National Bureau of Economic Research (2011). at: https://acr.ps/hBy2t0P